ولما كانت النفقة التي هي من أعظم مقاصد السورة أوثق دعائم الجهاد وأقوى مصدق للإيمان ومحقق لمبايعة الملك الديان كرر الحث عليها على وجه{[11567]} أبلغ تشويقاً مما مضى فقال على هيئه الممتحن للصادق ممن{[11568]} أمره وحذره وأنذره : { من ذا الذي } منكم يا من كتب عليهم القتال والخروج عن الأنفس والأموال { يقرض الله } {[11569]}الذي تفرد بالعظمة ، وهو من الإقراض أي إيقاع القرض{[11570]} ولذا{[11571]} قال : { قرضاً } وشبه سبحانه وتعالى العمل به لما يرجى عليه من الثواب فهو كالقرض الذي هو{[11572]} بذل المال للرجوع بمثله ، وعبر به لدلالته على المحبة لأنه لا يقرضك إلا محب ، ولأن أجره أكثر من أجر الصدقة { حسناً } أي جامعاً لطيب النفس وإخلاص النية وزكاء المال . وقال الحرالي : القرض الجزّ{[11573]} من الشيء والقطع منه ، كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع له من ثوابه أقطاعاً مضاعفة ، والقرض بين الناس قرضاً بقرض{[11574]} مثلاً بمثل فمن ازداد فقد أربى ومن زاد من غير عقد ولا عهد فقد وفى ، فالقرض مساواة والربا ازدياد{[11575]} ، ووصف سبحانه وتعالى القرض الذي حرض عليه بالحسن لتكون{[11576]} المعاملة بذلة{[11577]} على وجه الإحسان الذي هو روح الدين وهو أن يعامل الله به كأنه يراه - انتهى .
ولما كانت الأنفس مجبولة على الشحّ بما لديها{[11578]} إلا لفائدة رغبها بقوله مسبباً عن ذلك : { فيضاعفه } قال الحرالي{[11579]} : من المضاعفة مفاعلة من الضعف - بالكسر - وهي ثني الشيء بمثله مرة أو مرات ، وأزال عنه ريب الاحتمال بقوله : { له } أي في الدنيا والآخرة . قال الحرالي : هذه المضاعفة أول إنبائها أن الزائد ضعف ليس كسراً من واحد المقرض ليخرج ذلك عن{[11580]} معنى وفاء القضاء فإن المقترض تارة يوفي على الواحد كسراً من وزنه ، " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقترض قرضاً إلا وفى عليه زيادة ، وقال : خير الناس أحسنهم قضاء " فأنبأ تعالى أن اقتراضه ليس بهذه المثابة بل بما هو فوق ذلك لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله إلى ما يقال فيه الكثرة ؛ وفي قوله : { أضعافاً } ما يفيد أن{[11581]} الحسنة بعشر{[11582]} ، وفي قوله : { كثيرة } ما يفيد البلاغ إلى فوق العشر وإلى المائة كأنه المفسر في قوله بعد هذا
{ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله }[ البقرة : 261 ] ، فأوصل تخصيص هذه الكثرة إلى المئين ثم فتح باب التضعيف إلى ما لا يناله علم العالمين في قوله : ( والله يضاعف لمن يشاء }[ البقرة : 261 ] - انتهى .
ولما رغب سبحانه وتعالى في إقراضه أتبعه جملة حالية من ضمير يضاعف مرهبة مرغبة فقال : { والله } {[11583]}أي المحيط علماً وقدرة{[11584]} { يقبض } أي له هذه الصفة وهي{[11585]} إيقاع القبض والإقتار بمن يشاء وإن جلت أمواله . قال الحرالي : والقبض{[11586]} إكمال الأخذ ، أصله القبض باليد كله ، والقبض - بالمهملة - أخذ بأطراف الأصابع وهو جمع عن بسط فلذلك قوبل به { ويبصط } أي لمن يشاء وإن ضاقت حاله ، والبسط توسعة المجتمع{[11587]} إلى حد غاية { وإليه ترجعون * } حساً بالبعث ومعنى في جميع أموركم{[11588]} ، فهو يجازيكم في الدارين{[11589]} على حسب ما يعلم من نياتكم .
قوله : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) المراد بالقرض هنا الإنفاق في سبيل الله ، سواء في ذلك الإنفاق من أجل الحرب وما تقتضيه من بذل للموال في سخاء ، أو الإنفاق على الأهل والعيال وذوي القربى ، أو غيرهم من المعوزين والمحاويج على أن يكون ذلك ( حسنا ) أي محتسبا طيبة بها نفسه .
ومن طريف ما ذكر في هذا الصدد أنه لما أنزلت هذه الآية قال أبو الدحداح : يا رسول الله أو إن الله تعالى يريد منا القرض ؟ قال : " نعم يا أبا الدحداح " قال : أرني يدك ، فناوله ، قال : فإني أقرضت الله حائطا فيه ستمائة نخلة ، ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط ( البستان ) وأم الدحداح فيه وعياله فناداها : يا أم الدحداح . قالت : لبيك قال : اخرجي قد أقرضت ربي- عز وجل- حائطا فيه ستمائة نخلة . ومن رواية لزيد قال : قالت أم الدحداح : ربح البيع ! بارك الله فيما اشتريت . ثم أجابته أم الدحداح وأنشأت تقول :
--مِثْلُك أدَّى ما عليه ونَصَحْ
-- بالعَجْوةِ السَّوْدَاءِ والزَّهْوِ البَلَحْ
--طولَ الليالي وعليهما اجْتَرَحْ
ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر فقال النبي ( ص ) : " كم من عِذق رَادَاح ودار فَياح لأبي الدحداح " {[329]} .
وقوله : ( فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) بعد أن استنهض الله في المؤمنين همتهم ونخوتهم من أجل الإنفاق ، وسمى ذلك إقراضا منهم له ؛ وذلك على سبيل التأثير في نفوسهم وبعض الشهامة فيهم وإثارة الحس فيهم والوجدان ، بعد ذلك كله يبين الله للمؤمنين المقرضين أن لهم من الأجر أضعافا كثيرة قد تصل إلى سبعمائة ضعف . وفي مثل هذا يقول عز من قائل في آية أخرى : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبات أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء ) .
وجاء في الخبر " النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر " .
قوله : ( والله يقبض ويبسط ) أي يمسك الرزق عمن يشاء من عباده ويؤتيه من يشاء فهو سبحانه المالك الرازق . وهذه حقيقة يجدر بالمؤمن أن يعيها ويستيقنها قلبه لكي يبادر بالإنفاق ساخيا ، فلا يتردد ولا يخشى من ذي العرض إقلالا . وليعلم المؤمن كذلك أن ما أنفقه من خير لهو باق له في رصيد حسناته يجده مسطورا أمامه يوم القيامة ؛ ولذلك قال ( وإليه ترجعون ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.