نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (3)

ولما أتم الكلام على احترام أعظم المكان وأكرم الزمان وما لابسهما ، فهذب{[24184]} النفوس بالنهي عن حظوظها ، وأمر{[24185]} بعد تخليتها عن كل شر{[24186]} بتحليتها بكل خير عدّد على سبيل الاستئناف ما وعد بتلاوته عليهم مما حرم مطلقاً إلا في حال الضرورة فقال : { حرمت } بانياً الفعل للمفعول لأن الخطاب لمن يعلم أنه لا محرم إلا الله ، وإشعاراًَ بأن هذه الأشياء لشدة قذارتها{[24187]} كأنها محرمة بنفسها { عليكم الميتة } وهي ما فقد الروح بغير ذكاة شرعية ، فإن دم كل ما مات حتف أنفه يحبس في عروقه ويتعفن ويفسد ، فيضر أكله البدن بهذا الضرر الظاهر ، والدين بما يعلمه أهل البصائر { والدم } أي المسفوح ، وهو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق { ولحم الخنزير } خصه بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله{[24188]} كالدين { وما أهل } ولما كان القصد في هذه السورة إلى حفظ محكم العهود المذكر بجلاله الباهر{[24189]} ، قدم المفعول له فقال : { لغير الله } أي الملك الأعلى { به } أي ذبح على اسم غيره من صنم أو غيره على وجه التقرب عبادة لذلك الشيء ، والإهلال : رفع الصوت .

ولما كان من الميتات ما لا تعافه النفوس عيافتها لغيره ، نص عليه فقال : { والمنخنقة } أي بحبل ونحوه ، سواء خنقها أو لا { والموقوذة } أي المضروبة بمثقل ، من{[24190]} : وقذه - إذا ضربه { والمتردية } أي الساقطة من عال ، المضطربة غالباً في سقوطها { والنطيحة } أي التي نطحها شيء فماتت { وما أكل السبع } أي{[24191]} كالذئب والنسر ونحوهما .

ولما كان كل واحدة من هذه قد تدرك حية فتذكى ، استثنى فقال : { إلا ما ذكيتم } أي من ذلك كله بأن أدركتموه وفيه حياة مستقرة ، بأن اشتد اضطرابه وانفجر منه الدم ؛ ولما حرم الميتات وعد في جملتها ما ذكر عليه اسم غير الله عبادة ، ذكر ما ذبح على الحجارة التي كانوا ينصبونها للذبح عندها{[24192]} تديناً وإن لم يذكر{[24193]} اسم شيء عليها فقال{[24194]} : { ما ذبح على النصب } وهو واحد الأنصاب ، وهي حجارة كانت حول الكعبة تنصب ، فيهل عليها ويذبح عندها تقرباً إليها وتعظيماً لها { وأن تستقسموا } أي تطلبوا على ما قسم لكم { بالأزلام } أي القداح التي لا ريش لها ولا نصل ، واحدها بوزن قلم وعمر{[24195]} وكانت ثلاثة ، على واحد : أمرني ربي ، وعلى آخر : نهاني ربي ، والآخر{[24196]} غفل ، فإن خرج الآمر فعل ، أو الناهي ترك ، أو الغفل أجيلت ثانية ، فهو دخول{[24197]} في علم الغيب وافتراء على الله بادعاء أمره ونهيه ، وإن أراد{[24198]} المنسوب إلى الصنم فهو الكفر الصريح{[24199]} ، وقال صاحب كتاب الزينة : يقال : إنه كانت عندهم سبعة قداح مستوية من شوحط{[24200]} ، وكانت بيد السادن ، مكتوب عليها " نعم " " لا " " منكم " " من غيركم " " ملصق " " العقل " " فضل العقل " فكانوا إذا اختلفوا في نسب الرجل جاؤوا إلى{[24201]} السادن بمائة درهم ، ثم قالوا للصنم : يا إلهنا ! قد تمارينا في نسب فلان ، فأخرج علينا الحق فيه ، فتجال{[24202]} القداح{[24203]} فإن خرج القدح{[24204]} الذي عليه " منكم " كان أوسطهم نسباً ، وإن خرج{[24205]} الذي عليه " من غيركم " كان حليفاً وإن خرج " ملصق " كان على منزلته لا{[24206]} نسب له ولا حلف ، وإذا أرادوا سفراً أو حاجة جاؤوا بمائة فقالوا : يا إلهنا ! أردنا كذا ، فإن خرج " نعم " فعلوا ، وإن خرج " لا " لم يفعلوا ، وإن{[24207]} جنى أحدهم جناية ، فاختلفوا فيمن يحمل العقل جاؤوا بمائة فقالوا : يا إلهنا ! فلان جنى{[24208]} عليه ، أخرج الحق{[24209]} ، فإن خرج القدح الذي عليه " العقل " لزم من ضرب عليه وبرىء الآخرون ، وإن خرج غيره كان على الآخرين العقل ، وكانوا إذا عقلوا{[24210]} العقل ففضل الشيء منه تداروا فيمن يحمله ، فضربوا عليه ؛ فإن خرج القدح الذي عليه " فضل العقل " للذي ضرب عليه لزمه ، وإلا كان على الآخرين الذين لم يضرب عليهم فهذا الاستقسام الذي حرمه{[24211]} الله لأنه يكون عند الأصنام ويطلبون ذلك منها ، ويظنون{[24212]} أن الذي أخرج لهم ذلك هو الصنم ، وأما إجالة{[24213]} السهام لا على هذا الوجه فهو جائز ، هو وتساهم{[24214]} واقتراع{[24215]} لا استقسام{[24216]} و{[24217]} قال أبو عبيدة : واحد الأزلام زلم - بفتح الزاء ، وقال بعضهم بالضم{[24218]} وهو القدح لا ريش له ولا نصل ، فإذا كان مريَّشاً فهو السهم - والله أعلم ؛ ويجوز أن يراد مع هذا ما كانوا يفعلونه في الميسر - على ما مضى في البقرة ، فإنه طلب معرفة ما قسم من الجزور ، ويلتحق بالأول كل كهانة وتنجيم{[24219]} ، وكل طيرة يتطيرها الناس الآن{[24220]} من التشاؤم ببعض الأيام وبعض الأماكن والأحوال ، فإياك أن تعرج على شيء من الطيرة ، فتكون على شعبة جاهلية ، ثم إياك ! .

