أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ} (87)

شرح الكلمات :

{ أصلاتك } : أي كثرة الصلاة التي تصليها هي التي أثرت على عقلك فأصبحت تأمرنا بما لا ينبغي من ترك عبادة آلهتنا والتصرف في أموالنا .

{ الحليم الرشيد } : أي ذو الحلم والرشد ، والحلم ضد الطيش والرشد ضد السفه ولم يكن قولهم هذا مدحاً له وإنما هو استهزاء به .

المعنى :

ما زال السياق الكريم في الحديث عن شعيب عليه السلام مع قومه أهل مدين إنه لما أمرهم بعبادة الله تعالى وحده ونهاهم نقص الكيل والوزن وبخس الناس أشياءهم والسعي في الأرض بالفساد ، إذ كانوا يكسرون الدراهم وينشرونها ويقطعون الطريق : فردوا عليه قوله بما أخبر تعالى به عنهم في قوله : { قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } ؟ إنه بهذا الخطاب ينكرون عليه نهيه لهم عن عبادة الأوثان والأصنام التي كان يعبدها آباؤهم من قبلهم كما ينكرون عليه نهيه لهم عن نقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم وأمرهم إياهم بالتزام الحق والعدل في ذلك ، ينكرون عليه نهيه لهم وأمره إياهم وينسبون ذلك إلى كثرة صلاته فهي التي في نظرهم قد أصابته بضعف العقل وقلة الإدراك ، وقوله له { إنك لأنت الحليم الرشيد } إنما هو تهكم واستهزاء منهم لا أنهم يعتقدون حلم شعيب ورشده وإن كان في الواقع هو كما قالوا حليم رشيد إذ الحليم هو الذي لا يحمله الغضب أن يفعل ما لا يفعله في حال الرضا والرشيد خلاف السفيه الذي لا يحسن التصرف في المال وغيره هذا ما تضمنته الآية الأولى ( 87 ) .

الهداية :

من الهداية :

- التعريض القريب يُعطي القذف الصريح .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ} (87)

قوله تعالى : " قالوا يا شعيب أصلواتك " وقرئ " أصَلاتُك " من غير جمع . " تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا " " أن " في موضع نصب ، قال الكسائي : موضعها خفض على إضمار الباء . وروي أن شعيبا عليه السلام كان كثير الصلاة ، مواظبا على العبادة فرضها ونقلها ويقول : الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فلما أمرهم ونهاهم عيروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة ، واستهزؤوا به فقالوا ما أخبر الله عنهم . وقيل : إن الصلاة هنا بمعنى القراءة ، قاله سفيان عن الأعمش ، أي قراءتك تأمرك ، ودل بهذا على أنهم كانوا كفارا . وقال الحسن : لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة . " أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء " زعم الفراء أن التقدير : أو تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء . وقرأ السلمي والضحاك بن قيس " أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء " بالتاء في الفعلين ، والمعنى : ما تشاء أنت يا شعيب . وقال النحاس : " أو أن " على هذه القراءة معطوفة على " أن " الأولى . وروي عن زيد بن أسلم أنه قال : كان مما نهاهم عنه حذف الدراهم{[8825]} . وقيل : معنى . " أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء " إذا تراضينا فيما بيننا بالبخس فلم تمنعنا منه ؟ ! . " إنك لأنت الحليم الرشيد " يعنون عند نفسك بزعمك . ومثله في صفة أبي جهل : " ذق إنك أنت العزيز الكريم{[8826]} " [ الدخان : 49 ] أي عند نفسك بزعمك . وقيل : قالوه على وجه الاستهزاء والسخرية ، قاله قتادة . ومنه قولهم للحبشي : أبو البيضاء ، وللأبيض أبو الجون{[8827]} ، ومنه قول خزنة جهنم لأبي جهل : " ذق إنك أنت العزيز الكريم " . وقال سفيان بن عيينة : العرب تصف الشيء بضده للتطير والتفاؤل ، كما قيل للديغ سليم ، وللفلاة مفازة . وقيل : هو تعريض أرادوا به السب ، وأحسن من هذا كله ، ويدل ما قبله على صحته ، أي إنك أنت الحليم الرشيد حقا ، فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا ! ويدل عليه . " أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا " أنكروا لما رأوا من كثرة صلاته وعبادته ، وأنه حليم رشيد بأن يكون يأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم ، وبعده أيضا ما يدل عليه .


[8825]:حذف الشيء قطعه من أطرافه.
[8826]:راجع ج 16 ص 151.
[8827]:الجون هنا الأسود.