ولما أنكر عليهم{[2221]} اتباع الهوى أرشدهم إلى دوائه بأعظم أخلاق النفس وأجل أعمال البدن فقال عاطفاً على ما مضى من الأوامر . وقال الحرالي : فكأنهم إنما حملهم على مخالفة حكم العقل ما تعودت به أنفسهم من الرياسة والتقدم فلِما{[2222]} في ذلك عليهم من المشقة أن يصيروا أتباعاً للعرب بعد ما كانوا يرون أن جميع الأرض تبع لهم نسق{[2223]} بخطابهم في ذلك الأمر بالاستعانة بالصبر الذي يُكره أنفسهم على أن تصير تابعة بعد أن كانت متبوعة فقال تعالى - انتهى . { واستعينوا } {[2224]}أي على إظهار الحق والانقياد له وهو معنى ما مضى من الأوامر والنواهي { بالصبر } أي على مخالفة الهوى ، والصبر حبس النفس عن حاجتها وعادتها وعلى إصلاحها وتزكيتها ، هو ضياء للقلوب تبصر به ما يخفيه عنها الجزع من الخروج عن العادة فيما تنزع إليه الأنفس - قاله الحرالي . وهو عام {[2225]}في كل صبر الصوم وغيره{[2226]} ، {[2227]}{ والصلاة } أي الموصلة إلى المقام الأعلى ، وفيه التفات إلى { وإياك{[2228]} نستعين }[ الفاتحة : 5 ] ، وإشارة إلى أن من لم تنهه صلاته عن ركوب الباطل والتمادي فيه وتأمره بلزوم الحق والرجوع إليه فليس بمصلٍّ ، فكأن المراد بالصبر تخليص النفس من أشراك الهوى وقسرها على الإخلاص ، فمن صلى على هذه الصفة كان لا محالة من الناجين ؛ وثنى بالصلاة لأنها استرزاق يغنيهم{[2229]} عن اشتراء ثمن كانوا يأخذونه من أتباعهم في اللبس والكتمان
{ وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقاً نحن نرزقك{[2230]} }[ طه : 132 ] قال الحرالي : {[2231]} ويصح أن يراد بها الدعاء ، فمن صبر عن الدنايا وعلى المكاره{[2232]} وأنهى صبره إلى الصوم فأزال عنه كدورات حب الدنيا وأضاف إلى ذلك الصلاة استنار قلبه بأنواع المعارف ، فإذا ضم إلى ذلك الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى بلغ نهاية البر .
ولما أمر ونهى بما ختمه بالصلاة حث على التفاؤل لعظمته [ سبحانه{[2233]} ] بتخصيصها بالضمير-{[2234]} ] فقال : { وإنها لكبيرة } أي ثقيلة جداً{[2235]} ، والكبير{[2236]} ما جل قدره أو مقداره في حس{[2237]} ظاهر أو في معنى باطن - قاله الحرالي . { إلا على الخاشعين } أي المخبتين الذين هم في غاية السهولة واللين والتواضع لربهم بحيث لا يكون عندهم شيء من كبر {[2238]}وينظرون عواقب الأمر وما أعد عليها من الأجر ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم : " وجعلت قرة عيني في الصلاة " وغيرهم يمنعهم{[2239]} ثقلها من فعلها ، وإن فعلها فعلى غير رغبة . قال الحرالي : وهو أي الخشوع هُدُوُّ الجوارح والخواطر فيما هو الأهم في الوقت ، وأنبأ تعالى بكبر قدر الصلاة عن أن يتناول عملها إلا خاشع خرج عن حظ نفسه وألزم{[2240]} نفسه ذل العبودية التي ختمت بها النبوة ، وفي إشارة كمال الصلاة إشعار بصلاة العصر{[2241]} التي هي صلاة النبي الخاتم الذي{[2242]} زمنه وقت العصر وحالة العبودية ، وذلك مما يكبر على من قرن بنبوته وبملته{[2243]} الملك إلا أن يخشع لما يكبر على النفس ، وخصت الصلاة بالكبر{[2244]} دون الصبر لأن الصبر صغار للنفس والصلاة وجهة{[2245]} للحق والله هو العلي الكبير - انتهى .
