نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ} (203)

ولما كان قد أمرهم بذكره عند قضاء الأركان {[8921]}وكان{[8922]} ربما فهم اقتصارهم عليه في الوقت الذي كانوا يذكرون فيه آباءهم قال معمّماً وليكون الحث عليه آكد لتكرير الندب إليه بصيغة الأمر فيكون أضخم لشأنه : { واذكروا }{[8923]} بالرمي ، أمر بالرمي وعبر عنه بالذكر ليشمل كل ذكر لسانياً كان أو غيره { الله } أي لما يستحقه في ذاته من الكمال{[8924]} { في أيام } {[8925]}ولما كانت لا تحتاج{[8926]} إلى غير{[8927]} العد لكونها قليلة وبعد الأيام التي يحتاط في أمرها بالرأي{[8928]} وغيره حتى تكون معلومات {[8929]}قال جامعاً صفة ما لا يعقل بما اطرد فيها من الألف والتاء إذا كان موصوفها جمع قلة : { معدودات } وهي أيام إقامتكم بمنى في ضيافته سبحانه لفعل بقية{[8930]} ما عليكم من تتمات العبادات الحجية{[8931]} أولها يوم القر{[8932]} ، وهو الحادي عشر {[8933]}ليستقر الناس فيه{[8934]} بمنى ، ثانيها يوم النفر الأول ، ثالثها يوم النفر الأعظم ، والثلاثة تسمى أيام التشريق ، وهى{[8935]} مع يوم العيد تسمى{[8936]} أيام النحر . والأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير والذكر ، ولما فهم من هذا أنه لا بد من الإقامة بها{[8937]} - في مدة الثلاثة الأيام نفى ذلك ميسراً لأنّ الحج يجمع القوي والضعيف والخادم والمخدوم ، والضعيف في هذا الدين{[8938]} أمير على القوي فقال{[8939]} مشيراً إلى أن الإنسان في ذلك الجمع الأعظم{[8940]} له نازعان نازع ينزع إلى{[8941]} الإقامة في تلك الأماكن المرضية والجماعات المغفورة ونازع ينزعه إلى أهله وأوطانه وعشائره وإخوانه : { فمن تعجل }{[8942]} منكم النفر{[8943]} للرجوع{[8944]} إلى أوطانه { في يومين{[8945]} } منها { فلآ إثم عليه } والعجلة فعل الشيء قبل وقته {[8946]}الأليق به ، وقيد باليومين إعلاماً بأن من أدركه غروب اليوم الثاني بمنى وهو مقيم لزمه مبيت الليلة الثالثة ورمى{[8947]} اليوم الثالث ، فإن نفر قبل غروبه سقط عنه المبيت{[8948]} والرمي ، قال في شرح المهذب : بلا خلاف ، وكذا إن أدركه الغروب وهو راحل قبل أن ينفصل منها ، ولم يقيد التأخر لأن نهايته باليوم الثالث معروفة من أن الأيام ثلاثة .

ولما كان ذلك ربما أفهم أن المتأخر يلحقه إثم كما كان أهل الجاهلية يقولون وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم قوماً {[8949]}يسابقون إلى المعالي{[8950]} وكان سبحانه وتعالى يريد الرفق بأهل هذا الدين ستر{[8951]} التصريح بالترغيب في التأخر فعبر{[8952]} عنه{[8953]} أيضاً بنفي الإثم كالأول بعد أن أشار إلى الترغيب فيه بالتعبير عن النفر{[8954]} الأول بالتعجل{[8955]} فقال : { ومن تأخر } أي فأقام في منى إلى تمام الثلاثة {[8956]}فرمى اليوم الثالث{[8957]} { فلآ إثم عليه } والتأخر إبعاد الفعل {[8958]}من الآن الكائن{[8959]} . قال الشيخ محيي الدين في شرح المهذب : قال الشافعي {[8960]}رضي الله تعالى عنه{[8961]} والأصحاب : يجوز{[8962]} النفر في اليوم الثاني من التشريق ويجوز في الثالث ، وهذا مجمع عليه لقوله تعالى : { فمن تعجل } - الآية ، قالوا : والتأخر إلى اليوم الثالث أفضل{[8963]} للأحاديث الصحيحة

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر في اليوم الثالث " .

