فلما أتم ما ألزمه نفسه الأقدس من عهد الربوبية فضلاً منه ، أتبعه الأمر بالوفاء بعهد العبودية ، وقدم منه{[24403]} الصلاة لأنها أشرفه بعد الإيمان ، وقدم الوضوء لأنه شرطها فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا به{[24404]} ! صدقوه بأنكم{[24405]} { إذا } عبر بأداة التحقيق بشارة{[24406]} بأن الأمة مطيعة { قمتم } أي بالقوة ، وهي العزم الثابت على القيام الذي هو سبب القيام { إلى الصلاة } أي جنسها محدثين ، لما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بجمعه{[24407]} بعده صلوات بوضوء واحد وإن كان التجديد أكمل ، وخصت الصلاة ومس المصحف من بين الأعمال بالأمر بالوضوء تشريفاً لهما{[24408]} ويزيد حمل{[24409]} الإيمان على الصلاة حسناً تقدم قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم }[ المائدة : 3 ] الثابت أنها نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد عصر يوم عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم على ناقته يخطب ، وكان من خطبته في ذلك الوقت أو{[24410]} في يوم النحر أو{[24411]} في كليهما : " ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب{[24412]} ، ولكن في التحريش بينهم " رواه أحمد ومسلم في صفة القيامة والترمذي عن جابر رضي الله عنه ، فقوله " المصلون " إشارة إلى أن الماحي للشرك هو الصلاة ، فما دامت قائمة فهو زائل ، ومتى زالت والعياذ بالله - رجع ، وإلى ذلك يشير ما رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن جابر رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بين العبد والكفر ترك الصلاة " وللأربعة وابن حبان في صحيحه والحاكم عن بريدة رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الذي{[24413]} بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد{[24414]} كفر{[24415]} " ولأبي يعلى بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة ، وآخر ما يبقى الصلاة " . ولما كان الوضوء في سورة النساء إنما هو على سبيل الإشارة إجمالاً ، صرح به هنا على سبيل الأمر وفصله ، فقال مجيباً للشرط إعلاماً بأن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة ، لأن{[24416]} المعلق على الشيء بحرف الشرط يعدم عند عدم الشرط : { فاغسلوا } أي لأجل إرادة الصلاة ، ومن هنا يعلم{[24417]} وجوب النية ، لأن فعل العاقل لا يكون إلا مقصوداً ، وفعل المأمور به لأجل الأمر هو النية { وجوهكم }{[24418]} وحدّ الوجه منابت شعر الرأس ومنتهى الذقن طولاً وما بين الأذنين عرضاً ، وليس منه داخل العين وإن كان مأخوذاً من المواجهة ، لأنه من الحرج ، وكذا إيصال الماء إلى البشرة إذا كثفت اللحية خفف للحرج واكتفى عنه{[24419]} بظاهر اللحية ، وأما العنفقة ونحوها من الشعر الخفيف فيجب { وأيديكم } .
ولما كانت اليد تطلق على ما بين المنكب ورؤوس الأصابع ، قال مبيناً إن ابتداء الغسل يكون من الكفين ، لأنهما لعظم النفع أولى بالاسم : { إلى المرافق } أي آخرها ، أخذاً من بيان النبي صلى الله عليه وسلم بفعله ، فإنه كان يدير الماء على مرفقيه ، وإنما كان{[24420]} الاعتماد على{[24421]} البيان لأن الغاية تارة تدخل كقوله{[24422]} تعالى{ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى{[24423]} }[ الإسراء : 1 ] وتارة لا تدخل كقوله{[24424]} تعالى
{ ثم أتموا الصيام إلى اللّيل{[24425]} }[ البقرة : 187 ] والمرفق ملتقى العظمين ، وعفي عما فوق ذلك تخفيفاً { وامسحوا } ولما عدل عن تعدية الفعل إلى الرأس ، فلم يفعل كما فعل في الغسل مع الوجه ، بل أتى بالباء فقال : { برءوسكم } علم أن المراد إيجاد ما يسمى مسحاً في أي موضع كان من الرأس ، دون خصوص التعميم وهو معنى قول الكشاف : المراد إلصاق المسح بالرأس ، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح .
