التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (92)

{ وما كن لمؤمن أن يقتل مؤمنا لا خطأ } نزلت بسبب قتل عياش بن ربيعة للحارث بن زيد وكان الحارث يعذبه على الإسلام ، ثم أسلم وهاجر ولم يعلم عياش بإسلامه فقتله ، وقيل : إن الاستثناء هنا منقطع ، والمعنى لا يحل لمؤمن أن يقتل مؤمنا بوجه ، لكن الخطأ قد يقع ، والصحيح أنه متصل والمعنى لا ينبغي لمؤمن ولا يليق به أن يقتل مؤمنا إلا على وجه الخطأ من غير قصد ولا تعد إذ هو مغلوب فيه ، وانتصاب خطأ على أنه مفعول من أجله أو حال أو صفة لمصدر محذوف .

{ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية } هذا بيان ما يجب على القاتل خطأ فأوجب الله عليه التحرير والدية ، فأما التحرير ففي مال القاتل . وأما الدية ففي مال عاقلته ، وجاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبيان للآية إذ لفظها يحتمل ذلك أو غيره ، وأجمع الفقهاء عليه ، واشترط مالك في الرقبة التي تعتق أن تكون مؤمنة ليس فيها عقد من عقود الحرية ، سالمة من العيوب أما إيمانها فنص هنا ، ولذلك أجمع العلماء عليه هنا ، واختلفوا في كفارة الظهار وكفارة اليمين ، وأما سلامتها من عقود الحرية فيظهر من قوله تعالى :{ فتحرير رقبة } ، لأن ظاهره أنه ابتداء عتق عند التكفير بها وأما سلامتها من العيب ، فزعموا أن إطلاق الرقبة يقتضيه وفي ذلك نظر ولم يبين في الآية مقدار الدية وهي عند مالك مائة من الإبل على أهل الإبل ، وألف دينار شرعية على أهل الذهب واثنا عشر ألف درهم شرعية على أهل الورق ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب .

{ مسلمة إلى أهله } أي : مدفوعة إليهم ، والأهل هنا الورثة ، واختلف في مدة تسليمها . فقيل : هي حالة عليهم ، وقيل : يؤذونها في ثلاث سنين . وقيل : في أربع ، ولفظ التسليم مطلق وهو أظهر في الحلول لولا ما جاء من السنة في ذلك .

{ إلا أن يصدقوا } الضمير يعود على أولياء المقتول أي : إذا أسقطوا الدية سقطت ، وإذا أسقطها المقتول سقطت أيضا عند مالك والجمهور . خلافا لأهل الظاهر ، وحجتهم عود الضمير على الأولياء . وقال الجمهور : إنما هذا إذا لم يسقطها المقتول .

{ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } معنى الآية : أن المقتول خطأ إن كان مؤمنا وقومه كفارا أعداء وهم المحاربون فإنما في قتله التحرير خاصة دون الدية فلا تدفع لهم لئلا يتقووا بها على المسلمين . ورأى ابن عباس أن ذلك إنما هو فيمن آمن وبقي في دار الحرب لم يهاجر وخالفه غيره ورأى مالك أن الدية في هذا البيت ، المال فالآية عنده منسوخة .

{ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } الآية معناها أن المقتول خطأ إن كان قومه كفارا معاهدين ففي مثله تحرير رقبة والدية إلى أهله لأجل معاهدتهم ، والمقتول على هذا مؤمن ، ولذلك قال مالك : لا كفارة في قتل الذمي ، وقيل : إن المقتول في هذه الآية كافر ، فعلى هذا تجب الكفارة في قتل الذمي ، وقيل : هي عامة في المؤمن والكافر ، ولفظ الآية مطلق إلا أن قيده قوله :{ وهو مؤمن } في الآية التي قبلها وقرأ الحسن هنا وهو مؤمن .