ولما كان مدار الأعمال البدنيات على النيات قيد ذلك بقوله : { لمن } أي هذا النفي للإثم عن القسمين لمن{[8964]} { اتقى } من أهلهما{[8965]} فأدار أفعاله على ما يرضي الله . ولما كان التقدير : فافعلوا ما شئتم من التعجل والتأخر عطف عليه ما علم أنه روحه فقال : { واتقوا الله } {[8966]}أي الذي له الإحاطة الشاملة{[8967]} . ولما كان الحج{[8968]} حشراً في الدنيا والانصراف منه{[8969]} يشبه انصراف أهل الموقف بعد الحشر عن الدنيا فريقاً إلى الجنّة وفريقاً إلى السعير ذكرهم بذلك بقوله : { واعلموا أنَّكم }{[8970]} جميعاً { إليه } لا إلى غيره { تحشرون * } بعد البعث ، والحشر الجمع بكره{[8971]} ، وهو واقع على أول خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف{[8972]} ، فاعلموا{[8973]} لما يكون سبباً في انصرافكم منه{[8974]} إلى دار كرامته لا إلى دار إهانته . قال الحرالي : وكلية الحج ومناسكه مطابق في الاعتبار لأمر يوم الحشر{[8975]} ومواقفه{[8976]} من خروج الحاج من وطنه متزوداً كخروج{[8977]} الميت من الدنيا متزوداً بزاد العمل ، ووصوله إلى الميقات وإهلاله متجرداً{[8978]} كانبعاثه من القبر متعرياً{[8979]} ، وتلبيته في حجه كتلبيته{[8980]} في حشره{ مهطعين إلى الداع{[8981]} }[ القمر : 80 ] كذلك اعتباره موطناً إلى غاية الإفاضة والحلول بحرم{[8982]} الله في الآخرة التي هي الجنة ، والشرب من ماء زمزم التي هي آية نزل الله لأهل الجنة على وجوه من {[8983]}الاعتبارات يطالعها{[8984]} أهل الفهم واليقين ، فلأجل ذلك كان أتم ختم لأحكام{[8985]} الحج ذكر الحشر - انتهى . وهنا{[8986]} تم ما أراد سبحانه وتعالى من بيان{[8987]} قواعد الإسلام الخمس : الإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج ، المشار إلى الثلاث الأول منها بقوله تعالى أول السورة :{ يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون }[ البقرة : 3 ] وذكر الحج لمزيد الاعتناء به لاحقاً للصوم بعد ذكره سابقاً عليه ، ولعل ذلك هو السبب في تقديم الصوم على الحج تارة وتأخيره أخرى في روايات حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيح " بني الإسلام على خمس " .


