{ قرية } : مدينة لم يذكر الله تعالى اسمها فلا يبحث عنها لعدم جدوى معرفتها .
{ خاوية } : فارغة من سكانها ساقطة عروشها على مبانيها وجدرانها .
{ بعد موتها } : بعد خوائها وسقوطها على عروشها .
{ لم يتسنه } : لم يتغير بمر السنين عليه .
{ آية } : علامة على قدرة الله على بعث الناس أحياء يوم القيامة .
{ ننشزها } : في قراءة ورش ننشرها بمعنى نحييها بعد موتها . وننشزها نرفعها ونجمعها لتكون حماراً كما كانت .
هذا مثل آخر معطوف على الأول الذي تجلت فيه على حقيقتها ولاية الله لإِبراهيم حيث أيده بالحجة القاطعة ونصره على عدون النمرود قال تعالى : { أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية } فارغة من سكانها ساقطة سقوفها على مبانيها فقال المارّ بها مُستبعداً حياتها مرة ثانية : كيف يحيي الله هذه القرية بعد خرابها ؟ فأماته الله مائة عام ثم أحياه ، وسأله : كم لبثت ؟ قال : حسب عادة من نام في يوم واستيقظ فيه فإنه يرى أنه نام يوماً أو بعض يوم .
فأجابه مُصَوِّباً فهمه : بل لبثت مائة عام ، ولكي تقتنع بما أخبرت به فانظر إلى طعامك وكان سلة من تين ، وشرابك وكان عصيراً من عنب فإنه لم يتغير طعمه ولا لونه وقد مر عليه قرن من الزمن ، وانظر إلى حمارك فإنه هلك بمرور الزمن ولم يبق منه إلا عظامه تلوح بيضاء فهذا دليل قاطع على موته وفنائه ، لمرور مائة سنة عليه ، وانظر إلى العظام كيف نجمعها ونكسوها لحماً فإذا هي حمارك الذي كنت تركبه من مائة سنة ونمت وتركته إلى جانبك يرتع ، وتجلت قدرة الله في عدم تغير الذي جرت العادة أنه يتغير في ظرف يوم واحد وهو سلة التين وشراب العصير . وفي تغير الذي جرت العادة أنه لا يتغير إلا في عشرات الأعوام ، وهو الحمار . كما هي ظاهرة في موت صاحبهما وحياته بعد لبثه على وجه الأرض ميتاً لم يعثر عليه أحد طيلة مائة عام . وقال له الرب تبارك وتعالى بعد أن وقفه على مظاهر قدرته فعلنا هذا بك لنريك قدرتنا على إحياء القرية متى أردنا إحياءها ولنجعلك في قصتك هذه آية للناس ، تهديهم إلى الإيمان وتوحيدنا في عبادتنا وقدرتنا على العبث الآخر الذي لا ريب فيه لتجزى كل نفس بما كسبت .
وأخيراً لما لاحت أنوار ولاية الله في قلب هذا العبد المؤمن الذي أثار تعجبه خراب القرية فاستبعد حياتها قال : أعلم أن الله على كل شيء قدير ، فهذا مصداق قوله تعالى : { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } .
- جواز طروء استبعاد ما يؤمن به العبد أنه حق وكائن ، كما استبعد هذا المؤمن المار بالقرية حياة القرية مرة أخرى بعد ما شاهد من خرابها وخوائها .
- عظيم قدرة الله تعالى بحيث لا يعجزه تعالى شيء وهو على كل شيء قدير .
- ولاية الله تعالى للعبد المؤمن التقي تجلت في إذهاب الظلمة التي ظهرت على قلب المؤمن باستبعاده قدره الله على إحياء القرية ، فأراه الله تعالى مظاهر قدرته ما صرح به في قوله : { أعلم أن الله على كل شيء قدير } .