ولما كان غسل الرجل مظنة الإسراف فكان مأموراً بالاقتصاد فيه ، وكان المسح على الخف سائغاً كافياً ، قرىء : { وأرجلكم } بالجر على المجاورة{[24426]} إشارة إلى ذلك أو لأن الغاسل يدلك في الأغلب ، قال في القاموس : المسح كالمنع : إمرار اليد على الشيء السائل . فيكون في ذلك إشارة أيضاً إلى استحباب الدلك ، والقرينة الدالة على استعمال هذا المشترك في أحد المعنيين قراءة النصب وبيان النبي صلى الله عليه وسلم ، ومر استعماله فيه{[24427]} وفيه الإشارة إلى الرفق{[24428]} بالنصب على الأصل .
ولما كانت الرجل من موضع الانشعاب{[24429]} من الأسفل إلى آخرها ، خص بقوله دالاً بالغاية على أن المراد الغسل - كما مضى في المرافق ، لأن المسح{[24430]} لم يرد فيه غاية في الشريعة و{[24431]} على أن{[24432]} ابتداء الغسل يكون من رؤوس الأصابع ، لأن القدم بعظم{[24433]} نفعه أولى باسم الرجل : { إلى{[24434]} الكعبين } وهما العظمان الناتيان عند مفصل الساق والقدم ، وثنى إشارة إلى أن لكل رجل كعبين ، ولو قيل : إلى الكعاب ، لفهم أن الواجب كعب واحد من كل رجل - كما ذكره الزركشي في مقابلة الجمع بالجمع من حرف الميم من قواعده ، والفصل بالمسح بين{[24435]} المغسولات معلم بوجوب الترتيب ، لأن عادة العرب - كما نقله الشيخ محيي الدين النووي في شرح المهذب عن الأصحاب - أنها لا تفعل ذلك إلاّ للإعلام بالترتيب ، وقال غيره معللاً لما ألزمته العرب : ترك التمييز بين النوعين بذكر كل منهما على حدته مستهجن{[24436]} في الكلام البليغ لغير فائدة ، فوجب تنزيه كلام الله عنه أيضاً ، فدلالة الآية على وجوب البداءة بالوجه مما لا مدفع له لترتيبها له بالحراسة على الشرط بالفاء{[24437]} ، وذلك مقتضٍ لوجوب الترتيب في الباقي إذ لا قائل بالوجوب بالبعض دون البعض ، ولعل تكرير الأمر بالغسل والتيمم للاهتمام بهما ، وللتذكير{[24438]} بالنعمة في التوسعة بالتيمم ، وأن حكمه باقٍ عند أمنهم وسعتهم كراهة أن يظن{[24439]} أنه إنما كان عند خوفهم وقلتهم وضيق التبسط{[24440]} في الأرض ، لظهور الكفار وغلبتهم ، كما كانت المتعة تباح تارة وتمنع أخرى نظراً إلى الحاجة وفقدها ، وللإشارة إلى أنه من خصائص هذه الأمة ، والإعلام بأنه لم يُرد به ولا بشيء من المأمورات والمنهيات قبله الحرج ، وإنما أراد طهارة الباطن والظاهر من أدناس الذنوب وأوضار الخلائق السالفة{[24441]} ، فقال تعالى معبراً بأداة الشك إشارة إلى أنه قد يقع و{[24442]} قد لا يقع{[24443]} وهو نادر{[24444]} على تقدير{[24445]} وقوعه ، عاطفاً على ما تقديره : هذا إن كنتم محدثين حدثاً أصغر : { وإن كنتم }{[24446]} أي حال القصد للصلاة { جنباً } أي ممنين باحتلام أو غيره { فاطهروا } أي بالغسل إن كنتم خالين عن عذر لجميع البدن ، لأنه أطلق ولم يخص ببعض الأعضاء كما في الوضوء .
