{ إذا تداينتم بدين } أي : إذا عامل بعضكم بعضا بدين ، وإنما ذكر الدين وإن كان مذكورا في { تداينتم } ليعود عليه الضمير في { اكتبوه } وليزول الاشتراك الذي في تداينتم ، إذ يقال لمعنى الجزاء .
{ إلى أجل مسمى } دليل على أنه لا يجوز إلى أجل مجهول ، وأجاز مالك البيع إلى الجذاذ والحصاد ، لأنه معروف عند الناس ، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة ، قال ابن عباس : نزلت الآية في السلم خاصة يعني أن سلم أهل المدينة كان سبب نزولها ، قال مالك : وهذا يجمع الدين كله يعني أنه يجوز التأخير في السلم والسلف وغيرهما .
{ فاكتبوه } ذهب قوم إلى أن كتابة الدين واجبة بهذه الآية .
وقال قوم : إنها منسوخة لقوله :{ فإن أمن بعضكم بعضا }[ البقرة :283 ] .
{ وليكتب بينكم كاتب } قال قوم : يجب على الكاتب أن يكتب .
وقال قوم : نسخ ذلك بقوله :{ ولا يضار كاتب ولا شهيد } .
وقال آخرون : يجب عليه إذا لم يوجد كاتب سواه .
وقال قوم : إن الأمر بذلك على الندب ولذلك جاز أخذ الأجرة على كتب الوثائق .
{ بالعدل } يتعلق عند ابن عطية بقوله :{ وليكتب } ، وعند الزمخشري بقوله :{ كاتب } .
فعلى الأول : تكون الكتابة بالعدل ، وإن كان الكاتب غير مرضي .
وعلى الثاني : يجب أن يكون الكاتب مرضيا في نفسه .
قال مالك : لا يكتب الوثائق إلا عارف بها ، عدل في نفسه مأمون .
{ ولا يأب كاتب أن يكتب } نهي عن الإباية ، وهو يقوي الوجوب .
{ كما علمه الله } يتعلق بقوله :{ أن يكتب } ، والكاف للتشبيه أي يكتب مثل ما علمه الله أو للتعليل أي : ينفع الناس بالكتابة كما علمه الله لقوله :{ أحسن كما أحسن الله }[ القصص :77 ] إليك وقيل : يتعلق بقوله : بعدها { فليكتب وليملل } يقال : أمللت الكتاب ، وأمليته ، فورد هنا على اللغة الواحدة ، وفي قوله : تملى عليه على الأخرى .
{ الذي عليه الحق } لأن الشهادة إنما هي باعترافه ، فإن كتب الوثيقة دون إملاله ، ثم أقر بها جاز .
{ ولا يبخس } أمر الله بالتقوى فيما يملى ، ونهاه عن البخس وهو نقص الحق .
{ سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو } السفيه الذي لا يحسن النظر في ماله ، والضعيف الصغير وشبهه ، والذي لا يستطيع أن يمل الأخرس وشبهه .
{ وليه } أبوه ، أو وصيه ، والضمير عائد على الذي عليه الحق .
{ واستشهدوا شاهدين } شهادة الرجلان جائزة في كل شيء إلا في الزنا فلا بد من أربعة .
{ من رجالكم } نص في رفض شهادة الكفار والصبيان والنساء ، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم ، ولذلك أجاز ابن حنبل شهادتهم ، ومنعها مالك والشافعي لنقص الرق .
{ فرجل وامرأتان } قال قوم : لا تجوز شهادة المرأتين إلا مع الرجال ، وقال معنى الآية :{ إن لم يكونا } أي : إن لم يوجدا وأجاز الجمهور أن المعنى إن لم يشهد رجلان ، فرجل وامرأتان ، وإنما يجوز عند مالك شهادة الرجل والمرأتين في الأموال لا في غيرها ، وتجوز شهادة المرأتين دون رجل ، فيما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والاستهلال ، وعيوب النساء ، وارتفع رجل بفعل مضمر تقديره : فليكن رجل ، فهو فاعل ، أو تقديره : فليستشهد رجل فهو مفعول لم يسم فاعله ، أو بالابتداء تقديره : فرجل وامرأتان يشهدون .
{ ممن ترضون } صفة للرجل والمرأتين ، وهو مشترط أيضا في الرجلين الشاهدين ، لأن الرضا مشترط في الجميع وهو العدالة ، ومعناها اجتناب الذنوب الكبائر ، وتوقي الصغائر مع المحافظة على المروءة .
{ أن تضل } مفعول من أجله ، والعامل فيه هو المقدر العامل في رجل وامرأتان والضلال في الشهادة وهو نسيانها أو نسيان بعضها ، وإنما جعل ضلال إحدى المرأتين مفعولا من أجله ، وليس هو المراد ، لأنه سبب لتذكير الأخرى لها وهو المراد ، فأقيم السبب مقام المسبب ، وقرئ : إن تضل بكسر الهمزة على الشرط ، وجوابه الفاء في فتذكر ، ولذلك رفعه من كسر الهمزة ، ونصبه من فتحها على العطف ، وقرئ تذكر بالتشديد والتخفيف ، والمعنى واحد .
{ ولا يأب الشهداء } أي : لا يمتنعون .
{ إذا ما دعوا } إلى أداء الشهادة ، وقد ورد تفسيره بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، واتفق العلماء أن أداء الشهادة واجب إذا دعى إليها ، وقيل : إذا دعوا إلى تحصيل الشهادة وكتبها . وقيل : إلى الأمرين .
{ ولا تسأموا أن تكتبوه } أي : لا تملوا من الكتابة إذا ترددت وكثرت ، سواء كان الحق صغيرا أو كبيرا ، ونصب صغيرا على الحال .
