ولما كان النكاح قد يكون{[10805]} عنه ولادة فيكون عنها رضاع وقد تكون {[10806]}المرضعة زوجة وقد تكون{[10807]} أجنبية والزوجة قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة وكان الفراق بالطلاق أكثر منه بالموت وسّطه بين عدتي الطلاق والوفاة لإدلائه إلى كل بسبب{[10808]} واهتماماً بشأنه وحثاً على الشفقة على الصغير وشدة العناية بأمره لأن الأم {[10809]}ربما كانت مطلقة فاستهانت بالولد إيذاء للزوج إن كان الطلاق عن شقاق أو رغبة في زوج آخر{[10810]} ، وكذا الأب فقال تعالى عاطفاً{[10811]} على ما تقديره مثلاً : فالنساء لهن أحكام كثيرة وقد علمتم منها هنا أصولاً تفهم من بصره الله كثيراً من الفروع ، والمطلقات إن لم يكن بينكم وبينهن علقة بولادة أو نحوها فلا سبيل لكم عليهن{[10812]} . وقال الحرالي : لما ذكر سبحانه وتعالى أحكام الاشتجار{[10813]} بين الأزواج التي عظم متنزل الكتاب لأجلها وكان من حكم تواشج الأزواج وقوع الولد وأحكام الرضاع نظم به عطفاً أيضاً على معاني ما يتجاوزه الإفصاح ويتضمنه الإفهام لما قد علم من أن إفهام القرآن أضعاف إفصاحه بما لا يكاد ينتهي عده{[10814]} فلذلك يكثر فيه الخطاب عطفاً أي على غير مذكور ليكون الإفصاح أبداً مشعراً بإفهام يناله من وهب روح العقل من الفهم كما ينال فقه الإفصاح من وهبه الله نفس العقل الذي هو العلم ؛ انتهى{[10815]} - فقال تعالى : { والوالدات{[10816]} } أي من المطلقات وغيرهن ، وأمرهن بالإرضاع {[10817]}في صيغة الخبر{[10818]} الذي من شأنه أن يكون قد فعل وتم تنبيهاً على تأكيده وإن كان الندب بما أفهمه إيجاب الأجرة لهن{[10819]} {[10820]}هنا و{[10821]}في سورة الطلاق وما يأتي من الاسترضاع فقال : { يرضعن أولادهن } قال الحرالي{[10822]} : جعل تعالى الأم أرض النسل الذي{[10823]} يغتذي{[10824]} من غذائها في البطن دماً كما يغتذي{[10825]} أعضاؤها من دمها فكان لذلك{[10826]} لبنها أولى بولدها {[10827]}من غيرها{[10828]} ليكون مغذاه وليداً من مغذاه جنيناً فكان الأحق أن يرضعن أولادهن ، وذكره بالأولاد ليعم الذكور والإناث ؛ وقال : الرضاعة التغذية بما يذهب الضراعة{[10829]} وهو الضعف والنحول{[10830]} بالرزق{[10831]} الجامع الذي هو طعام وشراب وهو اللبن الذي مكانه الثدي من المرأة والضرع من ذات الظلف - انتهى .
