صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ} (28)

{ لا يتخذ المؤمنون . . . } كان بعض اليهود يباطنون نفرا من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم ، فقال لهم بعض الصحابة : اجتنبوهم ، واحذروا مباطنتهم ، لا يفتنوكم ، عن دينكم ، فأبوا إلا ملازمتهم ، فنزلت الآية . أي لا تتخذوا لكم أنصارا وبطانة من الكافرين ، متجاوزين إخوانكم المؤمنين ، تسرون إليهم بالمودة وتركنون إليهم ، وتلقون إليهم ذات صدوركم ، فإنهم لا يألون جهدا في مضرتكم والنكاية بكم . ومثله قوله تعالى : ( لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ){[83]} . وقوله تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ){[84]} . وقوله تعالى : ( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) {[85]}وقوله تعالى : ( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ){[86]} .

والأولياء : جمع ولي ، بمعنى الموالي ، من الولي وهو القرب .

{ فليس من الله شيء } أي ومن يوال الكفار هذه الموالاة ، فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية ، بمعنى أنه منسلخ من ولاية الله رأسا .

{ إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي إلا أن تخافوا منهم مخافة . أو تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه ، من الضرر في النفس أو المال أو العرض . وذلك إذا كان الكفار غالبين ظاهرين ، أو كنتم في قوم كفار ، فيرخص لكم في مداراتهم باللسان ، على ألا تنطوي قلوبكم على شيء من مودتهم ، بل تدارونهم وأنتم لهم كارهون ، وألا تعملوا ما هو محرم ، كشرب الخمر ، وإطلاعهم على عورات المسلمين ، والانحياز إليهم في مجافاة بعض المسلمين ، فلا رخصة إلا في المداراة باللسان . وعن معاذ ومجاهد : أن هذا الحكم قد نسخ بعد قوة الإسلام . وعن الحسن : جواز التقية في كل وقت ، لدفع الضرر بقدر الإمكان . و{ تقاة } مصدر تقيته –كرميته- بمعنى اتقيته ، ووزنه فعلة ، ويجمع على تقى ، كرطبة ورطب . وأصل تقاة : وقية من الوقاية ، فأبدلت الواو المضمومة تاء والياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها . و( تقاة ) على المعنى الأول مفعول مطلق ، والتقدير : إلا أن تتقوا منهم اتقاء ، فوقع ( تقاة ) موقع اتقاء ، والعرب تنيب المصادر بعضها عن بعض . وعلى المعنى الثاني مصدر مفعول به ، وتقديره : إلا أن تتقوا منهم متقى ، أي أمرا يتقى ويخاف ويحذر .

{ ويحذركم الله نفسه } يخوفكم عقابه وانتقامه .


[83]:آية 118
[84]:آية 51 المائدة
[85]:آية 22 المجادلة
[86]:آية 1 الممتحنة.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ} (28)

قوله تعالى : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } . قال ابن عباس رضي الله عنه : كان الحجاج بن عمرو ، وابن أبي الحقيق ، وقيس بن زيد يبطنون ، بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم ، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير ، وسعد بن خيثمة لأولئك النفر : اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم ، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال مقاتل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره وكانوا يظهرون المودة لكفار مكة . وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في المنافقين ، عبد الله بن أبي وأصحابه ، كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ، ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآية ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم .

قوله تعالى : { ومن يفعل ذلك } أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عورة المسلمين . فقوله تعالى : { فليس من الله في شيء } أي ليس من دين الله في شيء ، ثم استثنى .

قوله تعالى : { إلا أن تتقوا منهم تقاة } يعني : إلا أن تخافوا منهم مخافة ، قرأ مجاهد ، ويعقوب " تقية " على وزن بقية لأنهم كتبوها بالياء ولم يكتبوها بالألف ، مثل حصاة ونواة وهي مصدر يقال : تقيت تقاة ، وتقى تقية وتقوى ، فإذا قلت : اتقيت كان المصدر الاتقاء ، وإنما قال : " تتقوا " من الاتقاء ، ثم قال : " تقاة " ولم يقل اتقاء ، لأن معنى اللفظين إذا كان واحداً يجوز إخراج مصدر أحدهما على لفظ الآخر ، كقوله تعالى ( وتبتل إليه تبتيلا ) ومعنى الآية أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين ، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان ، دفعاً عن نفسه من غير أن يستحل دماً حراماً أو مالاً حراماً ، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين . والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل ، وسلامة النية . قال الله تعالى : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) ثم هذا رخصة ، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم ، وأنكر قوم التقية اليوم ، قال معاذ بن جبل ومجاهد : كانت التقية في جدة بالإسلام قبل استحكام الدين ، وقوة المسلمين . فأما اليوم ، فقد أعز الله الإسلام فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم . وقال يحيى البكاء : قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج إن الحسن كان يقول : لكم تقية باللسان ، والقلب مطمئن بالإيمان ؟ فقال سعيد : ليس في الإسلام تقية إنما التقية في أهل الحرب .

قوله تعالى : { ويحذركم الله نفسه } أي يخوفكم الله عقوبته على موالاة الكفار ، وارتكاب المنهي ، ومخالفة المأمور .

قوله تعالى : { وإلى الله المصير } .