نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (5)

ولما كان قد تقدم النهي عن نكاح المشركات ، والمنافرة لجميع أصناف{[24335]} الكفار ، وبيان بغضهم وعداوتهم ، والحث على طردهم ومنابذتهم

{ هآ أنتم أولاء{[24336]} تحبونهم{[24337]} }[ آل عمران : 119 ] ونحوها لضعف{[24338]} الأمر إذ ذاك وشدة الحاجة إلى إظهار الفظاظة{[24339]} والغلظة لهم لتعظيم دين الله ، حتى كانت خلطتهم من أمارات النفاق . كما سيأتي في كثير من آيات هذه السورة ، وكان الدين{[24340]} وصل عند نزولها من العظمة إلى حد لا يحتاج في إلى تعظيم معظم ، وكانت مخالطة أهل الكتاب لا بد منها عند فتوح البلاد التي وعد الصادق بها وسبق في الأزل علمها ، فكانت{[24341]} الفتنة في مخالطتهم قد صارت في حد الأمن{[24342]} وسّع الأمر بحل طعامهم ونسائهم ، فقال تعالى مكرراً ذكر الوقت الذي أنزل فيه هذه الآيات ، تنبيهاً على عظم النعمة فيه بتذكر ما هم فيه من الكثرة والأمن والجمع والألفة ، وتذكر ما كانوا فيه قبل ذلك من القلة والخوف والفرقة ، فقال معيداً لصدر الآية التي قبلها إعلاماً بعظم النعمة فيه{[24343]} ، ومفيداً بذكر وقت الإحلال أنه إحلال مقصود به الثبات ، لكونه يوم إتمام النعمة فهو غير الأول : { اليوم } .

ولما كان القصد إنما هو الحل ، لا كونه من محل{[24344]} معين ، مع أن المخاطبين بهذه الآيات يعلمون أنه لا محل إلا الله ، بني الفعل{[24345]} للمجهول فقال{[24346]} : { أحل } أي ثبت الإحلال فلا ينسخ أبداً { لكم } أي أيها المؤمنون { الطيبات } أي التي تقدم في البقرة وصفها بالحل لزوال الإثم وملاءمة الطبع ، فهي الكاملة في الطيب .

ولما كانت الطيبات أعم من المآكل قال : { وطعام الذين } ولما كان سبب الحل الكتاب ، ولم يتعلق بذكر مؤتيه غرض ، بني الفعل للمجهول فقال : { أوتوا الكتاب } أي{[24347]} مما يصنعونه أو يذبحونه ، وعبر بالطعام الشامل لما ذبح وغيره وإن كان المقصود المذبوح ، {[24348]} لا غيره{[24349]} ، ولا يختلف حاله من كتابي ولا غيره تصريحاً بالمقصود { حل لكم{[24350]} } أي تناوله لحاجتكم ، أي مخالطتهم للإذن في إقرارهم على دينهم بالجزية ، ولما كان هذا مشعراً بإبقائهم{[24351]} على ما اختاروا لأنفسهم زاده تأكيداً بقوله : { وطعامكم حل لهم } أي فلا عليكم في بذله لهم ولا عليهم في تناوله .

ولما كانت الطيبات أعم من المطاعم{[24352]} وغيرها ، وكانت الحاجة إلى المناكح بعد الحاجة إلى المطاعم ، وكانت المطاعم حلالاً من الجانبين والمناكح من جانب واحد قال : { والمحصنات } أي{[24353]} الحرائر { من المؤمنات } ثم أكد الإشارة إلى إقرار أهل الكتاب فقال : { والمحصنات } أي الحرائر { من الذين أوتوا الكتاب } وبني الفعل للمفعول للعلم بمؤتيه مع أنه لم يتعلق بالتصريح به غرض{[24354]} .

