{ لا يتخذ المؤمنون . . . } كان بعض اليهود يباطنون نفرا من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم ، فقال لهم بعض الصحابة : اجتنبوهم ، واحذروا مباطنتهم ، لا يفتنوكم ، عن دينكم ، فأبوا إلا ملازمتهم ، فنزلت الآية . أي لا تتخذوا لكم أنصارا وبطانة من الكافرين ، متجاوزين إخوانكم المؤمنين ، تسرون إليهم بالمودة وتركنون إليهم ، وتلقون إليهم ذات صدوركم ، فإنهم لا يألون جهدا في مضرتكم والنكاية بكم . ومثله قوله تعالى : ( لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ){[83]} . وقوله تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ){[84]} . وقوله تعالى : ( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) {[85]}وقوله تعالى : ( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ){[86]} .
والأولياء : جمع ولي ، بمعنى الموالي ، من الولي وهو القرب .
{ فليس من الله شيء } أي ومن يوال الكفار هذه الموالاة ، فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية ، بمعنى أنه منسلخ من ولاية الله رأسا .
{ إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي إلا أن تخافوا منهم مخافة . أو تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه ، من الضرر في النفس أو المال أو العرض . وذلك إذا كان الكفار غالبين ظاهرين ، أو كنتم في قوم كفار ، فيرخص لكم في مداراتهم باللسان ، على ألا تنطوي قلوبكم على شيء من مودتهم ، بل تدارونهم وأنتم لهم كارهون ، وألا تعملوا ما هو محرم ، كشرب الخمر ، وإطلاعهم على عورات المسلمين ، والانحياز إليهم في مجافاة بعض المسلمين ، فلا رخصة إلا في المداراة باللسان . وعن معاذ ومجاهد : أن هذا الحكم قد نسخ بعد قوة الإسلام . وعن الحسن : جواز التقية في كل وقت ، لدفع الضرر بقدر الإمكان . و{ تقاة } مصدر تقيته –كرميته- بمعنى اتقيته ، ووزنه فعلة ، ويجمع على تقى ، كرطبة ورطب . وأصل تقاة : وقية من الوقاية ، فأبدلت الواو المضمومة تاء والياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها . و( تقاة ) على المعنى الأول مفعول مطلق ، والتقدير : إلا أن تتقوا منهم اتقاء ، فوقع ( تقاة ) موقع اتقاء ، والعرب تنيب المصادر بعضها عن بعض . وعلى المعنى الثاني مصدر مفعول به ، وتقديره : إلا أن تتقوا منهم متقى ، أي أمرا يتقى ويخاف ويحذر .
قوله تعالى : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } . قال ابن عباس رضي الله عنه : كان الحجاج بن عمرو ، وابن أبي الحقيق ، وقيس بن زيد يبطنون ، بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم ، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير ، وسعد بن خيثمة لأولئك النفر : اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم ، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال مقاتل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره وكانوا يظهرون المودة لكفار مكة . وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في المنافقين ، عبد الله بن أبي وأصحابه ، كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ، ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآية ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم .
قوله تعالى : { ومن يفعل ذلك } أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عورة المسلمين . فقوله تعالى : { فليس من الله في شيء } أي ليس من دين الله في شيء ، ثم استثنى .
قوله تعالى : { إلا أن تتقوا منهم تقاة } يعني : إلا أن تخافوا منهم مخافة ، قرأ مجاهد ، ويعقوب " تقية " على وزن بقية لأنهم كتبوها بالياء ولم يكتبوها بالألف ، مثل حصاة ونواة وهي مصدر يقال : تقيت تقاة ، وتقى تقية وتقوى ، فإذا قلت : اتقيت كان المصدر الاتقاء ، وإنما قال : " تتقوا " من الاتقاء ، ثم قال : " تقاة " ولم يقل اتقاء ، لأن معنى اللفظين إذا كان واحداً يجوز إخراج مصدر أحدهما على لفظ الآخر ، كقوله تعالى ( وتبتل إليه تبتيلا ) ومعنى الآية أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين ، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان ، دفعاً عن نفسه من غير أن يستحل دماً حراماً أو مالاً حراماً ، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين . والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل ، وسلامة النية . قال الله تعالى : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) ثم هذا رخصة ، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم ، وأنكر قوم التقية اليوم ، قال معاذ بن جبل ومجاهد : كانت التقية في جدة بالإسلام قبل استحكام الدين ، وقوة المسلمين . فأما اليوم ، فقد أعز الله الإسلام فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم . وقال يحيى البكاء : قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج إن الحسن كان يقول : لكم تقية باللسان ، والقلب مطمئن بالإيمان ؟ فقال سعيد : ليس في الإسلام تقية إنما التقية في أهل الحرب .
قوله تعالى : { ويحذركم الله نفسه } أي يخوفكم الله عقوبته على موالاة الكفار ، وارتكاب المنهي ، ومخالفة المأمور .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.