ولما كانت هذه الأشياء شديدة الخبث أشار إلى تعظيم النهي عنها بأداة البعد وميم الجمع فقال : { ذلكم } أي الذي ذكرت لكم تحريمه { فسق } أي فعله خروج من الدين .

ولما كانت هذه المنهيات معظم دين أهل الجاهلية ، وكان سبحانه قد نهاهم قبلها عن{[24221]} إحلال شعائر الله والشهر الحرام وقاصدي المسجد الحرام{[24222]} بعد أن كان أباح لهم ذلك في بعض الأحوال والأوقات بقوله

{ وأخرجوهم من حيث أخرجوكم - ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام{[24223]} حتى يقاتلوكم فيه{[24224]} }[ البقرة : 191 ]

{ الشهر الحرام بالشهر الحرام{[24225]} }[ البقرة : 194 ]

{ واقتلوهم حيث ثقفتموهم{[24226]} }[ البقرة : 191 ] علم{[24227]} أن الأمر بالكف عن انتهاز الفرص إنما هو للأمن{[24228]} من الفوت ، وذلك لا يكون إلا{[24229]} من{[24230]} تمام القدرة ، وهو لا يكون إلا بعد كمال الدين وإظهاره على كل دين - كما حصل به الوعد الصادق ، وكذا الانتهاء عن جميع هذه المحارم إنما يكون لمن رسخ في الدين قدمه ، وتمكنت فيه عزائمه وهممه ، فلا التفات له إلى غيره ولا همه إلى سواه ، ولا مطمع لمخالفه فيه ، فعقب{[24231]} سبحانه النهي عن هذه المناهي كلها بقوله على سبيل النتيجة والتعليل : { اليوم } أي وقت{[24232]} نزول هذه الآية { يئس الذين كفروا } أي لابسوا الكفر سواء كانوا راسخين فيه أو لا { من دينكم } أي لم يبق لكم ولا لأحد منكم عذر في شيء من إظهار الموافقة لهم{[24233]} أو التستر من أحد منهم ، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حين{[24234]} كاتبهم ليحمي بذلك ذوي رحمه ، لأن الله تعالى قد كثركم بعد القلة ، وأعزكم بعد الذلة ، وأحيى بكم منار الشرع ، وطمس معالم شرع{[24235]} الجهل ، وهدّ منار الضلال ، فأنا أخبركم - وأنتم عالمون بسعة علمي - أن الكفار قد اضمحلت قواهم ، وماتت{[24236]} هممهم ، وذلت نخوتهم ، وضعفت عزائمهم ، فانقطع رجاؤهم عن أن يغلبوكم{[24237]} أو يستميلوكم إلى دينهم بنوع استمالة ، فإنهم رأوا دينكم قد قامت منائره ، وعلت في المجامع منابره ، وضرب محرابه ، وبرّك{[24238]} بقواعده وأركانه ، ولهذا سبب عما مضى قوله : { فلا تخشوهم } أي أصلاً { واخشون } أي وامحضوا الخشية لي وحدي ، فإن دينكم قد أكمل بدره ، وجل عن المحاق محله وقدره ، ورضي به الآمر ، ومكنه على رغم أنف الأعداء .

