ولما ختم آيتي الإيلاء بالطلاق بين عدته فقال : - وقال الحرالي : لما ذكر تربص الزوج{[10458]} - {[10459]}سبحانه وتعالى{[10460]} في أمر الطلاق الذي هو أمانته ذكر تربص المرأة في أمر العدة التي هي أمانتها ؛ انتهى{[10461]} - فقال : { والمطلقات{[10462]} } أي المدخول بهن بما أفهمه الإيلاء من أن الكلام فيهن{[10463]} غير الحوامل لأن عدتهن بالولادة وغير ذوات الأشهر لصغر{[10464]} أو كبر . ولما أريد التأكيد لأمرهن بالعدة سبق{[10465]} بعد تأكيده ببنائه على المبتدأ{[10466]} في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وانقضى {[10467]}إيماء إلى المسارعة إلى امتثاله{[10468]} فقيل : { يتربصن } أي {[10469]}ينتظرن اعتداداً{[10470]} .
{[10471]}ولما كانت النفس داعية إلى الشهوات لا سيما أنفس النساء إلى الرجال{[10472]} و{[10473]}كان التربص عاماً في النفس بالعقد لزوج آخر وفي التعرض له باكتحال وتزين وتعريض بكلام مع البينونة وبغير ذلك خص الأول معبراً{[10474]} لها{[10475]} {[10476]}بالنفس هزاً{[10477]} إلى الاحتياط في كمال{[10478]} التربص والاستحياء مما يوهم{[10479]} الاستعجال{[10480]} فقال : { بأنفسهن } فلا يطمعنها في مواصلة رجل قبل انقضاء العدة .
{[10481]}ولما كان القرء مشتركاً بين الطهر والحيض وكان الأقراء مشتركاً بين جمع كل منهما وكان الطهر مختصاً عند جمع من أهل اللغة بأن يجمع على قروء كان{[10482]} مذكراً يؤنث عدده وكانت الحيضة مؤنثة{[10483]} يذكر{[10484]} عددها دل{[10485]} على أن المراد الإظهار بما يخصه من الجمع وبتأنيث{[10486]} عدده فقال ذاكراً ظرف التربص : { ثلاثة قروء{[10487]} } أي جموع من الدم وسيأتي في أول سورة{[10488]} الحجر أن{[10489]} هذه المادة بأي ترتيب كانت تدور{[10490]} على الجمع وأن المراد بالقروء{[10491]} الأطهار لأنها زمن جمع الدم حقيقة ، وأما زمن الحيض فإنما{[10492]} يسمى بذلك لأنه سبب تحقق الجمع ، والمشهور من كلام أهل اللغة أن جمع القرء{[10493]} بمعنى الطهر أقراء وقروء ، وأن جمعه إذا أطلق على الحيض أقراء فقط ؛ وذلك لأن المادة لما كانت للجمع كانت أيام الطهر هي المتحققة بذلك وكان جمع الكثرة أعرف{[10494]} في الجمع كان بالطهر أولى .
وقال الحرالي : قروء جمع قرء وهو الحد الفاصل بين الطهر والحيض الذي يقبل الإضافة إلى كل واحد منهما ، ولذلك{[10495]} ما تعارضت في تفسير لغته تفاسير اللغويين واختلف في معناه أقوال العلماء لخفاء معناه بما هو حد بين الحالين كالحد الفاصل بين الظل والشمس فالقروء الحدود ، وذلك حين تطلق المرأة لقبل {[10496]}عدتها في طهر{[10497]} لم تمس{[10498]} فيه ليطلقها على ظهور براءة من علقتهما{[10499]} لئلا يطلق ما لم تنطلق{[10500]} عنه ، فإذا انتهى الطهر وابتدأ الحيض كان ما بينهما{[10501]} قرءاً لأن القرء استكمال جمع الحيض حين يتعفن فما{[10502]} لم ينته إلى الخروج لم يتم قرءاً ، فإذا طهرت الطهر الثاني وانتهى إلى الحيض كانا قرءين ، فإذا طهرت الطهر الثالث وانتهى إلى الحيض شاهد كمال القرء{[10503]} كان ثلاثة أقراء ، فلذلك يعرب معناه عن حل المرأة عند رؤيتها الدم من الحيضة الثالثة لتمام عدة الأقراء الثلاثة{[10504]} ، فيوافق معنى من يفسر القرء بالطهر ويكون أقرب من تفسيره بالحيض فأمد الطهر ظاهراً{[10505]} هو أمد الاستقراء للدم باطناً فيبعد{[10506]} تفسيره بالحيض عما هو تحقيقه من معنى الحد بعداً ما - انتهى .