ولما ذكر الرضاع ذكر مدته ولما كان المقصود مجرد تحول الزمان بفصوله الأربعة ورجوع الشمس بعد قطع البروج الاثني عشر إلى البرج الذي كانت فيه عند الولادة وليس المراد الإشعار بمدح الزمان ولا ذمه{[10832]} ولا وصفه بضيق ولا سعة عبر بما يدل على مطلق التحول{[10833]} فقال : { حولين } و{[10834]} {[10835]}الحول{[10836]} تمام القوة في الشيء الذي ينتهي لدورة الشمس وهو العام الذي يجمع كمال النبات الذي يتم{[10837]} فيه قواه - قاله الحرالي . وكأنه مأخوذ مما له قوة التحويل . ولما كان الشيء قد يطلق على معظمه مجازاً فيصح أن يراد حول و{[10838]}بعض{[10839]} الثاني بين أن المراد الحقيقة {[10840]}قطعاً لتنازع الزوجين في مدة الرضاع وإعلاماً بالوقت المقيد للتحريم كما قال صلى الله عليه وسلم " إنما الرضاعة من المجاعة{[10841]} " بقوله : { كاملين } ولما كان ذلك ربما أفهم{[10842]} وجوب الكمال نفاه{[10843]} بقوله : { لمن } {[10844]}أي هذا الحكم لمن{[10845]} { أراد{[10846]} أن يتم الرضاعة } فأفهم أنه يجوز الفطام للمصلحة قبل ذلك وأنه لا رضاع بعد التمام . وقال الحرالي : وهو أي الذي يكتفى به دون التمام هو ما جمعه قوله تعالى :
{ وحمله وفصاله ثلاثون شهراً{[10847]} }[ الأحقاف : 15 ] فإذا كان الحمل تسعاً كان الرضاع أحداً{[10848]} وعشرين شهراً ، وإذا كان حولين كان المجموع{[10849]} ثلاثاً وثلاثين شهراً فيكون ثلاثة آحاد وثلاثة عقود فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع ليجتمع في الثلاثين تمام الرضاع وكفاية الحمل - انتهى .
ولما أوهم {[10850]}أن ذلك{[10851]} يكون مجاناً نفاه بقوله : { وعلى } ولما كانت الوالدية{[10852]} لا تتحقق في الرجل كما تتحقق في المرأة وكان النسب يكتفى فيه بالفراش وكان للرجل دون المرأة فقال{[10853]} : { المولود له } أي على فراشه { رزقهن } أي المرضعات {[10854]}لأجل الرضاع سواء كن متصلات أو منفصلات فلو نشزت{[10855]} المتصلة لم يسقط وإن سقط ما يخص الزوجية . ولما كان اشتغالها بالرضاع عن كل ما يريده الزوج من الاستمتاع ربما أوهم سقوط الكسوة ذكرها فقال : { وكسوتهن } {[10856]}أجرة لهن{[10857]} . قال الحرالي : {[10858]}الكسوة رياش الآدمي الذي يستر ما ينبغي ستره من الذكر والأنثى وقال : فأشعرت إضافة الرزق والكسوة إليهن باعتبار حال المرأة فيه وعادتها بالسنة لا بالبدعة - انتهى .
ولما كان الحال مختلفاً في النفقة والكسوة باختلاف أحوال الرجال والنساء قال : { بالمعروف } أي{[10859]} - من حال كل منهما . قال الحرالي : فأكد ما أفهمته الإضافة وصرح{[10860]} الخطاب بإجماله - انتهى . ثم علله أو فسره بالحنيفية التي منَّ علينا سبحانه وتعالى بها فقال : { لا تكلف } قال الحرالي{[10861]} : من التكليف{[10862]} وهو أن يحمل المرء على أن يكلف {[10863]}بالأمر كلفة{[10864]} بالأشياء التي يدعوه إليها طبعه { نفس } أي لا يقع تكليفها وإن كان له سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء { إلا وسعها{[10865]} } أي ما تسعه وتطيقه لا كما فعل سبحانه بمن{[10866]} قبل ، كان أحدهم يقرض ما أصاب البول من جلده بالمقراض والوسع قال الحرالي ما يتأتى{[10867]} بمنة وكمال قوة{[10868]} .
ولما كانت نتيجة ذلك حصول النفع ودفع{[10869]} الضر قال : { لا تضآر والدة بولدها } أي لا تضر المنفق به ولا يضرها ، وضم الراء ابن كثير وأبو عمرو {[10870]}ويعقوب{[10871]} على الخير وهو آكد{[10872]} ، وفتح الباقون{[10873]} على النهي{[10874]} ، ويحتمل فيها{[10875]} البناء {[10876]}للفاعل والمفعول{[10877]} { ولا مولود له بولده } أي{[10878]} المولود على فراشه ليس له أن يضر الوالدة به وليس لها أن تضره به ولا أن{[10879]} تضر الولد بتفريط ونحوه حملاً للمفاعلة على الفعل المجرد ، {[10880]}وكل من أسند سبحانه وتعالى المضارة{[10881]} إليه أضاف إليه الولد استعطافاً له عليه وتحريكاً لطبعه إلى مزيد نفعه . قال الحرالي : ففيه{[10882]} إيذان بأن لا يمنع الوالد الأم أن ترضع ولدها فيضرها{[10883]} في فقدها له ولا يسيء معاملتها في رزقها وكسوتها بسبب ولدها ، فكما لم يصلح أن يمسكها زوجة إلا بمعروف لم يصلح أن يسترضعها إلا بالمعروف{[10884]} ولا يتم المعروف إلا بالبراءة من المضارة . وفي إشعاره تحذير الوالدات من ترك أولادهن لقصد الإضرار مع ميل{[10885]} الطبع إلى القيام بهم وكذلك في إشعاره أن لا تضره في سرف رزق ولا كسوة - انتهى .