وهو قادر{[24239]} على ذلك{[24240]} ، وذلك{[24241]} قوله تعالى مسوقاً{[24242]} مساق التعليل : { اليوم أكملت لكم دينكم } أي الذي أرسلت{[24243]} إليكم به أكمل{[24244]} خلقي لتدينوا به وتدانوا ، وإكماله بإنزال كل ما يحتاج إليه من أصل وفرع ، نصاً على{[24245]} البعض ، وبياناً لطريق القياس في الباقي ، وذلك بيان لجميع الأحكام ، وأما قبل ذلك اليوم فهو وإن كان كاملاً لكنه بغير هذا المعنى ، بل إلى حين ثم يزيد فيه سبحانه ما يشاء ، فيكون به كاملاً أيضاً وأكمل مما مضى ، وهكذا إلى هذه النهاية ، وكان هذا{[24246]} هو المراد من قوله : { وأتممت عليكم نعمتي } أي التي قسمتها في القدم من هذا الدين على لسان هذا الرسول ، بأن جمعت عليه كلمة العرب الذين قضيت في القدم بإظهارهم على من ناواهم من جميع أهل الملل ، ليظهر بهم الدين ، وتنكسر شوكة المفسدين من غير حاجة في ذلك إلى غيرهم وإن كانوا بالنسبة إلى المخالفين كالشعرة البيضاء في جلد الثور{[24247]} الأسود { ورضيت لكم الإسلام } أي الذي هو الشهادة لله بما شهد به لنفسه من الوحدانية التي لمن{[24248]} يتبع الإذعان لها{[24249]} الإذعان لكل طاعة { ديناً } تتجازون{[24250]} به فيما بينكم ويجازيكم به ربكم ؛ روى البخاري في المغازي وغيره ، ومسلم في آخر الكتاب ، والترمذي في التفسير ، والنسائي في الحج عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه " أن رجلاً من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت{[24251]} لاتخذنا ذلك اليوم عيداً ، قال :{[24252]} أي آية ؟ قال{[24253]} : { اليوم أكملت لكم دينكم } فقال عمر رضي الله عنه : قد{[24254]} عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم ، نزلت وهو قائم بعرفة يوم جمعة " وفي التفسير من البخاري عن طارق بن شهاب " قالت اليهود لعمر : إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها{[24255]} عيداً ، فقال عمر : إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين{[24256]} رسول الله صلى الله عليه وسلم حين{[24257]} أنزلت " وقال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان ذلك اليوم خمسة أعياد{[24258]} : جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس ، ولم تجتمع{[24259]} أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده ، قلت : ويوم الجمعة هو اليوم الذي أتم الله فيه خلق هذه الموجودات بخلق آدم عليه السلام بعد عصره ، وهو حين نزول هذه الآية إن شاء الله تعالى ، فكانت تلك الساعة من{[24260]} ذلك اليوم تماماً ابتداء ، وروى هارون بن{[24261]} عنترة عن أبيه قال : " لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه فقال له{[24262]} النبي صلى الله عليه وسلم :

" ما يبكيك يا عمر ؟ فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا ، فإذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص ، قال : صدقت ! " فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عاش بعدها إحدى وثمانين يوماً وقد روي أنه كان هجيري{[24263]} النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة من العصر إلى الغروب شهد الله أنه لا إله إلا هو{[24264]} - الآية ، وكأن ذلك كان جواباً{[24265]} منه صلى الله عليه وسلم لهذه الآية ، لفهمه صلى الله عليه وسلم أن إنزال آية{[24266]} عمران سر الإسلام وأعظمه وأكمله ، وهذه الآية من المعجزات ، لأنها إخبار بمغيب صدقها فيه الواقع .