ولما أتم أمر الطهارة عزيمة بالماء من الغسل والوضوء ، وبدأ بالوضوء لعمومه ، ذكر الطهارة رخصة بالتراب ، فقال معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن الرخاء أكثر من الشدة : { وإن كنتم{[24447]} مرضى } أي بجراح أو غيره ، فلم تجدوا ماء حساً أو{[24448]} معنى بعدم القدرة على استعماله وأنتم جنب{[24449]} { أو على سفر } طويل أو قصير كذلك ، ولما ذكر الأكبر أتبعه الأصغر فقال{[24450]} { أو جاء أحد منكم } وهو غير جنب { من الغائط } أي الموضع المطمئن من الأرض وهو أي{[24451]} مكان التخلي ، أي قضيتم حاجة الإنسان التي لا بد له{[24452]} منها ، وينزه الكتاب عن التصريح بها لأنها من النقائص المذكِّرة{[24453]} له بشديد عجزه وعظيم ضرورته{[24454]} وفقره{[24455]} ليكف من إعجابه وكبره وترفعه وفجره . كما ورد أن بعض الأمراء لقي{[24456]} بعض البله في طريق{[24457]} فلم يفسح له ، فغضب وقال : كأنك ما تعرفني ؟ فقال بلى والله ! إني لأعرفك ، أولك{[24458]} نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة ، وأنت فيما بين{[24459]} ذلك تحمل العذرة{[24460]} .
ولما ذكر ما يخص الأصغر ذكر ما{[24461]} يعم الأكبر فقال : { أو لامستم النساء } أي بالذكر أو غيره أمنيتم أولا { فلم تجدوا ماء } أي حساً أو معنى بالعجز عن{[24462]} استعماله للمرض{[24463]} بجرح أو غيره { فتيمموا } أي اقصدوا{[24464]} قصداً متعمداً { صعيداً } أي تراباً { طيباً } أي طهوراً خالصاً { فامسحوا } .
ولما كان التراب لكثافته لا يصل إلى ما يصل إليه الماء بلطافته ، قصَّر الفعل وعدَّاه بالحرف إشارة إلى الاكتفاء بمرة والعفو عن المبالغة ، وبينت السنة{[24465]} أن المراد جميع العضو ، فقال : { بوجوهكم وأيديكم منه } أي حال النية التي هي القصد الذي هو التيمم ، ثم أشار لهم إلى حكمته سبحانه في هذه الرخصة فقال مستأنفاً : { ما يريد الله } أي الغنى الغنى{[24466]} المطلق { ليجعل عليكم }{[24467]} وأغرق{[24468]} في النفي بقوله : { من حرج } أي ضيق علماً منه بضعفكم ، فسهل عليكم ما كان عسره على من كان{[24469]} قبلكم ، وإكراماً لكم لأجل نبيكم صلى الله عليه وسلم ، فلم يأمركم إلا بما يسهل عليكم ليقل عاصيكم { ولكن يريد ليطهركم } أي ظاهراً وباطناً بالماء والتراب وبامتثال الأمر على ما{[24470]} شرعه سبحانه ، عقلتم معناه أو لا ، مع تسهيل الأوامر والنواهي{[24471]} لكيلا يوقعكم التشديد{[24472]} في المعصية التي هي رجس الباطن { وليتم نعمته } أي في التخفيف في{[24473]} العزائم ثم في الرخص ، وفي وعدكم بالأجور على ما شرع لكم من الأفعال { عليكم } لأجل تسهيلها ، ليكون فعلكم لها واستحقاقكم لما رتب عليها من الأجر مقطوعاً به ، إلا لمن لج طبعه في العوج ، وتمادى في الغواية والجهل والبطر { لعلكم{[24474]} تشكرون * } أي و{[24475]} فعل ذلك كله .