[8921]:في الأصل: كان، والتصحيح من م ومد وظ.
[8922]:في الأصل: كان، والتصحيح من م ومد وظ.
[8923]:زيد في ظ: أي وفي البحر المحيط 2 / 109. هذا رابع أمر بالذكر في هذه الآية، والذكر هنا التكبير عند الجمرات وأدبار الصلاة وغير ذلك من أوقات الحج، أو التكبير عقيب الصلوات المفروضة – قولان: وفي ص 111: وإن هذا الذكر هو مما يختص به الحاج من أفعال الحج سواء كان الذكر عند الرمى أم عند أعقاب الصلوات.
[8924]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بالراي.
[8925]:العبارة من هنا إلى "حتى تكون" ليست في ظ.
[8926]:في الأصل: لا يحتاج، والتصحيح من م ومد.
[8927]:من م، وفي الأصل: غيره.
[8928]:في م ومد: بالترآي.
[8929]:العبارة من هنا إلى "معدودات" ليست في ظ.
[8930]:في ظ: ينته.
[8931]:من ظ، وفي الأصل: أعجبه وفي م ومد: الحجبة. والعبارة من "أولها" إلى "والذكر" ليست في ظ.
[8932]:من م ومد وفي الأصل: العشر.
[8933]:في م: يستقر فيه الناس.
[8934]:في م: يستقر فيه الناس.
[8935]:في الأصل وم: هو، والتصحيح من مد.
[8936]:من م ومد، وفي الأصل: يسمى.
[8937]:ليس في ظ.
[8938]:في م: الزمن.
[8939]:العبارة منهنا إلى "وإخوانه" ليست في ظ.
[8940]:في الأصل: أعظم، والتصحيح من م ومد.
[8941]:في مد: عن.
[8942]:زيد في م وظ ومد: أي.
[8943]:ليس في ظ.
[8944]:في ظ: الرجوع.
[8945]:ومعنى "في يومين" من الأيام المعدودات، وقالوا: المراد أنه ينفر في اليوم الثاني من أيام التشريق...وظاهر قوله: "فمن تعجل" العموم فسواء في ذلك الآفاقي والمكي، لكل منهما أن ينفر في اليوم الثاني...ولم تتعرض الآية للرمى لا حكما ولا وقتا ولا عددا ولا مكانا لشهرته عندهم، وتؤخذ أحكامه من السنة، وقيل في قوله: "واذكروا الله" تنبيه عليه، إذ من سنته التكبير على كل حصاة منها "فلا إثم عليه..."والذي يظهر أن المعنى: فلا إثم عليه في التعجيل ولا إثم عليه في التأخير لأن الجزاء مرتب على الشرط، والمعنى أنه لا حرج على من تعجل ولا على من تأخر...وفي هاتين الجملتين الشرطيتين من علم البديع الطباق في قوله "فمن تعجل" ومن تأخر والطباق ذكر الشيء وضده كقوله: "وإنه هو أضحك وأبكى" وهو هنا طباق غريب، ولأنه ذكر تعجل مطابق تأخر، وفي الحقيقة مطابق تعجل تأنى ومطابق تأخر تقدم، فعبر في تعجل بالملزوم عن اللازم، وعبر في تأخر بالملازم عن الملزوم؛ وفيها من علم البيان المقابلة اللفظية إذ المتأخر أتى بزيادة في العبادة فله زيادة في الأجر وإنما أتى بقوله: "فلا إثم عليه" مقابلا لقوله: "فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه" كقوله: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه" البحر المحيط 2 / 112.
[8946]:في الأصل: وفيه، والتصحيح من بقية الأصول.
[8947]:في الأصل: روى، والتصحيح من بقية الأصول.
[8948]:في الأصل: بالمبيت، والتصحيح من م وظ ومد، وفي البحر المحيط 2 / 111: وظاهر قوله: "في يومين" أن التعجل لا يكون بالليل بل شيء من النهار بنفر إذا فرغ من رمى الجمار وهو مذهب الشافعي وهو مروى عن قتادة: وقال أبو حنيفة: قبل طلوع الفجر ويعني من اليوم الثالث....وظاهر قوله: "ومن تعجل" سقوط الرمى عنه في اليوم الثالث فلا يرمي جمرات اليوم الثالث في يوم نفره....وظاهر قوله: "واذكروا الله في أيام معدودات فمنتعجل" – إلى آخره مشروعية المبيت بمنى أيام التشريق لأن التعجل والتأخر إنما هو في النفر من منى وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد من الحجاج أن يبيت إلا بها إلا للرعاء ومن ولى السقاية من آل العباس.
[8949]:في الأصل: سابقون إلى المعاني، والتصحيح من بقية الأصول.
[8950]:في الأصل: سابقون إلى المعاني، والتصحيح من بقية الأصول.
[8951]:في الأصل: مشير، والتصحيح من م ومد وظ.
[8952]:من م ومد وفي الأصل: بغير وفي ظ: فعبر- كذا.
[8953]:في م وظ: فيه.
[8954]:في ظ: بالنفي.
[8955]:في ظ: بالتعجيل.
[8956]:ليست في ظ، وفي الأصل: فرضى – مكان فرمى، والتصحيح من م ومد.
[8957]:ليست في ظ، وفي الأصل: فرضى – مكان: فرمى والتصحيح من م ومد.
[8958]:في الأصل: الكاين من الان، والتصحيح من م وظ ومد.
[8959]:في الأصل: الكاين من الان،والتصحيح من م وظ ومد.
[8960]:ليست في ظ.
[8961]:ليست في ظ.
[8962]:زيد من م وظ ومد.
[8963]:في الأصل: اتصل، والتصحيح من م ومد وظ.
[8964]:زيد من م ومد وظ، وفي البحر المحيط 2 /112: وقيل المعنى ذلك التخيير ونفى الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي لئلا يختلج فيه قلبه شيء منهما فيحسب ان أحدهما ترهق صاحبه آثام في الإقدام عليه، لأن ذا التقوى حذر متحرز من كل ما يريبه، ولأنه الحاج على الحقيقة – قاله الزمخشري.
[8965]:في مد: أهلها.
[8966]:ليست في ظ، وفي م: الكاملة – مكان: الشاملة.
[8967]:ليست في ظ، وفي م: الكاملة – مكان: الشاملة.
[8968]:في م: الحشر.
[8969]:في م: عنه.
[8970]:زيد في م وظ ومد: أي.
[8971]:في الأصل: يكره، وفي م: بكرة، والتصحيح من مد وظ. والعبارة من هنا إلى "الموقف" ليست في ظ.
[8972]:في ذكر الحشر تخويف من المعاصي، وذكر الأمر بالعلم دليل على أنه لا يكفي في اعتقاد الحشر إلا الجزم الذي لا يجامعه شيء من الظن – البحر المحيط 2 / 113.
[8973]:كذا في الأصل، وفي م وظ: فاعلموا ولا يتضح في مد.
[8974]:زيد من م وظ ومد.
[8975]:الحشر جمع القوم من كل ناحية، والمحشر مجتمعهم، يقال منه: حشر يحشر، وحشرات الأرض دوابها الصغار، وقال الراغب: الحشر ضم المفترق وسوقه وهو بمعنى الجمع الذي قلناه – البحر المحيط 2 / 108.
[8976]:من مد وظ وفي الأصل: موافقة.
[8977]:في الأصل: الخروج، والتصحيح من م ومد وظ.
[8978]:في م وظ: منجردا.
[8979]:في م فقط: متعديا.
[8980]:في ظ: تلبية.
[8981]:في م ومد وظ، الداعي – راجع سورة 54 آية 8.
[8982]:من م ومد وظ، وفي الأصل: تحرم.
[8983]:في الأصل: الاختيارات مطالعها، والتصحيح من م وظ ومد.
[8984]:في الأصل: الاختيارات مطالعها، والتصحيح من م وظ ومد.
[8985]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الأحكام.
[8986]:زيد من م ومد.
[8987]:زيد من م ومد وظ
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ} (203)