ولما تمت هذه الجمل{[24267]} الاعتراضية التي صار ما{[24268]} بينها وبين ما قبلها و{[24269]} ما بعدها بأحكام الرصف واتقان{[24270]} الربط من الامتزاج أشد مما بين الروح والجسد ، المشيرة إلى أن هذه المحرمات هي التي تحقق بها أهل الكفر كمال المخالفة ، فأيسوا معها من المواصلة والمؤالفة ؛ رجع إلى{[24271]} تتمات لتلك المحظورات ، فقال مسبباً عن الرضى بالإسلام الذي هو الحنيفة السمحة المحرمة لهذه الخبائث لإضرارها بالبدن والدين : { فمن اضطر } أي ألجىء إلجاء عظيماً - من أي شيء كان - إلى تناول شيء مما مضى أنه حرم ، بحيث{[24272]} لا يمكنه معه{[24273]} الكف عنه { في مخمصة } أي مجاعة عظيمة{[24274]} { غير متجانف } أي متعمد ميلاً { لإثم } أي بالأكل على غير{[24275]} سد الرمق ، أو بالبغي على مضطر آخر بنوع مكر أو العدو عليه بضرب قهر ، وزاد بعد هذا التقييد{[24276]} تخويفاً بقوله : { فإن الله } أي الذي له الكمال كله{[24277]} { غفور رحيم * } أي يمحو عنه إثم ارتكابه للمنهي ولا يعاقبه عليه ولا يعاتبه{[24278]} ويكرمه ، بأن يوسع عليه من فضله ، و{[24279]} لا يضطره مرة{[24280]} أخرى - إلى غير ذلك من الإكرام وضروب الأنعام .


[24184]:في ظ: وهذب.
[24185]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24186]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24187]:في ظ: قذراتها.
[24188]:سقط من ظ.
[24189]:في ظ: الغاهر- كذا.
[24190]:في ظ: ما.
[24191]:سقط من ظ.
[24192]:سقط من ظ.
[24193]:في ظ: لم تدرك.
[24194]:زيد من ظ، إلا أن فيه عمرو.
[24195]:زيد من ظ: إلا أن فيع: عمرو.
[24196]:من ظ: وفي الأصل: لأخر- كذا.
[24197]:في ظ: ذا قول- كذا.
[24198]:في الأصل: الأفراد- كذا، وسقط هذا اللفظ من ظ مع اللفظين بعده.
[24199]:في ظ: الصراح.
[24200]:وهو شجر تتخذ منه القسى، وفي ظ: سواحط- كذا.
[24201]:زيد بعده في ظ: سارق.
[24202]:في ظ: لتحال.
[24203]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24204]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24205]:سقط من ظ.
[24206]:سقط من ظ.
[24207]:في ظ: إذا.
[24208]:من ظ، وفي الأصل: يجنى- كذا.
[24209]:زيد من ظ.
[24210]:في ظ: عقل.
[24211]:من ظ، وفي الأصل: حرم.
[24212]:في ظ: يطلبون.
[24213]:في ظ: أحاله.
[24214]:في ظ: تسليم.
[24215]:في ظ: الاستقسام.
[24216]:في ظ: الاستقسام.
[24217]:من ظ، وفي الأصل: قال.
[24218]:سقط من ظ.
[24219]:في ظ: سختم.
[24220]:سقط من ظ.
[24221]:من ظ، وفي الأصل: من.
[24222]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24223]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24224]:سورة 2 آية 191.
[24225]:سورة 2 آية 193.
[24226]:سورة 2 آية 191.
[24227]:في ظ: اعلم.
[24228]:في ظ: للابن.
[24229]:سقط من ظ.
[24230]:في ظ: عن.
[24231]:في ظ: فعقبه.
[24232]:من ظ، وفي الأصل "و".
[24233]:سقط من ظ.
[24234]:سقط من ظ.
[24235]:زيد من ظ.
[24236]:من ظ، وفي الأصل: مات.
[24237]:في ظ: يعلنوكم.
[24238]:في ظ: ترك.
[24239]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24240]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24241]:زيد من ظ.
[24242]:من ظ، وفي الأصل: لسوق- كذا.
[24243]:من ظ، وفي الأصل: أرسلنا.
[24244]:في ظ: كمل.
[24245]:في ظ: عن.
[24246]:سقط من ظ.
[24247]:من ظ، وفي الأصل: النور.
[24248]:سقط من ظ.
[24249]:في ظ: بها.
[24250]:في ظ: يتجاوزون.
[24251]:زيد من ظ والمراجع الأربعة.
[24252]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24253]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24254]:سقط من ظ.
[24255]:من صحيح البخاري، وفي الأصل: لاتخذنا، وفي ظ: لاتخذها.
[24256]:سقط من ظ.
[24257]:في ظ ونسخة من الصحيح: حيث.
[24258]:زيدت الواو بعده في ظ.
[24259]:في ظ: لم تجمع.
[24260]:في ظ: في.
[24261]:وقع في ظ: عن- خطأ.
[24262]:سقط من ظ.
[24263]:من ظ، أي دأبه وشانه صلى الله عليه وسلم، وفي الأصل: يتحرى- كذا.
[24264]:سورة 3 آية 18.
[24265]:سقط من ظ.
[24266]:زيد من ظ.
[24267]:من ظ، وفي الأصل: الجملة.
[24268]:زيد من ظ.
[24269]:زيد بعده في ظ: بين.
[24270]:في ظ: إيثاق.
[24271]:زيد من ظ.
[24272]:من ظ، وفي الأصل: أي.
[24273]:زيد من ظ.
[24274]:زيد من ظ.
[24275]:سقط من ظ.
[24276]:في ظ: القيد.
[24277]:من ظ، وفي الأصل: لملكه.
[24278]:زيد من ظ.
[24279]:في ظ: يضر من.
[24280]:في ظ: يضر من.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (3)

قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخصمة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم }

بعد أن أحل الله بهيمة الأنعام استثنى من ذلك جملة محرمات كان أهل الجاهلية يأكلونها ، فنعرض لها في التفصيل الآتي :

أولا : الميتة . وهي البهيمة من الأنعام تموت حتف أنفها . وهذه الميتة يحتبس فيها الدم فتفسد وتتعفن وبذلك يصبح أكلها ضارا . ويستثنى من الميتة السمك فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها . وفي ذلك روى مالك في الموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر فقال : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " .

ثانيا : الدم ويراد به المسفوح{[883]} . فقد روي عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال فقال : " كلوه " فقالوا : إنه دم . فقال : " إنما حرم عليكم الدم المسفوح " ومن رواية محمد بن إدريس الشافعي عن ابن عمر مرفوعا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحل لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان فالسمك والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال " .

ثالثا : لحم الخنزير . فهو كله حرام كله سواء في ذلك أكله أو بيعه وشراؤه أو الانتفاع به . ويستثنى من ذلك شعر الخنزير فإنه يجوز استعماله في الخرازة وهي خياطة الثوب . وما عدا ذلك فحرام كله ، ذلك أن الخنزير نجس العين أصلا . وقيل في اشتقاق الخنزير : إنه من الخزر بالتحريك ، ومعناه ضيق العين وصغرها . والخزيرة : النظر بلحظ العين{[884]} .

رابعا : وما أهل لغير الله به . وذلك من الإهلال وهو رفع الصوت . يقال : أهل فلان بالحج إذا لبى به . أي قال : لبيك اللهم بحج . وكذلك إذا استهل الصبي إذا صرخ . واستهلاله معناه صراخه عند الولادة . فقد كان من عادة الجاهليين أن يقولوا عند الذبح : باسم اللات والعزى . أو غير ذلك من الأصنام ، فحرم الله أكل مثل هذه الذبائح . وعلى هذا فأيما ذبيحة ذكر عليها اسم غير اسم الله سواء كان هذا صنما أو وثنا أو طاغوت من الطواغيت أو غير ذلك من المخلوقات ، فإن هذه الذبيحة حرام أكلها بالإجماع{[885]} .

خامسا : المنخنقة . وهي التي تموت خنقا ، إما قصدا بفعل آدمي ، كعادة الجاهلين كانوا يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها . أو أن تختنق اتفاقا بأن يدخل رأسها بين عمودين في شجرة أو نحوها فتختنق فتموت . ومن جملة ذلك أيضا ما يخنق فيها بحبل الصياد . وغير ذلك من وجوه الاختناق الذي تصير به البهيمة ميتة فيحرم أكلها .

سادسا : الموقوذة . من الوقذ ، وهو شدة الضرب . وشاة وقيذ وموقوذة : قتلت بالخشب{[886]} والمراد بالموقوذة : البهيمة أو الحيوان الذي يضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى يموت . وذلك كما لو ضربه بالعصا أو الخشبة أو الحجر أو نحو ذلك مما ليس له حد فيجرح . فأيما بهيمة تموت ضربا من غير أن يسيل دمها فهي في حكم الميتة .

وقد ورد في الصحيح أن عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول الله ! إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب قال : " إذا رميت بالمعراض فخزق فكله ، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله " وبذلك قد فرق بين ما أصاب البهيمة بما يخرج كالسهم والسكين والمزراق ونحوه فيحل أكلها ، وما أصاب بعرض الآلة أو الأداة فجعله وقيذا لا يحل . وهو ما لا خلاف فيه .

أما لو أرسل كلبه على صيد فقتله بثقله أو صدمه صدما ولم يجرحه فمات فإنه لا يحل أكله ، لأنه يجري عليه حكم الموقوذة ، إذ لم يرق منه دم . وهو قول الحنفية والحنابلة وبعض الشافعية . وقيل : إنه حلال لعموم قوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم } وهو أحد القولين للشافعي{[887]} .

