أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ} (70)

شرح الكلمات :

{ وذر الذين } : أي اترك الكافرين .

{ لعباً ولهواً } : كونه لعباً لأنه لا يجنون منه فائدة قط ، وكونه لهواً لأنهم يتلهون به وشغلهم عن الدين الحق الذي يكملهم ويسعدهم .

{ أن تبسل نفس } : أي تسلم فتؤخذ فتحبس في جهنم .

{ كل عدل } : العدل هنا : الفداء .

{ أبسلو } : حبسوا في جهنم بما كسبوا من الشرك والمعاصي .

{ من حميم } : الحميم الماء الشديد الحرارة الذي لا يطاق .

{ وعذاب أليم } : أي شديد الألم والإِيجاع وهو عذاب النار .

المعنى :

أما الثالثة ( 70 ) فإن الله تعالى يأمر رسوله أن يترك اتخذوا دينهم الحق الذي جاءهم به رسول الحق لعباً ولهواً يلعبون به أو يسخرون منه ويستهزئون به وغرتهم الحياة الدنيا قال تعالى : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا } اتركهم فلا يهمك أمرهم وفى هذا تهديد لهم على ما هم عليه من الكفر والسخرية والاستهزاء ، وقد أخبر تعالى في سورة الحجر أنه كفاه أمرهم إذ قال { إنا كفيناك المستهزئين } ، وقوله تعالى { وذكر به } أي بالقرآن { أن تبسل نفس } أي كي لا تبسل { بما كسبت } أي كي لا تسلم نفس للعذاب بما كسبت من الشرك والمعاصي . { ليس لها } يوم تسلم للعذاب { من دون الله ولي } يتولى خلاصها ، { ولا شفيع } يشفع لها فينجيها من عذاب النار { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } أي وإن تقدم ما أمكنها حتى ولو كان ملء الأرض ذهباً فداء لها لما نفعها ذلك ولما نجت من النار ، ثم قال تعالى : { أولئك الذين أبلسوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم } أبلسوا : أسلموا وأخذوا إلى جهنم بما كسبوا من الذنوب والآثام لهم في جهنم شراب من ماء حميم وحار وعذاب موجع أليم . وذلك بسبب كفرهم بالله وآياته ورسوله . حيث نتج عن ذلك خبث أرواحهم فما أصبح يلائم وصفهم إلا عذاب النار قال تعالى من هذه السورة سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم .

الهداية

من الهداية :

- مشروعية الإِعراض في حال الضعف عن المستهزئين بالإِسلام الذين غرتهم الحياة الدنيا من أهل القوة والسلطان وحسب المؤمن أن يعرض عنهم فلا يفرح بهم ولا يضحك لهم .

- وجوب التذكير بالقرآن وخاصة المؤمنين الذي يرجى توبتهم .

- من مات على كفره لم ينج من النار إذ لا يجد فداء ولا يجد فداء ولا شفيعاً يخلصه من النار بحال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ} (70)

قوله تعالى : " وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا " أي لا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت إن كنت مأمورا بوعظهم . قال قتادة : هذا منسوخ ، نسخه " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم{[6463]} " [ التوبة : 5 ] . ومعنى " لعبا ولهوا " أي استهزاء بالدين الذي دعوتهم إليه . وقيل : استهزؤوا بالدين الذي هم عليه فلم يعملوا به . والاستهزاء ليس مسوغا في دين . وقيل : " لعبا ولهوا " باطلا وفرحا ، وقد تقدم هذا{[6464]} . وجاء اللعب مقدما في أربعة مواضع ، وقد نُظمت :

إذا أتى لعب ولهو{[6465]} *** وكم من موضع هو في القُران

فحرفٌ في الحديد وفي القتال *** وفي الأنعام منها موضعان

وقيل : المراد بالدين هنا العيد . قال الكلبي : إن الله تعالى جعل لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه لله تعالى ، وكل قوم اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم اتخذوه وصلاة وذكرا وحضورا بالصدقة ، مثل الجمعة والفطر والنحر .

قوله تعالى : " وغرتهم الحياة الدنيا " أي لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا . " وذكر به " أي بالقرآن أو بالحساب . " أن تبسل نفس بما كسبت " أي ترتهن وتسلم للهلكة . عن مجاهد وقتادة والحسن وعكرمة والسدي . والإبسال : تسليم المرء للهلاك ، هذا هو المعروف في اللغة . أبسلت ولدي أرهنته ، قال عوف بن الأحوص بن جعفر :

وإبسالي بَنِيَّ بغيرِ جُرْمٍ *** بَعَوْنَاهُ ولا بِدَمٍ مُرَاقِ

" بعوناه " بالعين المهملة معناه جنيناه . والبعو الجناية . وكان حمل عن غني لبني قشير دم ابني السجيفة{[6466]} فقالوا : لا نرضى بك ، فرهنهم بنيه طلبا للصلح . وأنشد النابغة الجعدي{[6467]} :

ونحن رَهَنَّا بالأُفَاقَةِ{[6468]} عامرا *** بما كان في الدرداء رَهْنًا فأبسَلا

الدرداء : كتيبة كانت لهم . " ليس لها من دون الله ولي{[6469]} ولا شفيع{[6470]} " تقدم معناه .

قوله تعالى : " وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها " الآية . العدل الفدية ، وقد تقدم في البقرة{[6471]} . والحميم الماء الحار ، وفي التنزيل " يصب من فوق رؤوسهم الحميم " {[6472]} [ الحج : 19 ] الآية . " يطوفون بينها وبين حميم آن{[6473]} " [ الرحمن : 44 ] . والآية منسوخة بآية القتال . وقيل : ليست بمنسوخة ؛ لأن قوله : " وذر الذين اتخذوا دينهم " تهديد ؛ كقول : " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا{[6474]} " [ الحجر : 3 ] . ومعناه لا تحزن عليهم ، فإنما عليك التبليغ والتذكير بإبسال النفوس . فمن أبسل فقد أسلم وارتهن . وقيل : أصله التحريم ، من قولهم : هذا بسل عليك أي حرام ، فكأنهم حرموا الجنة وحرمت عليهم الجنة . قال الشاعر{[6475]} :

أجارتكم بَسْلٌ علينا مُحَرَّمُ *** وجارتنا حِلٌّ لكم وحليلُها

والإبسال : التحريم .


[6463]:راجع ج 8 ص 71.
[6464]:راجع ج 6 ص 413 فما بعده.
[6465]:هكذا الشطر في الأصول ولعل الأصل: إذا سألت عن الخ.
[6466]:كذا في ك. والذي في اللسان وشرح القاموس: السجفية. والذي في الجوهري وفي ا و ب و ج و ز: "السحفية" بالحاء المهملة بدل الجيم.
[6467]:من ج، ع، ك، ز.
[6468]:الأفاقة (ككاسة): موضع في أرض الحزن قرب الكوفة. أو هو ماء لبني يربوع، ويوم الأفاقة من أيام العرب.
[6469]:راجع ج 3 ص 283 و ص 273 و ج 4 ص 109.
[6470]:راجع ج 1 ص 378 و ص 380.
[6471]:راجع ج 1 ص 378 و ص 380.
[6472]:راجع ج 12 ص 25.
[6473]:راجع ج 17 ص 175.
[6474]:راجع ج 10 ص 2.
[6475]:هو الأعشى ميمون.