هذا{[24476]} التسهيل وغيره ليكون حالكم لما سهل عليكم حال من يرجى صرفه لنعم ربه عليه{[24477]} في طاعته{[24478]} المسهلة له{[24479]} المحببة إليه ، روى البخاري في التفسير وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم{[24480]} في بعض أسفاره ، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي ، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم{[24481]} على التماسه ، وأقام الناس معه ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء . وفي رواية : سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون{[24482]} المدينة ، فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم ونزل ، فثنى رأسه في حجري راقداً . فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ فجاء أبو بكر{[24483]} فلكزني لكزة شديدة وقال : حبست النبي صلى الله عليه وسلم في قلادة ، فبى{[24484]} الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أوجعني ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } [ المائدة : 6 ] ، وفي رواية : فأنزل الله آية التيمم { فتيمموا } فقال أسيد بن حضير{[24485]} : لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر !{[24486]} ما أنتم إلا بركة لهم ، وفي رواية : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر{[24487]} ، قالت : فبعثنا{[24488]} البعير الذي كنت عليه فإذا العقد تحته{[24489]} " وفي رواية له عنها في النكاح أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً{[24490]} من أصحابه في طلبها ، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء ، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم ، فقال أسيد بن حضير : جزاك الله خيراً ! فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً ، وجعل للمسلمين{[24491]} فيه بركة " وهذا الحديث يدل على أن هذه الآية نزلت قبل آية النساء ، فكانت تلك نزلت بعد ذلك لتأكيد هذا الحكم ومزيد الامتنان به ، لما فيه من عظيم اليسر وليحصل في التيمم من الجنابة نص خاص ، فيكون ذلك أفخم لشأنها وأدل على الاهتمام به{[24492]} .
قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } .
يأمر الله عباده المؤمنين إذا قاموا إلى الصلاة أن يتوضأوا . وذلك في قوله : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم . . . } أي إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون فعليكم أن تتوضأوا لاستباحة الصلاة . ويستدل من الآية على أن الوضوء شرط لصحة الصلاة .
وقوله : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } يتضمن أربعة أركان للوضوء فلا تصح الصلاة إلا بأدائها على التمام ، وأيما انخرام في واحد من هذه الأركان ، لا تصح معه الصلاة . وتفصيل ذلك في البيان الآتي :
الركن الأول : غسل الوجه . والوجه في اللغة من المواجهة . فحده من حيث الطول من أول الجبهة عند منابت الشعر إلى منتهى اللحيين . وحده من حيث العرض ، من الأذن إلى الأذن . ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه وهو يعني الإسالة وإمرار اليد عليه بمعنى الدلك وهو قول مالك . وقيل : إنما يجب إمرار الماء على الوجه ولا يجب دلكه باليد .
أما شعر اللحية فإن كان خفيفا بحيث تظهر منه البشرة فلا بد من إيصال الماء إليه ، وإن كان كثيفا فقد انتقل الفرض إليه . أي يجب إيصال الماء إلى ظاهر اللحية كشعر الرأس ، لأن ظاهر اللحية يقوم مقام جلدة الوجه . وعلى هذا لا يجب إيصال الماء إلى منابت الشعر وهي الجلد وذلك عندما تكون اللحية خفيفة . وقيل : يجب تخليلها كتخليل أصابع اليد .
الركن الثاني : غسل اليدين إلى المرفقين . والمفرد بكسر الميم . والمرفق هو موصل الذراع بالعضد{[903]} ، وهو المكان الذي يرتفق به أي يتكأ عليه من اليد . وهو داخل في وجوب الغسل مع اليد . وقالوا { إلى } بمعنى مع . أي اغسلوا أيديكم مع المرافق . وقيل : المرفق جزء من اليد ، لأن ما بعد { إلى } من نوع ما قبلها فدخل المرفق في اليد .
الركن الثالث : مسح الرأس . وذلك من قوله تعالى : { وامسحوا برءوسكم } وثمة تفصيل في القدر المجزئ من مسح الرأس . فيجب مسح الرأس كله عند الإمام مالك وكذلك أحمد في أظهر الروايات عنه . ويحتج لذلك بأن الباء في قوله : { برءوسكم } مؤكدة زائدة وهي ليست للإلصاق . فوجب بذلك استيعاب الرأس كله في المسح .
وذهب الإمام أبو حنيفة وكذا الشافعية إلى أن مسح بعض الرأس مجزئ وهو الفرض دون غيره . أما المجزئ من بعض الرأس عند أبي حنيفة وأصحابه فهو الربع وحجتهم في ذلك ما رواه مسلم عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم " توضأ فمسح بناصيته " وقدروا الناصية بربع الرأس .