سابعا : المتردية . وهي التي تتردى من العلو إلى الأسفل فتموت ، سواء كان التردي من جبل أو سطح دار شاهقة أو في بئر أو حفرة ، ويستوي في ذلك ما لو تردت بنفسها أو رداها غيرها . فالمتردية التي تسقط من موضع مشرف فتموت . وهذا من الميتة ، لأنها ماتت من غير أن يسيل منها الدم .

ويلحق بذلك ما لو أطلق سهمه فأصاب صيدا ، فتردى من أعلى إلى أسفل ، فمات فإنه لا يحل أكله ، لأنه ربما مات بالتردي وليس بالسهم{[888]} .

ثامنا : النطيحة . على وزن فعيلة بمعنى مفعولة . أي منطوحة . وهي الشاة تنطحها أخرى أو غيرها من النواطح فتموت قبل أن تذكى . فالنطيحة التي ماتت من النطح أي بسبب نطح غيرها لها فهي حرام وإن جرحها قرن الناطحة وخرج منها الدم{[889]} .

تاسعا : وما أكل السبع . السبع كل حيوان له ناب ويعدو على الإنسان والدواب ويفترسها كالأسد والنمر والذئب وغيره من ذوات الأنياب المفترسة . وفي الجملة فهو المفترس من الحيوان . والمراد هنا ما أكل منه السبع فمات قبل أن يذكى وفيه حياة ، فهو حرام . فقد كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع بهيمة فقتلها وأكل بعضها أكلوا بقيتها ، فحرمه الله تعالى . وفي الآية لفظ محذوف والتقدير : وما أكل منه السبع . أما ما أدركه أهل البهيمة منها قبل أن تموت فيحل أكله . وهذا مقتضى قوله : { إلا ما ذكيتم } والاسم الموصول في محل نصب على الاستثناء المتصل عند جمهور أهل العلم . وهو راجع على كل ما أدركت ذكاته من المذكورات السابقة باستثناء ما لا يقبل الذكاة من الميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به . فيكون العود على المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ، فما أدركوه من كل ذلك وفيه بقية حياة يضطرب المذبوح فذكوه فهو حلال .

على أن أدنى ما يدرك به الذكاة أن يجده وهو يحرك الأذن أو الذنب أو الجفن فإنه يحل أكله بعد تذكيته . وقيل : الاستثناء مختص بقوله : { وما أكل السبع } ولا وجه لهذا الاختصاص . وقيل : الاستثناء منقطع . أي حرمت عليكم هذه الأشياء ، لكن ما ذكيتم فهو غير حرام وهو قول الإمام مالك{[890]} .

وقوله : { ذكيتم } كمن الذكاة . وهي في اللغة بمعنى التمام . فمعنى { ذكيتم } أدركتم ذكاته على التمام . وتذكية الذبيحة مأخوذة من التطيب . فإذا ذبح الحيوان وسال دمه فقد تطيب .

أما ما تقع به الذكاة ، فقد ذهب الجمهور إلى أن كل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم فهو مما يصلح أن يذكى به ما عدا السن والعظم فلا يجوز التذكية بهما . على أن كيفية الذكاة موضع خلاف ، فقد قال الإمام مالك : لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين . وقال الإمام الشافعي : تصح الذكاة بقطع الحلقوم والمريء من غير حاجة إلى قطع الودجين . فالواجب عنده لتصح التذكية قطع المريء والحلقوم فقط . أما الإمام أبو حنيفة فالواجب عنده في التذكية هو قطع ثلاثة غير معنية من الأربعة ، فإما الحلقوم والودجان ، وإما المريء والحلقوم وأحد الودجين ، وإما المريء والودجان .

وثمة مسألة وهي الجنين إذا خرج بعد ذكاة أمه ميتا فإنه يحل أكله ، ذلك أن ذكاة الأم ذكاة لجنينها وهو مذهب جمهور العلماء . وقال به مالك والشافعي واستدلوا على ذلك بما أخرجه الدارقطني من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعلي وعبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ذكاة الجنين ذكاة أمه " . وقالت الحنفية : إذا خرج ميتا بعد ذكاة أمه فهو ميتة لا يحل أكله{[891]} .

عاشرا : وما ذبح على النصب . والنصب حجارة كانت حول الكعبة ، قيل : ثلاثمائة وستون نصبا كانت العرب في الجاهلية يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب ، فنهى الله المؤمنين عن فعل ذلك وحرم عليهم أكل الذبائح التي ذبحت عند النصب حتى لو ذكر عليها اسم الله عند الذبح عند النصب{[892]} . وقيل ، النصب بمعنى الأصنام ، لأنها تنصب فتعبد من دون الله . والراجح أن النصب أحجار كان الجاهليون ينصبونها حول الكعبة ، وكانوا يذبحون عندها للأصنام ، ويلطخونها بالدماء ، ويضعون اللحوم عليها ، وهو نظير القول الأول .