{ فمن لم يجد فصيام شهرين } أي : من لم يجد العتق ولم يقدر عليه فصيام الشهرين المتتابعين عوض منه { توبة من الله } منصوب على المصدرية ومعناه رحمة منه وتخفيفا .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (92)

ولما بين أقسامهم بياناً ظهر منه أن أحوالهم ملبسة ، وأمر بقتالهم مع الاجتهاد في تعرف{[22295]} أحوالهم ، وختم بالتسلط عليهم ، وكان ربما قتل{[22296]} من لا يستحق القتل بسبب الإلباس ؛ أتبع ذلك بقوله المراد {[22297]}به التحريم{[22298]} ، مخرجاً له في صورة النفي المؤكد بالكون لتغليظ الزجر عنه لما للنفوس عند الحظوظ من الدواعي إلى القتل :

{ وما كان لمؤمن } أي يحرم عليه { أن يقتل مؤمناً } أي في حال من الحالات { إلا خطأ } أي في حالة الخطأ بأن لا يقصد{[22299]} القتل ، أو لا يقصد الشخص ، أو يقصده بما لا يقصد به زهوق الروح ، أو{[22300]} لا يقصد ما هو ممنوع منه كمن يرمي إلى صف الكفار وفيهم مسلم ، أو بأن يكون غير مكلف ، فإن القتل على هذا الوجه ليس بحرام ، وهذا الذي ذكره في أقسام المنافقين إشارة إلى أنه ينبغي التثبت و {[22301]} والتحري في جميع أمر القتل متى احتمل أن يكون القاتل مؤمناً احتمالاً لا تقضي العادة بقربه ، فلزم من ذلك بيان حكم الخطأ ، ولام الاختصاص قد تطلق على ما لا مانع منه " فإنما{[22302]} هي لك أو لأخيك أو للذئب " وكأنه عبر به ليفيد بإيجاب الكفارة والدية غاية الزجر عن قتل المؤمن ، لأنه إذا كان هذا جزاء ما هو له فما الظن بما ليس له ! فقال تعالى :

{ ومن قتل مؤمناً } صغيراً كان أو كبيراً ، ذكراً كان أو أنثى ، ولعله عبَّر سبحانه وتعالى بالوصف تنبيهاً على أنه{[22303]} إن لم يكن كذلك{[22304]} في نفس الأمر{[22305]} لم يكن عليه شيء في نفس الأمر{[22306]} وإن ألزم به في الظاهر .

{ خطأ } . ولما كان الخطأ مرفوعاً عن هذه الأمة ، فكان لذلك{[22307]} يظن أنه لا شيء على المخطىء ؛ بين أن الأمر{[22308]} في القتل ليس كذلك حفظاً{[22309]} للنفوس ، لأن الأمر فيها خطر جداً ، فقال - مغلظاً عليه حثاً على زيادة النظر والتحري عند فعل ما قد يقتل - : { فتحرير } أي فالواجب عليه تحرير { رقبة } أي نفس ، عبر بها عنها لأنها لا تعيش بدونها كاملة الرق { مؤمنة } ولو ببيع{[22310]} الدار أو البساتين{[22311]} ، سليمة عما يخل بالعمل ، وقدم التحرير هنا حثاً على رتق ما خرق من حجاب العبد ، وإيجاب ذلك في الخطأ إيجاب له في العمد بطريق الأولى{[22312]} ، وكأنه لم يذكره في العمد لأنه تخفيف في الجملة والسياق للتغليظ .

{ ودية مسلّمة } أي مؤداة بيسر وسهولة { إلى أهله } أي ورثته{[22313]} يقتسمونها كما يقسم الميراث { إلا أن يصدّقوا } أي يجب ذلك عليه في كل حال إلا في حال تصدقهم بالعفو عن القاتل بإبرائه من الدية ، فلا شيء عليه حينئذ ، وعبر بالصدقة ترغيباً { فإن كان } أي المقتول { من قوم } أي فيهم منعة{[22314]} { عدو لكم } أي محاربين { وهو } أي والحال أنه { مؤمن فتحرير } أي فالواجب على القاتل تحرير { رقبة مؤمنة } وكأنه عبر بذلك إشارة إلى التحري في جودة إسلامها ، وقد أسقط هذا حرمة نفسه بغير الكفارة بسكناه في دار الحرب التي هي دار الإباحة أو وقوعه في صفهم ، ولعده{[22315]} في عدادهم قال :

