البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} (43)

{ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .

بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون .

أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون .

أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين .

أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءُوف رحيم } : نزلت في مشركي مكة أنكروا نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا : الله أعظم أن يكون رسوله بشراً ، فهلا بعث إلينا ملكاً ؟ وتقدّم تفسير هذه الجملة في آخر يوسف ، والمعنى : نوحي إليهم على ألسنة الملائكة .

وقرأ الجمهور : يوحى بالياء وفتح الحاء ، وقرأت فرقة : بالياء وكسرها وعبد الله ، والسلمي ، وطلحة ، وحفص : بالنون وكسرها .

وأهل الذكر : اليهود ، والنصارى ، قاله : ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن .

وعن مجاهد أيضاً : اليهود .

والذكر : التوراة لقوله تعالى : { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر } وعن عبد الله بن سلام ، وسلمان .

وقال الأعمش ، وابن عيينة : من أسلم من اليهود والنصارى .

وقال الزجاج : عام فيمن يعزى إليه علم .

وقال أبو جعفر وابن زيد : أهل القرآن .

ويضعف هذا القول وقول من قال : من أسلم من الفريقين ، لأنه لا حجة على الكفار في إخبار المؤمنين ، لأنهم مكذبون لهم .

قال ابن عطية : والأظهر أنهم اليهود والنصارى الذين لم يسلموا ، وهم في هذه الآية النازلة ، إنما يخبرون من الرسل عن البشر ، وإخبارهم حجة على هؤلاء ، فإنهم لم يزالوا مصدقين لهم ، ولا يتهمون بشهادة لهم لنا ، لأنهم مدافعون في صدر ملة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو كسر حجتهم ومذهبهم ، لا أنا افتقرنا إلى شهادة هؤلاء ، بل الحق واضح في نفسه .

وقد أرسلت قريش إلى يهود يثرب يسألونهم ويسدون إليهم انتهى .