ولما كان إيتاؤهم الكتاب لم يستغرق{[24355]} الزمن الماضي ، أثبت الجار فقال : { من قبلكم } أي وهم اليهود والنصارى ، وعبر عن العقد بالصداق للملابسة فقال مخرجاً للأمة لأنها لا تعطى الأجر وهو الصداق{[24356]} ، لأنها لا تملكه بل يعطاه{[24357]} سيدها : { إذا آتيتموهن أجورهن } أي عقدتم لهن{[24358]} ، ودل مساق الشرط على تأكد وجوب الصداق ، وأن من تزوج وعزم على عدم الإعطاء ، كان في صورة الزاني ، وورد فيه حديث ، وتسميته بالأجر تدل{[24359]} على أنه لا حد لأقله .

ولما كان المراد بالأجر المهر ، وكان في اللغة يطلق على ما يعطاه{[24360]} الزانية أيضاً ، بينه بقوله : { محصنين } أي قاصدين الإعفاف والعفاف { غير مسافحين } أي قاصدين صب الماء لمجرد الشهوة جهاراً { ولا متخذي أخذان } أي صدائق لذلك في السر ، جمع خدن ، وهو يقع على الذكر والأنثى ، فكانت هذه الآية مخصصة لقوله تعالى

{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن{[24361]} }[ البقرة : 221 ] فبقي على التحريم مما تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من الوثنيات وغيرهن من جميع المشركات حتى المنتقلة من الكتابيات من دينها إلى غير دين الإسلام ، وصرح هنا{[24362]} بالمؤمنات المقتضي لهن قوله تعالى في النساء

{ وأحل لكم ما وراء ذلكم{[24363]} }[ النساء : 24 ] وقوله

{[24364]}{ ومن{[24365]} لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات }[ النساء : 25 ] ، ولعل ذكر وصف الإحصان الواقع على العفة للتنبيه على أنه لا يقصد المتصفة بغيره لمجرد الشهوة إلا من سلب{[24366]} الصفات البشرية ، وأخلد إلى مجرد الحيوانية ، فصار في عداد البهائم ، بل أدنى ، مع أن التعليق بذلك الوصف لا يفهم الحرمة عند فقده ، بل الحل من باب الأولى ، لأن من حكم مشروعية النكاح الإعفاف ، فإذا شرع إعفاف العفائف كان شرع إعفاف غيرهن أولى ، لأن زناها إما لشهوة أو حاجة{[24367]} ، وكلاهما للنكاح مدخل عظيم في نفيه . والله أعلم .

ولما كان السر في النهي عن نكاح المشركات في الأصل ما يخشى من الفتنة ، وكانت الفتنة - وإن علا الدين روسخ الإيمان واليقين . لم تنزل عن درجة الإمكان ، وكانت الصلاة تسمى إيماناً لأنها من أعظم شرائعه

{ وما كان الله ليضيع إيمانكم{[24368]} }[ البقرة : 143 ] أي صلاتكم ، وروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن قرط رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول ما يحاسب به العبد{[24369]} يوم القيامة الصلاة ، فإن صلحت صلح سائر عمله ، وإن فسدت فسد سائر عمله " وله في الأوسط أيضاً بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة ينظر في صلاته ، فإن صلحت فقد أفلح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر " وكانت مخالطة الأزواج مظنة للتكاسل عنها ، ولهذا أنزلت آية

{ حافظوا على الصلوات{[24370]} }[ البقرة : 238 ] كما{[24371]} مضى بالمحل الذي هي{[24372]} به ، لما كان ذلك كذلك ختمت هذه الآية بقوله تعالى منفراً من نكاحهن بعد إحلاله ، إشارة إلى أن الورع ابتعد{[24373]} عنه ، امتثالاً للآيات الناهية عن موادة المحاد لئلا يحصل ميل فيدعو إلى المتابعة ، أو يحصل ولد ، فتستميله{[24374]} لدينها : { ومن } أي أحل لكم ذلك والحال أنه من { يكفر } أي يوجد ويجدد الكفر على وجه طمأنينة القلب به{[24375]} والاستمرار عليه إلى الموت { بالإيمان } أي بسبب التصديق القلبي بكل ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب ، الذي منه حل الكتابيات ، {[24376]} فيدعوه ذلك{[24377]} إلى نكاحهن ، فتحمله الخلطة على اتباع دينهن ، فيكفر بسبب ذلك التصديق فيكفر{[24378]} بالصلاة التي يلزم{[24379]} من{[24380]} الكفر بها الكفر{[24381]} به ، فإطلاقه عليها{[24382]} تعظيم لها

