أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (231)

شرح الكلمات :

{ أجلهن } : أجل المطلقة مقاربة انتهاء أيام عدتها .

{ أو سرحوهن } : تسريح المطلقة تركها بلا مراجعة لها حتى تنقضي عدتها وتبين من زوجها .

{ ضراراً } : مضارة لها وإضراراً بها .

{ لتعتدوا } : لتتجاوزوا حد الإِحسان إلى الإِساءة .

{ هزواً } : لعباً بها بعدم التزامكم بتطبيق أحكامها .

{ نعمة الله } : هنا هي الإسلام .

{ الحكمة } : السنة النبوية .

{ يعظكم به } : بالذي أنزله من أحكام الحلال والحرام ؛ لتشكروه تعالى بطاعته .

المعنى الكريمة الكريمة

ما زال السياق في بيان أحكام الطلاق والخلع والرجفة في هذه الآية يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا طلق أحدهم امرأته وقاربت نهاية عدتها أن يراجعها فيمسكها بمعروف ، والمعروف هو حسن عشرتها أو يتركها حتى تنقضي عدتها ويسرحها بمعروف فيعطيها كامل حقوقها ولا يذكرها إلا بخير ويتركها تذهب حيث شاءت . وحرم على أحدهم أن يراجع امرأته من أجل أن يضرّ بها فلا هو يحسن إليها ولا يطلقها فتستريح منه ، فقال تعالى : { ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا } يريد عليهن حتى تضطر المرأة المظلومة إلى المخالعة فتفدي نفسها منه بمال وأخبر تعالى : أن من يفعل هذا الإضرار فقد عرض نفسه للعذاب الأخروي .

كما نهى تعالى المؤمنين عن التلاعب بالأحكام الشرعية ، وذلك بإهمالها وعدم تنفيذها فقال تعالى : { ولا تتخذوا آيا الله هزواً } وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم حيث منَّ عليهم بالإسلام دين الرحمة والعدالة والإِحسان وذلك ليشكروه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه .

كما عليهم أن يذكروا نعمة الله عليهم زيادة على الإسلام وهي نعمة إنزال الكتاب .

والحكمة ليعظهم بذلك فيأمرهم بما فيه سعادتهم وكمالهم ، وينهاهم عما فيه شقاؤهم وخسرانهم : ثم أمرهم بتقواه عز وجل ، فقال { واتقوا الله } وأعلمهم أنه أحق أن يُتقى لأنه بكل شيء عليم لا يخفى عليه من أمرهم شيء فيلحذروا أن يراهم على معصيته مجانبين لطاعته .

الهداية

من الهداية :

- لا يحل للمطلق أن يراجع امرأته من أجل أن يضرّ بها ويظلمها حتى تخالعه بمال .

- حرمة التلاعب الأحكام الشرعية بعدم مراعتها ، وتنفيذها .

- وجوب ذكر نعمة الله على البعد وذلك بذكرها باللسان ، والاعتراف بها في الجنان .

- وجوب تقوى الله تعالى في السر والعلن .

- مراقبة الله تعالى في سائر شؤون الحياة لأنه بكل شيء عليم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ} (231)

ولما ذكر الطلاق رجعية وبائنة عقبه ببيان وصف الرجعة من الحل والحرمة وبيان {[10700]}وقتها وتحديده{[10701]} والإشارة إلى تصوير{[10702]} بعض صور المضارة ترهيباً منها{[10703]} فليست الآية مكررة{[10704]} فقال{[10705]} : { وإذا طلقتم النساء }{[10706]} أي طلاقاً رجعياً {[10707]}والمراد من يملك نكاحها من هذا النوع الشامل للقليل والكثير ولم يقل : نساءكم ، لئلا تفهم {[10708]}الإضافة أن لطلاقهم{[10709]} غير نسائهم حكماً مغائراً لهذا في بلوغ الأجل مثلاً ونحوه .

ولما كانت إباحة الرجعة في آخر العدة دالة على إباحتها فيما قبل ذلك بطريق الأولى وكان من المقطوع به عقلاً أن لما بعد الأجل حكماً غير الحكم الذي كان له قبله لم يكن التعبير بالبلوغ ملبساً{[10710]} وكان التعبير به مفيداً أقصى ما يمكن{[10711]} به{[10712]} المضارة{[10713]} فقال : { فبلغن{[10714]} أجلهن } أي شارفن انقضاء العدة ، بدليل الأمر بالإمساك لأنه لا يتأتى بعد الأجل . و{[10715]}قال الحرالي : ولما كان للحد المحدود الفاصل بين أمرين متقابلين بلوغ وهو الانتهاء إلى أول حده وقرار وهو الثبات عليه ومجاوزة لحده ذكر سبحانه وتعالى البلوغ الذي هو الانتهاء إلى أول الحد دون المجاوزة والمحل ، والأجل مشارفة انقضاء أمد{[10716]} الأمر حيث يكون منه ملجأ الذي هو مقلوبه كأنه مشارفة فراغ المدة - انتهى { فأمسكوهن } أي بالمراجعة إن أردتم ولو في آخر لحظة من العدة{[10717]} { بمعروف } أي بحال{[10718]} حسنة تحمد{[10719]} عاقبتها ، ونكره إشعاراً بأنه لا يشترط فيه رضى المرأة { أو سرحوهن بمعروف } بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة فيملكن أنفسهن من غير تلبيس بدعوى ولا تضييق{[10720]} في شيء من الأشياء .