قوله تعالى : ( واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ) يأمر الله عباده أن يذكروه في أيام معدودات والمراد بالأيام المعدودات أيام منى وهي أيام التشريق وعدتها على الأرجح أربعة أيام . وهي يوم النحر والأيام الثلاثة الأخرى بعده ، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء وفيهم ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو موسى الأشعري وعطاء ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والزهري وغيرهم كثيرون .

وقيل : إن الأيام المعدودات ثلاثة هي يوم النحر ويومان آخران بعده ، وللحاج أن يذبح في أيهن شاء . وهو مذهب علي بن أبي طالب .

وما يحتج به للقول الأول قوله تعالى : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ) وظاهر ذلك يدل على أن عدة هذه الأيام بعد يوم النحر أكثر من يومين . وفي الحديث ما يؤيد ذلك . فقد ورد عن النبي ( ص ) قوله : " وأيام منى ثلاثة ، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه " والأيام الثلاثة هي غير يوم النحر . والحاج الذي يريد أن يتعجل المقام للرمي في يومين يصير مقامه بمنى ثلاثة أيام بيوم النحر .

على أن هذه الأيام المعدودات يراد للمسلمين فيها أن يذكروا الله بالتكبير بعد الصلوات المكتوبات . وصورة التكبير في هذه الأيام الجليلة العطرة أن يهتف المؤمنون جميعا : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، والله أكبر ولله الحمد .

وثمة خلاف بين العلماء في مدة التكبير من أيام العبد . فقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس : إن مدة التكبير من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق . وقال ابن مسعود وأبو حنيفة أنها من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر . وقال مالك : مدة التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق وهو قول الشافعي .

وهي أيام عيد المسلمين يتلاقون فيها على صعيد العقيدة المتينة الصلبة ، عقيدة الإيمان الواعي والتوحيد الخالص ، يضاف إلى ذلك ما يظلل المسلمين في هذه الأيام من أفياء المودة والطمأنينة والحبور وهم يعيشون أياما ملؤها السلام والخير . وفي ذلك يقول الرسول ( ص ) : " يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام ، وهي أيام أكل وشرب وذكر الله " . {[282]}

وعن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله " {[283]} .

وعن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى أن لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل .

قوله : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ) أيام منى للذبح والرمي عدتها بالتمام ثلاثة أيام غير يوم النحر كما بينّاه في كحينه . فيوم النحر للنحر ، والثلاثة الأخرى لرمي الجمار ، ذلك لمن أراد لمقام للنسك على التمام ، لكن الذي يتعجل فيرى في يومين بعد يوم النحر فجائز ولا إثم عليه . يدل على ذلك ما أخرجه الدارقطني والترمذي عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله ( ص ) وهو بعرفة فسألوه فأمر مناديا فنادى " الحج عرفه ، فمن جاء ليلة جَمْع قبل طلوع الفجر فقد أدرك ، أيام منى ثلاثة ، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه " ويراد بقوله : " جمع " المزدلفة . وقيل في سبب التسمية بذلك لاجتماع آدم وزوجته حواء فيها ، أما منى فقد سميت بذلك لكثرة ما يمنى أي يراق فيها من دماء الذبائح{[284]} .

وقوله : ( لمن اتقى ) متعلق بالغفران . والتقدير أن مغفرة الله تكون لمن يتقي ربه من العباد فيقبل عليه بدوام التوبة والطاعة وينتهي عن مناهيه ومعاصيه .

وقوله : ( واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ) أمر الله عباده بتقواه وذلك أن يخشوه حق الخشية ، وأن يذكروه في السر والعلن ، وأن يبعدوه كأنما يرونه ، فهم بذلك يقبلون على طاعته إقبالا ، ويدبرون عن معصيته إدبارا . وليعلموا دائما أنهم في آخر الأمر راجعون إليه ، وأنهم محشورون ثم موقوفون بين يديه جميعا ولا يعزب منهم عن سلطانه وحسابه أحد .


[282]:- رواه أحمد عن عقبة بن عامر.
[283]:- رواه أحمد عن نبيشة الهذلي.
[284]:- تفسير الطبري جـ 2 ص 178 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 245.