صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (61)

{ ليس على الأعمى حرج . . . } أي إثم . والحرج في الأصل : مجتمع الشجر ، ثم أطلق على الضيق وعلى الإثم . أي لا إثم على هذه الطوائف الثلاث في القعود عن الجهاد وغيره مما رخص لهم فيه لما قام لهم من الأعذار . ولا إثم على من ذكروا بعدهم في الآية في الأكل من البيوت المذكورة . { ولا على أنفسكم } حرج{ أن تأكلوا من بيوتكم } أي من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم ؛ فيدخل فيها بيوت الأولاد . { أو ما ملكتم مفاتحه } أي أو البيوت التي تملكون التصرف فيها بإذن أربابها ؛ كما إذا كنتم وكلاء عنهم أو خازنين عندهم ؛ فيباح لكم الأكل منها بالمعروف . ومفاتح جمع مفتح ، وهو آلة الفتح . وملكها : كناية عن كون الشيء تحت يد الشخص وتصرفه . { أو صديقكم } أي أو بيوت أصدقائكم وإن لم يكن بينكم وبينهم قرابة ؛ فيجوز الأكل من بيوت الأحد عشر صنفا المذكورة وإن لم يحضروا ، إذا علم رضاهم به بصريح اللفظ ، أو بالقرينة وإن كانت ضعيفة ؛ كما قاله الجلال .

{ ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا } مجتمعين{ أو أشتاتا } متفرقين . وقد كان بعضهم يتحرج أن يأكل وحده حتى يجد له أكيلا ؛ كبنى ليث بن عمرو بن كنانة ، فنزلت الآية . جمع شت . يقال : شت الأمر يشت شتا وشتاتا ، تفرق . وأمر شت : متفرق .

{ فإذا دخلتم بيوتا } من هذه البيوت التي رخص لكم في الدخول فيها{ فسلموا على أنفسكم } أي على أهلها الذين هم بمنزلة أنفسكم{ تحية من عند الله } أي حيوهم تحية مشروعة من لدنه تعالى{ طيبة } تطيب بها نفوسهم وتطمئن . ومعنى التحية في الأصل : أن تقول : حياك الله ! أي أعطاك الحياة ؛ ثم عمم لكل دعاء .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (61)

{ ليس على الأعمى حرج } الآية : اختلف في المعنى الذي رفع الله فيه الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في هذه الآية ، فقيل : هو في الغزو أي : لا حرج عليهم في تأخيرهم عنه ، وقوله : { ولا على أنفسكم } مقطوع من الذي قبله على هذا القول كأنه قال : ليس على هؤلاء الثلاثة حرج في ترك الغزو ، ولا عليكم حرج في الأكل ، وقيل : الآية كلها في معنى الأكل ، واختلف الذاهبون إلى ذلك ، فقيل : إن أهل هذه الأعذار كانوا يتجنبون الأكل مع الناس لئلا يتقذرهم الناس ، فنزلت الآية مبيحة لهم الأكل مع الناس ، وقيل : إن الناس كانوا إذا نهضوا إلى الغزو خلفوا أهل هذه الأعذار في بيوتهم ، وكانوا يتجنبون أكل مال الغائب ، فنزلت الآية في ذلك ، وقيل : إن الناس كانوا يتجنبون الأكل معهم تقذرا ، فنزلت الآية ، وهذا ضعيف . لأن رفع الحرج عن أهل الأعذار لا عن غيرهم ، وقيل : إن رفع الحرج عن هؤلاء الثلاثة في كل ما تمنعهم عنه أعذارهم من الجهاد وغيره .

{ ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } أباح الله تعالى للإنسان الأكل في هذه البيوت المذكورة في الآية ، فبدأ ببيت الرجل نفسه ، ثم ذكر القرابة على ترتيبهم ولم يذكر فيهم الابن ، لأنه دخل في قوله : { من بيوتكم } ، لأن بيت ابن الرجل بيته ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " أنت ومالك لأبيك " ، واختلف العلماء فيما ذكر في هذه الآية من الأكل من بيوت القرابة فذهب قوم إلى أنه منسوخ ، وأنه لا يجوز الأكل من بيت أحد إلا بإذنه والناسخ قوله تعالى : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } [ البقرة :188 ] ، وقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " ،

وقيل : الآية محكمة ، ومعناها إباحة الأكل من بيوت القرابة إذا أذنوا في ذلك ، وقيل : بإذن وبغير إذن .

{ أو ما ملكتم مفاتحه } : يعني الوكلاء والأجراء والعبيد الذين يمسكون مفاتح مخازن أموال ساداتهم ، فأباح لهم الأكل منها ، وقيل : المراد ما ملك الإنسان من مفاتح نفسه وهذا ضعيف .

{ أو صديقكم } الصديق يقع على الواحد والجماعة ، كالعدو ، والمراد به هنا جمع ليناسب ما ذكر قبله من الجموع في قوله : { آبائكم وأمهاتكم } وغير ذلك ، وقرن الله الصديق بالقرابة ، لقرب مودته ، وقال ابن عباس : الصديق أوكد من القرابة .

{ ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } إباحة للأكل في حال الاجتماع والانفراد ، لأن بعض العرب كان لا يأكل وحده أبدا خيفة من البخل ، فأباح لهم الله ذلك .

{ فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } أي : إذا دخلتم بيوتا مسكونة ، فسلموا على من فيها من الناس ، وإنما قال على أنفسكم بمعنى صنفكم كقوله : { ولا تلمزوا أنفسكم } [ الحجرات : 11 ] وقيل : المعنى إذا دخلتم بيوتا خالية فسلموا على أنفسكم بأن يقول الرجل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وقيل : يعني بالبيوت المساجد ، والأمر بالسلام على من فيها ، فإن لم يكن فيها أحد فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الملائكة ، وعلى عباد الله الصالحين .