الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّـٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (112)

ثم مدحهم الله ، عز وجل ، فقال : { التائبون العابدون }[ 112 ] ، أي : هم التائبون{[30068]} .

وقال الزجاج : هو بدل . والمعنى : يقاتل التائبون .

وقال : والأحسن أن يرتفعوا بالابتداء ، والخبر محذوف ، أي : لهم الجنة{[30069]} .

وفي قراءة عبد الله : { التائبون العابدون }{[30070]} ، على النعت للمؤمنين ، في موضع خفض ، أو في موضع نصب على المدح{[30071]} .

وقيل : { التائبون } مبتدأ ، وما بعدها إلى " الساجدين " عطف عليه ، و{ الآمرون } خبر الابتداء{[30072]} ، أي : مرهم بهذه الصفة ، فهم { الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله } .

ومعنى : { التائبون } : الراجعون مما يكرهه الله عز وجل ، إلى ما يحبه{[30073]} .

وقال الحسن : { التائبون } ، أي : عن الشرك ، { العابدون } ، الله وحده في أحايينهم{[30074]} كلها ، أي : في أعمارهم{[30075]} .

ومعنى { الحامدون }[ 112 ] ، الذين يحمدون الله على ما ابتلاهم به من خير وشر{[30076]} .

وقيل المعنى : الذين حمدوا الله على الإسلام{[30077]} .

ومعنى { السائحون }[ 112 ] : الصائمون روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم{[30078]} .

وكذلك قال ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، والضحاك{[30079]} .

وأصل السياحة : الذهاب في الأرض{[30080]} .

{ الراكعون الساجدون }[ 112 ] ، يعني : في الصلاة المفروضة{[30081]} .

{ الآمرون بالمعروف }[ 112 ] ، أي : بالإيمان بالله{[30082]} ، عز وجل ، وبرسوله عليه السلام .

/{ والناهون عن المنكر }[ 112 ] ، عن الشرك{[30083]} { والحافظون لحدود الله }[ 112 ] ، أي : العاملون بأمر الله عز وجل ، ونهيه ، سبحانه{[30084]} .

{ وبشر المومنين }[ 112 ] .

أي : بشر من آمن ، وفعل هذه الصفات من التوبة والعبادة وغيرهما ، وإن لم يغزوا{[30085]} .

وقال الحسن في هذه الآية : { العابدون } : الذين عبدوا الله عز وجل ، في أحايينهم كلها ، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين ، ولكن كما قال العبد الصالح : { وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا }{[30086]} .

قال : و{ السائحون } الصائمون . وقال : { الآمرون بالمعروف } ، أما والله ، ما أمروا بالمعروف ، حتى أمروا به أنفسهم ، ولا نهوا عن المنكر ، حتى نهوا عنه أنفسهم ، { والحافظون لحدود الله } ، قال : هم القائمون على فرائض الله{[30087]} .