وقال الحرالي : هذا معروف الإمتاع والإحسان وهو غير معروف الإمساك ، ولذلك فرقه الخطاب ولم يكن : فأمسكوهن أو سرحوهن بمعروف - انتهى .

ولما كان المعروف يعم كل خير وكان الأمر به لا يفيد التكرار خص ترك الشر اهتماماً به معبراً بما يتناول جميع الأوقات فقال : { ولا تمسكوهن } أي بالمراجعة في آخر العدة { ضراراً } كما كان في الجاهلية { لتعتدوا } أي قاصدين بذلك التوصل إلى شيء من مجاوزة الحدود التي بينت{[10721]} لكم مثل أن يريد تطويل العدة عليها{[10722]} فإنه قد يفضي إلى اعتدادها تسعة أشهر .

ولما كان التقدير : فمن يفعل ذلك فقد ظلم زوجه عطف عليه زيادة في التنفير عنه قوله : { ومن يفعل ذلك } أي الفعل البعيد عن الخير ، وفي التعبير بالمضارع إشعار بأن في الأمة من يتمادى على فعله { فقد ظلم نفسه } أي بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس منه .

ولما كان قد لا يقصد شيئاً من انتهاك الحرمات ولا من المصالح فكان مقدماً على ما لا يعلم{[10723]} أو يظن له عاقبة حميدة تهاوناً بالنظر وكان فاعل ذلك شبيهاً بالهازىء{[10724]} {[10725]}كما يقال {[10726]}لمن لا{[10727]} يجد فى أمر : هو لاعب ، قال : { ولا تتخذوا آيات الله } أي مع ما تعلمون من عظمتها بعظمة ناصبها { هزواً } بإهمالها عن قصد المصالح الذي هو زوجها{[10728]} .

ولما كان على العبد أن يقتفي أثر السيد في جميع أفعاله قال : { واذكروا نعمة الله } {[10729]}أي الذي له الكمال كله ثم{[10730]} عبر بأداة الاستعلاء إشارة إلى عموم النعم وغلبتها{[10731]} فقال : { عليكم } هل ترون فيها شيئاً من وادي العبث{[10732]} بخلوه عن حكمة ظاهرة { وما } أي وخصوا بالذكر الذي{[10733]} { أنزل عليكم من الكتاب } الذي فاق جميع{[10734]} الكتب {[10735]}وعلا{[10736]} عن المعارضة فغلب جميع الخلق بما أفادته أداة الاستعلاء{[10737]} { والحكمة } التي بثها فيه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم حال كونه { يعظكم } أي يذكر بما يرقق{[10738]} قلوبكم { به } أي بذلك كله { واتقوا الله } أي بالغوا في الخوف{[10739]} ممن له الإحاطة بجميع صفات الكمال{[10740]} باستحضار ما له من العظمة التي لا تتناهى ونبه على عظيم{[10741]} أمره بقوله : { واعلموا{[10742]} } وبتكرير الاسم الأعظم في قوله : { أن الله } فلم يبق وراء ذلك مرمى { بكل شيء } أي من أمور النكاح وغيرها { عليم * } أي بالغ العلم{[10743]} فاحذروه{[10744]} حذر من يعلم أنه بحضرته وكل ما يعمله{[10745]} من سر وعلن فبعينه . قال الحرالي : والتهديد بالعلم منتهى التحديد - انتهى .