وقوله : { على } فيه وجهان ، أحدهما : أن على بمعنى اللام . أي ما ذبح للنصب ، أو من أجل النصب .

ثانيهما : أنها على أصلها ، والمعنى ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب{[893]} .

قوله : { وأن تستقيموا بالأزلام } الأزلام جمع زلم وهو القدح . أي وحرم عليكم الاستقسام بالأقداح . وذلك أنهم كانوا إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح ، مكتوب على أحدهما : " أمرني ربي " . ومكتوب على الثاني " نهاني ربي " . وأبقوا الثالث غفلا لم يكتب عليه شيء . فإن خرج الآمر مضوا لحاجتهم . وإن خرج الناهي لم يمضوا . وإن خرج الغفل أجالوها مرة ثانية ، والاستقسام بالأزلام معناه : طلب معرفة ما قسم لهم مما لم يقسم لهم وذلك عن طريق الأزلام{[894]} .

وقيل : المراد قداح الميسر وهي عشرة ، سبعة منها فيها حظوظ ، وثلاثة أغفال وكانوا يضربون بها مقامرة لهوا ولعبا . وقيل : الأزلام هي كعاب فارس والروم كانوا يتقامرون بها . وقيل : هي الشطرنج والاستقسام بهذا كله هو طلب القسم والنصيب ، وهو من أكل المال بالباطل وهو حرام . ونظير ذلك كل مقامرة بحمام أو نرد أو شطرنج أو بغير ذلك من هذه الألعاب فهو استقسام بما في معنى الأزلام . فهو حرام كله . وهو ضرب من ضروب الكهانة والتشبث بدعوى علم الغيب{[895]} .

وربما قيل : إن هذه الأعمال من باب الفأل . ومثل هذا القول باطل ، فإن الاستقسام بالأزلام على اختلاف صورها وضروبها ليس من الفأل في شيء . وإنما ذلك استشارة مع الأصنام واستعانة بها . ودل على هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم إذا أرادوا ذلك أتوا بيت أصنامهم وفعلوا ما فعلوا ، فلهذا صار حراما .

ومن جهة أخرى فإن الاستقسام بالأزلام فيه افتراء على الله إن أراد المستقسم بقوله " بربي " الله تعالى . أو فيه جهالة وشرك إن أراد المستقيم به الصنم . فكل ذلك حرام وهو ليس من باب الفأل الحسن الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه لما تنشرح به النفس وتستبشر ببلوغ المرام .

ومن حميد الخصال حسن الظن بالله سبحانه . وفي الحديث القدسي " أنا عند ظن عبدي بي " وعكس الفأل الطيرة . والفرق بينهما أن الفأل طريقه حسن الظن بالله ، لكن الطيرة طريقها الاتكال على غير الله .

على أن المؤمنين إذا ترددوا في أمر من أمورهم كان عليهم أن يستخيروا الله ، وذلك أن يعبدوه ويسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه . وفي هذا روى أحمد والبخاري وأهل السنن عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله صلى اله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن ويقول : " إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب . اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر – ويسميه باسمه – خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال – عاجل أمري وآجله – فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه . اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفني عنه واصرفه عني ، واقدر لي الخير حيث كنت ثم رضني به " .

قوله : { ذلكم فسق } اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ ، وخبره فسق . والإشارة هنا إلى الاستقسام بالأزلام . وقيل : إلى جميع ما تقدم من المحرمات ، فإن ذلك كله { فسق } أي خروج عن طاعة الله إلى معصيته ، أو خروج من الحلال إلى الحرام{[896]} .

قوله : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } أي يئس الذين كفروا أن ترجعوا إلى دينهم كفارا . واليأس معناه انقطاع الرجاء . والتقدير أن هؤلاء الكافرين قد انقطع رجاؤهم من إبطال دينكم ورجوعكم عنه باستحلال هذه المحرمات والخبائث .

أو أنهم استيأسوا من غلبتهم عليكم لما رأوه من إظهار الله لهذا الدين بعد أن وعد عباده المؤمنين بإعلاء شأنهم وإظهار دينهم على كل الأديان .