ولما تم الأمر بالمعروف وما تبعه من تفسيره وكان ذلك على تقدير وجود الوالد إذ ذاك بين الحال بعده فقال : { وعلى الوارث{[10886]} } أي وارث الوالد وهو الرضيع { مثل ذلك } أي المأمور به من المعروف على ما فسره به في ماله إن مات والده والوارث . قال الحرالي : المتلقى من الأحياء عن الموتى ما كان لهم من حق أو مال - انتهى{[10887]} . وقيل في الوارث غير ذلك {[10888]}لأنه تقدم ذكر الوالدات{[10889]} والولد والمولود له فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم .
ولما بين أمد الرضاع وأمر النفقة صرح بما أفهمه الكلام من جواز الفطام قبل التمام فقال مسبباً عما أفهمته العبارة : { فإن أرادا } أي{[10890]} الوالدان { فصالاً } أي فطاماً {[10891]}قبل تمام الحولين{[10892]} للصغير عن الرضاع . قال الحرالي : وهو من الفصل وهو عود المتواصلين إلى بين سابق - {[10893]}انتهى . وهو أعم من الفطم فلذا عبر به{[10894]} . ولما بين ذلك نبه{[10895]} على أنه لا يجوز إلا مع المصلحة فقال : { عن تراض منهما{[10896]} } ثم بين أن الأمر خطر يحتاج إلى تمام النظر بقوله : { وتشاور } أي إدارة{[10897]} للكلام{[10898]} في ذلك ليستخرج الرأي الذي ينبغي أن يعمل به . قال الحرالي : فأفصح بإشعار ما في قوله : { أن يتم } وأن الكفاية قد تقع بدون الحولين فجعل ذلك لا يكون برياً من المضارة{[10899]} إلا باجتماع إرادتهما وتراضيهما وتشاورهما{[10900]} لمن له تبصرة لئلا تجتمعا على نقص{[10901]} الرأي ، قال عليه الصلاة والسلام
" ما خاب من استخار ولا ندم من استشار " والمشورة أن تستخلص حلاوة الرأي وخالصه{[10902]} من خلايا الصدور كما يشور{[10903]} العسل جانيه - انتهى . { فلا جناح عليهما } فيما {[10904]}نقصاه عن{[10905]} الحولين{[10906]} لأنهما{[10907]} غير متهمين في أمره واجتماع رأيهما فيه ورأي من يستشيرانه{[10908]} قلّ ما يخطىء . قال الحرالي : فيه إشعار بأنها ثلاث رتب : رتبة تمام فيها الخير والبركة ، ورتبة كفاية فيها{[10909]} رفع الجناح ، وحالة مضارة فيها الجناح - انتهى{[10910]} . وقد أفهم تمام هذه العناية أن الإنسان كلما كان أضعف كانت{[10911]} رحمة الله له أكثر وعنايته به أشد .
ولما بين رضاع الوالدات وقدمه دليلاً على أولويته أتبعه ما يدل على جواز غيره فقال : { وإن أردتم } أي{[10912]} أيّها الرجال { أن تسترضعوا } أي أن{[10913]} تطلبوا من يرضع { أولادكم } من غير الأمهات { فلا جناح } أي ميل بإثم { عليكم إذا سلمتم } أي إلى المراضع{[10914]} { ما آتيتم } أي ما جعلتم لهن من العطاء { بالمعروف } موفراً طيبة به أنفسكم من غير تشاحح ولا تعاسر{[10915]} لأن ذلك أقطع{[10916]} لمعاذير المراضع فهو أجدر بالاجتهاد في النصيحة{[10917]} وعدم التفريط في{[10918]} حق الصغير .