[10700]:سقطت من ظ.
[10701]:سقطت من ظ.
[10702]:ليس في م
[10703]:ليست في ظ.
[10704]:ليست في ظ.
[10705]:ليس في مد.
[10706]:نزلت في ثابت بن يسار ويقال أسنان الأنصاري طلق امرأته حتى إذا بقى من عدتها يومان أو ثلاثة وكادت أن تبين راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها حتى مضت سبعة أشهر مضارة لها ولم يكن الطلاق يومئذ محصورا، والخطاب في "طلقتم" ظاهره أنه للأزواج وقيل:لثابت بن يسار، خوطب الواحد بلفظ الجمع للاشتراك في الحكم – البحر المحيط 2 / 207.
[10707]:العبارة من هنا إلى "ونحوه" ليست في ظ
[10708]:من مد، وفي الأصل: الإضافتان لطلاقهم، وفي م: الأفهام أن لطلاق.
[10709]:من مد، وفي الأصل، الإضافتان لطلاقهم، وفي م: الأفهام أن لطلاق.
[10710]:العبارة من هنا إلى "المضارة" سقطت من ظ.
[10711]:في م ومد: تمكن.
[10712]:ليس في م.
[10713]:في الأصل: المصادرة وفي م: المصاررة، وفي مد: المضاررة.
[10714]:بلغ بليغ بلوغا وصل إلى الشيء قال الشاعر: ومجر كغلان الأنيعم بالغ ديار العدو ذي زهاء وأركان والبلغة منه، والبلاغ الأصل يقع على المدة كلها وعلى آخرها، يقال لعمر الإنسان أجل وللموت ينتهي أجل وكذلك الغاية والأمد...."فبلغن" أي قاربن انقضاء العدة، والأجل هو الذي ضربه الله للمعتدات من الأقراء والأشهر ووضع الحمل، وأضاف الأجل إليهن لأنه أمس بهن، ولهذا قيل: الطلاق للرجال والعدة للنساء – البحر المحيط 2 / 206 و 207.
[10715]:ليس في م وظ.
[10716]:من م ومد وظ، وفي الأصل: أمر.
[10717]:أي راجعوهن قبل انقضاء العدة، وفسر المعروف بالإشهاد على الرجعة، وقيل: بما يجب لها من حق عليه – قاله بعض العلماء وهو قول عمرو على وأبي هريرة وابن المسيب ومالك والشافعي وأحمد....قالوا: الإمساك بمعروف هو أن ينفق عليها فإن لم يجد طلقها فغذا لم يفعل خرج عن حد المعروف فيطلق عليه الحكام من أجل الضرر الذي يلحقها بإقامتها عند من لا يقدر على نفقتها حتى قال ابن المسيب: إن ذلك سنة، وفي صحيح البخاري: تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني. وقال عطاء والزهري والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا يفرق بينهما ويلزمها الصبر وتتعلق النفقة بذمته لحكم الحاكم – البحر المحيط 2 / 207.
[10718]:في ظ: بحالة.
[10719]:من م ومد وظ، وفي الأصل: تجد.
[10720]:في ظ: تضيق.
[10721]:من م ومد وظ، وفي الأصل: ينبت – كذا.
[10722]:ليس في م.
[10723]:في ظ: لا يعلمه.
[10724]:في م ومد: بالهازي.
[10725]:العبارة من هنا إلى "لاعب" ليست في ظ.
[10726]:زيد في الأصل: في ولم تكن الزيادة في م ومد فحذفناها.
[10727]:في م ومد: لم.
[10728]:وقال الزمخشري: أي جدوا في الأخذ بها والعمل بما فيها وراعوها حق رعايتها وإلا فقد اتخذتموها هزوا ولعبا، ويقال لمن لم يجد في الأمر: إنما أنت لاعب وهازئ، انتهى كلامه – البحر المحيط 2 / 208.
[10729]:العبارة من هنا إلى "فقال" ليست في ظ.
[10730]:في مد: و.
[10731]:في مم ومد، عظمتها.
[10732]:في م: العيب.
[10733]:زيد من م ومد، وفي ظ: ما.
[10734]:من م وظ ومد وفي الأصل: جمع.
[10735]:العبارة من هنا إلى "الاستعلاء" ليست في ظ.
[10736]:زيد في الأصل "في" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[10737]:وفي خطابه تعالى بقوله "عليكم" تشريف وتعظيم لهم وهو في الحقيقة نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم "والكتاب" القرآن و "الحكمة" السنة والضمير في "به" عائد على "ما" الموصولة – المد من البحر 2 / 209.
[10738]:من مد وفي الأصل وم وظ: يرفق.
[10739]:موضعها في ظ: منه.
[10740]:موضعها في ظ: منه.
[10741]:في م ومد: عظم.
[10742]:والمعنى بطلب العلم الديمومة عليه إذ هم عالمون بذلك وفي ذلك تنبيه على أنه يعلم نياتكم في المضارة والاعتداء فلا تلبسوا على أنفسكم، وكرر اسم الله في قوله تعالى "واتقوا الله واعلموا أن الله" لكونه من جملتين فتكريره أفخم وترديده في النفوس أعظم – البحر المحيط 2 / 209.
[10743]:ليس في م ومد.
[10744]:زيد في ظ: و.
[10745]:في مد وظ: يعلمه.