ولما استوفى الأقسام الأربعة : قسمي الحضر وقسمي البدو ثم خلط بين قسمين منهم تشريفاً للسابق وترغيباً للاحق ، خلط بين الجميع على وجه آخر ثم ذكر منهم فرقا{[37137]} منهم من نجز الحكم بجزائه بإصرار أو متاب . ومنهم من أخر أمره إلى يوم الحساب ، وابتدأ الأقسام بالمستور عن{[37138]} غير علمه ليعلم أهل ذلك القسم أنه سبحانه عالم بالخفايا فلا يزالوا أذلاء خوفاً مما هددهم{[37139]} به فقال مصرحاً بما لم يتقدم التصريح به من نفاقهم : { وممن حولكم } أي حول بلدكم المدينة { من الأعراب } أي الذين{[37140]} قدمنا أنهم أشد كفراً لما لهم من الجفاء { منافقون } أي راسخون في النفاق ، وكأنه قدمهم لجلافتهم وعتوهم ، وأتبعهم من هو أصنع منهم في النفاق فقال : { ومن أهل المدينة } أي منافقون أيضاً ؛ ثم بين أنهم لا يتوبون بوصفهم بقوله : { مردوا } أي صُلبوا وداموا وعتوا وعسوا وعصوا وصار لهم به{[37141]} دربة عظيمة{[37142]} وضراوة حتى ذلت لهم فيه{[37143]} جميع أعضائهم الظاهرة والباطنة وصار لهم خلقاً { على النفاق } أي استعلوا على هذا الوصف بحيث صاروا في غاية المكنة{[37144]} منه ؛ ثم بين مهارتهم فيه بقوله : { لا تعلمهم } أي بأعيانهم مع ما لك من عظيم الفطنة وصدق الفراسة لفرط توقيهم وتحامي ما يشكل من أمرهم ؛ ثم هددهم وبين خسارتهم بقوله : { نحن } أي خاصة { نعلمهم } ثم{[37145]} استأنف جزاءهم بقوله : { سنعذبهم } أي بوعد لا خلف فيه { مرتين } أي إحداهما برجوعك سالماً وشفوف{[37146]} أمرك وعلو شأنه وضخامة أركانه وعز سلطانه وظهور برهانه ، فإنهم قطعوا لغباوتهم وجلافتهم وقساوتهم كما أشرت إليه بقولي { ويتربص{[37147]} بكم الدوائر } - أنك لا ترجع هذه المرة من هذه السفرة لما يعرفون من ثباتك للأقران ، وإقدامك على الليوث الشجعان ، واقتحامك للأهوال ، إذا ضاق المجال ، ونكص الضراغمة الأبطال ، ومن عظمة الروم وقوتهم وتمكنهم وكثرتهم ، وغاب عن الأغبياء وخفي عن الأشقياء الأغنياء أن الله الذي خلقهم أعظم منهم وأكبر ، وجنوده أقوى من جنودهم وأكثر ؛ والثانية بعد وفاتك بقهر أهل الردة ومحقهم ورجوع ما أصلته بخليفتك الصديق رضي الله عنه إلى ما كان عليه في أيامك من الظهور وانتشار الضياء والنور والحكم على من خالفه بالويل والثبور ، وسيأتي أنه يمكن أن تكون{[37148]} المرة الثانية إخراب مسجد الضرار والإخبار بما أضمروا في شأنه من خفي الأسرار { ثم يردون } أي بعد الموت { إلى عذاب عظيم* } أي لا يعلم عظمه حق علمه إلا الله تعالى ، وهو العذاب الأكبر الدائم الذي لا ينفك أصلاً .
قوله تعالى : { وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم } ذلك إخبار من الله ينبئ فيه رسوله والمؤمنين أن هناك منافقين حولكم من الأعراب . والمراد بحولكم ؛ أي حول بلدتكم المدينة { ومن أهل المدينة } معطوف على { وممن حولكم } والمعنى : أن المنافقين من قوم حولكم ومن أهل المدينة . قوله : { مردوا على النفاق } أي مرنوا واستمروا عليه . ومردوا من المردود وأصله الملاسة . ومنه صرح ممرد . مرد مرودا ومردوة ومرادة فهو مارد ومريد متمرد ، أي عات{[1880]} والمراد هنا الاعتياد والتدرب في الأمر حتى بلوغ المهارة فيه والافتنان : كذلك كان شأن المنافقين في المدينة وما حولها ؛ لقد كان هؤلاء المنافقون أهل براعة ومرونة وتمرس في الخداع والكذب حتى بات عزيزا على المرء أن يعرفهم أو يطلع على حقيقتهم .
قوله : { لا تعلمهم نحن نعلمهم } الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم المنافقين على التعيين وذلك لبراعتهم ورسوخهم في النفاق . ولعراقتهم في اصطناع التقية بما يكسوهم غشاء ممهدا أملس من الظاهر الصبوح الخادع . إنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم المنافقين ؛ لأن النفاق مستكن في قلوبهم وهب من الخفي المستور الذي لا يقف عليه إلا علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية . ولذلك قال : { نحن نعلمهم } الله جل وعلا يعلم المنافقين علما كاملا ؛ فهو سبحانه خلق الإنسان والكائنات ، وخلق القلوب وما فيها من الأسرار والنوايا فلا تخفى عليه ما تستسره قلوب المنافقين .
قوله : { سنعذبهم مرتين } { مرتين } ، منصوب من وجهتين : إما على المصدر ، وإما على الظرف الزمان{[1881]} . والمراد بتعذيبهم مرتين موضع خلاف ؛ فقد قيل : المراد التكثير وليس التثنية ؛ فيكون المعنى : سنعذبهم مرة بعد مرة . وقيل : المراد التثنية ؛ فيكون المراد بالمرة الثانية عذاب القبر ، أما المرة الأولى فالمراد بها فضيحتهم ووصمهم بالنفاق ، فقد أخرج الطبري في الأوسط وغيره عن ابن عباس ( رضي الله عنه ) قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيبا فقال : ( قم يا فلان فاخرج فإنك منافق ، اخرج يا فلان فإنك منافق ، فأخرجهم بأسمائهم ، ففضحهم ولم يك عمر بن الخطاب شهد تلك الجمعة لحاجة كانت له ، فلقيهم وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة ، وظن أن الناس قد انصرفوا واختبأوا هم منه ، وظنوا أنه قد علم بأمرهم ، فدخل المسجد فإذا لم ينصرفوا . فقال له رجل : أبشر يا عمر فقد فضح الله تعالى المنافقين اليوم ؛ فهذا هو العذاب الأول ، والعذاب الثاني هو عذاب القبر .
قوله : ثم يردون إلى عذاب عظيم } وذلك يوم القيامة ؛ إذ يصير المنافقون الذين آمنت ألسنتهم ، ولم يفض الإيمان إلى قلوبهم ؛ بل أفضى إليها الغش والكيد وسوء النية –يصيرون إلى النار{[1882]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.