ولما ذكر الطلاق رجعية وبائنة عقبه ببيان وصف الرجعة من الحل والحرمة وبيان {[10700]}وقتها وتحديده{[10701]} والإشارة إلى تصوير{[10702]} بعض صور المضارة ترهيباً منها{[10703]} فليست الآية مكررة{[10704]} فقال{[10705]} : { وإذا طلقتم النساء }{[10706]} أي طلاقاً رجعياً {[10707]}والمراد من يملك نكاحها من هذا النوع الشامل للقليل والكثير ولم يقل : نساءكم ، لئلا تفهم {[10708]}الإضافة أن لطلاقهم{[10709]} غير نسائهم حكماً مغائراً لهذا في بلوغ الأجل مثلاً ونحوه .
ولما كانت إباحة الرجعة في آخر العدة دالة على إباحتها فيما قبل ذلك بطريق الأولى وكان من المقطوع به عقلاً أن لما بعد الأجل حكماً غير الحكم الذي كان له قبله لم يكن التعبير بالبلوغ ملبساً{[10710]} وكان التعبير به مفيداً أقصى ما يمكن{[10711]} به{[10712]} المضارة{[10713]} فقال : { فبلغن{[10714]} أجلهن } أي شارفن انقضاء العدة ، بدليل الأمر بالإمساك لأنه لا يتأتى بعد الأجل . و{[10715]}قال الحرالي : ولما كان للحد المحدود الفاصل بين أمرين متقابلين بلوغ وهو الانتهاء إلى أول حده وقرار وهو الثبات عليه ومجاوزة لحده ذكر سبحانه وتعالى البلوغ الذي هو الانتهاء إلى أول الحد دون المجاوزة والمحل ، والأجل مشارفة انقضاء أمد{[10716]} الأمر حيث يكون منه ملجأ الذي هو مقلوبه كأنه مشارفة فراغ المدة - انتهى { فأمسكوهن } أي بالمراجعة إن أردتم ولو في آخر لحظة من العدة{[10717]} { بمعروف } أي بحال{[10718]} حسنة تحمد{[10719]} عاقبتها ، ونكره إشعاراً بأنه لا يشترط فيه رضى المرأة { أو سرحوهن بمعروف } بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة فيملكن أنفسهن من غير تلبيس بدعوى ولا تضييق{[10720]} في شيء من الأشياء .
وقال الحرالي : هذا معروف الإمتاع والإحسان وهو غير معروف الإمساك ، ولذلك فرقه الخطاب ولم يكن : فأمسكوهن أو سرحوهن بمعروف - انتهى .
ولما كان المعروف يعم كل خير وكان الأمر به لا يفيد التكرار خص ترك الشر اهتماماً به معبراً بما يتناول جميع الأوقات فقال : { ولا تمسكوهن } أي بالمراجعة في آخر العدة { ضراراً } كما كان في الجاهلية { لتعتدوا } أي قاصدين بذلك التوصل إلى شيء من مجاوزة الحدود التي بينت{[10721]} لكم مثل أن يريد تطويل العدة عليها{[10722]} فإنه قد يفضي إلى اعتدادها تسعة أشهر .
ولما كان التقدير : فمن يفعل ذلك فقد ظلم زوجه عطف عليه زيادة في التنفير عنه قوله : { ومن يفعل ذلك } أي الفعل البعيد عن الخير ، وفي التعبير بالمضارع إشعار بأن في الأمة من يتمادى على فعله { فقد ظلم نفسه } أي بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس منه .
ولما كان قد لا يقصد شيئاً من انتهاك الحرمات ولا من المصالح فكان مقدماً على ما لا يعلم{[10723]} أو يظن له عاقبة حميدة تهاوناً بالنظر وكان فاعل ذلك شبيهاً بالهازىء{[10724]} {[10725]}كما يقال {[10726]}لمن لا{[10727]} يجد فى أمر : هو لاعب ، قال : { ولا تتخذوا آيات الله } أي مع ما تعلمون من عظمتها بعظمة ناصبها { هزواً } بإهمالها عن قصد المصالح الذي هو زوجها{[10728]} .
ولما كان على العبد أن يقتفي أثر السيد في جميع أفعاله قال : { واذكروا نعمة الله } {[10729]}أي الذي له الكمال كله ثم{[10730]} عبر بأداة الاستعلاء إشارة إلى عموم النعم وغلبتها{[10731]} فقال : { عليكم } هل ترون فيها شيئاً من وادي العبث{[10732]} بخلوه عن حكمة ظاهرة { وما } أي وخصوا بالذكر الذي{[10733]} { أنزل عليكم من الكتاب } الذي فاق جميع{[10734]} الكتب {[10735]}وعلا{[10736]} عن المعارضة فغلب جميع الخلق بما أفادته أداة الاستعلاء{[10737]} { والحكمة } التي بثها فيه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم حال كونه { يعظكم } أي يذكر بما يرقق{[10738]} قلوبكم { به } أي بذلك كله { واتقوا الله } أي بالغوا في الخوف{[10739]} ممن له الإحاطة بجميع صفات الكمال{[10740]} باستحضار ما له من العظمة التي لا تتناهى ونبه على عظيم{[10741]} أمره بقوله : { واعلموا{[10742]} } وبتكرير الاسم الأعظم في قوله : { أن الله } فلم يبق وراء ذلك مرمى { بكل شيء } أي من أمور النكاح وغيرها { عليم * } أي بالغ العلم{[10743]} فاحذروه{[10744]} حذر من يعلم أنه بحضرته وكل ما يعمله{[10745]} من سر وعلن فبعينه . قال الحرالي : والتهديد بالعلم منتهى التحديد - انتهى .