ولما كان الإحياء والإماتة من أظهر آيات الربانية وأخصها بها أظهر سبحانه وتعالى الغيرة عليها تارة بإبهات المدعي للمشاركة ، وتارة بإشهاد{[12518]} المستبعد{[12519]} في نفسه وغيره بفعل ربه{[12520]} ، وتارة بإشهاد المسترشد في غيره بنفسه معبراً في كل منها بما اقتضاه حاله وأشعر به سؤاله ، فعبر في الكافر{[12521]} بإلى إشارة إلى أنه في محل البعد عن المخاطب صلى الله عليه وسلم ، وفي المتعجب{[12522]} بإسقاطها إسقاطاً لذلك البعد{[12523]} ، وفي المسترشد المستطلع بإذ كما هي العادة المستمرة في أهل الصفاء والمحبة والوفاء فأتبع التعجيب من حال المحاجج التعجيب أيضاً من حال من استعظم إحياءه تعالى لتلك القرية . ولما كان معنى { ألم تر } هل رأيت لأن هل كما ذكر الرضى وغيره تختص مع كونها للاستفهام بأن تفيد فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها { إلا } قصداً للايجاب كقوله سبحانه تعالى{ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان{[12524]} }[ الرحمن : 60 ] وقوله سبحانه وتعالى{ هل هذا إلا بشر مثلكم{[12525]} }[ الأنبياء : 3 ] كان كأنه قيل : هل رأيت الذي حاج إبراهيم { أو } هل رأيت { كالذي } ويجوز أن يكون التقدير لأن أخبار{[12526]} الأولين إنما{[12527]} هي مواعظ لنا : أقومك كهذا{[12528]} المحاج لأعظم إبائهم فهم يقولون : إن الإحياء ليس على حقيقته بالبعث بعد الموت ، أو هم كالذي { مر } قال الحرالي : من المرور{[12529]} وهو جعل الشيء على مسلك إلى غيره مع التفات إليه{[12530]} في{[12531]} سبيله { على قرية } وهي التي خرج منها الألوف أو بيت المقدس { وهي خاوية } أي متهدمة ساقطة جدرانها{[12532]} { على عروشها } أي سقوفها ، أو خالية على بقاء سقوفها . قال الحرالي : من الخوا وهو خلو الشيء عما شأنه أن يعينه حساً أو معنىً ، والعروش{[12533]} جمع عرش من نحو معنى العريش وهو ما أقيم من البناء على{[12534]} حالة{[12535]} عجالة يدفع سورة الحر والبرد ولا يدفع جملتها كالكن المشيد ، فكان المشيد في الحقيقة عريشاً لوهاء الدنيا بجملتها في عين الاستبصار{[12536]} - انتهى .
ولما كان كأنه قيل : ما الذي في حاله ذلك مما يعجب منه ؟ قيل : { قال أنى يحيي هذه } أي القرية { الله } {[12537]}أي الذي له الأمر كله{[12538]} { بعد موتها } أي بما صارت إليه من الخراب وذهاب الأهل فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة . قال الحرالي : وفي لفظة " أنى " لشمول معناها لمعنى{[12539]} كيف وحيث ومتى استبعاده{[12540]} الإحياء في الكيف والمكان والزمان ، ومنشأ هذا الاستبعاد إنما يطوق{[12541]} النفس من طلبها لمعرفة تكييف{[12542]} ما لا يصل إليه علمها - انتهى .
ولما كان هذا المستبعد قاصراً عن رتبة الخليل عليه الصلاة والسلام في التهيئ للطمأنينة بل{[12543]} كان إيقانه على الكيفية متوقفاً{[12544]} في الحكمة على تركه في عالم الغيب المدة التي ضربت لبقائه ميتاً ليكون ذلك كالتخمير في الطين لتتهيأ نفسه لعلم ذلك والإيقان به قال : { فأماته } أي فتسبب عن ذلك أن أماته { الله } {[12545]}أي الذي لا كفوء له فمهما أراد{[12546]} كان لإيقانه على علم ذلك عناية من الله به{[12547]} { مائة } ولما كان المراد أن مدة موته كانت طويلة ليكون{[12548]} قد بلي فيها فتكون إعادته أمكن في القدرة على ما تستبعده{[12549]} العرب وأن ذلك الزمان كان حسناً طيباً لقبوله{[12550]} الإحياء والعمارة عبر عنه بما يدل على السعة فقال : { عام } حتى بلي حماره{[12551]} وحفظ طعامه وشرابه من التغير ليتحقق كمال القدرة بحفظ ما شأنه التغير وتغير ما شأنه البقاء وإعادة ما فني .
قال الحرالي : و{[12552]}خص المائة لكمالها في العد المثلث من الآحاد و{[12553]}العشرات وعشرها وتر الشفع لأن ما تم في الثالث كان ما زاد عليه تكراراً يجزىء عنه الثلاث { ثم بعثه } في بيانه إشعار بأن بدنه لم يتغير ولا فني فناء حماره حيث لم يكن ثم نشره والله سبحانه وتعالى أعلم كما قال
{ ثم إذا شاء أنشره{[12554]} }[ عبس : 22 ] - انتهى .