[30068]:قال في مشكل إعراب القرآن 1/337، "{التائبون} رفع على إضمار مبتدأ، أي: هم التائبون" انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج 2/471، وإعراب القرآن للنحاس 2/238، والبيان 1/406، والمحرر الوجيز 3/88، والتبيان 2/662، والبحر المحيط 5/106، والدر المصون 3/507، 508.
[30069]:معاني القرآن وإعرابه 2/471.
[30070]:قراءة عبد الله بن مسعود 113، ومعاني القرآن للفراء 1/453، وإعراب القرآن للنحاس 2/238، ومختصر في شواذ القرآن 60، والمحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات 1/304، وزاد نسبتها إلى أبي، والأعمش، والكشاف 2/299، وزاد نسبتها إلى أبي، والمحرر الوجيز 3/88، وتفسير القرطبي 8/172، والبحر المحيط 5/106، وزاد نسبتها إلى أبي، والأعمش، والدر المصون 3/507، وعزاها أيضا إلى أبي، والأعمش، وهي من غير نسبة في التبيان 2/662. وفي الأصل: أثبت الناسخ قراءة الجماعة، بالرفع. وهو مجرد سهو.
[30071]:معاني القرآن للفراء 1/453، وإعراب القرآن للنحاس 2/238 والمحتسب 1/305، والكشاف 2/299، والمحرر الوجيز 3/88، والتبيان 2/662، وتفسير القرطبي 8/172، والبحر المحيط 5/106-107.
[30072]:مشكل إعراب القرآن 1/337، والبيان 1/406، والمحرر الوجيز 3/88، والتبيان 2/662، وضُعف فيه، والبحر المحيط 5/106، والدر المصون 3/507.
[30073]:جامع البيان 14/500، بتصرف يسير، وينظر: فيه من قال ذلك بتفصيل.
[30074]:في الأصل: أحايبهم، وهو تحريف ناسخ.
[30075]:التفسير 1/430، وجامع البيان 14/501، 502، وتفسير ابن أبي حاتم 6/1888، 1889، مع زيادة ونقص في بعض ألفاظه، وينظر: الدر المنثور 4/296.
[30076]:هو تفسير قتادة، والحسن في جامع البيان 14/502، والدر المنثور 4/296، 297.
[30077]:هو قول الحسن، كما في تفسيره 1/431، وجامع البيان 14/502، وتفسير ابن أبي حاتم 6/1889، وتفسير الماوردي 2/407.
[30078]:جامع البيان 14/502، 503، وتفسير ابن كثير 2/392، والدر المنثور 4/297، 298.
[30079]:انظر: أقوالهم، بالتفصيل، في جامع البيان 14/503-505، والدر المنثور 4/297-298. وقال ابن أبي حاتم في التفسير 6/1889، 1890، "وروي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وأبي الحسن، وأبي عياض، والضحاك، وقتادة والربيع بن أنس، أنهم قالوا: الصائمون". وفي تفسير الرازي 8/209: "قال عامة المفسرين: هم الصائمون وقال ابن عباس: كل ما ذكر في القرآن من السياحة فهو الصيام". وقال الحافظ ابن كثير في التفسير 2/392: ".....وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعبد الرحمن السلمي والضحاك بن مزاحم وسفيان بن عيينة وغيرهم أن المراد بالسائحين: الصائمون". وقال ابن العربي في أحكامه 2/1020: "والسائحون هم الصائمون في هذه الملة حتى فسد الزمان فصارت السياحة الخروج من الأرض عن الخلق لعموم الفساد وغلبة الحرام وظهور المنكر ولو وسعتني الأرض لخرجت فيها لكن الفساد قد غلب عليها ففي كل واد بنو نحس فعلي بخويصة نفسك ودع أمر العامة". انظر: أقوالا وتأويلات أخرى لطيفة في تفسير الماوردي 2/407 والمحرر الوجيز 3/89 وزاد المسير 3/505 وتفسير الرازي 8/209 وتفسير القرطبي 8/171.
[30080]:تفسير المشكل من غريب القرآن 189، وزاد "فشبه الصائم به لامتناع كل واحد عن الطعام والشراب واللذات"، وتفسير غريب ابن قتيبة 193، وعنه نقل بتصرف، كعادته، انظر: مزيد بيان في تفسير الرازي 8/209.
[30081]:هو تفسير الحسن، كما في تفسيره المطبوع 1/432، وجامع البيان 14/506، والدر المنثور 4/296.
[30082]:معاني القرآن وإعرابه للزجاج 2/472، وهو قول سعيد بن جبير والحسن في تفسير ابن أبي حاتم 6/1891، وقوله ابن عباس في الدر المنثور 4/298.
[30083]:جامع البيان 14/506، وعزاه الحسن والاختيار فيه العموم في كل معروف ومنكر، وتفسير ابن أبي حاتم 6/1891، وعزاه لسعيد بن جبير، والدر المنثور 4/298، وعزاه إلى ابن عباس.
[30084]:انظر: من قال ذلك في جامع البيان 14/507-508.
[30085]:هو تفسير الحسن، كما في جامع البيان 14/508.
[30086]:مريم: آية 30.
[30087]:التفسير 1/431-433، والدر المنثور 4/296، 297.