نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (17)

ولما تقدم إليهم في ذلك ، علله بتقرير عزته وحكمته ، وأن النصر ليس إلا من عنده ، فمن صح إيمانه لم يتوقف عن امتثال أوامره ، فقال مسبباً عن تحريمه الفرار وإن كان العدو كثيراً ، تذكيراً بما صنع لهم في بدر ، ليجريهم على مثل ذلك ، ومنعاً لهم من الإعجاب{[34709]} بما كان على أيديهم في ذلك اليوم من الخوارق { فلم تقتلوهم } أي حلَّ على المدبر الغضب لأنه قد تبين لكل مؤمن أنه تعالى لا يأمر أحداً إلا بما هو قادر سبحانه على تطويقه له ، فإنه قد وضح مما يجري على قوانين العوائد أنكم لم تقتلوا قتلى بدر وإن تعاطيتم أسباب قتلهم ، لأنكم لم تدخلوا قلوب ذلك الجيش العظيم الرعب الذي كان سبب هزيمتهم التي كانت سبب قتل من قتلتم ، لضعفكم عن مقاومتهم في العادة ، وفيه مع ذلك زجر لهم عن أن يقول أحد منهم على وجه الافتخار : قتلت {[34710]}كذا وكذا{[34711]} رجلاً وفعلت{[34712]} كذا { ولكن الله } أي الذي له الأمر كله فلا يخرج شيء عن مراده { قتلهم } أي بأن هزمهم لكم لما رأوا الملائكة وامتلأت أعينهم من التراب الذي رماهم به صلى الله عليه وسلم وقلوبهم جزعاً حتى تمكنتم من قتلهم خرق عادة كان وعدكم بها ، فصدق مقاله وتمت أفعاله .

ولما رد ما باشروه إليه سبحانه ، أتبعه ما باشره نبيه صلى الله عليه وسلم دلالة على ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما رأى قريشاً مقبلة قال : اللهم ! هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب{[34713]} رسولك ، فقال جبرائيل عليه السلام : خذ قبضة من تراب فأرمهم بها ، ففعل فملأت{[34714]} أعينهم فانهزموا فقال : { وما رميت } أي يا سيد المؤمنين الرمل في أعين الكفار { إذ رميت } أي أوقعت صورة قذفه من كفك ، لأن هذا الأثر الذي وجد عن رميك خارق للعادة ، فمن الواضح أنه ليس فعلك ، وهذا هو الجواب عن كونه لم يقل : فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم ، لأن زهوق النفس عن الجراح{[34715]} المثخن هو العادة ، فهم الذين قتلوهم حين باشروا ضربهم ، فلا يصح : فلم تقتلوهم حين قتلتموهم ، والمنفيّ إنما هو السبب المتقدم على القتل الممكن من القتل ، وهو تسكين قلوبهم الناشىء عند إقدامهم وإرعاب الكفار الناشىء عند ضعفهم وانهزامهم الممكن منهم ، فالمنفي عنهم{[34716]} البداية والمنفي عنه صلى الله عليه وسلم الغاية ، أو أن الملائكة عليهم السلام لما باشرت قتل بعضهم صح أن ينفي عنهم قتل المجموع مطلقاً ، {[34717]}أو أنهم لما افتخر بعضهم{[34718]} بقتل من قتل نفاه سبحانه عنهم مطلقاً لأن مباشرتهم لقتل من قتل في جنب ما أعد لهم من الأسباب وأيدهم به من الجنود عدم ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه فعل ما أمر به من رمي الرمل ولم يعد فعله ولا ذكره ، فأثبته سبحانه له مع نفي تأثيره عنه وإثباته لمن إليه ترجع{[34719]} الأمور تأديباً منه سبحانه لهذه الأمة ، أي لا ينظر أحد إلى شيء من طاعته ، فإنا قد نفينا هذا الفعل العظيم عن أكمل الخلق مع أنه عالم مقر{[34720]} بأنه منا فليحذر الذي يرى له فعلاً من عظيم سطواتنا ، ولكن لينسب جميع أفعاله الحسنة إلى الله تعالى كما نسب الرمي إليه بقوله : { ولكن الله } أي{[34721]} الذي لا راد لأمره { رمى } لأنه الذي أوصل أثره بما كان هازماً للكفار ، فعل ذلك كله ليبلي الكفار منه بأيدي{[34722]} من أراد من عباده بلاء عاقبته سيئة { وليبلي المؤمنين } أي الراسخين في الإيمان { منه } أي وحده { بلاء حسناً } أي{[34723]} من النصر والغنيمة والأجر ، ومادة بلاء يائية أو واوية بأيّ{[34724]} ترتيب كان تدور على الخلطة{[34725]} ، وتارة تكون مطلقة نحو أبلاه عذراً ، وتارة بكثرة ومحاولة{[34726]} وعناء وهو أغلب أحوال المادة ، وتارة تكون للامتحان وأخرى لغيره ، وماأباليه بالة - أظنه من البال{[34727]} الذي هو الخاطر فهو من بول لا بلو ، أجوف لا من ذوات الأربعة ، ومعناه : ما أفاعله بالبال ، أي ما أكترث به فما أصرف خاطري إلى مخالطة أحواله حيث يصرف خاطره إليّ أي ما أفكر في أمره لهوانه عليّ وسيأتي بسط معاني المادة إن شاء الله تعالى في سورة يوسف عليه السلام عند قوله تعالى ما بال النسوة }{[34728]} [ يوسف : 50 ] وهذه المادة معناها ضد الدعة ، لأن هذه يلزمها شغل الخاطر الذي عنه ينشأ التعب بمدافعة الملابس ، والدعة يلزمها هدوء{[34729]} السر وفراغ البال الذي هو منشأ الراحة ، فمعنى الآية أنه تعالى فعل ذلك من الإمكان من إذلال الكفار ليخالطهم من شؤونه{[34730]} ما يكون لهم في مدافعته عاقبة سيئة ، وليخالط المؤمنين من ذلك ما يكون لهم في مزاولته عاقبة حسنة بل أحسن من الراحة ، لأنه يفضي بهم إلى راحة دائمة ، والدعة تفضي إلى تعب طويل - والله موفق .

