أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّـٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (112)

شرح الكلمات :

{ التائبون } : أي من الشرك والنفاق والمعاصي .

{ العابدون } : أي المطيعون لله في تذلل وخشوع مع حبهم لله وتعظيمهم له .

{ السائحون } : أي الصائمون والخارجون في سبيل الله لطلب علم أو تعليمه أو جهاد لأعدائه .

{ الآمرون بالمعروف } : أي بعبادة لله الله تعالى وتوحيده فيها .

{ الناهون عن المنكر } : أي عن الشرك والمعاصي .

{ والحافظون لحدود الله } : أي القائمون عليها العاملون بها .

{ وبشر المؤمنين } : أي بالجنة دار السلام .

المعنى :

وقوله { التائبون } إلى قوله : { والحافظون لحدود الله } هو ذكر لأوصاف أهل البيع وتحديد لهم فهم الموصوفون بتسع صفات الأولى التائبون أي من الشرك والمعاصي والثانية العابدون وهم المطيعون لله طاعة ملؤها المحبة لله تعالى والتعظيم له والرهبة منه والثالثة الحامدون لله تعالى في السراء والضراء وعلى كل حال والربعة السائحون وهم الصائمون كما في الحديث والذين يخرجون في سبيل الله لطلب علم أو غزو أو تعليم أو دعوة إلى الله تعالى ليُعْبد ويوحَّد ويُطاع في أمره ونهيه والخامسة السادسة الراكعون الساجدون أي المقيمون الصلاة المكثرون من نوافلها كأنهم دائماً في ركوع وسجود والسابعة والثامنة الآمرون بالمعروف وهو الإِيمان بالله وتوحيده وطأته وطاعة رسوله والناهون عن المنكر وهو الكفر به تعالى والشرك في عبادته ومعصية رسوله محمد صلى الله عليه وسلم والتاسعة الحافظون لحدود الله بالقيام عليها وعملها بعد العلم بها وقوله تعالى : { وبشر المؤمنين } وهم أهل الإِيمان الصادق الكامل المستحقون لبشرى الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر والتأييد في الدنيا والنجاة من النار ودخول الجنة يوم القيامة اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين .

الهداية

من الهداية :

- على المؤمن أن يتعاهد نفسه ليرى هل هو متصف بهذه الصفات التسع أولاً فإن رأى نقصاً كمله وإن رأى كمالاً حمد الله تعالى عليه وحفظه وحافظ عليه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّـٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (112)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " التائبون العابدون " التائبون هم الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله . والتائب هو الراجع . والراجع إلى الطاعة هو أفضل من الراجع عن المعصية لجمعه بين الأمرين . " العابدون " أي المطيعون الذين قصدوا بطاعتهم الله سبحانه . " الحامدون " أي الراضون بقضائه المصرفون نعمته في طاعته ، الذين يحمدون الله على كل حال . " السائحون " الصائمون ، عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما . ومنه قوله تعالى : " عابدات سائحات{[8317]} " [ التحريم : 5 ] . وقال سفيان بن عيينة : إنما قيل للصائم سائح لأنه يترك اللذات كلها من المطعم والمشرب والمنكح . وقال أبو طالب :

وبالسائحين لا يذوقون قطرة*** لربهم والذاكرات العوامل

وقال آخر :

برا يصلي ليله ونهاره*** يظل كثير الذكر لله سائحا

وروي عن عائشة أنها قالت : سياحة هذه الأمة الصيام ، أسنده الطبري . ورواه أبو هريرة مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سياحة أمتي الصيام ) . قال الزجاج : ومذهب الحسن أنهم الذين يصومون القرض . وقد قيل : إنهم الذين يديمون الصيام . وقال عطاء : السائحون المجاهدون . وروى أبو أمامة أن رجلا استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال : ( إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) . صححه أبو محمد عبدالحق . وقيل : السائحون المهاجرون ، قاله عبدالرحمن بن زيد . وقيل : هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم ، قال عكرمة . وقيل : هم الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته وما خلق من العبر والعلامات الدالة على توحيده وتعظيمه حكاه النقاش ، وحكي أن بعض العباد أخذ القدح ليتوضأ لصلاة الليل فأدخل أصبعه في أذن القدح وقعد يتفكر حتى طلع الفجر فقيل له في ذلك فقال : أدخلت أصبعي في أذن القدح فتذكرت قول الله تعالى : " إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل{[8318]} " [ غافر : 71 ] وذكرت كيف أتلقى الغل ، وبقيت ليلي في ذلك أجمع .