وعند الشافعية ، يسقط الفرض بأدنى ما يطلق عليه اسم المسح ، لأن النص هنا مطلق فيجب فيه أقل ما يقع عليه اسم المسح . وقالوا أيضا : إن الباء في الآية للتبعيض فيجزئ من المسح ما كان في قدر بعض الرأس قل الممسوح أو أكثر . أو أنها تفيد الإلصاق . فالمراد إلصاق اليد بالرأس من أجل المسح . فيتحقق الواجب بكل ما يكون مسحا .
الركن الرابع : غسل الرجلين إلى الكعبين . وهو مقتضى قوله تعالى : { وأرجلكم إلى الكعبين } أرجلكم منصوب لفعل تقديره ، اغسلوا . والكعبان هما العظمان الناتئتان من الجانبين عند مفصل الساق والقدم . ومنه الكاعب ، وهي الجارية إذا بدا ثديها للنهود .
على أن الفرض في الرجلين الغسل وليس المسح ، وهو قول عامة العلماء واحتجوا بما ثبت في الصحيحين عند عبد الله بن عمرو قال : تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته : " أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار " .
وقيل : الواجب في الرجلين المسح وليس الغسل وهو مذهب الشيعة الإمامية وغيرهم . وحجتهم في ذلك القراءة بالجر . وهي تقتضي كون الرجلين معطوفتين على الرؤوس . وهو ضعيف . وقال داود الظاهري : يجب الجمع بينهما .
ويدخل الكعبان في الغسل ، لأن ما بعد { إلى } من نوع ما قبلها فدخل فيه ، أي أن الكعبين جزءان من القدمين فوجب غسلهما . وهو قول أكثر العلماء{[904]} .
أما جملة الوضوء على وجه العموم فيمكن إيجازها فيما رواه البخاري عن عبد الله بن زيد أنه سئل عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بتور{[905]} من ماء فتوضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم " فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثا ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات . ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا ، ثم أدخل يديه فغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة ، ثم غسل رجليه إلى الكعبين "
هذه هي فروض الوضوء ، وهي أركانه الأربعة ، وهي غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين ، مرة واحدة لكل عضو . ذلك أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ الماء . وأن الاثنين أو الثلاث مندوب إليها ، لما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا ، ولأن الأمر بالوضوء لا يقتضي إلا الفعل مرة مرة . يضاف إلى ذلك من السنن غسل الكفين والمضمضة والاستنثار ثلاثا لكل عضو . ثم مسح الأذنين مرة ، وذلك من السنة وهو قول الشافعية وبعض المالكية ، خلافا للحنفية ، إذ قالوا مسح الأذنين فرض إلا أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد . وقيل : يجدد لهما الماء .
أما النية فهي شرط من شروط الوضوء . وهو قول الشافعية والمالكية والحنابلة وأهل الظاهر . وحجتهم أن الوضوء عبادة محضة وهي غير معقولة المعنى فلا تصح إلا بالنية لقوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ولقوله صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات " .
وذهبت الحنفية إلى أن النية ليست شرطا لصحة الوضوء . ووجه ذلك أن الوضوء عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة فهو بذلك عبادة ونظافة فلا يفتقر إلى النية .
أما ترتيب أفعال الوضوء فقد قيل : إنه سنة . وهو قول الحنفية والمالكية وأهل الظاهر . وقال آخرون إنه فرض ، وهو قول الشافعية والحنابلة . ومثار الخلاف هو وضع الواو العاطفة في الآية . فمن قال : إن واو العطف في الآية تقتضي الترتيب قال بإيجاب الترتيب . ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه وثمة سبب آخر في اختلافهم وهو اختلاف في أفعاله صلى الله عليه وسلم ، هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب ؟ فمن حملها على الوجوب قال : بوجوب الترتيب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرو عنه أنه توضأ قط إلا مرتبا . وحملها على الندب قال : إن الترتيب سنة وليس فرضا .
أما الموالاة في أفعال الوضوء فهي عند الإمام مالك ما لم يكن ناسيا أو غير قادر . بخلاف الحنفية والشافعية قالوا : الموالاة ليست فرضا . وسبب الخلاف فهمهم لواو العطف في آية الوضوء . فمن قال : إنها يعطف بها الأشياء المتتابعة المتلاحقة المتراخية بعضها عن بعض قال : بعدم وجوب الموالاة .