وما كان الله ليضيع إيمانكم{[24383]} }[ البقرة : 143 ] أي صلاتكم { فقد حبط } أي فسد { عمله } أي إذا اتصل ذلك بالموت بدليل قوله : { وهو في الآخرة من الخاسرين * } والآية من أدلة إمامنا الشافعي على استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه ، فحيث قصد التحذير من الكفر حقيقة فالإيمان حقيقة{[24384]} وحيث أريد الترهيب من إضاعة الصلاة فهو مجاز ، ومما يؤيد{[24385]} ذلك أن في السفر الثاني من التوراة : لا تعاهدن{[24386]} سكان الأرض لكيلا تضلوا بأوثانهم ، وتذبحوا لآلهتهم ، أو يدعوك فتأكل من ذبائحهم ، وتزوج بنيك{[24387]} من بناتهم وبناتك من بنيهم ، فتضل{[24388]} بناتك خلف آلهتهم{[24389]} ويضل بنوك بآلهتهم ، وقال في الخامس منها : وإذا أدخلكم الله ربنا الأرض التي تدخلونها لترثوها ، وأهلك{[24390]} شعوباً كثيرة من بين أيديكم : حتانيين وجرجسانيين{[24391]} وأمورانيين وكنعانيين وفرزانيين{[24392]} وحاوانيين ويابسانيين . سبعة{[24393]} شعوب أكثر وأقوى منكم ، ويدفعهم الله ربكم في أيديكم فاضربوهم واقتلوهم وانفوهم وحرموهم ولا تعاهدوهم عهداً{[24394]} ولا ترحموهم ، وتحاشوهم{[24395]} ولا تزوجوا بناتكم من بنيهم ، ولا تزوجوا بنيكم من بناتهم{[24396]} لئلا يغوين بنيكم عن عبادتي ، ويخدعنهم فيعبدوا آلهة أخرى ، ويشتد غضب الرب عليكم ويهلككم سريعاً ، ولكن اصنعوا بهم هذا الصنيع : استأصلوا مذابحهم ، و{[24397]} كسروا أنصابهم{[24398]} ، وحطموا أصنامهم المصبوغة ، وأحرقوا أوثانهم المنحوتة ، لأنكم شعب طاهر لله ربكم - انتهى . وإذا تأملت جميع{[24399]} ذلك ، وأمعنت{[24400]} فيه النظر لاح لك سرُّ تعقيبها بقوله تعالى في سياق مشير إلى البشارة بأن هذه الأمة تطيع ولا تعصى فتؤمن ولا تكفر ، لما خص به كتابها من البيان الأتم في النظم المعجز مع{[24401]} شرف التذكير بما أفاضه من شرف{[24402]} جليل الأيادي ، فافتتح هذه السورة بالأمر بالوفاء بحق الربوبية ، وأتبعه التذكير بما وفى به سبحانه من حق الربوبية من نوع المنافع في لذة المطعم وتوابعه ولذة المنكح وتوابعه ، وقدم المطعم لأن الحاجة إليه فوق الحاجة إلى المنكح ،