قوله : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) . الصبر في اللغة معناه الحبس ، نقول مات فلان صبرا أي حبس فظل كذلك حتى مات ، ونقول عن كل ذي روح ، قتل صبرا ، بمعنى أنه أمسك وشد في الوثاق حتى يقتل ، وعلى هذا فإن المقصود بالصبر في نظر الشرع هو حبس النفس على طاعة الله والتزامها بما شرع للناس في الدين .
وذلك يؤول بدوره الى الامساك عن المعصية وكل ما نهي الله عنه من محظور . وكذلك فإن الصبر على البلاء وما يمتحن الله به عباده في الدنيا لهو من باب الصبر الذي تنحبس معه النفس عن السخط من تقدير الله أو التبرم مما قضى وحكم ، واصطبار النفس عند الشدائد يدخل الصابر في الطائعين أو الممتنعين من ارتكاب المعاصي .
ولا ريب في أن الصبر ذو شأن عظيم وهو في ميزان الله له من بالغ الحظ والاعتبار ما يجعله درجة عالية من درجات العبادة التي يقترب بها المرء من الله ، وفي ذلك قوله سبحانه : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ( وبقول سبحانه في آيات قلائل مبدوءة بقسم رباني يهز النفس من الأعماق : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ( .
ومن أعظم ما يجيء في السنة حول الصبر قول النبي صلى الله عليه وسلم : " الصبر شطر الإيمان " . {[58]}
وضروب الصبر في الطاعة كثيرة ، ومن جملة ذلك أن يصطبر المؤمن على كل وجوه الطاعة كالصلاة والصيام والحج والجهاد وبر الوالدين وغير ذلك ، فإن مثل هذه الأمور تتطلب من المؤمن أن يتحلى بالصبر دائما ، ليقوى على الاضطلاع هذه الفرائض الكبيرة وغيرها من فرائض .
وكذلك فإن ضروب الصبر عن المعصية كثيرة ، ومن جملة ذلك أن يحبس المؤمن نفسه عن فعل المنكرات مثل الربا والخمر والزنا والزور والنفاق والشح وعقوق الوالدين والهروب من ساحة القتال وغير ذلك من وجوه الحرام والمنكر ، فإن الإمساك عن مثل هذه المحرمات يتطلب قدرة على الاحتمال تحول دون السقوط في المعاصي والمحظورات .
وكذلك الصبر على البلاء فإنه ليس بالهين ولا اليسير ولكنه يقتضي قدرا عظيما من قوة الإرادة ، ولا يؤتاه إلا الأقوياء وأولوا العزم من الناس الذين يملكون أنفسهم عند وقوع الشدائد والأهوال ، فلا يضطربون اضطرابا يثنيهم عن الحق والتوازن ، أو يتجاوز بهم الصراط المستقيم ، ومثلما توصي الآية بالصبر ليستعين به المؤمن في حياته كلها فإنها كذلك توصي بالصلاة وذلك قوله ( والصلاة )
وهي خشوع وتذلل خلال وقفة سائحة بين يدي رب البرية ، ولا جرم أن تفيض على المؤمن وهو يصلي شآبيب من الرحمة ومن غذاء الروح بما يسكب فيه مزيدا من قوة العزيمة والاحتمال ، وبما ينمي فيه معاني الخير والاعتزاز والثقة بالله ( والصلاة ) ويفجر فيه طاقات هائلة من عطاء النفس العالية الرضية ، وأمام هذا العطاء الروحي الهائل تخنس قوى الشر في الإنسان وتذوي فيه بواعث المادية الآسنة التي إذا انفردت بالإنسان أجاءته إلى حمأة الشهوة المشبوبة المستعرة لتودي به في النهاية في أتون الضلالة والعمه والخسران .