أما التسمية في الوضوء فهي سنة وهو قول أكثر العلماء . وقال أحمد وإسحاق : التسمية فرض حتى لو تركها متعمدا بطلت الطهارة . والصحيح كونها سنة ، لأن التسمية غير مذكورة في الآية وقد حكم بحصول الطهارة من دونها .
أما الاستنجاء فليس واجبا عند الحنفية استنادا إلى هذه الآية ، لأنه ذكر الوضوء في الآية ولم يذكر الاستنجاء . ولو كان واجبا لكان أول ما بدأ به في الآية ، وقالوا إنما تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي وهو الذي على هيأة المثقال قياسا على فم المخرج .
وقالت الشافعية وآخرون من أهل العلم : بوجوب الاستنجاء ، استنادا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في صاحبي القبرين : " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة ، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله " ولا يعذب إلا على ترك الواجب{[906]} .
وثمة مسألة وهي المسح على الخفين . وهو جائز عند جمهور الفقهاء ولم ينكره غير الشيعة والخوارج ، ورواية عن مالك في إنكاره مطلقا . والصحيح جواز المسح على الخفين لمن لبسهما ورجلاه طاهرتان بطهارة الوضوء . وحجتهم في الجواز ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم " مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية " .
وأخرج الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي قال : أنا أسلمت بعد نزول المائدة وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعد ما أسلمت .
وفي الصحيحين عن همام قال : بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل : تفعل هذا ؟ فقال : " نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه " .
أما شرط المسح على الخفين فهو أن تكون الرجلان طاهرتين بطهر الوضوء ، وذلك لما ثبت في حديث المغيرة ، إذ أراد أن ينزع الخف عنه فقال عليه الصلاة والسلام : " دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتان " .
أما صفة الخف ، فهو أن يكون صحيحا غير مخرق تخريقا فاحشا . فإن كان الخرق يسيرا فلا بأس في المسح عليه . وهو قول مالك وأصحابه .
أما الحنفية فقد حددوا اليسير والفاحش في الخرق بما كان الظاهر منه أقل من ثلاثة أصابع . فإن كان دون ثلاثة أصابع فهو يسير . وما زاد فهو فاحش لا يجوز المسح عليه . وكذا لو كان بمقدار ثلاثة أصابع .
وقال آخرون : يجوز المسح على الخف المنخرق ما دام يسمى خفا وإن تفاحش خرقه . وهو قول الثوري .
أما توقيت المسح ، ففيه خلاف بين أهل العلم . فقد ذهبت الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن المقيم يمسح يوما وليلة ، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن . واستدلوا بحديث مسلم عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم " .
وذهب الإمام إلى أن المسح غير مؤقت ، وعلى هذا فإن لابس الخفين يمسح عليهما دائما ما لم ينزعهما أو تصبه جنابة . وهو قول الليث ابن سعد{[907]} .
قوله : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } أي فتطهروا ، أدغمت التاء في الطاء لأنهما من مكان واحد . وهذه هي الطهارة الكبرى بعد أن بين الطهارة الصغرى . والكبرى هنا الغسل من الجنابة .
وتحصل الجنابة لسببين . أولهما : نزول المني ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " إنما الماء من الماء " وبذلك فإن مجرد نزول المني يوجب الغسل من أجل الجنابة .
وثانيهما : التقاء الختانين ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا التقى الختانان وجب الغسل " والغسل معناه إسباغ الماء على أعضاء البدن كله . أما المضمضة والاستنشاق فهما غير واجبين في الغسل وهو قول الشافعية ، خلافا للحنفية إذ قالوا بوجوبهما ، لأنهما من البدن وهما مما يمكن إيصال الماء إليهما من غير حرج . واحتج الشافعية بالخبر " أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " .
ويحرم على الجنب جملة أمور منها مس المصحف وقراءة القرآن ودخول المسجد . وتفصيل ذلك في مظانه من كتب الفقه .
قوله : { وإن منتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } أبيح للمسلم أن يتيمم لاستباحة الصلاة إن كان مريضا مرضا يخشى منه على النفس أن تهلك أو يخشى منه ازدياد المرض باستعمال الماء .