[24335]:سقط من ظ.
[24336]:سقط من ظ.
[24337]:سورة 3 آية 119.
[24338]:في ظ: الضعف.
[24339]:في ظ: ألفاظه- كذا.
[24340]:زيد من ظ.
[24341]:من ظ، وفي الأصل: وكانت.
[24342]:زيد بعده في الأصل: من، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[24343]:سقط من ظ.
[24344]:في ظ: حل.
[24345]:من ظ، وفي الأصل: المفعول.
[24346]:زيد من ظ.
[24347]:زيد من ظ.
[24348]:في ظ: لأن.
[24349]:في ظ: لأن.
[24350]:زيد من ظ والقرآن الكريم.
[24351]:من ظ، وفي الأصل: باتقائهم.
[24352]:زيد بعده في ظ: وكانت المطاعم.
[24353]:زيد بعده في ظ: من.
[24354]:في ظ: عوض.
[24355]:في ظ: يستغرق.
[24356]:العبارة من هنا إلى "يعطاه سيدها" تكررت في ظ بعد "وجوب الصداق".
[24357]:في ظ: يعطاها.
[24358]:في ىظ: بهن.
[24359]:في ظ: يدل.
[24360]:من ظ، وفي الأصل: تعطاه.
[24361]:سورة 2 آية 221.
[24362]:في ظ: هناك.
[24363]:من ظ والقرآن الكريم- آية 24، وفي الأصل: ذلك.
[24364]:من القرآن الكريم- آية 25، وفي الأصل و ظ: فمن.
[24365]:من القرآن الكريم- آية 25، وفي الأصل و ظ: فمن.
[24366]:في ظ: سبب.
[24367]:من ظ، وفي الأصل: إباحة.
[24368]:سورة 2 آية 143.
[24369]:سقط من ظ.
[24370]:سورة 2 آية 238.
[24371]:من ظ، وفي الأصل: لما.
[24372]:سقط من ظ.
[24373]:في ظ: اصدع.
[24374]:في ظ: فتستمليه.
[24375]:سقط من ظ.
[24376]:في ظ: فيدعوا بذلك.
[24377]:في ظ: فيدعوا بذلك.
[24378]:في ظ: ويكفر.
[24379]:في ظ: لم يلزم.
[24380]:من ظ، وفي الأصل: في.
[24381]:تكرر في ظ.
[24382]:من ظ، وفي الأصل: عليه.
[24383]:سورة 2 آية 143.
[24384]:زيد من ظ.
[24385]:في ظ: يوكد.
[24386]:من نص التوراة، وفي الأصل و ظ: لا تعاهدون.
[24387]:في ظ: ابنك.
[24388]:في ظ: فيضل.
[24389]:في ظ: إلههم.
[24390]:من ظ، وفي الأصل: أهل.
[24391]:من ظ والتوراة، وفي الأصل: جرسنانيين.
[24392]:زيد من نص التوراة.
[24393]:من ظ والتوراة، وفي الأصل: شعبة.
[24394]:في ظ: عبدا.
[24395]:في ظ: تحاسوهم.
[24396]:زيد من ظ والتوراة.
[24397]:في ظ: نشروا الصبائهم- كذا.
[24398]:في ظ: نشروا الصبائهم- كذا.
[24399]:زيد من ظ.
[24400]:من ظ، وفي الأصل: معنت.
[24401]:في ظ: من.
[24402]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (5)

قوله تعالى : { اليوم أحل لكم الطيبت وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ءاتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخذان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين } أعاد قوله : { اليوم } على سبيل التأكيد . والمراد باليوم الوقت الذي جاء في الإسلام ليحل للمؤمنين الطيبات وليحرم عليهم الخبائث . وقد بينا الطيبات في الفقرات السابقة .

وقوله : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } طعام مبتدأ ، وخبره ، حل لكم . والمراد بطعامهم ذبائحهم . وقيل : جميع مطامعهم . والأول الراجح وهو قول أكثر المفسرين ، لأن غير الذبائح لم يختلف في حله . والذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى ، فإن ذبائحهم تحل للمسلمين . أما المجوس فإنه يسن بهم سنة أهل الكتاب من حيث أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحه ونكاح نسائهم ، وذلك لإجماع أكثر المسلمين على ذلك ، ولما رواه البيهقي عن الحسن بن محمد بن علي قال : " كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام ، فمن أسلم قبل ، ومن أصر ضربت عليه الجزية غير ناكحي نسائهم " وهو مرسل .

