ولما بين وظيفة الرسل ، وقسم المرسل إليهم ، أمره بنفي ما يتسبب{[29689]} عنه قولهم من أن البشر لا يكون رسولاً ، واقتراحهم عليه الآيات من ظن قدرته على ما يريد ، {[29690]} أو أن كل ما يقدر عليه يبديه لهم{[29691]} ، أو إلزامه بذلك{[29692]} ، منها لهم على وجه ظلمهم بغلظهم أو عنادهم فقال : { قل } أي{[29693]} في جواب قولهم ( لولا أنزل عليه آية }[ يونس : 20 ] ونحوه .
ولما لم{[29694]} يكن لهم عهد بأن بشراً يكون عنده الخزائن ، يتصرف فيها بما يريد ، وكان يأتيهم من الآيات من انشقاق القمر ومشي الشجر وكلام الضب والحجر ونبع الماء والحراسة بشواظ النار وفحل الجمال ونحو ذلك مما هو معلوم في دلائل النبوة بما ربما أوقع{[29695]} في ظنهم أن لازمه دعواه لأنه يملك الخزائن ، فكانوا يقترحون عليه الآيات الدالة إلزاماً له{[29696]} بذلك{[29697]} لقصد التكذيب . نفى ما ظنوا أنه يلزمه دعواه فقال : { لا{[29698]} أقول لكم } أي الآن ولا فيما يستقبل من الزمان ، ولما كان تعالى قد أعطاه مفاتيح خزائن الأرض ، فأباها{[29699]} تواضعاً لله سبحانه ، قيد بقوله " لكم " إفهاماً لما يخبر به المؤمنين من ذلك ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ، وأما الكفرة فإن إخبارهم بذلك مما يغريهم على الاقتراحات استهزاء فلا فائدة له { عندي خزائن الله } أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق والعزة البالغة ، فلا كفوء له أي{[29700]} فآتيكم ما تقترحون{[29701]} من الآيات وما تشتهونه{[29702]} من الكنوز وما{[29703]} تستهزئون به{[29704]} من العذاب ، وإنما الخزائن بيده ، يفعل فيها ما يشاء .
ولما كانوا يعهدون أن بعض البشر من الكهان يخبرون بشيء من المغيبات ، وكان الكهان يخلطون الصدق بالكذب ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم بمغيبات كثيرة فيكون كما قال دائماً لا خلف في شيء منها ولا زيادة ولا نقص ، فصاروا يظنون أنه يعلم الغيب ، ولكنهم يظنونه من آيات{[29705]} الكهان حتى أطلقوا عليه أنه كاهن ، فكانوا يسألونه عن وقت العذاب الذي يتوعدهم به وعن غيره ، لعلهم{[29706]} يظفرون عليه{[29707]} بشيء مما يقوله الكهان ولا يكون ، فيعدونه عليه ؛ نفى ما ظنوه غيره على هذا المقام أن ينسب{[29708]} إلى غير مالكه الذي لا يجوز أن يكون لغيره ، فقال نافياً له من أصله ، لا للقول فقط كما في سابقه ولاحقه ، عاطفاً على { لا{[29709]} أقول } لا على { عندي } { ولا أعلم الغيب } أي فأخبركم بوقت الفصل بيني وبينكم من مطلق العذاب أو{[29710]} قيام الساعة ، فإن هاتين الحالتين - ملك الخزائن وعلم الغيب - ليستا{[29711]} إلا لمرتبة{[29712]} الألوهية ، وإنما لم أدّع الأول كما ألزمتموني به ، ولا اتصفت بالثاني بما ظننتم .
ولما كانوا يظنون أن الرسول لا يكون إلا ملكاً ، فكانوا يلزمونه بدعواه الرسالة دعوى الملائكة ليلزموه بذلك ادعاء ما هو ظاهر البطلان ، قال : { ولا أقول } أي بدعوى الرسالة ؛ ولما كان صلى الله عليه وسلم أعلى{[29713]} الأنبياء صفاء وأنورهم قلباً وأشدهم{[29714]} في كل هدى إضاءة وأنقاهم من نقائص البشر ، وكان هذا أمراً من الله له{[29715]} . قيد بقوله : { لكم } إفهاماً لأنه{[29716]} لا يمتنع{[29717]} عليه أن يقول ذلك ، بل لو قاله كان صادقاً ، ومثله كثير في مجازاتهم ومجاري عاداتهم{[29718]} في محاوراتهم{[29719]} ، وأما إسقاط " لكم " في قصة نوح من{[29720]} سورة هود{[29721]} عليهما السلام فتواضعاً منه لكونه من قوله ، من غير تصريح بإسناد الأمر فيه إلى الله تعالى { إني ملك } فأقوى على الأفعال التي تقوى{[29722]} عليها الملائكة من التحرز{[29723]} عن المأكل والمشرب وغيرهما من أفعال الملائكة .
