{ ثم قفينا على آثارهم برسلنا . . } ثم أرسلنا بعدهم رسولا بعد رسول ، حتى انتهينا إلى عيسى عليه السلام [ آية 87 البقرة ص 26 ] . { وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه } وهم الحواريون وأتباعهم الذين آمنوا بأنه عبد لله ورسوله ، وبالكتاب الذي جاءهم به ؛ ولم يغيروا ولم يبدلوا شريعته وكتابه . { رأفة } لينا وخفض جناح . { ورحمة } شفقة . أما الذين جاءوا بعدهم فغيروا وبدلوا ، وغلوا في عيسى حتى جعلوه إلها ، أو جزء إله ، فهم بمعزل عن الحق ، وعن الرأفة والرحمة اللتين أودعهما الله في قلوب الذين اتبعوه . وقد تغالى أولئك الذين اتبعوا عيسى عليه السلام في العبادة ، وحملوا أنفسهم المشاق الزائدة فيها وفي ترك النكاح ، واستعمال في الخشن في المطعم والمشرب والملبس ، مع التقلل منها ؛ وحبسوا أنفسهم في الصوامع والأديرة والكهوف والغيران ! ! وكان ذلك ابتداعا من تلقاء أنفسهم ؛ لم يؤمروا به ،
ولم تجئ به شريعتهم ، ولكنهم التزموه ابتغاء مرضاة الله تعالى ؛ وذلك قوله تعالى : { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله } ثم جاء أخلافهم فغيروا وبدلوا في دين الله ، وزعموا في عيسى مالا يرضاه ولا يرضى الله ، وسلكوا في العبادة الباطلة مسلك الرهبنة الأولى ؛ فجمعوا إلى الكفر بالله المبالغة في التعبد الباطل ؛ وذلك قوله تعالى : { فما رعوها حق رعايتها } فما رعاها أخلافهم الذين أتوا بعدهم . { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } وهم أسلافهم الذين كانوا على الحق{ وكثير منهم فاسقون } وهم أخلافهم لخروجهم عن طاعة الله ، وكفرهم به بزعم التثليث ، أو ألوهية عيسى ، أو أنه ابن الله ؛ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ! وهم في الواقع على دين غير دين عيسى عليه السلام .
{ ثم قفينا على آثارهم برسلنا } : أي أرسلنا رسولاً بعد رسول حتى انتهينا إلى عيسى .
{ وقفينا بعيسى بن مريم } : أي أتبعانهم بعيسى بن مريم لتأخره عنهم في الزمان .
{ وجعلنا في قلوب الذي اتبعوه } : أي على دنيه وهم الحواريون وأتباعهم .
{ رأفة ورحمة } : أي ليناً وشفقة .
{ ورهبانية ابتدعوها } : أي وابتدعوا رهبانية لم يكتبها الله عليهم . وهي اعتزال النساء والانقطاع في الأديرة والصوامع للتعبد .
{ إلا ابتغاء رضوان الله } : أي إلا طلبا لرضوان الله عز وجل .
{ فما رعوها حق رعايتها } : أي لم يلتزموا بما نذروه على أنفسهم من الطاعات .
{ فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } : أي فأعطينا الذي ثبتوا على إيمانهم وتقواهم أجرهم .
{ وكثر منهم فاسقون } : لا أجر لهم ولا ثواب إلا العقاب .
وقوله { ثم قفينا على آثارهم برسلنا } أي رسولا بعد رسول إلى عيسى بن مريم ، وقفينا بعيسى بن مريم أي أتبعاتهم بعيسى بن مريم كل ذلك لهداية العباد إلى ما يكملهم ويسعدهم وقوله { وآتيناه الإِنجيل } أي آتينا عيسى بن مريم الإِنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة والرأفة اللين وأشد الرحمة . وقوله { ورهبانية ابتدعوها } أي ابتدعها الذين اتبعوا عيسى { ما كتبناها عليهم } أي لم يكتبها الله تعالى عليهم لما فيها من التشديد ولكن ما ابتدعوها إلا طلباً لرضوان الله ومرضاته فما رعوها حق رعايتها حيث لم يوفوا بما التزموا به من ترك الدنيا والإِقبال على الآخرة حيث تركوا النساء ولبسوا الخشن من الثياب وأكلوا الخشن من الطعام ونزلوا الصوامع والأديرة .
ولهذه الرهبانية سبب مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما نذكره باختصار للفظه ومعناه قال كان بعد عيسى ملوك بدلوا التوراة وحرفوا الإِنجيل وألزموا العامة بذلك ، وكان بينهم جماعة رفضُوا ذلك التحريف للدين ولم يقبلوه ففروا بدينهم ، والتحقوا بالجبال وانقطعوا عن الناس مخافة قتلهم أو تعذيبهم لمخالفتهم دين ملوكهم المحدث الجديد فهذا الانقطاع بداية الرهبانية ، وعاش أولئك المؤمنون وماتوا وجاء جيل من أبناء الدين المحرف فذكروا سيرة الصالحين الأولين فأرادوا أن يفعلوا فعلهم فانقطعوا إلى الصوامع والأديرة ، ولكنهم جهال وعلى دين محرف مبدّل فاسد فما انتفعوا بالرهبانية المبتدعة وفسق أكثرهم عن طاعة الله ورسوله .
وهو ما دل عليه قول الله تعالى : { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } وهم الأولون المؤمنون الذي فروا من الكفر والتعذيب وعبدوا الله تعالى بما شرع ، وقوله { وكثير منهم فاسقون } وهم الذين أتوا من بعدهم إلى يومنا هذا إذ هم يعبدون الله بدين محرف باطل ولم يلتزموا بالرهبنة الصادقة بالزهد في الدنيا والإِقبال على الآخرة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.