ولما كان النكاح أشهى ما إلى الحيوان وكان حبك للشيء يعمي ويصم وكان النساء أرغب في ذلك مع ما بهن من النقص في العقل والدين فكان ذلك ربما حملهن على كتم ولد لإرادة زوج آخر {[10507]}تقصيراً للعدة وإلحاقاً للولد به{[10508]} ، أو حيض لرغبة{[10509]} في رجعة المطلق قال سبحانه وتعالى : { ولا يحل{[10510]} لهن } أي المطلقات { أن يكتمن ما خلق الله } أي {[10511]}الذي له الأمر كله{[10512]} {[10513]}من ولد أو{[10514]} دم { في أرحامهن } جمع رحم . قال الحرالي : وهو ما يشتمل على الولد من أعضاء التناسل{[10515]} يكون فيه تخلقه من كونه نطفة إلى كونه خلقا آخر - انتهى . وليس فيه دليل على أن الحمل يعلم ، إنما تعلم أماراته .
ولما كان معنى هذا الإخبار النهي ليكون نافياً للحل{[10516]} بلفظه مثبتاً للحرمة بمعناه تأكيداً له فكان التقدير : ولا يكتمن ، قال{[10517]} مرغباً في الامتثال مرهباً من{[10518]} ضده : { إن{[10519]} كنّ يؤمن بالله } أي الذي له{[10520]} جميع العظمة { واليوم الآخر } الذي {[10521]}تظهر فيه{[10522]} عظمته أتم ظهور ويدين فيه العباد{[10523]} بما فعلوا ، أي{[10524]} فإن كتمن شيئاً من ذلك دل على عدم الإيمان . وقال الحرالي : ففي إشعاره إثبات نوع نفاق على الكاتمة{[10525]} ما في رحمها ؛ انتهى - {[10526]}وفيه تصرف{[10527]} .
ولما كان الرجعي أخف الطلاق بين الرجعة تنبيهاً{[10528]} على أنه إن كان ولا بد من الطلاق فليكن رجعياً فقال تعالى : { وبعولتهن } أي أزواجهن ، جمع بعل . قال الحرالي{[10529]} : وهو الرجل المتهيىء لنكاح{[10530]} الأنثى{[10531]} المتأتى{[10532]} له ذلك ، يقال على الزوج والسيد - انتهى . ولما كان للمطلقة حق في نفسها قال : { أحق بردهن } أي إلى ما كان لهم عليهن من العصمة {[10533]}لإبطال التربص فله{[10534]} حرمة الاستمتاع من المطلقات بإرادة السراح { في ذلك } أي في أيام الأقراء فإذا انقضت صارت أحق بنفسها منه{[10535]} بها لانقضاء حقه والكلام في الرجعية{[10536]} بدليل الآية التي بعدها{[10537]} .
