أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّـٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ} (155)

شرح الكلمات :

{ واختار موسى قومه سبعين رجلاً } : أخذ خيار قومه وهم سبعون رجلاً .

{ لميقاتنا } : أي للوقت الذي حددناه ليأتينا مع سبعين رجلاً .

{ أخذتهم الرجفة } : الصاعقة التي رجفت لها القلوب .

{ السفهاء } : جمع سفيه : وهو الذي لا رشد له في سائر تصرفاته .

{ إن هي إلا فتنتك } : أي ما هي إلا فتنتك أي اختبارك لأهل الطاعة من عبادك .

{ أنت ولينا } : أي المتولي أمرنا وليس لنا من ولي سواك .

المعنى :

ما زال السياق في أحداث موسى مع بني إسرائيل فإنه بعد الحدث الجلل الذي حصل في غيبة موسى وذلك هو عبادة بني إسرائيل العجل واتخاذهم له إلهاً فإن الله تعالى وقت لموسى وقتاً يأتيه فيه مع خيار بني إسرائيل يطلب لهم التوبة من الله سبحانه وتعالى . قال تعالى { واختار موسى قومه سبعين رجلاً } ولما انتهى بهم إلى جبل الطور وغشيت الجبل غمامة وأخذ موسى يناجي ربه تعالى وهم يسمعون قالوا لموسى لن نؤمن لك بأن الذي كان يكلمك الرب تعالى حتى نرى الله جهرة أي عياناً وهنا غضب الله تعالى عليهم فأخذتهم صيحة رجفت لها قلوبهم والأرض من تحتهم فماتوا كلهم ، وهو معنى قوله تعالى { فأخذتهم الرجفة } وهنا أسف موسى عليه السلام لموت السبعين رجلاً وقد اختارهم الخيِِّر فالخير فإذا بهم يموتون أجمعون فخاطب ربه قائلا { رب لو شئت أهلكتهم من قبل } أي من قبل مجيئنا إليك { وإياي } وذلك في منزل بني إسرائيل حيث عبدوا العجل { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } أي بسبب فعل السفهاء الذين لا رشد لهم ، وهم من عبدوا العجل كما سألوا رؤية الله تعالى ، وقوله عليه السلام { إن هي إلا فتنتك } أي إلا اختبارك وبليتك { تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ، أنت ولينا } فليس لنا سواك { فاغفر لنا } أي ذنوبنا { وارحمنا } برفع العذاب عنا { وأنت خير الغافرين } .

الهداية

من الهداية :

- وجوب التوبة من كل ذنوب ، ومشروعية صلاة ركعتين وسؤال الله تعالى عقبها أن يقبل توبة التائب ويغفر ذنبه .

- كل سلوك ينافي الشرع فهو من السفه المذموم ، وصاحبه قد يوصف بأنه سفيه .

- الهداية والإِضلال كلاهما بيد الله تعالى فعلى العبد أن يطلب الهداية من الله تعالى ويسأله أن لا يضله .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّـٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ} (155)

قوله تعالى : { واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتاهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء وأنت ولينا فاغفر لنا ورحمنا وأنت خير الغافرين 155 واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } .

{ قومه } ، و { سبعين } مفعولان لقوله : { واختار } لكن أحدهما حذف منه حرف الجر ( من ) والتقدير : واحتار موسى من قومه سبعين رجلا{[1534]} .

لقد اختار موسى سبعين رجلا من خيار بني إسرائيل ليذهب بهم إلى طور سيناء فيعتذروا لربهم عما فعله بنو إسرائيل من عبادتهم للعجل وكان ذلك عن توقيت سبق وقته الله لموسى ؛ إذ كان لا يأتيه إلا بإذن منه . ولما وصلوا إلى حيث المكان الموعود والميقات الموعود لكي يعتذروا قالوا لنبيهم موسى في اجتراء ممجوج { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } فأنت قد كلمته تكليما فأرنا إياه عيانا . لا جرم أن هذا القلب فيه من المجاوزة والإسراف والاجتراء والسفه ما فيه ! وهو اجتراء ظالم ليس خليقا بالمؤمنين الأتقياء ، فكيف إن كانوا من الصفوة المختارة من القوم ! ! من أجل مسألتهم هذه أخذتهم الرجفة وهي الزلزلة فصعقوا ميتين ، وقيل : أخذتهم الرجفة من أجل أنهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل . وقيل : لأنهم لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمرهم بالمعروف . والقول الأول أظهر . وقد سبق بيان ذلك في سورة البقرة . وبعد صعقهم بالرجفة . قال موسى : { رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } .

قال موسى ذلك على سبيل الأسى والتلهف والاستحسار ؛ أي لو أمتنا يا ربنا جميعا قبل خروجنا إلى المقيات كيلا يتهمني بنو إسرائيل . وقد دعا موسى ربه بهذا الدعاء اعترافا منه بالذنب قبل هذا الوقت وحزنا على تقصير قومه وانثنائهم عن القيام بما يكلفهم به الله ) .

قوله : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } والمراد بالاستفهام : الجحد ؛ أي أن الله جل وعلا لا يفعل ذلك . وهو كالنفي في معنى الإيجاب . وقيل : معناه : الدعاء والطلب ؛ أي لا تهلكنا يا ربنا . وقيل : المراد بالاستفهام استفهم استعظام ؛ أي كأنه يقول : لا تهلكنا ، وهو يعلم أن الله لا يهلك أحدا بذنب غيره . وأراد بالسفهاء عبدة العجل . وعلى هذا فالمعنى : أتعاقبنا يا ربنا بما فعله عبدة العجل ؛ إذ اتخذوه إليها لهم ، ونحن من ذلك براء ؟ ! أي أتؤاخذنا بخطيئة غيرنا ؟ !

قوله : { إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء } الفتنة : الابتلاء والاختبار . والمعنى : أن ما فعله بنو إسرائيل من عبادة العجل ما هو إلا ابتلاء منك يا ربنا . فقد ابتلاهم بذلك ليتبين الذين يضلون عن دين الله فيعبدون غيره ، والذين يهتدون بمجانبة الإشراك فلا يعبدون غير الله الواحد الخالق . وقد أضاف موسى إضلال القوم وهدايتهم إلى الله ، كقوله تعالى : { وليبلوكم أيكم أحسن عملا } .

قوله : { أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين } ذلك استرحام واستعطاف من موسى إذا يدعو ربه . والوالي معناه الناصر أي يا ربنا أنت ناصرنا فاستر علينا ذنوبنا بعفوك عن سيئاتك وتجاوزك عن عقابنا ومن علينا برحمتك بنا { وأنت خير الغافرين } أي وأنت خير من يعفو ومن يصفح . وخير من يتجاوز عن الخطايا والآثام . وخير من يستر على الذنوب والمعاصي .


[1534]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 376.