أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ} (5)

شرح الكلمات :

{ في ريب من البعث } : الريب الشك مع اضطراب النفس وحيرتها ، والبعث الحياة بعد الموت .

{ من نطفة } : قطرة المنّي التي يفرزها الزوجان .

{ علقة } : أي قطعة دم متجمد تتحول إليه النطفة في خلال أربعين يوماً .

{ مضغة } : أي قطعة لحم قدر ما يمضغ المرء تتحول العلقة إليها بعد أربعين يوما .

{ وغير مخلقة } : أي مصورة خلقاً تاماً ، مخلقة وغير مخلقة هي السقط يسقط قبل تمام خلقه .

{ لنبين لكم } : أي قدرتنا على ما نشاء ونعرفكم بابتداء خلقكم كيف يكون .

{ ونقر في الأرحام ما نشاء } : أي ونبقي في الرحم نمن نريد له الحياة والبقاء إلى نهاية مدة الحمل ثم نخرجه طفلاً سوياً .

{ لتبلغوا أشدكم } : أي كمال أبدانكم وتمام عقولكم .

{ إلى أرذل العمر } : أي سن الشيخوخة والهرم فيخرف .

{ لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً } : أي فيصير كالطفل في معارفه إذ ينسى كل علم علمه .

{ هامدة } : خامدة لا حراك لها ميتة .

{ اهتزت وربت } : أي تحركت بالنبات وارتفعت ترتبها وأنبتت .

{ زوج يهيج } : أي من كل نوع من أنواع النباتات جميل المنظر حسنه .

المعنى :

لما ذكر تعالى بعض أحوال القيامة وأهوالها ، وكان الكفر بالبعث الآخر هو العائق عن الاستجابة للطاعة وفعل الخير نادى تعالى الناس مرة أخرى ليعرض عليهم أدلة البعث العقلية لعلهم يؤمنون فقال : { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث } أي في شك وحيرة وقلق نفسي من شأن بعث الناس أحياء من قبورهم بعد موتهم وفنائهم لأجل حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم التي عملوها في دار الدنيا فإليكم ما يزيل شككم ويقطع حيرتم في هذه القضية العقدية وهو أن الله تعالى قد خلقكم من تراب أي خلق أصلكم وهو أبوكم آدم من تراب وبلا شك ، ثم خلقكم أنتم من نطفة أي ماء الرجل وماء المرأة وبلا شك ، ثم من علقة بعد تحول النطفة إليها ثم من مضغة بعد تحول العلقة إليها وهذا بلا شك أيضاً ، ثم المضغة إن شاء الله تحويلها إلى طفل خلقها وجعلها طفلاً ، وإن لم يشأ ذلك لم يخلقها وأسقطها من الرحم كما هو معروف و مشاهد ، وفعل الله ذلك من أجل أن يبين لكم قدرته وعلمه وحسن تدبيره لترهبوه تعظموه وتحبوه وتطيعوه وقوله : { ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً } أي ونقر تلك المضغة المخلقة في الرحم إلى أجل مسمى وهو ميعاد ولادة الولد وإنهاء حمله ونخرجكم طفلاً أي أطفالا صغاراً لا علم لكم ولا حلم ، ثم ننميكم ونربيكم بما تعلمون من سننا في ذلك { ثم لتبلغوا أشدكم } أي تمام نماء أبدانكم وعقولكم { ومنكم من يتوفى } قبل بلوغه أشده لأن الحكمة الإلهية اقتضت وفاته ومنكم من يعيش ولا يموت حتى يرد إلى أرذل العمر فيهرم ويخرف ويصبح كالطفل لا يعلم بعد علمٍ كان له قبل هرمه إذ الذي خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة يوجب العقل قدرته على إحيائهم بعد موتهم ، إذ ليست الإعادة بأصعب من البداية .

ودليل عقلي آخر هو ما تضمنه قوله تعالى : { وترى الأرض } أيها الإنسان { هامدة } خامدة مميتة لا حراك فيها ولا حياة فإذا أنزل الله تعالى عليها الماء من السماء { اهتزت } أي تحركت { وربت } أي ارتفعت وانتفخت تربتها وأخرجت من النباتات المختلفة الألوان والطعوم والروائح { من كل زوج بهيج } جميل المنظر حسنه ، أليس وجود تربة صالحة كوجود رحم صالحة وماء المطر كماء الفحل وتخلق النطفة في الرحم كتخلق البذرة في التربة وخروج الزرع حياً نامياً كخروج الولد حياً نامياً وهكذا إلى حصاد الزرع وموت الإنسان فهذان دليلان عقليان على صحة البعث الآخر وأنه كائن لا محالة وفوق ذلك كله إخبار الخالق وإعلامه خلقه بأنه سيعيدهم بعد موتهم فهل من العقل والمنطق أو الذوق أن نقول له لا فإنك لا تقدر على ذلك قولة كهذه قذرة عفنة لا يود أن يسمعها عقلاء الناس وأشرافهم . ولما ضرب تعالى هذين المثالين أو ساق هذين الدليلين على قدرته وعلمه وحكمته المقتضية لإعادة الناس أحياء بعد الموت والفناء للحساب والجزاء .

الهداية

من الهداية

- بيان تطور خلق الإنسان ودلالته على قدرة الله وعلمه وحمته .

- الاستدلال على الغائب بالحاضر المحسوس وهذا من شأن العقلاء فإن المعادلات الحسابية والجبرية قائمة على مثل ذلك .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ} (5)

قوله تعالى : ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ( 5 ) ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير ( 6 ) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن لله يبعث من في القبور ( 7 ) } .