ولما أثبت الحق لهم وكان منهم من يقصد الضرر قيده بقوله : { إن أرادوا } أي بالرجعة { إصلاحاً } وهذا تنبيه على أنه إن{[10538]} لم يرد الإصلاح {[10539]}وأرادت هي{[10540]} السراح كان في باطن الأمر زانياً . قال الحرالي : الإصلاح لخلل ما بينهما أحق في علم الله وحكمته من افتتاح وصلة ثانية لأن تذكر الماضي يخل بالحاضر ، مما حذر النبي صلى الله عليه وسلم عنه{[10541]} نكاح اللفوت وهي التي لها ولد من زوج سابق ، فلذلك كان الأحق إصلاح الأول دون استفتاح وصلة لثان{[10542]} - انتهى{[10543]} .
ولما اخرج أمر الرجعة عنهن جبرهن بقوله : { ولهن{[10544]} } أي من الحقوق { مثل الذي عليهن } أي{[10545]} في كونه حسنة في نفسه على ما يليق بملك{[10546]} منهما لا في النوع{[10547]} ، فكما للرجال الرجعة قهراً فلهن{[10548]} العشرة بالجميل{[10549]} ، وكما لهم حبسهن فلهن ما يزيل الوحشة بمن يؤنس ونحو ذلك . ولما كان كل منهما قد يجور{[10550]} على صاحبه قال : { بالمعروف } أي من حال كل{[10551]} منهما . قال الحرالي : والمعروف ما أقره الشرع وقبله العقل ووافقه كرم الطبع - انتهى .
ولما ذكر الرجعة له بصيغة الأحق وبين الحق من الجانبين بين فضل الرجال بقوله : { وللرجال{[10552]} } {[10553]}أعم من أن يكونوا بعولة{[10554]} { عليهن } أي أزواجهم { درجة } أي فضل من جهات لا يخفى{[10555]} {[10556]}كالإنفاق والمهر{[10557]} لأن الدرجة المرقى إلى العلو . وقال الحرالي : لما أوثروا به من رصانة{[10558]} العقل وتمام الدين - انتهى . فالرجل يزيد على المرأة بدرجة من ثلاث لأن كل امرأتين بمنزلة رجل .
ولما أعز سبحانه وتعالى الرجل وصف{[10559]} نفسه بالعزة مبتدئاً بالاسم الأعظم الدال على كل كمال فقال عطفاً على ما تقديره : لأن الله أعزهم عليهن بحكمته{[10560]} : { والله } {[10561]}أي الذي له كمال العظمة{[10562]} { عزيز{[10563]} } إشارة إلى أنه{[10564]} أعز{[10565]} بل لا عزيز إلا هو ليخشى كل من أعاره{[10566]} عزة سطوته ؛ وقال : { حكيم } تنبيهاً على أنه ما فعل ذلك إلا لحكمة بالغة تسلية{[10567]} للنساء وإن ما أوجده بعزته وأتقنه{[10568]} بحكمته لا يمكن نقضه .
قوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم ) . هذه الآية متعلقة بالطلاق والعدة . وقد جاء لفظ المطلقات عاما ، لكن المقصود به الخصوص ، وذلك في المطلقات المدخول بهن وليس المطلقات جميعا . وبذلك تخرج من المراد بالآية المطلقة قبل الدخول ؛ لقوله تعالى في آية أخرى : ( فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) وكذلك تخرج المطلقة الحامل فإن عدتها بحسب مدة الحمل وتنتهي بالوضع ؛ لقوله تعالى : ( أولئك الأحمال أجلهن يضعن حملهن ) فالمعنى أن المطلقات المدخول بهن يجب عليهن أن ( يتربصن ) أي ينتظرن بعد طلاقهن مدة قروء ثلاثة ؛ وذلك لتمام عدتهن . حتى إذا تمت هذه العدة كان لهن أن يتزوجن من رجال آخرين إن أردن .
