{ كذلك بعثناهم } : أي كما أنمناهم تلك النومة الطويلة الخارقة للعادة بعثناهم من رقادهم بعثاً خارقاً للعادة أيضاً فكان في منامهم أية وفي إفاقتهم آية .
{ كم لبثتم } : أي في الكهف نائمين .
{ يوماً أو بعض يوم } : لأنهم دخلوا الكهف صباحاً واستيقظوا عشية .
{ بورقكم } : بدراهم الفضة التي عندكم .
{ إلى المدينة } : أي المدينة التي كانت تسمى أفسوس وهي طرسوس اليوم .
{ أزكى طعاماً } : أي أطعمة المدينة أحلُ أي أكثر حلية .
{ وليتلطف } : أي يذهب يشتري الطعام ويعود في لطف وخفاء .
ما زال السياق الكريم في الحديث عن أصحاب الكهف فقوله : { وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم } أي كما أنمناهم ثلاثمائة سنة وتسعاً وحفظنا أجسادهم وثيابهم من البلى ومنعناهم من وصول أحد إليهم ، وهذا من مظاهر قدرتنا وعظيم سلطاننا بعثناهم من نومهم الطويل ليتساءلوا بينهم فقال قائل منهم مستفهماً كم لبثتم يا إخواننا فأجاب بعضهم قائلاً { لبثنا يوماً أو بعض يوم } لأنهم آووا إلى الكهف في الصباح وبعثوا من رقادهم في المساء وأجاب بعض آخر بقول مرض للجميع وهو قوله : { ربكم أعلم بما لبثتم } فسلموا الأمر إليه ، وكانوا جياعاً فقالوا لبعضهم { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه } يشيرون إلى عملة من فضة كانت معهم { إلى المدينة } وهي أفسوس التي خرجوا منها هاربين بدينهم ، وقوله : { فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه } أي فلينظر الذي تبعثونه لشراء الطعام أي أنواع الأطعمة أزكى أي أطهر من الحرام والاستقذار { فليأتكم برزق منه } لتأكلوا سداً لجوعكم وليتلطف في شرائه وذهابه وإيابه حتى لا يشعر بكم أحد وعلل لقوله هذا بقوله { إنهم إن يظهروا عليكم } .
قوله تعالى : " وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم " البعث : التحريك عن سكون . والمعنى : كما ضربنا على آذانهم وزدناهم هدى وقلبناهم بعثناهم أيضا ، أي أيقظناهم من نومهم على ما كانوا عليهم من هيئتهم في ثيابهم وأحوالهم . قال الشاعر :
وفِتْيَانِ صدقٍ قد بعثتُ بسُحْرَةٍ *** فقاموا جميعا بين عاثٍ ونَشْوَانِ{[10470]}
أي أيقظت واللام في قوله " ليتساءلوا " لام الصيرورة وهي لام العاقبة ، كقوله " ليكون لهم عدوا وحزنا " [ القصص : 8 ] فبعثهم لم سكن لأجل تساؤلهم .
قوله تعالى : " قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } وذلك أنهم دخلوه غدوة وبعثهم الله في آخر النهار ، فقال رئيسهم يمليخا أو مكسلمينا : الله أعلم بالمدة .
قوله تعالى : " فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة " فيه سبع مسائل :
الأولى : قال ابن عباس : كانت ورقهم كأخفاف الربع{[10471]} ، ذكره النحاس . وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم " بورقكم " بكسر الراء . وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم " بورقكم " بسكون الراء ، حذفوا الكسرة لثقلها ، وهما لغتان . وقرأ الزجاج " بورقكم " بكسر الواو وسكون الراء . ويروى أنهم انتبهوا جياعا ، وأن المبعوث هو يمليخا ، كان أصغرهم ؛ فيما ذكر الغزنوي . والمدينة : أفسوس ويقال هي طرسوس ، وكان اسمها في الجاهلية أفسوس ، فلما جاء الإسلام سموها طرسوس . وقال ابن عباس : كان معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم .
الثانية : قوله تعالى : " فلينظر أيها أزكى طعاما " قال ابن عباس : أحل ذبيحة ، لأن أهل بلدهم كانوا يذبحون على اسم الصنم ، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم . ابن عباس : كان عامتهم مجوسا . وقيل " أزكى طعاما " أي أكثر بركة . قيل : إنهم أمروه أن يشتري ما يظن أنه طعام اثنين أو ثلاثة لئلا يطلع عليهم ، ثم إذا طبخ كفى جماعة ؛ ولهذا قيل ذلك الطعام الأرز . وقيل : كان زبيبا . وقيل تمرا ، فالله أعلم . وقيل : " أزكى " أطيب . وقيل أرخص .
قوله تعالى : " فليأتكم برزق منه " أي بقوت . " وليتلطف " أي في دخول المدينة وشراء الطعام . " ولا يشعرن بكم أحدا " أي لا يخبرن . وقيل : إن ظهر عليه فلا يوقعن إخوانه فيما وقع فيه .