قوله تعالى : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم ) بلوغ الأجل للمطلقات معناه ، أن يقتربن من نهاية العدّة ، فليس المقصود من بلوغ الأجل الوصول إلى نهاية العدّة نفسها ، فإنه إذا انتهت العدّة لم يعد للرجل من حق في إمساك المرأة ، بل إنها تبين بمجرد انتهاء عدّتها .
وعلى هذا فإن الرجال الذين يطلقون زوجاتهم يكونون بالخيار عند الاقتراب من نهاية العدّة فإن شاءوا وأمسكوا النساء المطلقات ، أي راجعوهن وهم تحدوهم في ذلك النية في الإصلاح والعيش والودود ، أو سرّحوهن ، أي طلقوهن دون شقاق ومخاصمة ودون تضييق وأذى .
وقوله : ( ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ) جاء في نزول هذه الآية عن فريق كبير من الصحابة أن الرجل كان يطلق المرأة حتى إذا اقتربت عدتها من الانتهاء راجعها ؛ كيلا يتزوجها غيره ، ثم يعاود طلاقها مرة ثانية فتعتد حتى إذا قاربت على انقضاء عدتها راجعها ، وهكذا ، وهو يبغي من ذلك إطالة مدة العدة للمرأة وجعلها معلقة دائما فلا هي زوجة ولا هي مطلقة ، وذلك إضرار بالمرأة كبير وهو كذلك اعتداء ظالم يقع على المرأة من تصرف الرجل إذا لم يخش الله . ولا بفعل ذلك من الأزواج إلا من ظلم نفسه ، وذلك بتعرض نفسه للعذاب لاعتدائه على حدود الله ومخالفته أوامره . وقوله : ( ضرارا ) مفعول لأجله أو حال منصوب . أي مضارين . وذلك أي يطلق ثم يراجع ثم يطلق ثم يراجع وهكذا . فهذا هو الإمساك ضرارا بقصد إلجائهن إلى الافتداء . وذلك ظلم يستوجب العقاب من الله .
قوله : ( ولا تتخذوا آيات الله هزوا ) آيات الله أحكامه وشرائعه . وهي جدّ كلها وليس فيها هزل . ولا ينبغي لأحد أن يطوق نفسه بحكم من الأحكام ثم يزعم بعدها أنه هازل ، فما أنزل الله دينه وشرعه للهزل أو اللعب ، بل للتطبيق والعمل والالتزام وذلك في جد واهتمام .
قال عبادة بن الصامت في تبيين هذه الآية : كان الرجل على عهد الرسول ( ص ) يقول للرجل : زوّجتك ابنتي ثم يقول : كنت لاعبا ، ويقول : قد أعتقت ويقول : كنت لاعبا ، فأنزل الله ( ولا تتخذوا آيات الله هزوا ) فقال الرسول ( ص ) : " ثلاث من قالهن لاعبا أو غير لاعب فهن جائزات عليه ، الطلاق والعتاق والنكاح " . وفي الحديث المشهور الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي ( ص ) قال " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد : النكاح والطلاق والرجعة " . وقال الصحابي الجليل أبو الدرداء : كان الرجل يطلق في الجاهلية ويقول : إنما طلقت وأنا لاعب ، وكان يعتق وينكح ويقول : كنت لاعبا ، فنزلت هذه الآية ، فقال عليه السلام : " من طلق أو حرر أو أنكح فزعم أنه لا عب فهو جد " وجاء في موطأ الإمام مالك أن رجلا قال لابن عباس : إني طلقت امرأتي مائة مرة فماذا ترى عليّ ؟ فقال ابن عباس : طلقت منط بثلاث ، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا .
قوله : ( واذكروا نعمة الله عليكم ) وهي نعمة عظمة تتجلى في هذا الدين الحنيف الذي يغطي واقع البشرية كلها بكل ما تقتضيه العقيدة الإسلامية والتشريع الإسلامي من رائع التصورات والنظم التي تحقق للإنسان أمنه وسعادته ليكون هانئا مطمئنا في هذه الحياة ، وناجيا مفلحا في الدار الآخرة .
قوله : ( وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ) ما اسم موصول في محل نصب معطوف على نعمة . أي اذكروا نعمة الله واذكروا ما أنزل عليكم . والكتاب هو القرآن ، والحكمة يراد بها هنا السنة على الراجح .
فالله جلت قدرته يأمر الناس بذكر نعمته التي أنعمها عليهم وهي الإسلام ، ثم أن يذكروا كتابه الحكيم فيقبلوا عليه بالوعي والتفهم والادّكار ، وكذلك السنة النبوية باعتبارها المبيّنة المفسرة للقرآن ، وهي الشارحة الموضحة له . وهو سبحانه وتعالى يعظ عباده أي يأمرهم بطاعته ؛ لكي يلتزموا بما في هذين المصدرين وهما الكتاب والسنة من زاخر المعاني والمبادئ والأحكام ، ثم يدعو الله عباده أن يتقوه ، أي يخافوه ويخشوا عقابه ، ثم ليتخذوا من الطاعات والقربات والابتعاد عن المعاصي ما يدرأ عنهم العذاب الموعود . فهو سبحانه عليم بأحوال الناس مطلع على أسرارهم وأستارهم . وفي هذا يقول سبحانه : ( واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم ) .