ولما تقدم القيام إلى الصلاة ، وتقدم ذكر الأزواج المأمور فيهن بالعدل في أول النساء وأثنائها ، وكان في الأزواج المذكورات هنا الكافرات ، ناسب تعقيب ذلك بعد الأمر بالتقوى بقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان ، ولما كان العدل في غاية الصعوبة على الإنسان ، فكان لذلك يحتاج المتخلق به إلى تدريب كبير ليصير صفة راسخة ، عبر بالكون فقال تعالى : { كونوا قوّامين } أي مجتهدين في القيام على النساء اللاتي أخذتموهن بعهد الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، وعلى غيرهن في الصلاة وغيرها من جميع الطاعات التي{[24504]} عاهدتم على الوفاء بها .
ولما كان مبنى السورة على الوفاء بالعهد الوثيق ، وكان الوفاء بذلك إنما يخف{[24505]} على النفوس ، ويصح النشاط فيه ، ويعظم العزم عليه بالتذكر{[24506]} بجلالة موثقه وعدم انتهاك حرمته ، لأن{[24507]} المعاهد إنما يكون باسمه ولحفظ حده ورسمه ، قدم قوله : { لله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء .
ولما كان من جملة المعاقد{[24508]} عليه ليلة العقبة " ليلة تواثقوا على الإسلام " أن يقولوا بالحق حيث ما كانوا ، لا يخافون في الله لومة لائم ، قال : { شهداء } أي متيقظين محضرين أفهامكم غاية الإحضار{[24509]} بحيث لا يسد عنها شيء مما تريدون{[24510]} الشهادة به { بالقسط } أي العدل ، وقال الإمام أبو حيان في نهره : إن التي جاءت{[24511]} في سورة النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين ، فبدأ{[24512]} فيها بالقسط الذي هو العدل{[24513]} والسواء{[24514]} من غير محاباة نفس ولا والد{[24515]} ولا قرابة ، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والاحن ، فبدىء{[24516]} فيها بالقيام لله إذ كان الأمر بالقيام لله أولاً أردع للمؤمنين{[24517]} ، ثم أردف بالشهادة بالعدل ، فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدىء فيها بما هو آكد وهو القسط ، و{[24518]} التي في معرض العداواة والشنآن ، بدىء{[24519]} فيها بالقيام لله ، فناسب كل معرض ما جيء به إليه ، وأيضاً فتقدم هناك حديث النشوز والإعراض وقوله{ ولن تستطيعوا أن تعدلوا{[24520]} }[ النساء : 129 ] وقوله
{ فلا جناح عليهما أن يصلحا{[24521]} }[ النساء : 128 ] فناسب ذكر{[24522]} تقديم القسط ، وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن يجاورها ذكر القسط - انتهى .
ولما كان{[24523]} أمر بهذا الخبر ، نهى مما يحجب{[24524]} عنه فقال : { ولا يجرمنكم } أي يحملنكم { شنئان قوم } أي{[24525]} شدة عداوة من لهم قوة على القيام في الأمور من المشركين ، بحيث يخشى من إهمالهم ازدياد قوتهم { على ألا تعدلوا } أي أن{[24526]} تتركوا قصد العدل ، وهو يمكن أن يدخل فيه بغض أهل الزوجة الكافرة أو ازدراؤها{[24527]} في شيء من حقوقها لأجل خسة دينها ، فأمروا بالعدل حتى بين هذه{[24528]} المرأة الكافرة وضرّاتها المسلمات ، وإذا{[24529]} كان هذا شأن الأمر به في الكافر فما الظن به في المسلم ؟ ثم استأنف قوله آمراً بعد النهي تأكيداً{[24530]} لأمر العدل : { اعدلوا } أي تحروا العدل واقصدوه في كل شيء حتى في هذه الزوجات وفيمن يجاوز{[24531]} فيكم الحدود ، فكلما عصوا الله فيكم أطيعوه{[24532]} فيهم ، فإن الذي منعكم من التجاوز خوفه يريكم من النصرة وصلاح الحال ما يسركم .