ولما كان التقدير : فافعلوا جميع ما أمرتكم به وانتهوا عن جميع ما نهيتكم عنه فقد جمعت لكم مصالح الدارين في هذا الكتاب الذي هو هدى للمتقين ، عطف عليه قوله : { واتقوا الله{[10919]} } {[10920]}أي الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل{[10921]} ثم خوفهم {[10922]}سطواته بقوله{[10923]} منبهاً{[10924]} على عظم هذه الأحكام{[10925]} { واعلموا } وعلق الأمر بالاسم الأعظم الجامع لجميع{[10926]} الأسماء الحسنى فقال : { أن الله } أي المحيط بصفات الكمال تعظيماً للمقام ولذلك أكد علمه{[10927]} سبحانه وتعالى هنا على نحو ما مضى في
{ وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم }[ البقرة : 215 ] بتقديم قوله للإعلام بمزيد الاهتمام { بما تعملون } أي من سر وعلن .
ولما كانت هذه الأحكام أدق{[10928]} مما في الآية التي بعدها وكثير منها منوط بأفعال القلوب ختمها{[10929]} بما يدل على البصر والعلم فقال : { بصير{[10930]} * } أي بالغ العلم به فاعملوا بحسب ذلك .
قوله تعالى : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ) . الوالدات مبتدأ مرفوع ، خبره الجملة الفعلية ( يرضعن أولادهن ) . وذلك تبيين من الله للناس عن الولد من حيث إرضاعه وحضانته والإنفاق عليه ، كيلا يبيت عرضة للتضييع والتقصير خصوصا بعد طلاق أمه .
أما قوله : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) فهو عام في النساء الوالدات ، سواء كن ذوات أزواج أو مطلقات فإنهن يرضعن أولادهن مدة عامين كاملين ، وهي المدة الوافية المثلى للرضاع ؛ ولذلك قال سبحانه : ( لمن أراد أن يتم الرضاعة ) فلا بأس بالرضاع دون حولين إن كان في ذلك ما يكفي للطفل ولم يلحق به الضرر . وقيل : الآية في المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن . والأظهر أن الآية في الزوجات في حال بقاء النكاح ؛ لأنهن المستحقات للنفقة والكسوة ، أرضعن أو لم يرضعن .
وصمة مسألة اختلفت فيها كلمة العلماء وهي : الإرضاع حق للوالدة أم هو حق عليها ؟
فقد قيل : إن الإرضاع للمرأة ذات الزوج واجب استنادا إلى قوله تعالى : ( يرضعن ) أي ليرضعن فما دام الزوج قائما ، ونفقتها يضطلع بها الرجل ، فإنها ملزمة بإرضاع الولد . أما المطلقة طلاقا بائنا فلا تكلف بالإرضاع إلا في حالات نبينها في الفقرات اللاحقة . وقيل : إنه في حقهن مندوب وليس واجبا ؛ لان قوله : ( يرضعن ) محتمل . ولو أراد التصريح بكونه واجبا عليها لقال : وعلى الوالدات . كقوله : ( وعلى المولود له رزقهن ) .
وقيل إن الحكم في هذه المسألة مرتبط بالعرف الذي عليه النساء والذي يلتزمن بموجبه بإرضاع أولادهن ، فقد صار العرف ههنا كالشرط . وفي القواعد الفقهية أن المعروف عرفا كالمشروط شرطا .
أما إذا اشترطت المرأة لنفسها خلاف هذا العرف وهو أنها غير ملزمة بإرضاع الولد فلها ذلك . وعلى الأب حينئذ أن يهيئ لولده الرضاع .
ويستثنى من ذلك كله ما إذا رفض الولد الرضاعة من غير أمه ، فإن أمه تكون بذلك ملزمة بإرضاعه إلزاما . ومثل ذلك إذا انعدمت المرضعات في البلد وليس من ترضعه إلا الأم ، فعليها الرضاع بغير منودحة أو مناص .