والصلاة ذات وزن أكبر في شريعة الإسلام ، لأنها الصلة المتينة الوثقى التي تربط العبد بربه ، والتي تربط الأرض حيث الخلائق والبرايا والصراع والفتن بالسماء حيث الكمال والعلياء والمثل الأعلى ، وبذلك فإن الصلاة لهي وسيلة روحية كبرى تجد الأرواح من خلالها متنفسا كريما مشدودا وهي تخاطب الإله الخالق الذي فطر السموات والأرض وأنشأ الخلائق والكائنات جميعا ، ومن أروع ما يذكر في هذا الصدد عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يستروح بالصلاة استرواحا ليجد فيها حلاوة السكينة الودود وروعة الخطاب الكريم الحاني مع الله سبحانه ، فقد روي عن حذيفة ابن اليمان قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا حزبه أمر فزع الى الصلاة " ، وروي عنه أيضا أنه قال " رجعت الى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب ، وهو مشتمل في شملة يصلي وكان إذا حزبه أمر صلى ، هكذا يستعين المؤمن بالصبر وبالصلاة وهو يواجه أفانين الأشرار والمناكيد في زحمة الصراع المحتدم بين الحق والباطل ، والمؤمن خلال ذلك كله يظل ماضيا في مسار الخير ، لا يرده عن ذلك طريق تعويق مصطنع ينتحله أهل الباطل والعدوان .
وقوله : ( وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) ثمة خلاف بين أهل العلم في عود الضمير في قوله ( وإنها ) فهل المقصود بذلك الصلاة وهي أقرب مذكور أم شيء آخر ؟ .
بمكن في هذا الصدد أن نعرض لأقوال ثلاثة في عود الضمير المذكور :
القول الأول : إن الضمير يعود على الصلاة ، وبذلك فإن المقصود بالكبيرة هي الصلاة ، لأنها أقرب مذكور كما بينا آنفا ولأن الصلاة كبيرة حقا ، وذلك من حيث الحفاظ عليها وأداؤها على وجهها الكامل المشروع في مواقيتها المستديمة الرتيبة طيلة اليوم والليلة ، على أن تكون ذلك مسبوقا بالطهارة العامة التامة ، سواء في ذلكم طهارة البدن أو طهارة الثوب أو طهارة المكان الذي تتأدى فيه الصلاة .
القول الثاني : وهو للأستاذ الشهيد سيد قطب – عليه رحمة الله – فقد ذهب إلى أن الكبيرة هي الدعوة الإسلامية وذلك من حيث الانتماء الوافي إليها ثم حملها في شجاعة وصدق ودراية ثم تبليغها للناس في غير انثناء أو نكوص أو تردد ، وتلك مهمة لا جرم أن تكون ثقيلة وكؤود وذلك بالنظر إلى التحديات المتوقعة من الخصوم والحاقدين الذي يملؤون كل أطراف الأرض في كل زمان ، والذين سوف يثيرون في وجه الإسلام ودعاته حربا طاحنة ضروسا لا تهدأ إلا بعد المفاصلة الحاسمة التي يعقبها خط واحد أو تصور واحد وهو إما الإسلام أو غير الإسلام .
القول الثالث : هو أن الضمير يعود على الصبر والصلاة كليهما ، وقد ذكر الصلاة خاصة ، لأهميتها وشمولها ولأنها الأغلب وذلك كقوله سبحانه : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) فقد ذكر كلا التجارة واللهو ، لكنه رد الضمير إلى التجارة لشمولها وفضلها ، وغلبتها على اللهو وهو داخل أصلا في التجارة وفي تقديرنا أن هذا القول صواب وهو الذي نعتمده مع تعظيمنا وإعجابنا باستنباط القولين السابقين والله جلت قدرته أدرى وأعلم . {[59]}
قوله : ( إلا على الخاشعين ) أي الخاضعين الخائفين الذين يوجلون من سلطان الله ويرهبون جنابه ، وفي الآية بيان بأن كلا الصبر والصلاة أمر ثقيل على النفوس ، لا يطيقه إلا من خشع قلبه لجلال الله ، واستقامت جوارحه لتظل في خطه – سبحانه- وهداه .