نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (25)

ولما كان لمجيب ربما قال : ليس عليّ إلا الإجابة في خاصة نفسي ، وليس عليّ تعريض نفسي للأذى بالأخذ على يد غيري ، نبَّه سبحانه على أن ذلك منابذة{[34821]} للدين واجتثاث{[34822]} له من أصله ، لأن ترك العاصي على عصيانه كترك الكافر على كفرانه ، وذلك موجب لعموم البلاء ، ومزيد القضاء فقال تعالى : { واتقوا فتنة } أي بلاء مميلاً محيلاً إن لا تتقوه يعمكم ، هكذا كان الأصل ، لكن لما كان نهي الفتنة على إصابتهم أروع من سوق ذلك مساق الشرط ومن نهيهم عن التعرض لها لما فيه{[34823]} من تصوير حضورها وفهمها للنهي أتى به ، ولما كان نهيها عن تخصيص الظالم أشد روعة لإفهامه ، أمرها بأن تعم ؛ قال مجيباً للأمر : { لا تصيبن } ولحقه نون التأكيد لأن فيه معنى النهي { الذين ظلموا } أي فعلوا بموافقة المعصية ما{[34824]} لا يفعله إلا من لا نور له { منكم } أيها المأمورون بالتقوى { خاصة } أي بل تعمكم ، فهو نهي للفتنة والمراد نهي مباشرتها ، أي لا يفعل أحد منكم الذنب يصبكم أثره عموماً أو لا يباشر أسباب العذاب بعضكم والبعض الآخر مقر له يعمكم الله به ، وذلك مثل : لا أرينك هاهنا ، والمعنى فكن هاهنا فأراك فالتقدير{[34825]} : واجعلوا بينكم وبين البلاء العام وقاية بإصلاح ذات بينكم واجتماع كلمتكم على أمر الله ورد من خالف إلى أمر الله ولا تختلفوا كما اختلفتم{[34826]} في أمر الغنيمة فتفشلوا فيسلط عليكم عذاب عام من أعدائكم أو غيرهم ، فإن كان الطائع منكم أقوى من العاصي أو ليس أضعف منه فلم يرده فقد اشترك الكل في الظلم ، ذلك بفعله وهذا برضاه ، فيكون العذاب عذاب انتقام للجميع ؛ روى أصحاب السنن الأربعة وحسنه الترمذي عن أبي الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبة خطبها : أيها الناس ! إنكم تقرؤون هذه الآية وتأولونها على خلاف تأويلها

{ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلَّ إذا اهتديتم }{[34827]}[ المائدة : 105 ] إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده " ؛ وللترمذي وحسنه عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيده ! لتأمرن بالمعروف ولتنهون{[34828]} عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم " ؛ وللإمام أحمد عنه رضي الله عنه أنه قال : لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتحاضن على الخير أو ليسحتنكم{[34829]} الله جميعاً بعذاب أو ليؤمرن{[34830]} الله{[34831]} عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم{[34832]} . وهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي ، فإن كان الطائع أضعف من العاصي نزل على ما روى أبو داود والترمذي - وحسنه - وابن ماجه عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أنه قيل له{[34833]} :

" كيف تقول في هذه الآية { عليكم أنفسكم }{[34834]} [ المائدة : 105 ] فقال : أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام ، فإن من ورائكم أيام الصبر ، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله ، قال : يارسول الله ! أجر خمسين رجلاً منهم ؟ قال : أجر خمسين منكم " والأحاديث في مثله كثيرة{[34835]} ، وحينئذ يكون العذاب للعاصي نقمة وللطائع رحمة ويبعثون على نياتهم .

ولما حذرهم سبحانه عموم البلاء ، أتبعه الإعلام بأنه قادر مربوب ليلزموا سبيل الاستقامه فقال : { واعلموا أن الله } أي الذي له الإحاطة بصفات العظمة { شديد العقاب* } .