الثالثة : في هذه البعثة بالورق دليل على الوكالة وصحتها . وقد وكل علي بن أبي طالب أخاه عقيلا عند عثمان رضي الله عنه ، ولا خلاف فيها في الجملة . والوكالة معروفه في الجاهلية والإسلام ، ألا ترى إلى عبد الرحمن بن عوف كيف وكل أمية بن خلف بأهله وحاشيته بمكة ، أي يحفظهم ، وأمية مشرك ، والتزم عبد الرحمن لأمية من حفظ حاشيته بالمدينة مثل ذلك مجازاة لصنعه . روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف قال : كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة ، فلما ذكرت الرحمن ، قال : لا أعرف الرحمن كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية ، فكاتبته عبد عمرو . . . وذكر الحديث . قال الأصمعي : صاغية الرجل الذين يميلون إليه ويأتونه ، وهو مأخوذ من صغا يصغو ويصغى إذا مال ، وكل مائل إلى الشيء أو معه فقد صغا إليه وأصغى ، من كتاب الأفعال .
الرابعة : الوكالة عقد نيابة ، أذن الله سبحانه فيه للحاجة إليه وقيام المصلحة في ذلك ، إذ ليس كل أحد يقدر على تناول أموره إلا بمعونة من غيره أو يترفه فيستنيب من يريحه .
وقد استدل علماؤنا على صحتها بآيات من الكتاب ، منها هذه الآية ، وقوله تعالى : " والعاملين عليها " {[10472]} [ التوبة : 60 ] وقوله " اذهبوا بقميصي هذا{[10473]} " . وأما من السنة فأحاديث كثيرة ، منها حديث عروة البارقي ، وقد تقدم في آخر الأنعام{[10474]} . روى جبر بن عبد الله قال : أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له : إني أردت الخروج إلى خيبر ، فقال : ( إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته{[10475]} ) خرجه أبو داود . والأحاديث كثيرة في هذه المعنى ، وفي إجماع الأمة على جوازها كفاية .
الخامسة : الوكالة جائزة في كل حق تجوز النيابة فيه ، فلو وكل الغاصب لم يجز ، وكان هو الوكيل ؛ لأن كل محرم فعله لا تجوز النيابة فيه .
السادسة : في هذه الآية نكتة بديعة ، وهي أن الوكالة إنما كانت مع التقية خوف أن يشعر بعم أحد لما كانوا عليه من الخوف على أنفسهم . وجواز توكيل ذوي العذر متفق عليه ، فأما من لا عذر له فالجمهور على جوازها . وقال أبو حنيفة وسحنون : لا تجوز . قال ابن العربي : وكأن سحنون تلقفه من أسد بن الفرات فحكم به أيام قضائه ، ولعله كان يفعل ذلك بأهل الظلم والجبروت ؛ إنصافا منهم وإذلالا لهم ، وهو الحق ، فإن الوكالة معونة ولا تكون لأهل الباطل .
قلت : هذا حسن ، فأما أهل الدين والفضل فلهم أن يوكلوا وإن كانوا حاضرين أصحاء . والدليل على صحة جواز الوكالة للشاهد الصحيح ما خرجه الصحيحان وغيرهما عن أبي هريرة قال : كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال : ( أعطوه ) فطلبوا له سنة فلم يجدوا إلا سنا فوقها ؛ فقال : ( أعطوه ) فقال : أوفيتني أوفى الله لك . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن خيركم أحسنكم قضاء ) . لفظ البخاري . فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي كانت عليه ، وذلك توكيد منه لهم على ذلك ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مريضا ولا مسافرا . وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما : أنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح البدن إلا برضا خصمه ، وهذا الحديث خلاف قولهما .
السابعة : قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية جواز الشركة لأن الورق كان لجميعهم وتضمنت جواز الوكالة لأنهم بعثوا من وكلوه بالشراء . وتضمنت جواز أكل الرفقاء وخلطهم طعامهم معا ، وإن كان بعضهم أكثر أكلا من الآخر ، ومثله قوله تعالى : " وإن تخالطوهم فإخوانكم " [ البقرة : 220 ] حسبما تقدم بيانه في " البقرة " {[10476]} . ولهذا قال أصحابنا في المسكين يتصدق عليه فيخلطه بطعام لغني ثم يأكل معه : إن ذلك جائز . وقد قالوا في المضارب يخلط طعامه بطعام غيره ثم يأكل معه : إن ذلك جائز . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من اشترى له أضحية . قال ابن العربي : ليس في الآية دليل على ذلك ؛ لأنه يحتمل أن يكون كل واحد منهم قد أعطاه منفردا فلا يكون فيه اشتراك . ولا معول في هذه المسألة إلا على حديثين : أحدهما : أن ابن عمر مر بقوم يأكلون تمرا فقال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاقتران إلا أن يستأذن الرجل أخاه . الثاني : حديث أبي عبيدة في جيش الخبط{[10477]} . وهذا دون الأول في الظهور ؛ لأنه يحتمل أن يكون أبو عبيدة يعطيهم كفافا من ذلك القوت ولا يجمعهم عليه .
قلت : ومما يدل على خلاف هذا من الكتاب قوله تعالى : " وإن تخالطوهم فإخوانكن " [ البقرة : 220 ] وقوله " ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا{[10478]} " [ النور : 61 ] على ما يأتي إن شاء الله تعالى .