ولما أحاط العلم بأن هذا العمل لأجل إيقانه على القدرة تشوفت النفس إلى ما حصل له بعد البعث فأجيبت بقوله تنبيهاً له ولكل سامع على ما في قصته من الخوارق : { قال } أي له الله سبحانه وتعالى أو من{[12555]} شاء ممن{[12556]} خطابه{[12557]} ناشىء عنه { كم لبثت } أي في رقدتك هذه { قال } لنظره إلى سلامة طعامه وشرابه { لبثت يوماً } ثم تغير ظنه بحسب الشمس أو غيرها فقال : { أو بعض يوم } وكأنه استعجل بهذا الجواب - كما هي عادة الإنسان - قبل النظر إلى حماره { قال } أي الذي خاطبه مضرباً عن جوابه بياناً لأنه غلط ظاهر { بل لبثت مائة عام } معبراً عن الحول بلفظ يدور على معنى{[12558]} السعة والامتداد والطول ودله{[12559]} على ذلك وعلى كمال القدرة بقوله : { فانظر إلى طعامك وشرابك } أي الذي كان معك لما رقدت وهو أسرع الأشياء فساداً تين{[12560]} وعصير { لم يتسنه } {[12561]}من السنة{[12562]} أي يتغير بمر السنين على طول مرورها وقوة تقلباتها وتأثيرها ، ومعنى القراءة بهاء السكت أن الخبر بذلك{[12563]} أمر جازم مقنع{[12564]} لا مرية فيه ولا تردد أصلاً { وانظر إلى } { حمارك } بالياً رميماً ، فجمع الله له{[12565]} سبحانه {[12566]}وتعالى{[12567]} بين آيتي الرطب في حفظه واليابس في نقضه .
ولما كان التقدير : فعلنا ذلك لنجعله آية لك{[12568]} على كمال القدرة أو لتعلم أنت قدرتنا ، عطف عليه قوله : { ولنجعلك } أي في مجموع خبرك { آية للناس } أي كافة فكان أمره إبقاء وتثبيتاً آية في موجود الدنيا على ما سيكون في أمر الآخرة قيام ساعة وبعثاً ونشوراً - قاله الحرالي .
ولما{[12569]} أمره{[12570]} بالنظر إلى ما جعله له{[12571]} آية {[12572]}على لبثه ذلك الزمن الطويل أمره بالنظر إلى ما جعله له آية{[12573]} على اقتداره على الإحياء كيف ما أراد فقال{[12574]} : { وانظر إلى العظام } أي من حمارك وهي{[12575]} جمع عظم وهو عماد البدن{[12576]} الذي عليه مقوم صورته { كيف ننشزها } قال الحرالي : بالراء من النشر وهو عود الفاني إلى صورته الأولى وبالضم جعل وتصيير إليه ، وبالزاي من النشز وهو إظهار الشيء وإعلاؤه ، من نشز{[12577]} الأرض وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى .
وضم بعضها إلى بعض على ما كانت عليه ينظم ذلك كله { ثم نكسوها لحماً } قال الحرالي : جعل حياته بعثاً وحياة حماره نشوراً وأراه النشر{[12578]} ، واللحم الذي لحم بين{[12579]} العظام حتى صارت صورة واحدة ليتبين{[12580]} أمر الساعة عياناً فيكون حجة على الكافر والمستبعد { فلما تبين له } أي هذا الأمر الخارق الباهر الدال على ما وصف{[12581]} سبحانه وتعالى به{[12582]} نفسه المقدسة في آية الكرسي . قال الحرالي : وفي صيغة تفعل إشعار بتردده في النظر بين الآيتين حتى استقر عنده أمر ما أعلم به واضمحل عنده ما قدره { قال أعلم } بصيغة الفعل بناء على نفسه وبصيغة الأمر إفادة لغيره ما علم لتدل القراءتان على أنه علم وعلم لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير العالم فيجمع فضل العلم والتعليم - انتهى . ويجوز أن يدل التعبير بالمضارع في أعلم على أنه لم يزل متصفاً بهذا العلم{[12583]} من غير نظر إلى حال ولا استقبال ويكون ذلك اعتذاراً عن تعبيره في التعجيب{[12584]} بما دل على الاستبعاد بأنه إنما قاله{[12585]} استبعاداً لتعليق القدرة بذلك لا{[12586]} للقدرة عليه { أن الله } أي لما أعلم من عظمته { على كل شيء } أي من هذا وغيره { قدير * } قال الحرالي : في إشعاره إلزام البصائر شهود قدرة الله سبحانه وتعالى في تعينها في الأسباب الحكمية التي تتقيد بها الأبصار إلحاقاً لما دون{[12587]} آية الإحياء والإماتة بأمرها ليستوي في العلم أن محييك{[12588]} هو مصرفك ، فكما أن حياتك بقدرته فكذلك عملك بقدرته{[12589]} فلاءم تفصيل افراد القدرة لله بما تقدم من إبداء{[12590]} الحفظ بالله والعظمة لله ، فكأنها جوامع وتفاصيل كلها تقتضي إحاطة أمر الله سبحانه وتعالى بكلية ما أجمل وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى . وفي الآية بيان لوجه مغالطة الكافر لمن استخفه{[12591]} من قومه في المحاجة مع الخليل صلوات الله وسلامه عليه بأن الإحياء الذي يستحق به الملك الألوهية{[12592]} هو هذا الإحياء الحقيقي لا التخلية عمن استحق القتل .