{ فإن خفتم }أي بحال من أحوال الجهاد الذي تقدم أنه { كتب عليكم } أو نحو ذلك{[11255]} من عدو أو سبع أو غريم {[11256]}يجوز الهرب{[11257]} منه أو غير ذلك { فرجالاً }{[11258]} أي قائمين على الأرجل ، وهو جمع راجل من حيث إنه أقرب إلى صورة الصلاة . قال البغوي : أي إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها لخوف{[11259]} فصلوا مشاة على أرجلكم { أو ركباناً } أي كائنين على ظهور الدواب على هيئة التمكن . وقال الحرالي : ما من حكم شرعه الله في السعة إلا وأثبته في الضيق والضرورة بحيث لا يفوت في ضيقه بركة من حال سعته ليعلم أن فضل الله لا ينقصه وقت ولا يفقده{[11260]} حال{[11261]} ، وفيه إشعار بأن المحافظة على الصلاة في التحقيق ليس إلا{[11262]} في إقبال القلب بالكلية على الرب ، فما اتسع له الحال ما{[11263]} وراء ذلك فعل وإلا{[11264]} اكتفى بحقيقتها{[11265]} ، ولذلك انتهت الصلاة عند العلماء في شدة الخوف إلى تكبيرة واحدة يجتمع إليها وحدها بركة أربع الركعات التي تقع في السعة{[11266]} ، وفيها على حالها من البركة في اتساع الرزق وصلاح الأهل ما في الواقعة في السعة مع معالجة النصرة لعزيمة إقامتها على الإمكان في المخافة ، وقد وضح{[11267]} باختلاف أحوال صلاة الخوف أن حقيقتها أنها لا صورة لها ، فقد صح فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة{[11268]} صورة وزيادة صور في الأحاديث الحسان{[11269]} - انتهى .
وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كيفية في صلاة الخوف ثم قال : فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو{[11270]} ركباناً مستقبلي القبلة أو{[11271]} غير مستقبليها{[11272]} . قال مالك : قال نافع : لا{[11273]} أرى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني لأن مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي { فإذا أمنتم } أي حصل لكم الأمن مما كان أخافكم .
ولما كان المراد الأعظم من الصلاة الذكر وهو دوام حضور القلب قال مشيراً إلى أن صلاة الخوف يصعب فيها ذلك منبهاً بالاسم الأعظم على ما يؤكد{[11274]} الحضور في الصلاة وغيرها من كل ما يسمى ذكراً{[11275]} { فاذكروا الله } {[11276]}أي الذي له الأمر كله{[11277]} . قال البغوي : أي{[11278]} فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها . وقال الحرالي : أظهر المقصد في عمل الصلاة وأنه إنما هو الذكر الذي هو قيام الأمن والخوف - انتهى : فكأنه سبحانه وتعالى لما منع مما ليس من الصلاة من الأقوال والأفعال استثنى الأفعال حال الخوف فأبقيت على الأصل لكن قد روى الشافعي رضي الله تعالى عنه{[11279]} {[11280]}وصرحه{[11281]} في كتاب اختلاف الحديث من الأم وأبو داود والنسائي من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم {[11282]}وهو{[11283]} في الصلاة - الحديث في أنه لما رجع من الحبشة قال له النبي صلى الله عليه وسلم{[11284]} : " إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن{[11285]} لا تتكلموا في الصلاة " وحكم بأنه قيل حديث ذي اليدين لما في بعض طرقه مما يقتضي أن رجوعه كان قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو كذلك ، لكن عاصم له أوهام في الحديث وإن كان حجة{[11286]} في القراءة فلا يقوى حديثه لمعارضة ما في الصحيحين من حديث زيد الماضي المغيا بنزول الآية .
والبقرة مدنية كما في الصحيح في فضائل القرآن عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه في النكاح وغيره أنه صلى الله عليه وسلم بنى بها وهي بنت تسع سنين وأقامت عنده تسعاً ، فيكون ذلك في السنة الثانية من الهجرة . وقال الشافعي {[11287]}رضي الله تعالى عنه{[11288]} في الرسالة في باب وجه آخر من الناسخ والمنسوخ : أخبرنا محمد بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري{[11289]} عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : " حُبسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب يهوي من الليل حتى كفينا وذلك قول الله سبحانه وتعالى :
{ وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً{[11290]} }[ الأحزاب : 25 ] قال : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأمره فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ، ثم أقام العصر كذلك ، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك أيضاً ؛ وذلك قبل أن ينزل الله تعالى في صلاة الخوف { فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً{[11291]} } [ البقرة : 239 ] " وقد روى الشيخان أيضاً حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بلفظ : كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال : " إن في الصلاة شغلاً " لكنه ليس صريحاً في تحريم الكلام فيعود الاحتمال السابق ، فإن كان الواقع أن حديث زيد متأخر كان ما قلت وإلا كان الذي ينبغي القول به أنه لا فرق بين القول والفعل لأن اشتمال حديث ذي اليدين عليهما على حد سواء ، كما صححه صاحب التتمة من أصحاب الشافعي ونقل عن اختيار{[11292]} الشيخ محيي الدين النواوي{[11293]} في كتابه التحقيق وتبعه عليه السبكي وغيره من المتأخرين ، وكلام الشافعي ظاهر فيه فإنه قال في الرد على من نسبه إلى أنه خالف{[11294]} في التفريع على الحديث المذكور : فأنت خالفت أصله وفرعه ولم نخالف نحن من أصله ولا من فرعه حرفاً واحداً - هذا نصه في{[11295]} كتاب الرسالة .