ويباح التيمم أيضا للمسافر سواء كان السفر قصيرا أو طويلا . وقد بينا تفصيل ذلك في سورة النساء .
وإذا كان المسافر معه ماء وهو يخشى على نفسه العطش باستعمال الماء للوضوء جاز له أن يتيمم دفعا للحرج .
وإذا كان معه ماء وثمة حيوان عنده عطشان يوشك أن يهلك من العطش ، جاز له أن يتيمم كيما يسقي الحيوان العطشان . بل إن صرف الماء للحيوان في مثل هذه الحال واجب ، لأن حق الحيوان في الشرب مقدم على الوضوء الذي يستعاض عنه ببدله وهو التيمم .
إذا كان لا يملك الماء لكن غيره يملكه ولا يمكنه شراؤه منه إلا بغبن فاحش جاز له التيمم ، لأن في احتمال الغبن الفاحش ما يفضي إلى الحرج وهو مرفوع . لقوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } .
قوله : { أو جاء أحد منكم من الغائط } الغائط جمع غوط بالضم ، وأغواط وغيطان والغائط كناية عن العذرة أو قضاء الحاجة{[908]} .
قوله : { أو لامستم النساء } ولمس المرأة ينتقض به الوضوء . يستوي في ذلك اللامس والملموس . وقد بينا ذلك في سورة النساء .
قوله : { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } لا خلاف في جواز التيمم لعادم الماء إن كان مريضا أو مسافرا . أما إذا عدم الماء وهو صحيح في الحضر كما لو كان سجينا أو مربوطا فإنه يتيمم بدلا من الوضوء ، لأنه عادم للماء . ولو كان في حالته هذه من السجن أو الربط ولم يجد ماء ولا ترابا وخشي خروج الوقت ففي حكم ذلك عدة أقوال :
أولها : أنه يصلي ولا شيء عليه . وهو الصحيح من مذهب المالكية .
ثانيها : أنه يصلي ويعيد صلاته إذا زال المانع فيما بعد . وهو قول الشافعي .
ثالثها : أنه يصلي ولا يعيد . وهو قول أشهب من المالكية .
رابعها : أنه يصلي ولا يقضي وهو قول أبي حنيفة .
قوله : { فتيمموا صعيدا طيبا } التيمم في اللغة معناه التوخي والتعمد والقصد{[909]} وفي الشرع : الضرب باليدين على الصعيد ثم مسح الوجه واليدين بهما ، على الخلاف في تفصيل ذلك ، وهو ما بيناه في سورة النساء . فقد ذهب جمهور العلماء إلى أن التيمم باليدين على الصعيد . فضربة للوجه وضربة لليدين . وقيل : ضربة واحدة للوجه والكفين معا .
أما الصعيد الطيب فهو التراب الطاهر ، على الخلاف في تفصيل المراد بالصعيد . فقد ذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بالتراب الخالص وهو المراد بالصعيد .
وذهب الإمام مالك وأصحابه إلى جواز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها كالحصا والرمل والتراب وذلك هو الصعيد . وزاد الإمام أبو حنيفة فقال : بكل ما يتولد من الأرض من الحجارة مثل النورة والزرنيخ والجص والطين والرخام . وقال الإمام أحمد : يجوز التيمم بغبار الثوب واللبد .
أما شروط جواز التيمم فهي ثلاثة :
الشرط الأول : النية . فقد ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط النية في التيمم لجوازه ، ووجه ذلك أن الطهارة بالتيمم عبادة غير معقولة المعنى فهي عبادة محضة يلزم فيها النية .
الشرط الثاني : طلب الماء . فهو شرط لجواز التيمم عند عدم الماء . وهو مذهب المالكية والشافعية . إذ قالوا : لا يسمى المرء عادما للماء من غير طلب ، فإن طلب الماء ولم يجده سمي عادما له فجاز له التيمم . قال الشافعي في هذا الصدد : المسافر إذا لم يجد الماء بقربه لم يجز له التيمم إلا بعد الطلب عن اليمين واليسار ، وإن كان هناك واد هبط إليه ، وإن كان جبل صعده .
