نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (11)

ولما كان السبب المقتضي لاستمرار الكفر من النصارى{[15159]} المجادلين في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام الخوف ممن فوقهم من ملوك النصرانية نبههم سبحانه وتعالى على أول قصة أسلافهم من بني إسرائيل ، وما كانوا فيه من الذل مع آل فرعون ، وما كان فيه فرعون من العظمة التي{[15160]} تُقسر بها{[15161]} ملوك زمانهم ، ثم لما أراد الله سبحانه وتعالى قهر أسلافهم له لم تضرهم{[15162]} ذلتهم{[15163]} ولا قلتهم ، ولا نفعته عزته ولا كثرة آله ، فلذلك صرح بهم سبحانه وتعالى وطوى ذكر من قبلهم فقال : { كدأب } أي لم يغن عنهم ذلك شيئاً مثل عادة { آل فرعون } أي الذين اشتهر لديكم استكبارهم{[15164]} وعظمتهم وفخارهم ، قال الحرالي : الدأب العادة الدائمة التي{[15165]} تتأبد{[15166]} بالتزامها ، وآل{[15167]} الرجل من إذ أحصر{[15168]} تراءى فيهم فكأنه لم يغب{[15169]} ؛ وفرعون اسم ملك مصر في الكفر ، ومصر أرض جامعة كليتها وجملة{[15170]} ، إقليمها نازل منزلة الأرض كلها ، فلها إحاطة بوجه ما ، فلذلك أعظم شأنها في القرآن وشأن العالي فيها من الفراعنة ، وكان الرسول المبعوث إليه أول المؤمنين بما وراء أول{[15171]} الخلق من طليعة{[15172]} ظهور الحق لسماع كلامه بلا واسطة ملك ، فكان أول من طوى في رتبة بنوتة رتبة البنوة ذات الواسطة ، فلذلك بدىء به في هذا الخطاب لعلو رتبة بنوته{[15173]} بما هو كليم الله ومصطفاه على{[15174]} الناس ، ولحق به من تقدمهم بما وقعت في بنوته من واسطة زوج أو ملك ، وخص آله لأنه هو كان عارفاً بأمر الله سبحانه وتعالى فكان جاحداً{[15175]} لا مكذباً انتهى .

والذين } ولما كان المكذبون إنما هم بعض المتقدمين أدخل الجار فقال : { من قبلهم } وقد نقلت إليكم أخبارهم وقوتهم واستظهارهم فكأنه قيل : ماذا{[15176]} كانت عادتهم ؟ فقيل : { كذبوا } ولما كان التكذيب موجباً للعقوبة كان مظهر العظمة به{[15177]} أليق ، فصرف القول إليه فقال : { بآياتنا } السورية والصورية مع ما لها{[15178]} من العظمة بما لها من إضافتها إلينا { فأخذهم } ولما أفحشوا في التكذيب عدل إلى أعظم من مظهر العظمة تهويلاً لأخذهم فقال : { الله } فاظهر الاسم الشريف تنبيهاً على باهر العظمة { بذنوبهم } أي من{[15179]} التكذيب وغيره . قال الحرالي : فيه إشعار بأن صريح المؤاخذة مناط{[15180]} بالذنوب ، وأن المؤاخذة الدنيوية لا تصل إلى حد الانتقام على التكذيب ، فكان ما ظهر من أمر{[15181]} الدنيا يقع عقاباً على ما ظهر من الأعمال ، وما بطن من أمر الآخرة يستوفي{[15182]} العقاب على ما أصرت{[15183]} عليه{[15184]} الضمائر من التكذيب ، ولذلك يكون عقاب الدنيا طهرة للمؤمن لصفاء{[15185]} باطنه من التكذيب ، و{[15186]}يكون واقع يوم الدنيا كفاف ما جرى على ظاهره من المخالفة{[15187]} فكأن الذنب من المؤمن يقع في دنياه خاصة ، والذنب من الكافر يقع في دنياه وأخراه من استغراقه لظاهره وباطنه ، وأظهر الاسم الشريف ولم يضمر للتنبيه{[15188]} على زيادة العظمة في عذابهم لمزيد اجترائهم فقال : { والله } أي الحال أن الملك الذي لا كفوء له في جبروته ولا شيء من نعوته { شديد العقاب * } لا يعجزه شيء .


[15159]:سقط من ظ.
[15160]:من مد، وفي الأصل بياض، وفي ظ: بعسرتها.
[15161]:من مد، وفي الأصل بياض، وفي ظ: بعسرتها.
[15162]:في ظ: لم يضرهم.
[15163]:قلتهم. : من ظ ومد، وفي الأصل
[15164]:ستكثاركم. : من ظ ومد، وفي الأصل
[15165]:من مد، وفي الأصل وظ: الذي.
[15166]:يتابد. : من ظ ومد، وفي الأصل
[15167]:دار ـ كذا. : من ظ ومد، وفي الأصل
[15168]:أحضر. : من ظ ومد، وفي الأصل
[15169]:لم يعب. : من ظ ومد، وفي الأصل
[15170]:وجملتها. : من ظ ومد، وفي الأصل
[15171]:في مد: أمر.
[15172]:في ظ و مد: طليقة.
[15173]:موته. : من ظ ومد، وفي الأصل
[15174]:عن. : من ظ ومد، وفي الأصل
[15175]:من ظ ومد، وفي الأصل: جاهدا.
[15176]:ما ذا، وفي ظ: فإذا. : من ظ ومد، وفي الأصل
[15177]:زيد من ظ ومد.
[15178]:زيد من مد.
[15179]:سقط من مد.
[15180]:في ظ ومد: يناط
[15181]:زيد من ظ ومد.
[15182]:من ظ ومد، وفي الأصل: ليستوفى.
[15183]:في ظ: أخبرت.
[15184]:ليه. من ظ ومد، وفي الأصل وظ:
[15185]:من ظ ومد، وفي الأصل: بصفاء.
[15186]:زيد بعده في ظ: لذلك يكون عقاب الدنيا و.
[15187]:زيد من ظ ومد.
[15188]:من ظ ومد، وفي الأصل: التشبيه.