واختلف العلماء في حل ذبيحة اليهودي والنصراني إذا ذكر عليها اسم غير الله تعالى ، مثل عزير ، والمسيح . فقد ذهب أكثر العلماء إلى أنها تحل استنادا إلى عموم الآية . فقد أحل الله ذبائح أهل الكتاب وهو يعلم ما يقولون . وقال ابن عمر : لا تحل . وقول سائر العلماء بالحل هو الصواب .

وقال الحسن البصري : إذا ذبح اليهودي أو النصراني فذكر اسم غير الله تعالى وأنت تسمع فلا تأكل . فإذا غاب عنك فكل فقد أحل الله تعالى لك .

وقوله بعدم الحل عند السماع لا يصح لمخالفته عموم الآية وهي يدل ظهرها على حل ذبائح أهل الكتاب من غير تقييد .

وجدير بالذكر هنا جواز الأكل والشرب والطبخ في أوان الكفار كلهم سواء كانوا كتابيين أو مشركين على اختلاف شركهم ، إلا أن تكون أوانيهم من الذهب أو الفضة أو جلد الخنزير . فإن كانت من غير ذلك جاز استعمالها للأكل والشرب بعد أن تغسل أو تغلى ، وذلك لأن الكفار لا يعبأون بالنجاسات تصيب آنيتهم ، فإذا استعملوها وجب غسلها لتطهيرها . وإن كانت من الفخار وجب غلي الماء غليا لإزالة النجاسة السارية في أجزاء الفخار .

قوله : { وطعامكم حل لهم } أي مباح لكم إطعام أهل الكتاب من ذبائحكم مثلما أكلتم من ذبائحهم . وهو من باب المكافأة والمجازاة{[901]} .

قوله : { والمحصنات من المؤمنات } معطوف على الطيبات . أو مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره حل لكم والمراد بالمحصنات من المؤمنات العفائف . وقيل : الحرائر . وقيل : العفائف الحرائر ، أي أحل لكم نكاح العفائف الحرائر من النساء المؤمنات .

وقوله : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } فقد قيل : أراد بالمحصنات الحرائر دون الإماء . وقيل : المحصنات العفيفات عن الزنا . يؤكد ذلك قوله { محصنات غير مسافحات } .

على أن المراد بالكتابيات الذميات دون الحربيات ، وهو قول أكثر الفقهاء . وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى نكاح النصرانية ويقول : لا أعلم شركا أعظم من أن تقول إن ربها عيسى وقد قال الله : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } على أن قول ابن عمر مرجوح . والصحيح قول أكثر أهل جواز نكاح الكتابيات استنادا إلى ظاهر الآية . وقيل كذلك يدخل في الكتابيات الحربيات فضلا عن الذميات .

قوله : { إذا ءاتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين } المقصود بالأجور هنا المهور . وقد قيد النكاح بإيتاء المهور للتأكيد على وجوبها – أي المهور ، وقوله : { محصنين } حال منصوب . أي أعفاء بالنكاح .

وقوله : { غير مسافحين } حال ثانية . وقيل : صفة لمحصنين . أي غير مجاهرين بالزنا . والسفاح معناه الزنا على سبيل الإعلان .

وقوله : { ولا متخذي أخذان } أخذان جمع خدن . والخدن بالكسر معناه في اللغة الصاحب . ويراد به ههنا ذو العشيقة ، واتخاذ الخدن هو الزنا في السر .

قوله : { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } أي يكفر بشرائع الإسلام ومن جملتها أحكام الحل والحرمة هنا ، أو يمتنع عن قبولها . فمن كان هذا شأنه فقد حبط عمله . أي زال ثواب إيمانه وعمله قبل كفره .

وقوله : { وهو في الآخرة من الخسرين } أي الهالكين الذين أفضى بهم كفرهم واستنكافهم عن شريعة الله إلى عذاب الله ونكاله{[902]} .


[901]:- روح المعاني ج 6 ص 65 ابن كثير ج 2 ص 20 وتفسير القرطبي ج 6 ص 78.
[902]:- روح المعاني ج 6 ص 66، 67 والكشاف ج 1ص 595-597 وتفسر الرازي ج 11 ص 148-152 والقاموس المحيط ص 1540.