{ خبث } : أي خبثت تربته بأن كانت سبخة .
{ إلا نَكِداً } : أي إلا عسراً .
{ تصرف الآيات } : أي ننوعها ونخالف بين أساليبها ونذكر في بعضها ما لم نذكره في بعضها للهداية والتعليم .
{ لقوم يشكرون } : لأنهم هم الذين ينتفعون بالنعم بشكرها بصرفها في محاب الله تعالى .
أما الآية الثانية ( 58 ) فقد تضمنت مثلاً ضربه الله تعالى للعبد المؤمن والكافر إثر بيان قدرته على إحياء الناس بعد موتهم فقال تعالى : { والبلد الطيب } أي طيب التربة { يخرج نباته بإذن ربه } وذلك بعد إنزال المطر به ، وهذا مثل العبد المؤمن ذي القلب الحي الطيب إذا سمع ما ينزل من الآيات يزداد إيمانه وتكثر أعماله الصالحة { والذي خبث } أي والبلد الذي تربته خبيثة سبخة أو حمأة عندما ينزل به المطر لا يخرج نباته إلا نكداً عسراً قليلاً غير صالح وهذا مثل الكافر عندما يسمع الآيات القرآنية لا يقبل عليها ولا ينتفع بها في خُلقه ولا سلوكه فلا يعمل خير أًو لا يترك شراً .
وقوله تعالى : { كذلك نصرف الآيات } أي ببيان مظاهر قدرته تعالى وعلمه وحكمته ورحمته وضرب الأمثال وسوق الشواهد والعبر { لقوم يشكرون } إذ هم المنتفعون بها أما الكافرون الجاحدون فأنى لهم الانتفاع بها وهم لا يعرفون الخير ولا ينكرون الشر .
- حسن ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان .
- فضيلة الشكر وهو صرف النعمة فيما من أجله وهبها الله تعالى للعبد .
ولما كانت الموت موتين : حسياً ومعنوياً - كما أشير إليه في الأنعام في آية{ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله }{[32425]} { أو من كان ميتاً فأحييناه }{[32426]} كان كأنه قيل : لا فرق في ذلك عندنا بين أموات {[32427]}الإيمان وأموات الأبدان{[32428]} ، فكما أنا فاوتنا بين جواهر الأراضي بخلق بعضها جيداً وبعضها رديئاً كذلك فاوتنا بين عناصر الأناسي بجعل بعضها طيباً وبعضها خبيثاً ، فالجيد العنصر يسهل إيمانه{[32429]} ، والخبيث الأصل يعسر إذعانه وتبعد استقامته وإيقانه { والبلد الطيب } أي{[32430]} الذي طابت أرضه فكانت كريمة منبتة { يخرج نباته } أي إذا {[32431]}نزل عليه{[32432]} الماء خروجاً كثيراً حسناً سهلاً {[32433]}غزيراً{[32434]} { بإذن } أي بتمكين { ربه } أي المربي له بما هيأه{[32435]} له ، والذي طاب في الجملة ولم يصل إلى الغاية يخرج له نبات دون ذلك ، والخبيث لا يخرج له نبات أصلاً بمنع ربه له{[32436]} { والذي خبث } أي حصلت له خباثة في جبلته بكون أرضه سبخة أو نحوها مما لم يهيئه الله تعالى للإنبات { لا يخرج } أي نباته { إلا } أي{[32437]} حال كونه { نكداً } أي قليلاً ضعيف المنفعة ، وهو - مع كونه دالاً على أن ذلك ما كان على ما وصف مع استواء الأراضي في الأصل واستواء المياه ونسبتها إلى الأفلاك والنجوم إلا بالفاعل المختار - مثل ضربه سبحانه للمؤمن والكافر عند سماعهما للذكر من الكتاب والسنة ، والآية من الاحتباك .
ولما استوت هذه الآيات على الذروة من بدائع الدلالات ، كان السامع جديراً بأن يقول : هل تبين جميع هذه الآيات هذا البيان ؟ فقيل : { كذلك } أي نعم ، مثل هذا التصريف ، وهو الترديد مع اختلاف الأنحاء لاختلاف الدلالات وإبرازها في قوالب الألفاظ الفائقة والمعاني الرائقة في النظوم المعجزة على وجوه لا تكاد تدخل تحت الحصر : { نصرف الآيات } أي كلها ؛ ولما تم ذلك على هذا المنهاج الغريب والمنوال العجيب المذكر بالنعم في أسلوب دال على التفرد وتمام القدرة ، كان أنسب الأشياء ختمه بقوله مخصصاً بها المنتفع لأنها بالنسبة إلى غيرهم كأنها لم توجد : { لقوم يشكرون* } أي يوجد منهم الشكر للنعم وجوداً مستمراً فلا يشركون بل ينتفعون بما أنعم عليهم به وحده في عبادته وحده ، وينظرون بعقولهم أنه أقدرهم بنعمه على ما هم عاجزون عنه ، فلا يسلبون عنه شيئاً من قدرته على بعث ولا غيره فإنهم يزعمون أنهم أهل معالي الأخلاق التي منها أنه ما جزاء الإحسان إلاّ الإحسان .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.