ولما شرط لقبولها شرطاً ووهّى ما عري{[12810]} منها عنه{[12811]} أتبعه التصريح بالنهي عن إهماله {[12812]}والنص على محقه لها وإبطاله{[12813]} وضرب لذلك مثلاً وضرب للمثل مثلاً مبالغة في الزجر عن ذلك فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بذلك صدقوا إقراركم بأن { لا تبطلوا } قال الحرالي : فبين أن ما اشترطه في الأجر المطلق مبطل للإنفاق - انتهى { صدقاتكم بالمن والأذى } فربما وازى{[12814]} عقابهما ثواب الصدقة أو زاد فكان{[12815]} كالإبطال لأوله إلى أن لا ثواب . قال الحرالي : فألحق عمل الإخلاص بآفة{[12816]} ما تعقبه بما بني على أصل الرياء{[12817]} - انتهى . فقال : { كالذي ينفق ماله } لغير الله ، إنما ينفقه { رئاء الناس } أي لقصد أن يروه . قال الحرالي : هو الفعل المقصود به رؤية الخلق غفلة عن رؤية الحق وعماية عنه .
ولما شبه{[12818]} المانّ والمؤذي{[12819]} بالمرائي لأنه أسقط الناس وأدناهم همة وأسوؤهم نظراً وأعماهم قلباً فأولو الهمم العلية لا سيما العرب أشد شيء{[12820]} نفرة{[12821]} منه وأبعده{[12822]} عنه و{[12823]}كان لمن يرائي{[12824]} حالان ألحقه بأشدهما فقال : { ولا يؤمن بالله } أي الذي له صفة{[12825]} الكمال { واليوم الآخر }{[12826]} الذي يقع فيه الجزاء بعد نقد{[12827]} الأعمال جيدها من{[12828]} رديئها . قال الحرالي : ولما ضرب مثلاً {[12829]}لنماء النفقة بالحرث ضرب مثلاً{[12830]} لإبطالها بخطأ الحارث في الحرث فقال : { فمثله } في إنفاقه{[12831]} مقارناً لما يفسده ، ومثل نفقته { كمثل صفوان } وما زرع عليه ، وهو صيغة مبالغة من الصفا وهي الحجارة الملس الصلبة التي لا{[12832]} تقبل{[12833]} انصداعها بالنبات - انتهى . { عليه تراب }{[12834]} فاغتر به بعض الجهلة فزرع عليه{[12835]} .
ولما كانت إزالة التراب عما وقع عليه عقب وقوعه أجدر {[12836]}ما زالت{[12837]} بحذافيره ولا سيما إن كان حجراً أملس قال إبلاغاً في إبطال الرياء للعمل : { فأصابه }{[12838]} أي عقب كون التراب عليه من غير مهلة بخلاف ما يأتي من الربوة فإنها صفة{[12839]} لازمة فلو تعقبها المطر لدام بدوامها فأفسدها { وابل } أي مطر كثير فأزال التراب عنه { فتركه صلداً } أي صخراً لا يقبل النبات بوجه بل يخيب من يأمله كما يقال أصله الزند إذا لم يور ، فجعل قلب المؤذي المانّ بمنزلة الصفوان الذي أصابه وابل المطر ، فأذهب عائد نفقته كما أذهب بذر{[12840]} الحارث{[12841]} على الصفوان وابل المطر الذي شأنه أن يصلح البذر - قاله الحرالي وفيه تصرف .
ولما بان بهذا بطلان العمل في المثل والممثول ترجمة{[12842]} بقوله{[12843]} : { لا يقدرون } أي الممثل لهم والممثل بهم { على شيء مما كسبوا } فالآية{[12844]} من الاحتباك ولما كان الزارع على مثل هذا عجباً في الضلال والغباوة وكان التقدير : فإن الله لا يقبل عمل المؤذين كما لا يقبل عمل المرائين ، عطف عليه معلماً أنه يعمي{[12845]} البصراء{[12846]} عن أبين الأمور إذا أراد ومهما شاء فعل قوله : { والله }{[12847]} {[12848]}الذي له الحكمة كلها{[12849]} { لا يهدي } أي لوجه مصلحة . ولما كان كل من المؤذي والمرائي قد غطى{[12850]} محاسن عمله بما جره{[12851]} من السوء{[12852]} قال : { القوم الكافرين } وفي ذكره ولهذه الجملة وحدها أشد ترهيب للمتصدق على هذا الوجه .
" يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين "
[ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم ] أي أجورها [ بالمن والأذى ] إبطالاً [ كالذي ] أي كإبطال نفقة الذي [ ينفق ماله رئاء الناس ] مرائياً لهم [ ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ] هو المنافق [ فمثله كمثل صفوان ] حجر أملس [ عليه تراب فأصابه وابل ] مطر شديد [ فتركه صلداً ] صلباً أملس لا شيء عليه [ لا يقدرون ] استئناف لبيان مثل المنافق المنفق رئاء الناس وجمع الضمير باعتبار معنى الذي [ على شيء مما كسبوا ] عملوا أي لا يجدون له ثوابا في الآخرة كما لا يوجد على الصفوان شيء من التراب الذي كان عليه لإذهاب المطر له [ والله لا يهدي القوم الكافرين ]
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.