التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا} (93)

{ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها } الآية : نزلت بسبب مقيس بن صبابة كان قد أخذ دية أخيه هشام المقتول خطأ ، ثم قتل رجلا من القوم الذين قتلوا أخاه وارتد مشركا ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ، والمتعمد عند الجمهور هو الذي يقصد القتل بحديدة أو حجر أو عصا أو غير ذلك ، وهذه الآية معطلة على مذهب الأشعرية وغيرهم ممن يقول : لا يخلد عصاة المؤمنين في النار واحتج بها المعتزلة وغيرهم ممن يقول : بتخليد العصاة في النار لقوله :{ خالدا فيها } وتأولها الأشعرية بأربعة أوجه : أحدها : أن قالوا إنها في الكافر إذا قتل مؤمنا ، والثاني : قالوا : معنى المتعمد هنا : المستحل للقتل ، وذلك يؤول إلى الكفر ، والثالث : قالوا : الخلود فيها ليس بمعنى الدوام الأبدي ، وإنما هو عبارة عن طول المدة .

والرابع : أنها منسوخة بقوله تعالى :{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ، وأما المعتزلة فحملوها على ظاهرها ، ورأوا أنها ناسخة لقوله :{ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ، واحتجوا على ذلك بقول زيد بن ثابت : نزلت الشديدة بعد الهينة بقول ابن عباس : الشرك والقتل من مات عليهما خلد ، وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل ذنب عسى الله أن يغفره ، إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل المؤمن متعمدا " وتقتضي الآية وهذه الآثار أن للقتل حكما يخصه من بين سائر المعاصي ، واختلف الناس في القاتل عمدا إذا تاب ، هل تقبل توبته أم لا ؟ وكذلك حكى ابن رشد الخلاف في القاتل إذا اقتص منه هل يسقط عنه العقاب في الآخرة أم لا ؟ والصحيح أنه يسقط عنه ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة " ، وبذلك قال جمهور العلماء .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا} (93)

ولما ساق تعالى{[22337]} الخطأ{[22338]} مساق ما هو للفاعل منفراً عنه هذا التنفير ، ناسب كل المناسبة أن يذكر ما ليس له من ذلك ، إذ{[22339]} كان ضبط النفس بعد إرسالها شديداً ، فربما سهلت قتل من تحقق إسلامه إحنة ، وجرت إليه {[22340]}ضغينة وقوت{[22341]} الشبه فيه شدة شكيمة{[22342]} ، ولعمري إن الحمل على الكف بعد الإرسال أصعب من الحمل على الإقدام ! وإنما يعرف ذلك من جرب النفوس حال الإشراف على{[22343]} الظفر واللذاذة بالانتقام مع القوى والقدرة فقال : { ومن يقتل مؤمناً } ولعله أشار بصيغة المضارع إلى دوم العزم على ذلك لأجل الإيمان ، وهو لا يكون إلا كفراً ، وترك الكلام محتملاً زيادة تنفير من قتل المسلم { متعمّداً } أي وأما الخطأ فقد تقدم حكمه في المؤمن وغيره { فجزاؤه } أي على ذلك { جهنم } أي{[22344]} تتلقاه بحالة كريهة جداً كما تجهم{[22345]} المقتول { خالداَ{[22346]} فيها } أي ماكثاً إلى ما لا آخر له { وغضب الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له مع ذلك { عليه ولعنه } أي وأبعده من رحمته { وأعد له عذاباً عظيماً * } أي لا تبلغ معرفته عقولكم ، وإن عمم القول في هذه الآية كان الذي خصها ما قبلها{[22347]} وما بعدها من قوله تعالى{ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء{[22348]} }[ النساء : 48 و116 ] لا{[22349]} آية الفرقان{[22350]} فإنها مكية وهذه مدنية .


[22337]:زيد في ظ: إلى.
[22338]:زيد في ظ: ما هو.
[22339]:في ظ: إذا.
[22340]:في ظ: ضيعته وقويت ـ كذا.
[22341]:في ظ: ضيعته وقويت ـ كذا.
[22342]:في ظ: سليمة.
[22343]:من ظ ومد، وفي الأصل: من.
[22344]:من ظ ومد، وفي الأصل: لكي.
[22345]:جهمه وجهمه وتجهمه وتجهم له: استقبله بوجه عبوس كريه.
[22346]:من ظ ومد والقرآن المجيد، وفي الأصل: خالدين.
[22347]:من ظ ومد، وفي الأصل: خصهما.
[22348]:سورة 4 آية 48 و 116.
[22349]:في الأصول: إلا ـ كذا.
[22350]:أي قوله تعالى "ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما* سيضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب" ـ الآيات 68 ـ 70.