{ وأقوم } بمعنى أشد إقامة ، وينبني أفعل فيهما من الرباعي وهو قليل .
{ وأدنى أن لا ترتابوا } أي : أقرب إلى عدم الشك في الشهادة .
{ إلا أن تكون تجارة حاضرة } أن في موضع نصب على الاستثناء المنقطع ، لأن الكلام المتقدم في الدين المؤجل ، والمعنى إباحة ترك الكتابة في التجارة الحاضرة ، وهو ما يباع بالنقد وغيره ، { تديرونها بينكم } يقتضي القبض والبينونة .
{ وأشهدوا إذا تبايعتم } ذهب قوم إلى وجوب الإشهاد على كل بيع صغيرا أو كبيرا ، وهم الظاهرية خلافا للجمهور وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله :{ فإن أمن بعضكم بعضا }[ البقرة :283 ] ، وذهب قوم إلى أنه على الندب .
{ ولا يضار كاتب ولا شهيد } يحتمل أن يكون كاتب فاعلا على تقدير كسر الراء المدغمة من يضار ، والمعنى على هذا نهي للكاتب والشاهد أن يضار صاحب الحق أو الذي عليه الحق بالزيادة فيها أو النقصان منه ، أو الامتناع من الكتابة أو الشهادة ، ويحتمل أن يكون كاتب مفعولا لم يسم فاعله على تقدير فتح الراء المدغمة ، ويقوي ذلك قراءة عمر بن الخطاب رضي الله عنه " لا يضارر " بالتفكيك وفتح الراء ، والمعنى النهي عن الإضرار بالكاتب والشاهد بإذايتهما بالقول أو بالفعل .
{ وإن تفعلوا } أي : إن وقعتم في الإضرار .
{ ويعلمكم الله } إخبار على وجه الامتنان ، وقيل : معناه الوعد بأن من اتقى علمه الله وألهمه وهذا المعنى صحيح ، ولكن لفظ الآية لا يعطيه ، لأنه لو كان كذلك لجزم يعلمكم في جواب اتقوا .
" يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم " تعاملتم " بدين " كسلم وقرض " إلى أجل مسمى " معلوم " فاكتبوه " استيثاقا ودفعا للنزاع " وليكتب " كتاب الدين " بينكم كاتب بالعدل " بالحق في كتابته لا يزيد في المال والأجل ولا ينقص " ولا يأب " يمتنع " كاتب " من " أن يكتب " إذ دعي إليها " كما علمه الله " أي فضله بالكتابة فلا يبخل بها ، والكاف متعلقة بيأب " فليكتب " تأكيد " وليُملل " يمل الكاتب " الذي عليه الحق " الدين لأنه المشهود عليه فيقر ليعلم ما عليه " وليتق الله ربه " في إملائه " ولا يبخس " ينقص " منه " أي الحق " شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها " مبذراً " أو ضعيفا " عن الإملاء لصغر أو كبر " أو لا يستطيع أن يمل هو " لخرس أو جهل باللغة أو نحو ذلك " فليملل وليه " متولي أمره من والد ووصي وقيم ومترجم " بالعدل واستشهدوا " أشهدوا على الدين " شهيدين " شاهدين " من رجالكم " أي بالغي المسلمين الأحرار " فإن لم يكونا " أي الشهيدان " رجلين فرجل وامرأتان " يشهدون " ممن ترضون من الشهداء " لدينه وعدالته وتعدد النساء لأجل " أن تضل " تنسى " إحداهما " الشهادة لنقص عقلهن وضبطهن " فتذكِّر " بالتخفيف والتشديد " إحداهما " الذاكرة " الأخرى " الناسية ، وجملة الإذكار محل العلة أي لتذكر إن ضلت ودخلت على الضلال لأنه سببه وفي قراءة بكسر " إن " شرطية ورفع تذكر استئناف جوابه [ ولا يأب الشهداء إذا ما ] زائدة [ دعوا ] إلى تحمل الشهادة وأدائها [ ولا تسأموا ] تملوا من [ أن تكتبوه ] أي ما شهدتم عليه من الحق لكثرة وقوع ذلك [ صغيرا ] كان [ أو كبيرا ] قليلا أو كثيرا [ إلى أجله ] وقت حلوله حال من الهاء في تكتبوه [ ذلكم ] أي الكتب [ أقسط ] أعدل [ عند الله وأقوم للشهادة ] أي أعون على إقامتها لأنه يذكرها [ وأدنى ] أقرب إلى [ أ ] ن [ لا ترتابوا ] تشكوا في قدر الحق والأجل [ إلا أن تكون ] تقع [ تجارةٌ حاضرةٌ ] وفي قراءة بالنصب فتكون ناقصة واسمها ضمير التجارة [ تديرونها بينكم ] أي تقبضونها ولا أجل فيها [ فليس عليكم جناح ] في [ أ ] ن [ لا تكتبوها ] والمراد بها المتجر فيه [ وأشهدوا إذا تبايعتم ] عليه فإنه أدفع للاختلاف وهذا وما قبله أمر ندب [ ولا يضار كاتب ولا شهيد ] صاحب الحق ومن عليه بتحريف أو امتناع من الشهادة أو الكتابة ولا يضرهما صاحب الحق بتكليفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة [ وإن تفعلوا ] ما نهيتم عنه [ فإنه فسوق ] خروج عن الطاعة لا حق [ بكم واتقوا الله ] في أمره ونهيه [ ويعلمكم الله ] مصالح أموركم حال مقدرة أو مستأنف [ والله بكل شيء عليم ]