صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (95)

{ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة . . } ثم لما لم يفعلوا ذلك ، واستمروا في كفرهم وعنادهم امتحناهم بضد تلك المحن استدراجا لهم ، فأعطيناهم رخاء وخصبا ، وغنى وسعة ، وصحة وعافية . { حتى عفوا } كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم . يقال : عفا النبات ، وعفا الشحم إذا كثر وتكاثف . وأعفيته : تركته يعفو ويكثر ، ومنه : { اعفوا اللحي } . { وقالوا قد مس آباءنا . . . }وقالوا –لجهلهم أن ما أصابهم في الحالين ابتلاء من الله وامتحان-إن تلك عادة الدهر ، يداول الضراء والسراء بين الناس ، من غير أن تكون هناك داعية إليهما ، أو تبعة تترتب عليهما ، فأخذناهم إثر ذلك بالعقوبة فجأة{ و هم لا يشعرون }ليكون ذلك أعظم لحسرتهم .

وفي هذه الآية بيان لسنن الله في الأمم المهلكة بسبب تكذيبها ، تحذيرا وتخويفا من سوء العاقبة لمن هم على شاكلتهم في الكفر والتكذيب ، ككفار قريش .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (95)

القرية : المدينة .

البأساء : الشدة والمشقة كالحرب والجدب وشدة الفقر .

الضراء : ما يضر الإنسان في بدنه أو نفسه .

التضرع : إظهار الخضوع والضعف .

عَفَواْ : كثروا ونموا . بغتة : فجأة .

أشار الله تعالى هنا إلى سُنته في الأمم التي تكذّب رسلَها ، فهو يُنزل بها البؤسَ وشظَف العيش وسوء الحال في دنياهم ليتضرّعوا إلى ربهم ويُنيبوا إليه بالتوبة . ثم ذكرَ أنه بدّل الرخاء بالبؤس ليعتبروا ويشكروا ، لكنهم لم يفعلوا ، فأخذهم أخذَ عزيزٍ مقتدر .

وما بعثنا نبيّاً من الأنبياء في مدينةٍ من المدن ، يدعو أهلَها إلى الدين القويم ، ثم أعرضوا عن قبول تلك الدعوة- إلا أصبناهم بالفقر والمرض ، كي يتذللوا ويخضعوا ويبتهلوا إلى الله راجين كشفَ ما نزل بهم .

ثم إنهم لمّا لمْ يفعلوا ذلك ، بل تابعوا كفرهم وعنادهم ، امتحنهم الله بالعافية مكان البلاء ، فوهبهم رخاءً وسعة وصحةً وعافية ، حتى كثُروا ونَموا في أموالهم وأنفسهم ، وقالوا جهلاً منهم : إن ما أصاب آباءنا من المحَن وبالبلاء كان شأنَ الدهر ، يداول الضرّاءَ والسّراءَ بين الناس . لم ينتبهوا أنَّ ذلك كان جزاءَ كفرهم فيرتدعوا ، فكانت عاقبة ذلك أن أصابهم اللهُ بالعذاب المدمّر فجأة وهم غافلون عما سيحلُّ بهم .

فلنعتبر نحن المسلمين ، فإننا قد تركنا ديننا والعمل به ، وأهملنا قرآننا وتعاليمه فسلّط الله علينا شرّ خلقه وأخسَّ الناس ، يسلبوننا مقدّساتِنا وأرضينا ، ويُذلّوننا شرَّ إذلال . كل هذا ونحن لا ينقصُنا المال ولا الرجال ، ولكن ينقصُنا الإيمان بالله والحزم والثقة بأنفسنا ، وهدايةُ الحكّام فينا كي يبتعدوا عمّا هم فيه من انصراف عن الله ، وتناحر بينهم وفرقة .