أما القروء فهي جمع قلة ومفرده قرء وهو من حيث المفهوم اللغوي يطلق على الطهر والحيض ؛ لأن القرء في اللغة يعني الجمع ، فهو إذا أطلق على الطهر كان المقصود به اجتماع الدم في الجسد لا في الرحم . وإذا أطلق على الحيض كان المقصود به اجتماع الدم في الجسد لا في الرحم . وإذا أطلق على الحيض كان المقصود به اجتماع الدم في الحيض{[307]} . واختلف الفقهاء في المراد بالقرء . فقد ذهب أبو حنيفة وابن حنبل إلى أنه الحيض ، وهو قول كثير من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وأبو الدرداء وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وابن عباس وآخرون .
وذهب مالك والشافعي وداود الظاهري وأحمد في إحدى الروايتين عنه أنه الطهر . وهو قول السيدة عائشة وابن عباس وزيد بن ثابت وآخرين غيرهم{[308]} .
وقوله : ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) ( ما ) اسم موصول في محل نصب مفعول به للفعل ( يكتمن ) . والمقصود باسم الموصول ، وهو الذي لا ينبغي كتمانه ، موضع خلاف العلماء . فقد قيل : إنه الحيض ، وقيل : بل هو الحمل ، وثمة رأي ثالث بأنه الحيض والحمل معا . والراجح عندي أن الكتمان يقع على كل من الحيض أو الحمل ، ولا يشترط أن يكونا معا ، فربما تكتم المطلقة حيضتها زاعمة أنها لم تحض وذلك رغبة منها في تطويل العدة لحاجة في نفسها ، أو تزعم أنها حاضت وهي في الحقيقة لم تحض وذلك استعجالا منها في انقضاء العدة .
وقيل المقصود بالمكتوم الحمل لتقطع صلته بأبيه الحقيقي ، فقد ذكر أنه كانت عادة بعض النساء في الجاهلية كتمان ما في أرحامهن من حمل ؛ وذلك من أجل أن يلحقن الولد بالزوج الجديد . وفي هذا نزلت الآية{[309]} .
قوله : ( إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ) ذلك تهديد وتخويف من الله- عز وجل- للنساء المطلقات واللواتي يمضين في الاعتداد ، فإن عليهن أن يكشفن في صدق ووضوح عن حقيقة ما في أرحامهن من حيض أو حمل ، ولا يبغي أن يفهم من الشرطة المخالفة ليقال : إن كانت المطلقات يؤمن بالله واليوم الآخر فليس لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ، وبناء على هذا فإن انعدم الشرط انعدم معه الوجوب بعد الكتمان ، فإن كانت المطلقات لا يؤمن بالله واليوم الآخر فلا جناح عليهن في الكتمان ، وذلك فهم فاسد ، بل المقصود هو الإخبار أن كتمان ما في الرحم لهو عمل محرم وشنيع ، بل إنه ليس من فعل أهل الإيمان .
قوله : ( وبعولتهن أحق برجهن في ذلك ) البعولة جمع مفرده ، البعل وهو الزوج ، والفعل بعل يبعل أي تزوج يتزوج ، وباعل مباعلة إذا باشر زوجته{[310]} . والمعنى للآية أن الأزواج أحق بالزوجات المطلقات أن يراجعوهن وذلك أثناء العدة في الطلاق الرجعي ، أما إذا انتهت عدتهن فإنهن أحق بأنفسهن من الأزواج المطلقين ، ولهن في هذه الحال الخيار أن يرجهن لأزواجهن بعد عقد ومهر جديدين أو يمتنعن من ذلك . وإذا أراد الزوج إرجاع المطلقة قبل انتهاء العدة فله ذلك ، بل هو أحق بها دون حاجة لعقد أو مهر ، وليس عليه شيء إلا الإشهاد على الرجعة ؛ لقوله تعالى في آية أخرى : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) .