فلما انتفى عنه ما ألزموه به وما{[29724]} ظنوه فيه من كونه إلهاً أو ملكاً ، انحصر الأمر في أنه رسول واقف عندما حده له مرسله ، فقال على وجه النتيجة : { إن } أي ما { أتبع } أي بغاية جهدي { إلا ما يوحى إلي } أي ما رتبتي إلا امتثال ما يأمرني به ربي في هذا القرآن الذي هو - بعجزكم عن معارضته - أعظم شاهد لي ، ولم يوح إلي فيه أن أقول شيئاً مما تقدم نفيه ، وأوحى إلي لأنذركم به خصوصاً ، وأنذر به كل من بلغه عموماً ، وذلك غير منكر في{[29725]} العقل ولا مستبعد{[29726]} بل قد وقع الإرسال لكثير من البشر ، وقد قام على ثبوته لي{[29727]} واضح الدلائل وثابت الحجج وقاطع البراهين ، فإن كان فيه الإذن لي{[29728]} بإبراز خارق أبرزته ، وإن كان فيه الإعلام بمغيب أبديته ، وإلا اقتصرت على الإبلاغ مع التحدي ، وهو مخبر بأن الله - الذي{[29729]} ثبت بعجزكم عن معارضته أنه قوله - شاهد لي بصحة الرسالة وصدق المقالة .
ولما{[29730]} ثبت بهذا أنهم عمي الأبصار والبصائر ، لا يهتدون إلى ما ينفعهم ، ولا يقدرون على إفحام خصم ولا التفصي عن وهم ولا وصم ، بل هم كالسالك بين المهالك ، يتبين بادئ بدئه في دعواه الحكمة زوره وكذبه وفجوره لأتباع الهوى الذي هو أدوأ أدواء{[29731]} ، {[29732]} وأنه{[29733]} صلى الله عليه وسلم أبصر البصراء وأحكم الحكماء لاتباعه علام الغيوب ، وكان موضع أن يقال : ما يوحى إليك في هذا المقام ؟ قال على وجه التبكيت لهم : { قل } أي لكل من يسمع{[29734]} قولك بعد هذا البيان الفائت لقوى الإنسان { هل يستوي } أي يكون سواء من غير مرية { الأعمى والبصير } فإن قالوا : نعم ، كابروا الحس ، وإن قالوا : لا ، قيل : فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير ، ومن أعرض عنها فهو العمى ، ومن سوى بين الخالق وبين شيء من خلقه فهو أعمى العمى ؛ ثم أمره بعد الإنكار للتسوية بينهما بأن ينكر عليهم فساد نظرهم وعمى فكرهم بقوله : { أفلا تتفكرون * } أي فيردكم فكركم{[29735]} عن هذه الضلالات{[29736]} .
قوله تعالى : { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ( 50 ) وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ( 51 ) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظلمين ( 52 ) وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ( 53 ) وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ( 54 ) وكذلك نفصل الأيت ولتستبين سبيل المجرمين } .
الخزائن جمع خزينة أو خزانة . وهي في الأصل ما يحفظ فيه من الأشياء النفائس . والمراد بالخزائن هنا رزق الله ومقدوراته . وذلك جواب لاقتراحات المشركين أن يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من ربه إنزال الآيات أو أن يقلب الجبال ذهبا أو أن يوسع عليهم منافع الدنيا وخيراتها ويفتح عليهم أبواب سعادتها . فخاطب الله نبيه أن يجيبهم { قل لا أقول لكم عندي خزئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك } أي لا أدعي أن خزائن الله مفوضة إلي فأتصرف فيها كيفما أشاء حتى تقترحوا علي فعل الخوارق من الأعمال فمثل ذلك ليس من شأني بل هو بيد الله القادر القاهر . وكذلك قال لهم : { ولا أعلم الغيب } وذلك أن القوم كانوا يظنون أن الذي يكون رسولا سيكون مطلعا على الغيب ومكتشفا لخوافي الأمور مما هو خفي مستور . فكانوا يقولون له : إن كنت رسولا من عند الله فأخبرنا عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح ودفع تلك المضار . فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم الغيب بل إن الغيب لا يعلمه إلا الله فكيف تسألوني ما ليس من شأني وما لا أملك .
وكذلك أمره ربه أن يقول لهم : { ولا أقول لكم إني ملك } ، لأنه لا ينبغي للملك أن يظهر بصورته لأنظار البشر في هذه الدنيا . وقد كانوا يتوهمون أن النبي ما ينبغي له أن يأكل الطعام ويمشي في الأسواق . ويفعل ما يفعله البشر ، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بملك ولكنه بشر بطبعه وصورته وأصله .
