أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (61)

شرح الكلمات :

{ الحرج } : الضيق والمراد به هنا الإثم أي لا إثم على المذكورين في مؤاكلة غيرهم .

{ أو ملكتم مفاتحة } : أي مما هو تحت تصرفكم بالأصالة أو بالوكالة كوكالة على بستان أو ماشية .

{ أو صديقكم } : أي من صدقكم الود وصدقتموه .

{ جميعاً أو أشتاتاً } : أي مجتمعين على الطعام أو متفرقين .

{ من عند الله } : لأنه هو الذي شرعها وأمر بها ، وما كان من عند الله فهو خير عظيم .

{ طيبة } : أي تطيب بها نفس المسلم .

المعنى :

ما زال السياق في هداية المؤمنين وبيان ما يكملهم ويسعدهم فَفِي هذه الآية الكريمة . رفع تعالى عنهم حرجاً عظيماً كانوا قد شعروا به فآلمهم وهو أنهم قد رأوا أن الأكل مع ذوي العاهات وهم العميان والعرجان والمرضي وأهل الزمانة قد يترتب عليه أن يأكلوا ما لا يحل لهم أكله لأن أصحاب هذه العاهات لا يأكلون كما يأكل الأصحاء كماً وكيفاً والله يقول :

{ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } . كما أن أصحاب العاهات قد تحرجوا أيضاً عن مؤاكلة الأصحاء معهم خوفاً أن يكونوا يتقذرونهم فآلمهم ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية فرفع الحرج عن الجميع الأصحاء وأصحاب العاهات فقال تعالى : { ليس على الأعمى حرج ولا عَلى الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم ، أو بيوت أخوالكم أو بيوت أو بيوت إخوانكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم ، أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه } بوكالة وغيرها ، { أو صديقكم } وهو من صدقكم الموجة وصدقتموه فيها ما دام الرضا حاصلاً ، وإن لم يحضروا ولا استئذان وإن حضروا .

ورفع تعالى عنهم حرجاً آخر وهو أن منهم من كان يتحرج في الأكل وحده ، ويرى أنه لا يأكل إلا مع غيره وقد يوجد من يتحرج أيضاً في الأكل الجماعي خشية أن يؤذي الآكل معه فرفع تعالى ذلك كله بقوله : { وليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً } أي مجتمعين على قطعة واحدة { أو أشتاتاً } أي متفرقين كل يأكل وحده متى بدا له ذلك وهذا كله ناجم عن تقواهم لله تعالى وخوفهم من معاصيه إذ قد حرم عليهم أكل أموالهم بينهم بالباطل في قوله : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } وقوله تعالى : { فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم } فأرشدهم إلى ما يجلب محبتهم وصفاء نفوسهم ويدخل السرور عليهم وهو أن من دخل بيتاً من البيوت بيته كان أو بيت غيره عليه أن يسلم علينا وعلى عباد الله الصالحين وقوله : { تحية من عند الله } إذ هو تعالى الذي أمر بها وأرشد إليها وقوله { مباركة } أي ذات بركة تعود على الجميع وكونها طيبة أن نفوس المُسَلَّم عليها تطيب بها .

وقوله تعالى : { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون } أي كذلك البيان الذي بين لكم من الأحكام والآداب يبين الله لكم الآيات الحاملة للشرائع والأحكام رجاء أن تفهموا عن الله تعالى شرائعه وأحكامه فتعملوا بها فتكملوا وتسعدوا عليها .

الهداية :

- الإذن العام في الأكل مع ذوي العاهات بلا تحرج من الفريقين .

- الإذن في الأكل من بيوت من ذكر في الآية من الأقارب والأصدقاء .

- جواز الأكل الجماعي والانفرادي بلا تحرج .

- مشروعية التحية عند الدخول على البيوت وأن فيها خيراً وفضلاً .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (61)

قوله تعالى : { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض عرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون ( 61 ) } .

اختلف العلماء في تأويل هذه الآية وفي السبب الذي رفع من أجله الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض . وثمة أقوال أربعة في ذلك :

القول الأول : على أن هذه الآية نزلت في الجهاد ؛ أي أن هؤلاء المذكورين وهم الأعمى ، والمريض ، لا إثم عليهم في ترك الجهاد ؛ لضعفهم وعجزهم عن الاضطلاع بهذه الفريضة الشاقة .

القول الثاني : إنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى ؛ لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات . فربما سبقه إليه غيره فأكل منه . وكذلك يتحرجون من الأكل مع الأعرج ؛ لأنه لا يستطيع الجلوس فيُفتات عليه في الطعام ممن معه من الجلساء . وكذلك يتحرجون من الأكل مع المريض ؛ لأنه لا يأكل من الطعام مثل غيره من الأصحاء . فكرهوا أن يؤاكلوهم كيلا يظلموهم ، فأنزل الله هذه الآية .

القول الثالث : كانوا يتحرجون من الأكل مع هؤلاء المرضى والزمنى تعززا وتقذرا ، فأنزل الله هذه الآية .