واحتجوا لذلك بقوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } فقد جعل عدم وجدان الماء شرطا لجواز التيمم . وعدم الوجدان مشروط بتقديم الطلب ، فدل هذا على أنه لا بد من تقديم الطلب .
وذهب أبو حنيفة رحمه الله : إذا غلب على ظنه عدم الماء لم يجب عليه طلبه .
الشرط الثالث : دخول الوقت . فقد اشترطه الشافعية والمالكية لجواز التيمم ، استنادا إلى ظاهر الآية الذي يقتضي أن لا يجوز التيمم إلا عند دخول الوقت .
فقوله : { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة . . فتيمموا } ، أوجب التيمم عند وجوب القيام إلى الصلاة وذلك إذا دخل الوقت . أما الوضوء فلا يشترط دخول الوقت لجوازه ، لأن الشرع خصصه بجواز الحصول قبل الوقت . أما الحنفية وأهل الظاهر فلم يشترطوا دخول الوقت لجواز التيمم قياسا على الوضوء فإنه يجوز حصوله قبل الوقت .
وجملة القول في ذلك كله أنكم أيها المؤمنون إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم مرضى مقيمون أو كنتم مسافرين أصحاء أو أن أحدكم قد جاء من قضاء حاجته أو كان جنبا ولم يجد الماء فتيمموا صعيدا طيبا . أي اقصدوا الأرض الطاهرة فتيمموا منها . وهذا مقتضى قوله : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } أي امسحوا وجوهكم وأيديكم مما علق بأيديكم من الصعيد ، على الخلاف في تفصيل ذلك مما بيناه سابقا{[910]} .
إذ تبين ذلك بقي أن ننوه بفضل الوضوء والطهارة ، فضلا عن النظافة التي تشير إلى حسن السمت في المؤمن . لا جرم أن حسن سمت المرء ظاهرة من ظواهر الكمال الذي تهوي لبلوغه نفوس البرية السليمة . وفي الحديث " بني الدين على النظافة " أما الوضوء فيكشف عن حقيقته اسمه ، وهو من الوضاءة أي الحسن والنظافة{[911]} .
والوضوء والطهارة صنوان بنيا على طهارة الإنسان المؤمن من حيث ظاهره وباطنه ليكون بذلك نقيا سليما من القذر والأدران بكل أنواعها المادية والمعنوية ، وفي فضل الطهارة والوضوء روى مسلم بسنده عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحانه الله والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض ، والصبر ضياء ، والصدقة برهان ، والقرآن حجة لك أو عليك . كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " .
وروى مسلم عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله صدقة من غلول ، ولا صلاة بغير طهور " .
قوله : { وما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } أي ما يريد الله بما فرضه عليكم من الوضوء من أجل الصلاة ، والغسل من الجنابة ، والتيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء ، أن يلزمكم في ذلك حرجا ، وهو الضيق ، ولا ليكلفكم بذلك ما فيه إعنات لكم . وإنما يريد الله بهذا التشريع أن يطهركم بما فرضه عليكم من الوضوء والغسل والتيمم فتكونوا بذلك أطهارا أنقياء من الأدناس والذنوب . ودليل نفي الحرج من هذه الشريعة السمحة القائمة على اليسير والتسهيل ما شرعه الله لعباده من إباحة التيمم عند المرض أو السفر أو فقد الماء أو حاجتهم إليه للشرب . لا جرم أن ذلك رحمة وتوسعة للعباد ، فلزم في حقهم أن يبذلوا الله الشكران على ما أفاض عليهم من نعمة التشريع الرحيم . التشريع الذي جاء حافلا بالرحمة والتسهيل والسماحة والرخصة{[912]} .
وذلكم هو شأن الإسلام . هذا الدين الكريم السمح القائم على اليسر والرحمة بالعباد بعيد عن كل ظواهر الضيق والعنت . لا جرم أن هذه مزية كبرى من مزايا الإسلام . تلك المزايا التي تكشف عن كامل الصلوح للإسلام . هذا النظام الهائل الشامل الذي يراعي فطرة الإنسان وينسجم وطبيعته الأساسية الأصيلة{[913]} .