قوله : { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } يعني ما أتبع فيما أقوله لكم وأدعوكم إليه إلا ما أوحى إلي من ربي . فأنا لما جاءني من الله وحيا فأمضي لوحيه وأئتمر بأمره وأنزجر عن نواهيه . وتعرض في هذا الصدد مسألة وهي اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم . فقد اختلف العلماء في جواز اجتهاده عليه الصلاة والسلام وثمة مذاهب ثلاثة في هذه المسألة .
المذهب الأول : جواز الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم . وهو قول الجمهور . إذ ذهبوا إلى جواز الاجتهاد منه عليه السلام فيما فيه نص ، واحتجوا لذلك بعدة أدلة منها :
أولا : عموم قوله تعالى : { فاعتبروا يأولي الأبصار } والنبي صلى الله عليه وسلم كان أعلى الناس بصيرة وأعلمهم بالقياس . فهو بذلك حقيق أن يكون في جملة المأمورين هنا بالاعتبار .
ثانيا : الاجتهاد أكثر ثوابا لما فيه المشقة وبذل الجهد . وفي الحديث " أفضل العبادات أحمزها " {[1168]} أي أشقها . وقال . وقال عليه السلام : " ثوابك على قدر نصبك " {[1169]} أي تعبك . والأكثر ثوابا أولى وأفضل . وعلو درجته صلى الله عليه وسلم توجب أن لا يسقط عنه ذلك ، تحصيلا لمزيد الثواب . وكيلا يختص غيره بفضيلة ليست له .
ثالثا : العمل بالاجتهاد أدل على الفطانة وكمال البصيرة من العمل بالنص . وذلك لتوقف الاجتهاد على النظر الدقيق والقريحة المستجاشة . فلا يتركه النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه فضيلة .
المذهب الثاني : عدم جواز الاجتهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم . وهو قول الأشاعرة ، وهم التابعون لأبي الحسن الأشعري ، إذ منعوه شرعا وكذلك منعه أكثر المعتزلة عقلا . واحتجوا لذلك بعدة أدلة منها قوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى ( 3 ) إن هو إلا وحي يوحى } وكذلك هذه الآية التي نحن بصددها وهي { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } وهذا ظاهر في العموم وأن كل ما ينطق به فهو وحي وهو ينفي الاجتهاد ، لأنه قوله بالرأي . وأجيب عن ذلك بأن الظاهر من قوله : { وما ينطق } أنه رد لما كانوا يقولونه في القرآن من أنه مفترى ، فيختص بما بلغه وينتفي العموم .
ومنها : أنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لما أخر جوابا عما سئل عنه . وقد أخر كثيرا كما في الظهار واللعان . وفي هذا الاستدلال نظر . فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤخر الجواب في الظهار واللعان . بل أجاب في اللعان بقوله : " البينة أو الحد في ظهرك " وهو من رواية ابن ماجه عن ابن عباس . وكذلك قوله في الظهار " ما أرى إلا أنها قد بانت منك " ثم نسخ الحكمان بنزول آيتيهما .
المذهب الثالث : الوقف عن القطع بشيء من ذلك . هو أبي بكر الباقلاني والغزالي . وقال الشوكاني في رد ذلك : لا وجه للوقف في هذه المسألة لما قدمناه من الأدلة الدالة على الوقوع .
ويدل على علة وقوع الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } فقد عاتبه ربه على ما وقع منه . ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه . وكذلك معاتبه صلى الله عليه وسلم على أخذ الفداء من أسرى بدر بقوله : { ما كان لبني أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } إلى غير ذلك مما يدل على جواز الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم{[1170]} .
قوله : { قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون } الأعمى يراد به المشرك الظالم لنفسه ، والذي فسق عن دين الله وكذب رسله وجحد وشريعته .
وعمي عما الله من الأدلة والبراهين التي تكتشف عن وجه الحق . ويراد بالبصير ، المؤمن الذي وعى البينات والحجج وصدق رسل الله الكرام جميعا وأيقن أن القرآن حق . فهل يستوي هذان الاثنان ؟ لا جرم أنهما لا يستويان . كعدم استواء الحق والباطل ، أو كل متضادين متناقضين .
قوله : { أفلا تتفكرون } الاستفهام هنا للتقرير والتوبيخ . والمعنى : أفلا تمنعون التفكير والنظر فيما بيناه لكم من الدلائل والمعجزات التي تكشف عن حقيقة هذا الدين وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاءكم به من ربه ؟ أفلا تفرقون بين الحق القائم على التوحيد والذي جاء به الإسلام هداية للناس . والباطل القائم على الشرك والضلال والهوى ؟