ولما كان ترك{[24533]} قصد العدل{[24534]} قد يقع لصاحبه{[24535]} العدل اتفاقاً ، فيكون قريباً من التقوى ، قال مستأنفاً و{[24536]} معللاً : { هو } أي قصد العدل { أقرب } أي من ترك قصده { للتقوى } والإحسان الذي يتضمنه الصلح أقرب من العدل إليها ، وتعدية { أقرب } باللام دون إلى المقتضية لنوع بعد زيادة في الترغيب - كما مر{[24537]} في البقرة ؛ ولما كان الشيء لا يكون إلا بمقدماته ، وكان قد علم من هذا أن العدل مقدمة التقوى ، قال عاطفاً على النهي أو على نحو : فاعدلوا{[24538]} : { واتقوا الله }{[24539]} أي اجعلوا{[24540]} بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية بالإحسان{[24541]} فضلاً عن العدل ، ويؤيد كون الآية ناظرة إلى النكاح مع ما ذكر{[24542]} ختام آية الشقاق التي في أول النساء بقوله
{[24543]}إن الله{[24544]} كان عليماً خبيراً{[24545]} }[ النساء : 35 ] ، وختام قوله تعالى في أواخرها وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو اعراضاً بقوله { فإن{[24546]} الله كان بما تعملون خبيراً } وختام هذه بقوله معللاً{[24547]} لما قبله{[24548]} : { إن الله } أي المحيط بصفات الكمال { خبير بما تعملون* } لأن ما بين الزوجين ربما دق علمه عن إدراك غير العليم الخبير ؛ وقال أبو حيان : لما كان الشنآن محله القلب ، وهو الحامل على ترك العدل ، أمر بالتقوى وأتى بصفة { خبير } ومعناها عليم ولكنها مما تختص{[24549]} بما لطف إدراكه انتهى . { وشهداء } يمكن أن يكون من الشهادة{[24550]} التي هي حضور القلب - كما تقدم من قوله{ أو ألقى السمع وهو شهيد{[24551]} }[ ق : 37 ] وأن يكون من الشهادة المتعارفة ، ويوضح المناسبة فيها مع تأييد إرادتها كونها بعد قوله{ إن الله عليم بذات الصدور }[ آل عمران : 119 ] ومع قوله تعالى :{ ومن يكتمها فإنه آثم قلبه{[24552]} }[ البقرة : 283 ] وختام آية النساء التي في الشهادة بقوله{[24553]} :{ وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً{[24554]} }[ النساء : 135 ] كما ختمت هذه بمثل ذلك .
قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هم أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } .
سبب نزول هذه الآية أنه لما فتح المسلمون مكة أمرهم الله أن لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم من مكروه وعدوان ، بل أن يعاملوهم بالعدل والإحسان في القول والفعل{[915]} .
وقوله : { كونوا قوامين } أي كثيري القيام بحقوق الله عليكم تعظيما لشأنه وإقرارا بربوبيته وإظهارا لعبوديته . ومما يقتضيه ذلك تأدية الشهادة على وجهها الحق من غير زيغ ولا ميل ولا محاباة في كل الأحوال والظروف . وهو قوله : { بالقسط } أي العدل . وذلكم هو خلق المسلم إذ يقضي بين الناس فلا يضل أو يميل ولا يحابي أو يداهن لأيما اعتبار من الاعتبارات الشخصية وإنما يقضي أو يشهد بالحق .
قوله : { ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا } أي لا يحملنكم بغضكم لقوم كان بينكم وبينهم عداوة – أن تحيفوا عليهم أو تميلوا عن العدل فتظلموهم وتجوروا في معاملتهم في القول أو الفعل . ما كان ذلك ليفعله المسلمون الأتقياء الأوفياء الذين ديدنهم أن لا يزيغوا عن صراط الله المستقيم وعن الحكم أو الشهادة بالعدل .
ما كان المسلمون الأتقياء الأوفياء ليزيغوا عن طريق العدل فيحيفوا على غيرهم لكونهم مشركين أو لما أنزلوه في ساحة المسلمين من جرائم ومظالم . إن المسلمين الأتقياء يخشون الله تمام الخشية فلا يعصونه فيما أمرهم به ليبادروا بأداء الشهادة على وجهها القويم الحق . فلا يصدنهم عن ذلك عداوة لقوم أو أحد ، ولا يزيغن بهم عن مقالة الصدق والعدل حافز من حوافز الهوى الظالم الذي تصطنعه المصالح الشخصية أو علائق الدم والقربى أو غير ذلك من الأهواء والاعتبارات المرفوضة .
وقوله : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } ذلك تكرير مؤثر يؤكد على مداومة العدل في كل الأحوال . ولا جرم أن ذلك خلق المسلمين الأتقياء الأوفياء الذين يخافون الله فلا يعصونه فيما أمر أو نهى وزجر .
قوله : { واتقوا الله إن الله خبير بما تعلمون } ذلك تأكيد آخر على التزام التقوى ، وهي جماع الخير كله . فالتقوى تنشر في أطواء النفس حب الله والخوف منه فما يكون أحد ولا كائن ولا محبوب أشد حبا للمؤمن من الله ولا أعظم مخوفا له منه سبحانه . وهو سبحانه يعلم ما يكتسبه الناس من خير أو شر ، ويعلم ما يختلج في نفوسهم من أسرار ونوايا فقال سبحانه : { إن الله خبير بما تعلمون } .