أما كيفية الإرجاع أو صفته التي يكون فيها الزوج مراجعا في العدة فقد ذهب الإمام الشافعي إلى أنه لا يكون مراجعا على الوجه الصحيح المشروع إلا بالقول ، وهو أن يقول لها : راجعتك . مع الإشهاد على ذلك ، ولا تتم الرجعة عنده بطريقة أخرى غير القول . وقال الإمام مالك : إذا وطئ الرجل زوجته المطلقة أثناء العدة فقد راجعها ، وعليه أن يُشهد على الرجعة قبل الوطء ، ويكن كذلك مراجعا إذا قبّل أو باشر وهو ينوي الرجعة . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن وطئها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة ، كان ذلك رجعة ، وعليه أن يُشهد على ذلك{[311]} .
وقوله : ( إن أرادوا إصلاحا ) الزوج أحق برد زوجته المطلقة قبل انتهاء عدتها ، على أن يكون قصده في ذلك الإصلاح ، وهو أن يصلح شأنه معها بعد ردها ، وأن يكون جادا في نشر أسباب التفاهم والود والعيش الكريم في البيت ؛ لكنه إن كان يخفي في نفسه النية بالإضرار واحتباسها في أسر النكاح المنكود فذلك حرام . وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى : ( ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ) .
وقوله : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) هذه قاعدة في العدل يقوم على أساسها التعامل بين الزوجين في البيت ، فلا حيف ولا ضير ولا محاباة ، بل لكل واحد منهما من الحق ما يكافئ الواجب الذي عليه .
وعلى هذا الأساس يقوم التعامل المتعادل الموزون بين الزوجين . وذلك في ضوء الآية الكريمة ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) أي للنساء من الحقوق على الرجال مثل ما للرجال عليهن من الحقوق ، على أن يكون ذلك كله في إطار من الحسنى والخلق الودود الحاني ؛ لقوله تعالى : ( بالمعروف ) فما من تعامل بينهما أو تفاهم أو تخاطب أو أمر أو نهي إلا وينبغي أن يكون ( بالمعروف ) أي بالرفق والود والرحمة والحسنى .
وفي الكشف عن مقاصد هذه الآية يقول الصحابي العظيم ابن عباس : إني لأتزين لا مرأتي كما تتزين لي ، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها عليّ ؛ لأن الله تعالى قال : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) .
وقال الإمام الطبري في تفسير الآية : إن لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن{[312]} .
وقوله : ( وللرجال عليهن درجة ) الدرجة هي الرتبة والمنزلة ، لكن ما المقصود بهذه الدرجة المعطاة للرجال ليفوقوا بها النساء ؟ فقد قيل : هي إنها خلقت من الرجل ، وذلك أن الله جلت قدرته خلق أبا البشر آدم ثم خلق منه زوجه فهو بذلك أصلها . وقيل : الدرجة الميراث ، فنصيبه في الميراث أكبر من نصيبها . وقيل الدرجة بمعنى الطاعة ، فهي منوط بها أن تطيع زوجها ؛ لكونه مسؤولا عنها . وقيل : الدرجة هي المهر الذي يلتزم الرجل بأدائه للمرأة .
على أن نطمئن إليه في المراد بالدرجة أنها القوامة أو المسؤولية التي أعطيها الرجل ليكون قواما على المرأة ، فقد شرع الله للرجل أن يكون مسؤولا عن زوجته والأسرة ولا عكس ، وذلك تبعا لطبيعة تكوينه البدني والنفسي . فهو أقوى منها جسدا وأشد بأسا وأثبت نفسا وجأشا ، وأعظم ما يكون الرجل في سعة أفقه وتفكيره ورجحان عقله ومداركه ليكون بذلك كله مهيئا للاضطلاع بعبء القوامة ( المسؤولية ) . وهو ما نميل إليه في هذه المسألة مستدلين بقوله سبحانه وتعالى في آية أخرى ( الرجال قوامون على النساء ) ومنه القوامة أو المسؤولية .
وقوله : ( والله عزيز حكيم ) الله قوي ، وهو منتقم ممن خالف عن أمره واستنكف عما شرع . وهو سبحانه حكيم في كل ما يبسطه على عباده من شرائع تقرر لهم السعادة في الدنيا ، ثم النجاة في الآخر .