قلت : لفظ " س ي ح " يدل على صحة هذه الأقوال فإن السياحة أصلها الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء ، فالصائم مستمر على الطاعة في ترك ما يتركه من الطعام وغيره فهو بمنزلة السائح . والمتفكرون تجول قلوبهم فيما ذكروا . وفي الحديث : ( إن لله ملائكة سياحين مشائين في الآفاق يبلغونني صلاة أمتي ) ويروى " صياحين " بالصاد ، من الصياح . " الراكعون الساجدون " يعني في الصلاة المكتوبة وغيرها . " الآمرون بالمعروف " أي بالسنة ، وقيل : بالإيمان . " والناهون عن المنكر " قيل : عن البدعة . وقيل : عن الكفر . وقيل : هو عموم في كل معروف ومنكر . " والحافظون لحدود الله " أي القائمون بما أمر به والمنتهون عما نهى عنه .

الثانية - واختلف أهل التأويل في هذه الآية هل هي متصلة بما قبل أو منفصلة فقال جماعة : الآية الأولى مستقلة بنفسها يقع تحت تلك المبايعة كل موحد قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وإن لم يتصف بهذه الصفات في هذه الآية الثانية أو بأكثرها . وقالت فرقة : هذه الأوصاف جاءت على جهة الشرط والآيتان مرتبطتان فلا يدخل تحت المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الأوصاف ويبذلون أنفسهم في سبيل الله قاله الضحاك . قال ابن عطية : وهذا القول تحريج وتضييق ، ومعنى الآية على ما تقتضيه أقوال العلماء والشرع أنها أوصاف الكملة من المؤمنين ذكرها الله ليستبق إليها أهل التوحيد حتى يكونوا في أعلى مرتبة . وقال الزجاج : الذي عندي أن قوله : " التائبون العابدون " رفع بالابتداء وخبره مضمر ، أي التائبون العابدون - إلى آخر الآية - لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا إذ لم يكن منهم عناد وقصد إلى ترك الجهاد لأن بعض المسلمين يجزي عن بعض في الجهاد . واختار هذا القول القشيري وقال : وهذا حسن إذ لو كان صفة للمؤمنين المذكورين في قوله : " اشترى من المؤمنين " لكان الوعد خاصا للمجاهدين . وفي مصحف عبدالله " التائبين العابدين " إلى آخرها ؛ ولذلك وجهان : أحدهما الصفة للمؤمنين على الإتباع . والثاني النصب على المدح .

الثالثة - واختلف العلماء في الواو في قوله : " والناهون عن المنكر " فقيل : دخلت في صفة الناهين كما دخلت في قوله تعالى : " حم . تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم . غافر الذنب . وقابل التوب{[8319]} " [ غافر : 1 ، 2 ، 3 ] فذكر بعضها بالواو والبعض بغيرها . وهذا سائغ معتاد في الكلام ولا يطلب لمثله حكمة ولا علة . وقيل : دخلت لمصاحبة الناهي عن المنكر الآمر بالمعروف فلا يكاد يذكر واحد منها مفردا . وكذلك قوله{[8320]} : " ثيبات وأبكارا{[8321]} " [ التحريم : 5 ] . ودخلت في قوله{[8322]} : " والحافظون " لقربه من المعطوف . وقد قيل : إنها زائدة ، وهذا ضعيف لا معنى له . وقيل : هي واو الثمانية ؛ لأن السبعة عند العرب عدد كامل صحيح . وكذلك قالوا في قوله : " ثيبات وأبكارا " [ التحريم : 5 ] . وقول في أبواب الجنة : " وفتحت أبوابها{[8323]} " [ الزمر : 73 ] وقوله : " ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم{[8324]} " [ الكهف : 22 ] وقد ذكرها ابن خالويه في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله : " وفتحت أبوابها " [ الزمر : 73 ] وأنكرها أبو علي . قال ابن عطية : وحدثني أبي رضي الله عنه عن الأستاذ النحوي أبي عبدالله الكفيف المالقي ، وكان ممن استوطن غرناطة وأقرأ فيها في مدة ابن حبوس أنه قال : هي لغة فصيحة لبعض العرب من شأنهم أن يقولوا إذا عدوا : واحد اثنان ثلاثة أربعة خمس ستة سبعة وثمانية تسعة عشرة وهكذا هي لغتهم . ومتى جاء في كلامهم أمر ثمانية أدخلوا الواو . قلت : هي لغة قريش . وسيأتي بيانه ونقضه في سورة [ الكهف{[8325]} ] إن شاء الله تعالى وفي " الزمر{[8326]} ] أيضا بحول الله تعالى{[8327]} .


[8317]:راجع ج 18 ص 192.
[8318]:راجع ج 15 ص 331 فما بعد.
[8319]:راجع ج 15 ص 289.
[8320]:من ج و هـ و ز
[8321]:راجع ج 18 ص 193.
[8322]:من ج.
[8323]:راجع ج 15 ص 384 – 382.
[8324]:راجع ج 10 ص 382.
[8325]:راجع ج 10 ص 382.
[8326]:راجع ج 15 ص 384 – 382.
[8327]:من ب و ج و ع و ك و هـ و ز.