التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (22)

{ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى } معنى يأتل يحلف ، فهو من قولك آليت إذا حلفت ، وقيل : معناه يقصر فهو من قولك ألوت أي : قصرت ومنه { لا يألونكم خبالا } [ آل عمران :118 ] ، والفضل هنا يحتمل أن يريد به الفضل في الدين ، أو الفضل في المال ، وهو أن يفضل له عن مقدار ما يكفيه ، والسعة هي اتساع المال ، ونزلت الآية بسبب أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفق على مسطح لما تكلم في حديث الإفك ، وكان ينفق عليه لمسكنته ؛ ولأنه قريبه ، وكان ابن بنت خالته ، فلما نزلت الآية رجع إلى مسطح النفقة والإحسان ، وكفر عن يمينه ، قال بعضهم : هذه أرجى آية في القرآن لأن الله أوصى بالإحسان إلى القاذف ، ثم إن لفظ الآية على عمومه في أن لا يحلف أحد على ترك عمل صالح .

{ ألا تحبون أن يغفر الله لكم } أي : كما تحبون أن يغفر الله لكم كذلك اغفروا أنتم لمن أساء إليكم ، ولما نزلت قال أبو بكر رضي الله عنه : إني لأحب أن يغفر الله لي ، ثم رد النفقة إلى مسطح .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (22)

وهذا المراد من قوله : { ولا يأتل } أي يحلف مبالغاً في اليمين { أولوا الفضل منكم } الذين جعلتهم بما آتيتهم من العلم والأخلاق الصالحة أهلاً لبر غيرهم { والسعة } أي بما أوسعت عليهم في دنياهم .

ولما كان السياق والسباق واللحاق موضحاً للمراد ، لم يحتج إلى ذكر أداة النفي فقال : { أن يؤتوا } ثم ذكر الصفات المقتضية للإحسان فقال : { أولي القربى } وعددها بأداة العطف تكثيراً لها وتعظيماً لأمرها ، وإشارة إلى أن صفة منها كافية في الإحسان ، فكيف إذا اجتمعت ! فقال سبحانه : { والمساكين } أي الذين لا يجدون ما يغنيهم وإن لم تكن لهم قرابة { والمهاجرين } لأهلهم وديارهم وأموالهم { في سبيل الله } أي الذي عم الخلائق بجوده لما له من الإحاطة بالجلال والإكرام وإن انتفى عنهم الوصفان الأولان ، فإن هذه الصفات مؤذنة بأنهم ممن زكى الله ، وتعدادها بجعلها علة للعفو - دليل على أن الزاكي من غير المعصومين قد يزل ، فتدركه الزكاة بالتوبة فيرجع كما كان ، وقد تكون الثلاثة لموصوف واحد لأن سبب نزولها مسطح رضي الله عنه ، فالعطف إذن للتمكن في كل وصف منها .

ولما كان النهي عن ذلك غير صريح في العفو ، وكان التقدير : فليؤتوهم ، عطف عليه مصرحاً بالمقصود قوله : { وليعفوا } أي عن زللهم بأن يمحوه ويغطوه بما يسلبونه عليه من أستار الحلم حتى لا يبقى له أثر . ولما كان المحو لا ينفي التذكر قال : { وليصفحوا } أي يعرضوا عنه أصلاً ورأساً ، فلا يخطروه لهم على بال ليثمر ذلك الإحسان ، ومنه الصفوح وهو الكريم .

ولما كانت لذة الخطاب تنسي كل عتاب ، أقبل سبحانه بفضله ومنّه وطوله على أولي الفضل ، مرغباً في أن يفعلوا بغيرهم ما يحبون أن يفعل بهم ، مرهباً من أن يشدد عليهم إن شددوا فقال : { ألا تحبون } أي يا أولي الفضل { أن يغفر الله } أي الملك الأعظم { لكم } أي ما قصرتم في حقه ، وسبب نزولها كما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن أباها رضي الله تعالى عنه كان حلف بعد ما برأ الله عائشة رضي الله عنها أن لا ينفق على مسطح ابن خالته لكونه خاض من أهل الإفك ؛ وفي تفسير الأصبهاني عن ابن عباس رضي الله عنهما : أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر رضي الله عنهم أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم فأنزل الله هذه الآية .

وناهيك بشهادة الله جل جلاله للصديق بأنه من أولي الفضل فيا له من شرف ما أجلاه ! ومن سؤدد وفخار ما أعلاه ! ولا سيما وقد صدقه رضي الله عنه بالعفو عمن شنع على ثمرة فؤاده ومهجة كبده ، وهي الصديقة زوجة خاتم المرسلين ، وخير الخلائق أجمعين ، والحلف على أنه لا يقطع النفقة عنه أبداً ، فيا لله من أخلاق ما أبهاها ! وشمائل ما أطهرها وأزكاها ! وأشرفها وأسندها .

ولما كان الجواب قطعاً كما أجاب الصديق رضي الله عنه : بلى والله ! إنا لنحب أن يغفر الله لنا ، وكان كأنه قيل : فاغفروا لمن أساء إليكم ، فالله حكم عدل ، يجازيهم على إساءتهم إليكم إن شاء ، والله عليم شكور ، يشكر لكم ما صنعتم إليهم ، عطف عليه قوله : { والله } أي مع قدرته الكاملة وعلمه الشامل { غفور رحيم* } من صفته ذلك ، إن شاء يغفر لكم ذنوبكم بأن يمحوها فلا يدع لها أثراً ويرحمكم بعد محوها بالفضل عليكم كما فعلتم معهم ، فإن الجزاء من جنس العمل .