الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ} (90)

وأولئك مفعولٌ مقدم ل { هَدَى اللَّهُ } ، ويَضْعُفُ جَعْلُه مبتدأً على حذف العائد أي : هداهم الله كقوله : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } [ المائدة : 50 ] برفع " حكم " . قوله : " اقتدِهْ " قرأ الأخوان بحذف هذه الهاء في الوصل ، والباقون أثبتوها وصلاً ووقفاً ، إلا ابنَ عامر بكَسْرها ، ونَقَل ابنُ ذكوان عنه وجهين ، أحدهما : الكسر من غير وصل بمدَّة . والثاني وصلُه بمدَّة ، والباقون يسكنونها ، أمَّا في الوقف فإن القراء اتفقوا على إثباتها ساكنة ، وقد اختلفوا أيضاً في { مَالِيَهْ } [ الحاقة : 28 ] و { سُلْطَانِيَهْ } [ الحاقة : 29 ] في الحاقة ، وفي { مَاهِيَهْ } [ القارعة : 10 ] في القارعة بالنسبة إلى الحذف والإِثبات ، واتفقوا على إثباتها في { كِتَابيَهْ } [ الحاقة : 19 ] و { حِسَابِيَهْ }

[ الحاقة : 20 ]

فأمَّا قراءةُ الأخوين فالهاءُ عندهما للسكتِ فلذلك حَذَفاها وَصْلاً إذ مَحَلُّها الوقفُ ، وأَثْبتاها وقفاً إتباعاً لرسم المصحف ، وأمَّا مَنْ أثبتها ساكنةً فتحتمل عنده وجهين أحدهما : هي هاء سكت ، ولكنها ثبتت وصلاً إجراءً للوصل مجرى الوقف كقوله : { لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ } [ البقرة : 259 ] في أحد الأقوال كما تقدم . والثاني : أنها ضمير المصدر سُكِّنَتْ وصلاً إجراءً للوصل أيضاً مجرى الوقف نحو : { نُؤْتِهِ } [ آل عمران : 145 ] و { فَأَلْقَهِ } [ النمل : 28 ] و { أَرْجِهْ } [ الأعراف : 111 ] { نُوَلِّهِ } [ النساء : 115 ]

{ وَنُصْلِهِ } [ النساء : 115 ] .

واختُلِفَ في المصدر الذي تعود عليه هذه الهاء فقيل : الهدى أي : اقتد الهدى ، والمعنى : اقتد اقتداءَ الهدى ، ويجوز أن يكون " الهدى " مفعولاً من أجله أي : فبهداهم اقتد لأجل الهدى ، وقيل : الاقتداء أي : اقتدِ الاقتداء . ومن إضمار المصدر قوله :

هذا سُراقةُ للقرآنِ يدرسُه *** والمرءُ عند الرُّشا إن يَلْقَها ذيبُ

أي : يَدْرُسُ الدَّرْسَ ، ولا يجوز أن تكون الهاء ضمير القرآن ، لأن الفعل قد تعدَّى له ، وإنما زِيْدت اللام تقويةً له حيث تقدَّم معموله ولذلك جعل النحاة نصب " زيداً " مِنْ " زيداً ضربته " بفعل مقدر خلافاً للفراء . وقال ابن الأنباري : " إنها ضمير المصدر المؤكد النائب عن الفعل ، وإن الأصل : اقتد اقتد ، ثم جعل المصدر بدلاً من الفعل الثاني ثم أضمر فاتصل بالأول .

وأمَّا قراءة ابن عامر فالظاهر فيها أنها ضمير وحُرِّكَتْ بالكسر مِنْ غير وصل ، وهو الذي يُسَمِّيه القرَّاء الاختلاس تارةً ، وبالصلة وهو المسمَّى إشباعاً أخرى كما قرئ : " أَرْجِهِ " ونحوه ، وإذا تقرَّر هذا فقول ابن مجاهد عن ابن عامر " يُشِمُّ الهاء [ الكسر ] من غير بلوغ ياء ، وهذا غلط ؛ لأن هذه الهاءَ هاءُ وقف لا تُعْرَبُ في حال من الأحوال أي لا تُحَرَّك وإنما تدخل لِتَبِيْنَ بها حركة ما قبلها " ليس بجيدٍ لِما قَرَّرت لك من أنها ضمير المصدر . وقد رَدَّ الفارسي قول ابن مجاهد بما تقدم . والوجه الثاني : أنها هاء سكت أُجْرِيَتْ مجرى هاء الضمير ، كما أجريت هاء الضمير مجراها في السكون ، وهذا ليس بجيد ، ويُرْوى قول المتنبي :

واحرَّ قلباه ممَّن قلبُه شَبِمُ *** . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بضم الهاء وكسرها على أنها هاءُ السكت شُبِّهَتْ بهاء الضمير فحركت والأحسن أن تجعل الكسر لالتقاء الساكنين لا لشبهها بالضمير ، لأن هاء الضمير لا تكسر بعد الألف فكيف بما يشبهها ؟

والاقتداء في الأصل : طلبُ الموافقةِ ، قاله الليث . ويقال : قُدْوَة [ وقِدْوٌ ، وأصله من القِدْو ] وهو أصل البناء الذي يتشعَّبُ منه تصريف الاقتداء . و " بهداهم " متعلق ب " اقتد " . وجعل الزمخشري تقديمَه مفيداً للاختصاص على قاعدته . والهاءُ في " عليه " تعود على القرآن أو التبليغ ، أُضْمرا وإن لم يَجْرِ لهما ذِكْرٌ لدلالة السياق عليهما . و " إنْ " نافية ولا عملَ لها على المشهور ، ولو كانت عاملةً لبَطَلَ عملها ب " إلاَّ " . و " للعالمين " متعلق ب " ذكرى " واللام مُعَدِّية ، أي : إنْ القرآن إلا تذكير العالمين . ويجوز أن تكون متعلقةً بمحذوف على أنها صفة ل " ذكرى " / .