القول الرابع : على أنها نزلت ترخيصا للمرضى والزمنى في الأكل من بيوت من سمى الله تعالى في هذه الآية . وذلك أن قوما من أصحاب رسول الله ( ص ) كانوا إذا لم يكن عندهم ما يطعمونهم ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله تعالى في هذه الآية . وكان أهل الزمانة يتحرجون من أن يٌطعموا ذلك الطعام ؛ لأنه أطعمهم غير مالكيه . ويقولون : إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية{[3292]} .

قوله : ( ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ) ذكر هذا مع كونه معلوما ؛ ليعطف عليه ما بعده ، وليساويه في الحكم . ولم يذكر بيوت الأبناء ؛ لدخولها في قوله : ( من بيوتكم ) ؛ لأن بيت ابن الرجل بيته . وفي الخبر : " أنت ومالك لأبيك " .

قوله : ( أو ما ملكتم مفاتحه ) كالخادم ، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف . وروي عن السيدة عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : كان المسلمون يذهبون في النفير مع رسول الله ( ص ) فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم ويقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما احتجتم إليه فكانوا يقولون : إنه لا يحل لنا أن نأكل ؛ إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم ، وإنما نحن أمناء ، فأنزل الله ( أو ما ملكتم مفاتحه ) .

قوله : ( أو صديقكم ) الصديق ، الذي يصدق صاحبه في المودة . والصديق يطلق على الواحد والجمع والمؤنث{[3293]} والمعنى : أو بيوت أصدقائكم .

أي لا جناح عليكم في الأكل من بيوت أصدقائكم إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليه وأنهم لا يكرهون ذلك .

قوله : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) . ( جميعا أو أشتاتا ) ، منصوبان على الحال من الواو في قوله : ( تأكلوا ) {[3294]} .

وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في حي من كنانة يقال لهم بنو ليث بن عمرو وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده . فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح تحرجا من أن يأكل وحده فإذا أمسى ولم يجد أحد أكل . فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقيل : نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم ، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاءوا جميعا متحلقين أو أشتاتا متفرقين . فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده مع الجماعة ، وإن كان الأكل مع الجماعة أفضل وأعظم بركة . وفي ذلك روى أبو داود وابن ماجه عن عمر عن رسول الله ( ص ) أنه قال : " كلوا جميعا ولا تفرقوا ؛ فإن البركة مع الجماعة " {[3295]} .

قوله : ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) في المراد بالبيوت قولان : أحدهما : أنها المساجد . وهو قول النخعي والحسن ؛ أي سلموا على من فيها ، أو ليسلم بعضكم على بعض ؛ فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول : السلام على رسول الله ، وقيل : يقول : السلام عليكم ، يريد بذلك الملائكة . ثم يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .

القول الثاني : المراد بالبيوت ، البيوت المسكونة . وهو قول ابن عباس وآخرين . ويدخل في ذلك ، البيوت غير المسكونة . وهذا الراجح لعموم النص ولا دليل على التخصيص . وعلى هذا إذا دخل المرء المسجد قال : السلام على رسول الله . وإذا دخل على أهله سلم عليهم . وإذا دخل بيتا ليس فيه أحد قال : بسم الله الحمد لله ، السلام علينا من ربنا ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . وقد روى البزار عن أنس قال : أوصاني النبي ( ص ) بخمس خصال قال : " يا أنس أسبغ الوضوء يزد في عمرك ، وسلم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك . وإذا دخلت- يعني بيتك- فسلّم على أهلك يكثر خير بيتك . وصل الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك ، يا أنس ارحم الصغير ، ووقر الكبير ؛ تكن من رفقائي يوم القيامة " .

قوله : ( تحية من عند الله مباركة طيبة ) ( تحية ) ، منصوب على المصدر ؛ لأن ( فسلموا ) معناه : فحيوا{[3296]} يعني فحيوا تحية ( من عند الله ) أي أن الله حياكم بها . أو أن الله أمركم أن تفعلوها . ثم وصف هذه التحية ؛ بقوله : ( مباركة ) أي كثيرة البركة والخير لما فيها من الدعاء وتحضيض المسلم على مودته لأخيه الذي بدأه بالسلام . ووضعها كذلك بقوله : ( طيبة ) أي تستطيبها نفس السامع للتحية .

قوله : ( كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون ) الكاف صفة لمصدر محذوف ؛ أي مثل ذلك التبيين يبين الله لكم الأحكام لتفهموا معانيها وتتدبروها{[3297]} .


[3292]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 23 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 305.
[3293]:- مختار الصحاح ص 359.
[3294]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 200.
[3295]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 224.
[3296]:- البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 201.
[3297]:- أحكام القرآن لابن العربي جـ 3 ص 1390-1397 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 306 وتفسير الرازي جـ 23 ص 38. وتفسير ابليضاوي ص 474.