هذا برهان من الله لعباده يحتج به على المكابرين المعاندين الذين ينكرون بعث الأموات من قبورهم . وهو برهان ظاهر ومعقول يخاطب به الله الناس على اختلاف مراتبهم في العلم والمعرفة . لا جرم أنه برهان يتميز بالسمو والشمول في الاحتجاج المقنع فيدركه العالمون وغير العالمين . وهو قوله : ( إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ) يخاطب الله بذلك المنكرين للبعث والمعاد ، الجاحدين ليوم القيامة بقوله لهم : إن كنتم في شك من المعاد وبعث الناس من قبورهم ، فها نحن قد خلقناكم من قبل ولم تكونوا شيئا ؛ إذ أنشأناكم من تراب . والمراد أبو البشر آدم ، خلقه الله من طين لازب .

قوله : ( ثم من نطفة ) وهي الماء ، قل أو كثر . ويراد به ههنا المني{[3070]} أي جعل الله سلالة آدم من ماء وهو المني يقذف في الأرحام ليستحيل ويصير علقة وهو قوله : ( ثم من علقة ) وهي المني ينتقل بعد طوره فيصير دما غليظا متجمدا ، ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهو المضغة . وقد سميت بذلك ؛ لأنها مقدار ما يمضغ{[3071]} .

قوله : ( مخلقة وغير مخلقة ) المخلقة ، يعني المصورة خلقا تاما فظهر فيها الرأس واليدان والرجلان . وغير المخلقة ، بأن تلقيه الأم مضغة غير مصورة فلم يخلق فيها شيء ولا روح فيها .

على أن المولود إذا استهل صارخا ثم مات ؛ فإنه يصلى عليه ، وهو إجماع أهل العلم . وإن لم يستهل صارخا ؛ فإنه لا يصلى عليه بل يكتفي بلفه في خرقة ثم دفنه . وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم .

قوله : ( لنبين لكم ) أي نبين لكم قدرتنا على ما نشاء من تصريف خلقكم طورا بعد طور ( ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ) الواو للاستئناف . والتقدير : ونحن نقر . وليس معطوفا على قوله ( لنبين ) {[3072]} .

أي نقر الولد في رحم أمه إلى أجل مسمى وهو وقت الوضع ، أو أن يسقط قبل ذلك . فمن كتب الله له البقاء والحياة إلى أجله أقرّه في بطن أمه إلى وقته المقدور له فلا تسقطه . فإذا بلغ وقت خروجه من بطنها خرج بإذن الله وتقديره .

قوله : ( ثم نخرجكم طفلا ) ( طفلا ) اسم جنس ؛ أي أطفالا ، وهو منصوب على التمييز . ويسمى المولود طفلا من بدء انفصاله إلى البلوغ . ويطلق الطفل على المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع . فيقال : طفل وطفلة وطفلان وطفلتان وأطفال وطفلات{[3073]} .

قوله : ( ثم لتبلغوا أشدكم ) الأشد ، معناه كمال القوة والعقل والتمييز ، وهو مرحلة الشباب من عمر الإنسان حيث اكتمال القوى وحسن المنظر . وخلاله هذه المرحلة من الشباب ، منهم من ينتهي أجله ؛ إذ يتوفاه الله . ومنهم من يمتد به العمر إلى أرذله . وهذه هي سن الشيخوخة والهرم وضعف القوى وتناقض القدرات البدنية والعقلية ، وانخرام العزيمة والإرادة وطغيان الضعف والخرف وذلك هو قوله : ( ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) ( أرذل العمر ) ، أدونه وأخسُّه ؛ إذ يعود في همته وفهمه وقدرته العقلية إلى هيئته الأولى من سن الطفولة وذلك بما يغشاه من هوان العقل ( لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ) فينسى ما كان قد علمه وينكر ما كان قد عرفه . لا جرم أن ذلك برهان ظاهرة على قدرة الله وعظمته في الخلق والإنشاء من العدم ؛ إذ أبدع الإنسان وخلقه أطوارا بدءا بالتراب والنطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم الطفولة فالأشد فالشيخوخة والهرم الذي يؤول إلى الموت والتراب .

إن الله الذي صنع هذا لقادر على إحياء الموتى وبعثهم من قبورهم يوم الحساب .

قوله : ( وترى الارض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) وهذا برهان ثان على حقيقة البعث وإحياء الموتى . والأرض الهامدة : التي لا نبات فيها ولا حياة ولا مطر . والهمود ، معناه الموت . والهامد ، معناه اليابس من النبات{[3074]} .

قوله : ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) ( اهتزت ) ، أي تحركت بالنبات ؛ من الاهتزاز ، هز الشيء فاهتز ؛ أي حرّكه فتحرك{[3075]} ؛ فإن الأرض بنزول المطر فيها يخرج منها النبات فتهتز بانفصال بعضها عن بعض ( وربت ) أي انتفخت . أو ارتفعت وازدادت ؛ ربا الشيء ربو ؛ أي زاد . ومنه الربوة .

قوله : ( وأنبتت من كل زوج بهيج ) أي من كل صنف حسن المنظر والشكل والرائحة بما تبتهج به النفس وتستروح . وذلك من أصناف الزروع والثمار على اختلاف ألوانها وطعومها وأشكالها وروائحها .


[3070]:-- المعجم الوسيط جـ2 ص 931.
[3071]:- البيان لابن الانباري جـ2 ص 169.
[3072]:- المصباح المنير جـ2 ص 76.
[3073]:- المصباح المنير جـ2 ص 20.
[3074]:- القاموس المحيط جـ1 ص 361.
[3075]:- مختار الصحاح ص 695.