وإذا مات الأب وليس من مال للصبي وجب إرضاعه عليها بخلاف النفقة ، فإنها يلتزم بها الأولياء من بعد الأب . وقيل : إرضاعه في هذه الحال على بيت المال .
أما المرأة المطلقة طلاقا بائنا فلا رضاع عليها . وعلى الأب أن يهيئ لولده ذلك استئجارا ، إلا أن ترغب أمه في إرضاعه بالأجرة ، فإنها أحق بذلك باعتبارها أكثر حنوا عليه وإخلاصا . وتصبح البائنة ملزمة بالإرضاع إلزاما إذا أبى الولد الرضاع من غيرها أو لم يكن في البلد من ترضعه إلا هي . وتفصيل ذلك في كتب الفقه{[318]} .
ويرد في هذا المجال من الرضاع مسألة التحريم . فقد تبين من الآية أن كمال الرضاعة يكون في سنتين . وليس من اعتبار للرضاعة خارج هذه المدة ، وذلك الذي عليه أكثر العلماء من السلف والخلف . فقد قالوا أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين ، فإذا رضع الولد وكانت سنة فوق عامين لم يقع تحريم بهذا الرضاع ، وقد احتج العلماء لمذهبهم هذا بما روي عن الرسول ( ص ) في هذه المسألة . فقد روى الدارقطني عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( ص ) : " لا يحرّم من الرضاع إلا ما كان في الحولين " .
وروى الترمذي عن السيدة أم سلمة- رضي الله عنها- قالت : قال رسول الله ( ص ) : " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعات في الثدي وكان قبل الفطام " . وعلى هذا فإن الإرضاع لا يحرم إلا في الصغر دون الحولين ، ولو فطم الصبي دون حولين ثم أرضعته امرأة بعد فصاله فإنه تثبت به الحرمة عند جمهور العلماء خلافا للإمام مالك ، فإن هذا الرضاع لا يحرم عنده ؛ لأنه صار بمنزلة الطعام . والراجح قول الجمهور استنادا إلى عموم خبر ابن كعباس " لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين " .
قوله : ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) ( المولود له ) هو الأب . والجار والمجرور في محل رفع خبر مقدم . و ( رزقهن ) مبتدأ مؤخر . والضمير في محل جر مضاف إليه .
والمراد في الآية أن على الأب أن ينفق على الزوجة نفقة رزق وكساء . والمقصود بالرزق هنا الإطعام ، على أن يكون ذلك كله بالمعروف ، أي بما تعورف عليه وبما جرت عليه العادة في الإنفاق من غير أن يكون في ذلك أسراف ولا تقتير ، وتبعا لحال الرجل من اليسار أو الإعسار ، وذلك كقوله تعالى : ( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) .
أما الوالدات فإن المراد بهن في الآية الزوجات . ودليل ذلك وجوب النفقة عليهن ؛ إذ لو كنّ غير زوجات لما وجبت لهن النفقة . وقيل المراد بهن المطلقات اللواتي لهن أولاد من أزواجهن ، فإن على الأب أن ينفق عليهن ما أرضعن الولد . وقيل : الآية عامة في المطلقات ذوات الأولاد ، وفي الزوجات حال بقاء النكاح .
وقد استنبط العلماء من هذه الآية ما يدل على أن الحضانة حق للأم سواء في الغلام أو الجارية . وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والشافعي . إلا أنه ( الشافعي ) قال : إذا بلغ الولد ثمانية أعوام وهي سن التمييز فإنه حينئذ يخيّر بين أبويه . واحتج الشافعي لذلك بما رواه النسائي عن أبي هريرة أن امرأة جاءت إلى النبي ( ص ) فقالت له : زوجي يريد أن يذهب بابني ، فقال له النبي ( ص ) : " هذا أبوك وهذه أمك ، فخذ أيهما شئت " فأخذ بيد أمّه .
وفي تقديرنا أن تقييد الحضانة بثماني سنوات من عمر الطفل لا يعوّل عليه . وما احتج به الشافعي لذلك لا يدل على تحديد سن الحضانة بهذه المدّة .
