تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ} (6)

الآية 6 وقوله تعالى : { لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم /564 –أ الآخر } يعني لقد كانت لكم في إبراهيم والذين معه قدوة حسنة تحسنون بها إذا اقتديتم بهم ، وأطعتموهم .

وقوله تعالى : { لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر }يحتمل معنيين :

أحدهما : أي لمن كان يرجو ثواب الله تعالى .

والثاني [ أي لمن ]{[21043]} يؤمن بالبعث ، وذلك أن الله تعالى وصف أمر البعث في كتابه بصفات مختلفة :

مرة أضافه إلى نفسه بقوله : { فمن كان يرجوا لقاء ربه } [ الكهف : 110 ] وكان المعنى منه البعث ، ومرة وصفه بصفة أخرى وإن كان المراد الثواب ، ففيه أن الراجي في الحقيقة ، هو الطالب لما يرجوه بالأسباب التي يرجو الوصول بها إلى ما دعي ، وأرجي . والخائف في الحقيقة ، هو الهارب عما حذر ، والمنتهى عما نهي عنه ، وحظر .

فإن من اعتمد على مجرد الرجاء والخوف دون التمسك بسببها فهو متمنّ على الله تعالى :

والدليل على تأييد ما نقول قوله عز وجل : { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله }[ البقرة : 218 ] أفلا تراه كيف حقق معنى الرجاء بالمجاهدة في سبيل الله والعمل بطاعته ، والله اعلم .

وإن كان [ معتمدا ] {[21044]}على البعث فكذلك أيضا لأنه إذا هرب عما نهي عنه ، وطلب لما أمر به ، فقد تبين أن يوالي من يقضي موالاته إلى ثواب الله ورحمته وأنه يعادي من يقضي عاقبة موالاته إلى نقمة الله وعذابه .

ومعلوم أنه لا يفعل ذلك إلا من يؤمن بالبعث فإنما يوالي من رجا منه منفعة الدنيا ، ويهرب عمن يضره في هذه الدنيا ، والله اعلم .

وقوله تعالى : { ومن يتول } يعني من يتول عن طاعة الله في ما أمره من الاقتداء بهم { فإن الله هو الغني الحميد } يعني { الغني } عن طاعة الخلق ليعلم أنه {[21045]} ما أمرهم به لم يأمرهم لحاجة له في طاعتهم أو لمنفعة ترجع إليه ، بل هو { الغني } عن كل ذلك . وإنما أمرهم لحاجتهم إلى ذلك ولما علم أن منافع طاعتهم ترجع إليهم خاصة .

وقوله تعالى : { الحميد } له معنيان . . . معنى الحامد ومعنى المحمود .

فإن كان المراد منه المحمود ففيه أن الله تعالى يستحق الحمد من خلقه بما أنعم عليهم .

وإن كان المراد الحامد فمعناه أن الله يحمد الخلق ، ويشكرهم حين {[21046]} يجزيهم بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال ، أو يثني عليهم بأعمالهم ، فهو حميد من هذين المعنيين .


[21043]:في الأصل و م: أن
[21044]:ساقطة من الأصل و م.
[21045]:في الأصل و م: أن
[21046]:في الأصل و م: حتى.