ولما أمر{[11296]} سبحانه وتعالى بالذكر عند الأمن علله بقوله : { كما علمكم } أي لأجل إنعامه عليكم بأن خلق{[11297]} فيكم العلم المنقذ من الجهل ، فتكون الكاف للتعليل{[11298]} وقد جوزه أبو حيان في النهر ونقله في موضع آخر منه عن النحاة - والله سبحانه وتعالى أعلم { ما لم تكونوا تعلمون * } بما آتاكم على لسان هذا النبي الكريم {[11299]}من الأحكام التي تقدمت في هذه السورة المفصلة ببدائع الأسرار من الأصول ودقائق العلوم كلها{[11300]} .
وقال الحرالي : من أحكام هيئة الصلاة في الأعضاء والبدن وحالها في النفس من الخشوع والإخبات والتخلي من الوسواس وحالها في القلب من التعظيم والحرمة ، وفي إشارته{[11301]} ما وراء ظاهر العلم من أسرار القلوب التي اختصت بها أئمة{[11302]} هذه الأمة - انتهى .
وقوله : ( فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ) ذلك بيان لحال الصلاة والمصلين في ساعات الخوف والفزع إذا همهم العدوّ أو كانوا معه في تلاحم وقتال .
والرجال جمع مفرده راجل أو رجل وهو الإنسان إذا عدم المركوب ومشى على قدميه . وعكس الرجال الركبان ، وهو جمع مفرده الراكب ، سواء كان المركوب من الخيل أو الإبل أو غير ذلك من المطايا أو ما كان من مستحدثات العصر كالسيارة أو الطيارة أو السفينة ونحو ذلك ، والمراد أن الصلاة حين الخوف من العدو أو غيره لا مناص من أدائها ولا مجال للاعتذار عنها مهما تكن الظروف ومهما اشتدت الخطوب أو ادلهمّت . فإذا كان المسلم في ساعات الخوف ، والتحم مع العدو التحاما جاز له أن يصلي ماشيا على قدميه أو راكبا ، مستقبل القبلة أو مستدبرها . فقد كان عبد الله بن عمر إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها ثم قال : فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا على أقدامهم أو ركبانا ، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها ، وهو ما رواه البخاري وفي رواية أخرى لمسلم عنه : فإن كان خوف أشد من ذلك فصل راكبا أو قائما تومئ إيماء .
وجاء عن عبد الله بن عباس قال في هذه الآية : يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه .
وجاء عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- قال : إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه إيماء حيث كان وجهه فذلك قوله : ( فرجالا أو ركبانا ) .
وقال الأوزاعي في ذلك كلاما جيدا وهو : إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء ، كل امرئ لنفسه ، فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال ويأمنوا فيصلوا ركعتين ، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين ، فإن لم يقدروا لا يجزيهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا .
على أن سبب الخوف الذي رخّص فيه للمسلم أن يصلّي راجلا أو راكبا مستقبل القبلة أو مستدبرها ، فموضع خلاف للعلماء ، فقد ذهب الشافعي إلى أنه الخوف الذي سببه العدو . فإذا أطل العدو على المسلمين حتى تراؤوا فيما بينهم ، أو جاءهم من يخبرهم بأن العدو قريب منهم وكان المخبر مصدوقا وموثوقا به جاز لهم أن يصلوا صلاة الخوف التي تضمنتها هذه الآية .
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن سبب الخوف يستوي فيه أن يكون عدوا أو حيوانا مخوفا يريد أن يفترسه ، أو سارقا أو متلصصا يريد سلبه وقتله . فإن ذلك كله يبيح للخائف أن يصلي صلاة الخوف المذكورة ، وهو الذي نرجحه ونميل إليه استنادا إلى الظاهر من مطلق الآية التي لم تتقيد بسبب من أسباب الخوف .
وقوله : ( فإذا آمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ) أي إذا زال الخوف واطمأننتم وجب عليكم أن تذكروا الله بأداء الصلاة على وجهها الأكمل بما فيها من قيام وركوع وسجود وقعود وخشوع ، وعليكم كذلك أن تبادروا بالشكر لله الذي هداكم لدينه ، وعلمكم من الأحكام ما لم تكونوا تعلمونه من قبل ، وشرع لكم من التيسير والتسهيل ما يدرأ عنكم كل حرج{[327]} .