والراجح عندي أن الحضانة حق للأم . وهو حق يمتد حتى سن البلوغ ، سواء كان صبيا أو جارية . والدليل على ذلك ما رواه أبو داود بإسناده عن عبد الله بن عمرو أن امرأة جاءت إلى النبي ( ص ) : " أنت أحق به ما لم تُنكح " فإذا نكحت فليس لها في حضانة ولدها . وهو ما خلاف فيه .
وقوله : ( لا تكلف نفس إلا وسعها ) ( نفس ) نائب فاعل مرفوع . ( إلا ) أداة استثناء كفّها النفي عن العمل . ( وسعها ) مفعول به ثان منصوب والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة . أي أن الأزواج ينبغي عليهم أن ينفقوا على الوالدات مما في مقدورهم وحسب طاقتهم من غير أن يرهقوا في ذلك عسرا{[319]} .
وقوله : ( لا تضار والده بولدها ولا مولود له بولده ) أي ليس للأم أن تأبى إرضاع ولدها على سبيل الإضرار والنكاية بأبيه . وعلى أية حال فإن عليها إرضاعه اللّبأ وهو اللبن الذي يدّره الثدي في الأيام الأولى من ولادة الطفل وليس له عنه غنى ، وكذلك فإنه ليس للوالد أن يصدّ الأم عن إرضاع ابنها مادامت ترغب في ذلك ، وذلك على سبيل الإغاظة المقصود لها .
وقيل في معنى آخر قريب مما بينا وهو أن الأم لا يحل لها أن تدفع عنها الطفل إلى أبيه قاصدة بذلك إضراره بإرهاقه وإشغاله بتربيته وتدبير شؤونه ، ولا يحل للأب .
كذلك أن ينتزع منها الولد لمجرد الإضرار بها والإساءة إليها ، فإن في تصرف الوالدين على هذا النحو ما يسيء إليهما ويضر بهما إضرارا . وهو إضرار متعمد ومقصود ، وقد كانا في غنى عن ذلك لو حبسا عن أنفسهما الغضب وتشبثا بالصبر والعفو وسعة الصدر .
قوله : ( وعلى الوارث مثل ذلك ) أي على وارث والد الطفل مثل ما على والد الطفل نفسه من وجوب الإنفاق على والدة الطفل وعدم الإضرار بها . وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء . وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض .
وقيل : المراد بالوارث هو وراث الصبي فيما لو مات . وهو يلزمه توفير الإرضاع للولد .
وقيل : المراد هم عصبة الأب فإن عليهم نفقة الصبي وذلك إذا توفي الأب نفسه .
وثمة أقوال مفصلة في هذه المسألة ندع للمستزيد فرصة الرجوع فيها إلى مواطنها من كتب الفقه .
قوله : ( فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ) الفصل معناه الفطام ، والضمير في الفعل ( أرادا ) يعود على الوالدين . والتشاور هو أخذ المشورة للوقوف على الرأي المناسب النافع للطفل دون استبداد أحد الوالدين برأيه . فقد ذكرت الآية في مطلعها أن الرضاع بتمامه وكماله يكون في عامين كاملين ، وما تجاوز ذلك فهو ضرب من العبث الذي لا يحرم النكاح ، أما إذا اتفق الوالدان بعد تشاور منهما وتراض دون انفراد أحدهما برأيه على فطام الصبي قبل الحولين مادام ذلك نافعا له وفي مصلحته فهو جائز ولا بأس عليهما في ذلك .
قوله : ( وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف ) . المخاطب في الآية هم الوالدون والوالدات . والمعنى أنكم إذا أردتم لأولادكم الظئر لإرضاعهم ، فلا بأس عليكم في تسليم الطفل واستلامه ، إذ تسلّمه أمه لأبيه فيستلمه منها دون مغاضبة أو قصد لإضرار على أن يدفع لها أجرتها الماضية عن الإرضاع بالتي هي أحسن .
قوله : ( واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ) يحذّر الله عباده من مخالفة شرعه مما أمر به أو عند زجر ، وليعلموا دائما أن الله خبير بأعمالهم رقيب عليهم في أحوالهم وأقواهم وتصرفاتهم فلا يخفى عليه شيء من ذلك{[320]} .