قوله : { فلا تخشوهم واخشون } أي لا تخافوا من الكافرين بعد أن أذلهم الله وأظهركم عليهم . وبعد أن عز شأن الإسلام وأعلا راية المسلمين . بعد ذلك ما كان لكم أن تخافوهم وإنما عليكم أن تخافوا من الله وحده دون غيره من المخاليق .

قوله : { اليوم أكملت لكم دينكم } نزلت هذه الآية يوم عرفة وكان يوم جمعة ، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأول ملوك الإسلام معاوية ، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس وسمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهم{[897]} . وقد تحقق إكمال الدين بكمال الإسلام في نظامه كله . هذا النظام الكبير الشاسع الذي تناول كل قضايا الحياة الدنيا يضمن للبشرية تمام السعادة في الدارين .

وكمال الإسلام حقيقة لا مراء فيها يقف عليها الدارسون وأولو الألباب والنظر ليروا عظمة هذا الدين بسعة مداه وامتداد شرعه وتفصيلاته التي غمرت الواقع كله حتى ما يكون من صغيرة ولا كبيرة من قضايا الدين والدنيا إلا وهي موضع حساب . ولم يمض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى حتى أكمل الله دينه بكمال حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه . فصار بذلك وافيا شاملا مراعيا لفطرة الإنسان تمام المراعاة . ولا جرم أن يكون ذلك جوهر الصلوح الأبدي لهذا الدين الحنيف السمح .

قوله : { وأتممت عليكم نعمتي } وذلك بفتح مكة ودخولها آمنين منتصرين وهزيمة الشرك والمشركين وهدم أركان الجاهلية بكل مقتضياتها من الظلم والفساد والضلال .

قوله : { ورضيت لكم الإسلام دينا } دينا منصوب على التمييز . وقيل : مفعول به ثان . وذلك إيذان من الله للمسلمين أنه اختار لهم دين الإسلام ليكون لهم الدين المرضي دون غيره من الأديان . ويؤكد ذلك قوله عز وعلا : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه }

وقوله : { إن الدين عند الله الإسلام } . قوله : { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } اضطر ، أي دعته ضرورة إلى فعل هاتيك المحظورات مثل أكل الميتة وغيرها من المحرمات والمخمصة تعني المجاعة . أو هي خلو البطن من الطعام وجمعه خماص ، ومنه الخبر " تغدو خماصا وتروح بطانا " أي تذهب في الصباح ضامرة البطون لخلوها من الطعام ، وتعود في المساء مليئة البطون شبعا .

والمتجانف ، من الجنف وهو الميل . والإثم المعصية وفعل الحرام : وقيل : معنى الإثم هنا أن يأكل فوق الشبع تلذذا . وقيل : أن يكون عاصيا بسفره .

وجملة القول أن من ألجأته ضرورة لتناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله في الآية . فإنه غير مؤاخذ بذلك ما دام غير متعمد ولا منحرف لفعل الحرام ولا مختار له ، ولذلك قال : { فإن الله غفور رحيم } {[898]} .


[883]:- المسفوح، أي المصبوب أو المسيل. ومنه سفح الدم إذا أراقه. وسفح الدمع إذا أرسله. انظر القاموس المحيط ص 287.
[884]:- القاموس المحيط ص 491.
[885]:- تفسير الرازي ج 11 ص 135 وتفسير ابن كثير ج 1 ص 8.
[886]:- القاموس المحيط ص 433 وتفسير الرازي ج 11 ص 135 والكشاف ج 1 ص 592 والدر المصون ج 4 ص 195.
[887]:- تفسير ابن كثير ج 2 ص 8.
[888]:- تفسير الرازي ج 1 ص 135 وروح المعاني للألوسي ج 5 ص 57.
[889]:- تفسير ابن كثير ج 2 ص 10 وتفسير القرطبي ج 6 ص 49 والقاموس المحيط ص 313.
[890]:- روح المعاني ج 6 ص 57، 58 وتفسير الرازي ج 11 ص 136 وبداية المجتهد ج 1 ص 467.
[891]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 54 وبداية المجتهد ج 1 ص 465.
[892]:- تفسير ابن كثير ج 2 ص 11.
[893]:- روح المعاني ج 6 ص 58 وتفسير القرطبي ج 6 ص 57.
[894]:- روح المعاني ج 6 ص 58 والكشاف ج 1 ص 393.
[895]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 59 وروح المعاني ج 6 ص 59.
[896]:- روج المعاني ج 6 ص 58، وتفسير القرطبي ج 6 ص 59، 60 وتفسير الرازي ج 11 ص 138.
[897]:- تفسير ابن كثير ج 1 ص 14.
[898]:- روح المعاني ج 6 ص 60 وتفسير الرازي ج 11 ص 143 والكشاف ج 1 ص 594 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 14.