[34821]:في الأصل وظ: منابذ.
[34822]:من ظ، وفي الأصل: أجثاث.
[34823]:من ظ، وفي الأصل: فيها.
[34824]:في ظ: من.
[34825]:في ظ: والتقدير.
[34826]:زيد من ظ.
[34827]:سورة 5 آية 105.
[34828]:في ظ: لتنهن.
[34829]:من مسند الإمام أحمد 5/390، وفي الأصل: ليسحقكم، وفي ظ: ليسحقنكم ـ كذا.
[34830]:من ظ والمسند، وفي الأصل: ليأمرن.
[34831]:ليس في المسند.
[34832]:من ظ والمسند، وفي الأصل: لهم.
[34833]:سقط من ظ.
[34834]:سورة 5 آية 105.
[34835]:في ظ: كثير.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (25)

قوله تعالى : { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب } المراد بالفتنة هنا البلية . وقيل : الهرج ؛ وهو الاختلاط والقتل{[1646]} ، وقيل : الضلالة أو عدم إنكار المنكر ، أو التلهي بالأموال والأولاد . وقيل : الفتنة ، ظهور البدع . وقيل : افتراق الكلمة ، وأن يختلف الناس اختلافا كبيرا فيخالف يعضهم بعضا . وقيل مجموع ذلك كله . وهذا الخطاب ظاهره العموم باتقاء الفتنة وهو مجانبتها والحذر منها على اختلاف معانيها وصورها ؛ فإنها إذا نزلت لا تختص بالظالم وحده ولكنها تعم الصالح والطالح . وقد ذكر عن ابن عباس قال : أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب . فقد جاء في البخاري والترمذي أن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم اله بعذاب من عنده . وفي مسلم من حديث زينب بنت جحش : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : ( نعم إذا كثر الخبث ) والخبث ، بفتحتين ، معناه النجس . والمراد به هنا كثرة الذنوب{[1647]} روي أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ؛ من تشرف لها تستشرفه ، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به ) وفي الخبر : ( إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم ، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه . فإذا فعلوا ذلك عذاب الله العالمة والخاصة ) .

وقال المفسرون : نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعناه : تقوا فتنة تصيب الظالم وغير الظالم . وقال السحن البصير : نزلت الآية في علي وعمار وطلحة والزبير ( رضي الله عنهم ) . قال الزبير : لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرٍدانا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها ، يعني ما كان يوم الجمل . وقال السدي ومقاتل الضحاك وقتادة : هذا في قوم مخصوصين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم الفتنة يوم الجمل .

قوله : واعلموا أن الله شديد العقاب } ذلك تهديد للذين لا يتقون الله ، لا في أنفسهم ولا في دينهم ولا في المسلمين ؛ فهم يهلكون أنفسهم بإيقاعها في المعاصي والآثام ؛ إذ لا يأتمرون بأوامر الله ، فلا يأمرون الناس بالمعروف ولا يعظونهم أو ينبهونهم ، ولا يرغبونهم في دين الله وفعل الخيرات ، ولا ينهونهم عن المنكر ، ولا يحذرونهم منه تحذيرا ، ولا يبصرونهم بعواقبه البئيسة الوخيمة . وكذلك لا يتقون الله في المسلمين ؛ إذ يثيرون بينهم الاختلافات ويفتعلون بينهم المشكلات والقضايا من غير داع ولا جدوى إلا العبث وفساد القصد والفتنة وإشاعة الهرج والفوضى . وفي ذلك من خبيث المقاصد وسوء النوايا وفظاعة الأفعال المريبة الشريرة ما يستوجب أن يحيق العذاب الشديد من الله بأولئك الذين لا يرعون للإسلام والمسلمين أيما اعتبار أو اهتمام إلا الرغبة في الكيد والتدمير . أولئك الذين لا يبتغون ولا يرومون في الحياة إلا قضاء حاجاتهم ومصالحهم وشهواتهم وأهوائهم الذاتية بأي سبيل أو أسلوب .


[1646]:القاموس المحيط ص 268.
[1647]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 214.