{ انظرونا نقتبس من نوركم } أي انتظرونا لنلحق بكم نصب شيئا من نوركم نستضئ به . وذلك أنه يسرع بالخلص إلى الجنة على نجب فيقول المنافقون : انتظرونا لأننا مشاة لا نستطيع لحوقكم . وقرئ " أنظرونا " بفتح الهمزة وكسر الظاء ؛ من الإنظار بمعنى الانتظار ؛ أي انتظرونا . والاقتباس في الأصل : طلب القبس ، أي الجذوة من النار ؛ وتجوز به عما ذكر . { فضرب بينهم بسور } أي
فضرب بين المؤمنين والمنافقين سور حاجز . قيل : هو الحجاب المذكور في سورة الأعراف .
نقتبس من نوركم : نستضيء بنوركم .
باطنه فيه الرحمة : الجنة . وظاهره من قِبله العذاب : من جهته جهنم .
ثم بيّن حالَ المنافقين في ذلك اليوم العظيم ، وكيف يطلبون من المؤمنين أن يساعِدوهم بشيءٍ من ذلك النورِ الذي منحَهم الله إيّاه ليستضيئوا به ويلحقوا بهم . فيسخَرُ المؤمنون منهم ويتهكّمون عليهم ويقولون : ارجِعوا إلى الدنيا واعملوا حتى تحصُلوا على هذا النور . وهذا مستحيل . فيُضرَب بينهم بحاجزٍ عظيم يكونُ المؤمنون داخلَه في رحابِ الجنة ، والمنافقون والكافرون خارجَه يذهبون إلى النار .
قرأ حمزة : أنظِرونا نقتبس من نوركم بفتح الهمزة وكسر الظاء من الفعل انظِر . والباقون : انظُرونا بضم الظاء .
{ المنافقون المنافقات } : أي الذين كانوا يخفون الكفر في نفوسهم ويظهرون الإِيمان والإِسلام بألسنتهم .
{ نقتبس من نوركم } : أي أنظروا إلينا بوجوهكم نأخذ من نوركم ما يضيء لنا الطريق .
{ قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً } : أي يقال لهم استهزاءً بهم ارجعوا وراءكم إلى الدنيا حيث يطلب النور هناك بالإِيمان وصالح الأعمال بعد التخلي عن الشرك والمعاصي فيرجعون وراءهم فلم يجدوا شيئاً .
{ فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة } : أي فضرب بينهم وبين المؤمنين بسور عال له باب باطنه الذي هو من جهة المؤمنين الرحمة .
{ وظاهره من قلبه العذاب } : أي الذي من جهة المنافقين في عرصات القيامة العذاب .
وقوله تعالى { يوم يقول المنافقون والمنافقات } بدل من من قوله يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ، والمنافقون والمنافقات وهم الذي كانوا في الحياة الدنيا يخفون الكفر في أنفسهم ويظهرون الإِيمان بألسنتهم والإِسلام بجوارحهم يقولولن للذين آمنوا انظرونا أي اقبلوا علينا بوجوهكم ذات الأنوار نقتبس من نوركم أي نأخذ من نوركم ما يضيء لنا الطريق مثلكم قيل فيقال لهم استهزاء بهم { ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً } إشارة إلى أن هذا النور يطلب في الدنيا بالإِيمان وصالح الأعمال فيرجعون إلى الوراء وفوراً يضرب بينهم وبين المؤمنين بسور عال { له باب باطنه } وهو يلي المؤمنين فيه الرحمة { وظاهره } وهو يلي المنافقين { من قبله العذاب } .
- بيان صفات المنافقين في الدنيا وهي إبطان الكفر في نفوسهم والتربص بالمؤمنين للانقضاض عليهم متى ضعفوا أو هزموا وأمانيهم في عدم نصرة الإِسلام . وشكهم الملازم لهم حتى أنهم لم يخرجوا منه إلى أن ماتوا شاكين في صحة الإِسلام وما جاء به وأخبر عنه من وعد ووعيد .