ولما ثبت بما مضى أن{[34731]} له تعالى الأفعال العظيمة والبطشات الجسيمة . ودلت أقوال من قال من المؤمنين : إنا لم نتأهب للقاء ذات الشوكة ، على ضعف العزائم ؛ ختم الآية بقوله : { إن الله } أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال { سميع } أي لأقوالكم من الاستعانة{[34732]} في المعونة على النصرة{[34733]} وغيرها { عليم* } أي بعزائمكم وإن لم تتكلموا بها ، فهو يجازي المؤمن على حسب إيمانه والكافر على ما يبدي ويخفي من كفرانه ،


[34709]:في ظ: الإعجاز.
[34710]:من ظ:، وفي الأصل: كذلك.
[34711]:من ظ:، وفي الأصل: كذلك.
[34712]:في ظ: قلت.
[34713]:من ظ، وفي الأصل: يكذب.
[34714]:في ظ: فامتلأت.
[34715]:في ظ: الجوارح.
[34716]:في ط: عنه.
[34717]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[34718]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[34719]:من ظ، وفي الأصل: يرجع.
[34720]:في ظ: مقرر.
[34721]:سقط من ظ.
[34722]:في ظ: يدي.
[34723]:زيد من ظ.
[34724]:زيد من ظ.
[34725]:من ظ، وفي الأصل: الخطة.
[34726]:من ظ، وفي الأصل: مجادلة.
[34727]:في ظ: البالي.
[34728]:آية 50.
[34729]:في ظ: هدى.
[34730]:في الأصل: تسوته، وفي ظ: سوونه.
[34731]:في ظ: أنه.
[34732]:في ظ: استعانة.
[34733]:في ظ: النصر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (17)

قوله تعالى : { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم 17 ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين } أي لم تهزموا قريشا هذه الهزيمة المشهودة ولم يقتلوا صناديدهم بحولكم وقوتكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم ، بل الله أظفركم عليهم ومكنكم منهم ، { وما النصر إلا من عند الله } فهو سبحانه يكتب النصر لمن يشاء من عباده . وقيل : إن الله قتلهم بالملائكة الذين أمد بهم المسلمين . أما قوله : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي } فقد اختلف العلماء في المراد بالرمي على عدة أقوال :

منها : أن هذا كان يوم أحد حين رمي أبي بن خلف بالحربة في عنقه فكر أبي منهزما ، فقال له المشركون : والله ما بك من بأس . فقال : والله لو بصق علي –يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- لقتلني ، أليس قد قال : بل أنا أقتله ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوعد أبي بن خلف في مكة بالقتل . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بل أنا أقتلك ) فمات عدو الله من ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرجعه إلى مكة بموضع يقال له ( سرف ) . وقد ذكر عن ابن شهاب أنهل ما كان يوم أحد أقبل أبي مقنعا في الحديد على فرسه يقول : لا نجوت إن نجا محمد ، فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله ، فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوا طريقه فاستقبله مصعب ابن عمير يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم ، وفي ذلك نزل قوله : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } لكن الصواب نزل الآية عقيب بدر وليس في أحد .

ومنها : أن هذا كان يوم بدر ؛ فقد روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه يوم بدر فقال : ( يا رب إن تهلك هذه العصابة فلت تعبد في الأرض أبدا ) فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب فارم بها وجوههم ، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم ، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة ، فولوا مدبرين . وذكر أنه لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته فرماهم بالقبضة من التراب وقال : ( شاهت الوجوه ) ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ففعلوا ، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله . ولهذا قال : وما رميت إذ رميت ولاكن الله رمى } أي أن الله هو الذي أوصل ذلك إليهم فأذلهم وأخزاهم به وليس أنتم وما تملكونه من العدة والعتاد .

ومنها : أن ذلك كان في حصب ( حصى ) رماه رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه المشركين يوم حنين ، ولم يبق في ذلك اليوم أحد إلا وقد أصابه من ذلك .

ومنها : أن المراد هم السهم الذي رمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خبير فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه . وهذا أيضا بعيد والصحيح أن الآية كانت يوم بدر ؛ لأن السورة بدرية ، وذلك أن جبريل عليه السلام قال للرسول صلى الله عليه وسلم : ( خذ قبضة من التراب ) فاخذ من التراب فرمى بها وجوه المشركين . وهو ما بيناه في القول الثاني{[1639]} .

قوله : { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم } وليبلي من البلاء ، وهو هنا بمعنى النعمة . لا جرم أن النعمة من أشد ما يبتلي به الإنسان فيعلم أن سيشكر أن يكفر ؛ أي لينعم الله على المؤمنين ورسوله الكريم بالظفر فينصرهم عليهم نصرا ظاهرا عزيزا { إن الله سميع عليم } أي أن الله سميع لدعاء نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ إذ يناشد ربه ويدعوه في تضرع وتذلل أن يعلك عدوه وعدوهم . وهو سبحانه عليم بما فيه صلاحهم وبما تستقيم عليه أحوالهم ؛ فهو سبحانه محيط علمه بكل شيء .


[1639]:تفسير القرطبي جـ 7 ص 385 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 295 وأسباب النزول للنيسابوري ص 156 وتفسير النسفي جـ 2 ص 98.