{ من } ومعناه{[22316]} - كما قال{[22317]} الشافعي وغيره تبعاً لابن عباس رضي الله تعالى عنهما - : في { وإن كان } أي{[22318]} المقتول { من قوم } أي كفرة أيضاً عدو لكم { بينكم وبينهم ميثاق } وهو كافر مثلهم { فدية } أي فالواجب فيه كالواجب في المؤمن المذكور قبله دية { مسلّمة إلى أهله } على حسب دينه ، إن كان كتابياً فثلث دية المسلم ، وإن كان مجوسياً فثلثا عشرها{[22319]} { وتحرير رقبة مؤمنة } وكأنه قدم الدية هنا إشارة إلى{[22320]} المبادرة بها حفظاً للعهد ، ولتأكيد أمر التحرير بكونه ختاماً كما كان افتتاحاً حثاً{[22321]} على الوفاء به ، لأنه أمانة {[22322]}لا طالب له{[22323]} إلا الله ؛ وقال الأصبهاني : إن سر ذلك أن إيجابه{[22324]} في المؤمن أولى من الدية ، وبالعكس ها هنا - انتهى .

وكان سره{[22325]} النظر إلى خير الدين{[22326]} في المؤمن ، {[22327]}وإلى{[22328]} حفظ العهد في الكافر { فمن لم يجد } أي الرقبة ولا{[22329]} ما يتوصل به إليها { فصيام } أي فالواجب عليه صيام { شهرين متتابعين } حتى لو أفطر يوماً واحداً{[22330]} بغير حيض أو {[22331]}نفاس وجب الاستئناف ، وعلل ذلك بقوله عادا للخطأ - بعد التعبير عنه باللام{[22332]} المقتضية أنه مباح - ذنباً{[22333]} تغليظاً للحث على مزيد الاحتياط : { توبة } أي أوجب ذلك عليكم لأجل قبول التوبة { من الله } أي الملك الأعظم الذي كل شيء في قبضته .

ولما كان الكفارات من المشقة على النفس بمكان ، رغب فيها{[22334]} سبحانه وتعالى بختم الآية بقوله : { وكان الله } أي المحيط بصفات الكمال { عليماً } أي بما يصلحكم في الدنيا والآخرة ، وبما يقع خطأ في نفس الأمر أو عمداً ، فلا يغتر أحد بنصب الأحكام بحسب الظاهر { حكيماً * } في {[22335]}نصبه{[22336]} الزواجر بالكفارات وغيرها ، فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة .


[22295]:في ظ: تفرق.
[22296]:في ظ: قيل.
[22297]:من مد، وفي الأصل وظ: بالتحريم.
[22298]:من مد، وفي الأصل وظ: بالتحريم.
[22299]:من ظ ومد، وفي الأصل: لا تقصد.
[22300]:من مد، وفي اًلأصل وظ "و".
[22301]:من ظ ومد، وفي الأصل: التعبت ـ كذا.
[22302]:في ظ: فانسا ـ كذا.
[22303]:زيد من ظ ومد.
[22304]:في ظ: لذلك.
[22305]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22306]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22307]:في ظ: كذلك.
[22308]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22309]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22310]:من مد، وفي الأصل وظ: تبيع.
[22311]:من ظ، وفي الأصل: السابي ـ كذا، ولا ينضح في مد.
[22312]:في ظ: الأول.
[22313]:زيدت الواو بعده في ظ.
[22314]:من مد، وفي الأصل وظ: منعه.
[22315]:من مد، وفي الأصل وظ: لعدة.
[22316]:في ظ ومد: معناها.
[22317]:في ظ: قاله.
[22318]:سقط من ظ.
[22319]:في مد: عشره.
[22320]:زيد في ظ: أن.
[22321]:سقط من ظ.
[22322]:في ظ: لا يطالب به.
[22323]:في ظ: لا يطالب به.
[22324]:في ظ: إيحابه ـ كذا.
[22325]:في ظ: سيرة ـ كذا.
[22326]:من مد، وفي الأصل وظ: الدنيا.
[22327]:في ظ: أولى.
[22328]:في ظ: أولى.
[22329]:سقط من ظ.
[22330]:زيد من ظ ومد.
[22331]:من ظ ومد، وفي الأصل "و".
[22332]:أي في قوله "وما كان لمؤمن".
[22333]:في ظ ومد: دينا.
[22334]:من ظ ومد، وفي الأصل: فيه.
[22335]:من ظ ومد، وفي الأصل: إلى.
[22336]:من مد، وفي الأصل: بصعبة ولا يتضح في ظ.