فإذا رأى المنافقون نور المؤمنين يمشون به{[981]} وهم قد طفئ نورهم وبقوا في الظلمات حائرين ، قالوا للمؤمنين : { انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } أي : أمهلونا لننال من نوركم ما نمشي به ، لننجو من العذاب ، ف { قِيلَ } لهم : { ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا } أي : إن كان ذلك ممكنا ، والحال أن ذلك غير ممكن ، بل هو من المحالات ، { فَضُرِبَ } بين المؤمنين والمنافقين { بِسُورٍ } أي : حائط منيع ، وحصن حصين ، { لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ } وهو الذي يلي المؤمنين { وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } وهو الذي يلي المنافقين .
{ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم } انتظرونا وقفوا لنا نستضىء بنوركم { قيل } لهم { ارجعوا وراءكم } من حيث جئتم { فالتمسوا نورا } فلا نور لكم عندنا { فضرب بينهم } بين المؤمنين والمنافقين { بسور } وهو حاجز بين الجنة والنار قيل هو سور الأعراف { له باب } في ذلك السور باب { باطنه فيه الرحمة } لأن ذلك الباب يفضي الى الجنة { وظاهره من قبله } أي من قبل الظاهر { العذاب } وهو النار
قوله تعالى : " يوم يقول المنافقون " العامل في " يوم " " ذلك هو الفوز العظيم " . وقيل : هو بدل من اليوم الأول . " نقتبس من نوركم " قراءة العامة بوصل الألف مضمومة الظاء من نظر ، والنظر الانتظار أي انتظرونا . وقرأ الأعمش وحمزة ويحيى بن وثاب " أنظرونا " بقطع الألف وكسر الظاء من الإنظار . أي أمهلونا وأخرونا ، أنظرته أخرته ، واستنظرته أي استمهلته . وقال الفراء : تقول العرب : أنظرني انتظرني ، وأنشد لعمرو بن كلثوم :
أبا هند فلا تعجل علينا *** وأنْظِرْنا نُخَبِّركَ اليقينا
أي انتظرنا . " نقتبس من نوركم " أي نستضيء من نوركم . قال ابن عباس وأبو أمامة : يغشى الناس يوم القيامة ظلمة - قال الماوردي : أظنها بعد فصل القضاء - ثم يعطون نورا يمشون فيه . قال المفسرون : يعطي الله المؤمنين نورا يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط ، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم ، دليله قوله تعالى : " وهو خادعهم{[14708]} " [ النساء : 142 ] . وقيل : إنما يعطون النور ، لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر ، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه ، قاله ابن عباس . وقال أبو أمامة : يعطى المؤمن النور ويترك الكافر والمنافق بلا نور . وقال الكلبي : بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور ، فبينما هم يمشون إذ بعث الله فيهم ريحا وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين ، فذلك قوله تعالى : " ربنا أتمم لنا نورنا " [ التحريم : 8 ] يقول المؤمنون ، خشية أن يسلبوه كما سلبه المنافقون ، فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم قالوا للمؤمنين : " انظرونا نقتبس من نوركم " . " قيل ارجعوا وراءكم " أي قالت لهم الملائكة " ارجعوا " . وقيل : بل هو قول المؤمنين لهم " أرجعوا وراءكم " إلى الموضع الذي أخذنا منه النور فاطلبوا هنالك لأنفسكم نورا فإنكم لا تقتبسون من نورنا . فلما رجعوا وانعزلوا في طلب النور " فضرب بينهم بسور " وقيل : أي هلا طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا . " بسور " أي سور ، والباء صلة . قاله الكسائي . والسور حاجز بين الجنة والنار . وروي أن ذلك السور ببيت المقدس عند موضع يعرف بوادي جهنم . " باطنه فيه الرحمة " يعني ما يلي منه المؤمنين " وظاهره من قبله العذاب " يعني ما يلي المنافقين . قال كعب الأحبار : هو الباء الذي ببيت المقدس المعروف بباب الرحمة . وقال عبدالله بن عمرو : إنه سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد " وظاهره من قبله العذاب " يعني جهنم . ونحوه عن ابن عباس . وقال زياد بن أبي سوادة : قام عبادة بن الصامت على سور بيت المقدس الشرقي فبكى ، وقال : من ها هنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم . وقال قتادة : هو حائط بين الجنة والنار " باطنه فيه الرحمة " يعني الجنة " وظاهره من قبله العذاب " يعني جهنم . وقال مجاهد : إنه حجاب كما في " الأعراف " وقد مضى القول فيه{[14709]} . وقد قل : إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين ، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين .