الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (55)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"وَعَدَ اللّهُ الّذِين آمَنُوا" بالله ورسوله "مِنْكُمْ "أيها الناس، "وَعمِلُوا الصّالِحاتِ"، يقول: وأطاعوا الله ورسوله فيما أمراه ونهياه "لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ" يقول: لَيُورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها، "كمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ"، يقول: كما فعل من قبلهم ذلك ببني إسرائيل، إذ أهلك الجبابرة بالشأم وجعلهم ملوكها وسكانها، "وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَى لَهُمْ" يقول: وليوطئنّ لهم دينهم، يعني ملتهم التي ارتضاها لهم فأمرهم بها...

قوله: "وَلَيُبَدّلَنّهُمْ":.. وليغّيرَنّ حالهم عما هي عليه من الخوف إلى الأمن، والعرب تقول: قد بُدّل فلان: إذا غيرت حاله ولم يأت مكان غيره، وكذلك كلّ مغير عن حاله فهو عندهم مبدّل (بالتشديد)...

وقوله: "يَعْبُدُونَني" يقول: يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي.

"لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئا" يقول: لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إليّ دون كلّ ما عُبد من شيء غيري. وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل شكاية بعض أصحابه إليه في بعض الأوقات التي كانوا فيها من العدوّ في خوف شديد مما هُمْ فيه من الرّعب والخوف وما يَلْقَون بسبب ذلك من الأذى والمكروه...

عن أبي العالية، قوله: "وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحات..."، قال: مكث النبيّ صلى الله عليه وسلم عَشْر سنين خائفا يدعو إلى الله سرّا وعلانية، قال: ثم أُمر بالهجرة إلى المدينة. قال: فمكث بها هو وأصحابه خائفون، يُصبحون في السلاح ويُمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تَغْبُرُونَ إلاّ يَسِيرا حتى يَجْلِسَ الرّجُلُ مِنْكُمْ فِي المَلإ العَظيمِ مُحْتَبِيا فِيهِ لَيْسَ فِيهِ حَدِيدَةٌ». فأنزل الله هذه الآية: "وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ" إلى قوله: "فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلكَ" قال: يقول: من كفر بهذه النعمة فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسقُونَ وليس يعني الكفر بالله. قال: فأظهره الله على جزيرة العرب، فآمنوا، ثم تجَبّروا، فغَيّر الله ما بهم، وكفروا بهذه النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم...

واختلف أهل التأويل في معنى الكفر الذي ذكره الله في قوله: "فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلكَ" فقال أبو العالية ما ذكرنا عنه من أنه كفر بالنعمة لا كفر بالله. ورُوى عن حُذيفة في ذلك ما:

حدثنا به ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي الشعثاء، قال: كنت جالسا مع حُذيفة وعبد الله بن مسعود، فقال حُذيفة: ذهب النفاق، وإنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو الكفر بعد الإيمان قال: فضحك عبد الله، فقال: لم تقول ذلك؟ قال: علمت ذلك، قال: "وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ..." حتى بلغ آخرها...

والذي قاله أبو العالية من التأويل أشبه بتأويل الآية، وذلك أن الله وعد الإنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية أنه منعم به عليهم، ثم قال عقيب ذلك: فمن كفر هذه النعمة بعد ذلك "فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ".

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

"ومن كفر بعد ذلك" يعني بعد الذي قصصنا عليك ووعدناهم به "فأولئك هم الفاسقون" وانما ذكر الفسق بعد الكفر مع أن الكفر أعظم من الفسق،لأحد أمرين: أحدهما -أنه أراد الخارجين في كفرهم إلى أفحشه، لأن الفسق في كل شيء هو الخروج إلى أكبره. الثاني- أراد من كفر تلك النعمة بالفساد بعدها فسق، وليس يعني الكفر بالله...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

وَعْدُ الله حقٌّ وكلامُه صدقٌ، والآية تدل على صحة الخلفاء الأربعة لأنه -بالإجماع- لم يتقدمهم في الفضيلة -إلى يومنا- أحدٌ؛ فأولئك مقطوعٌ بإمامتهم، وصدَق وعدُ الله فيهم، وهم على الدين المرضيِّ من قِبلِ الله، ولقد أَمِنُوا بعد خوفهم، وقاموا بسياسة المسلمين، والذَّبِّ عن حوزة الإسلام أحسنَ قيام. وفي الآية إشارة إلى أئمة الدين الذين هم أركان المِلَّة ودعائم الإسلام، الناصحون لعباده، الهادون مَنْ يسترشِدُ في الله..

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر، ويورّثهم الأرض، ويجعلهم فيها خلفاء، كما فعل ببني إسرائيل، حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة، وأن يمكن الدين المرتضى وهو دين الإسلام. وتمكينه: تثبيته وتوطيده، وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه...

{وَمَن كَفَرَ} يريد كفران النعمة...فإن قلت: هل في هذه الآية دليل على أمر الخلفاء الراشدين؟ قلت: أوضح دليل وأبينه؛ لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون، فقد وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات أي الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين والمالكين كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود وسليمان عليهما السلام وغيرهما، وأنه يمكن لهم دينهم وتمكينه ذلك هو أن يؤيدهم بالنصرة والإعزاز ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمنا بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم ويأمنوا بذلك شرهم، فيعبدونني آمنين لا يشركون بي شيئا ولا يخافون {ومن كفر} أي من بعد هذا الوعد وارتد {فأولئك هم الفاسقون}...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

هذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم. بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمةَ الناس والولاةَ عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبدلَنّ بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك، وله الحمد والمنة، فإنه لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مَجُوس هَجَر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية -وهو المقوقس- وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تَملَّك بعد أصْحَمة، رحمه الله وأكرمه.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

هذا من أوعاده الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام...فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئا، ولا يخافون أحدا إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وبعد استعراض أمر المنافقين، والانتهاء منه على هذا النحو.. يدعهم السياق وشأنهم، ويلتفت عنهم إلى المؤمنين المطيعين، يبين جزاء الطاعة المخلصة، والإيمان العامل، في هذه الأرض قبل يوم الحساب الأخير:

(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم؛ وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم؛ وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا. يعبدونني لا يشركون بي شيئا. ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)..

ذلك وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد [صلى الله عليه وسلم] أن يستخلفهم في الأرض. وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم. وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا.. ذلك وعد الله. ووعد الله حق. ووعد الله واقع. ولن يخلف الله وعده.. فما حقيقة ذلك الإيمان؟ وما حقيقة هذا الاستخلاف؟

إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله؛ وتوجه النشاط الإنساني كله. فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلى الله؛ لا يبتغي به صاحبه إلا وجه الله؛ وهي طاعة لله واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها هوى في النفس، ولا شهوة في القلب، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله [صلى الله عليه وسلم] من عند الله.

فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله، بخواطر نفسه، وخلجات قلبه. وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعا.. يتوجه بهذا كله إلى الله.. يتمثل هذا في قول الله سبحانه في الآية نفسها تعليلا للاستخلاف والتمكين والأمن: (يعبدونني لا يشركون بي شيئا) والشرك مداخل وألوان، والتوجه إلى غير الله بعمل أو شعور هو لون من ألوان الشرك بالله.

ذلك الإيمان منهج حياة كامل، يتضمن كل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض.. أمانة الاستخلاف..

فما حقيقة الاستخلاف في الأرض؟

إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم.. إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء؛ وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه؛ وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض، اللائق بخليقة أكرمها الله.

إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد. وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة، لا على الظلم والقهر. وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان!

وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض -كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم- ليحققوا النهج الذي أراده الله؛ ويقرروا العدل الذي أراده الله؛ ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله.. فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض، وينشرون فيها البغي والجور، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان.. فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض. إنما هم مبتلون بما هم فيه، أو مبتلى بهم غيرهم، ممن يسلطون عليهم لحكمة يقدرها الله.

آية هذا الفهم لحقيقة الاستخلاف قوله تعالى بعده: (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم).. وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها. فقد وعدهم الله إذن أن يستخلفهم في الأرض، وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض. ودينهم يأمر بالإصلاح، ويأمر بالعدل، ويأمر بالاستعلاء على شهوات الأرض. ويأمر بعمارة هذه الأرض، والانتفاع بكل ما أودعها الله من ثروة، ومن رصيد، ومن طاقة، مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله.

(وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا).. ولقد كانوا خائفين، لا يأمنون، ولا يضعون سلاحهم أبدا حتى بعد هجرة الرسول [صلى الله عليه وسلم] إلى قاعدة الإسلام الأولى بالمدينة.

قال الربيع بن أنس عن أبي العالية في هذه الآية: كان النبي [صلى الله عليه وسلم] وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وإلى عبادته وحده بلا شريك له، سرا وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال؛ حتى أمروا بعد الهجرة إلى المدينة، فقدموها، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح؛ فصبروا على ذلك ما شاء الله. ثم إن رجلا من الصحابة قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عليه وسلم -"لن تصبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ليست فيه حديدة" . وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله قبض نبيه [صلى الله عليه وسلم] فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان. حتى وقعوا فيما وقعوا فيه، فأدخل الله عليهم الخوف؛ فاتخذوا الحجزة والشرط، وغيروا فغير بهم..

(ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).. الخارجون على شرط الله. ووعد الله. وعهد الله..

لقد تحقق وعد الله مرة. وظل متحققا وواقعا ما قام المسلمون على شرط الله: (يعبدونني لا يشركون بي شيئا).. لا من الآلهة ولا من الشهوات. ويؤمنون- من الإيمان -ويعملون صالحا. ووعد الله مذخور لكل من يقوم على الشرط من هذه الأمة إلى يوم القيامة. إنما يبطى ء النصر والاستخلاف والتمكين والأمن. لتخلف شرط الله في جانب من جوانبه الفسيحة؛ أو في تكليف من تكاليفه الضخمة؛ حتى إذا انتفعت الأمة بالبلاء، وجازت الابتلاء، وخافت فطلبت الأمن، وذلت فطلبت العزة، وتخلفت فطلبت الاستخلاف.. كل ذلك بوسائله التي أرادها الله، وبشروطه التي قررها الله.. تحقق وعد الله الذي لا يتخلف، ولا تقف في طريقه قوة من قوى الأرض جميعا.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والاستخلاف: جعلهم خلفاء، أي عن الله في تدبير شؤون عباده...وتعليق فعل الاستخلاف بمجموع الذين آمنوا وعملوا الصالحات وإن كان تدبير شؤون الأمة منوطاً بولاة الأمور لا بمجموع الأمة من حيث إن لمجموع الأمة انتفاعاً بذلك وإعانة عليه كل بحسب مقامه في المجتمع...ولهذا فالوجه أن المراد من الأرض جميعُها، وأن الظرفية المدلولة بحرف (في) ظاهرة في جزء من الأرض وهو موطن حكومة الأمة وحيث تنال أحكامُها سكانه. والأصل في الظرفية عدم استيعاب المظروف الظرف كقوله تعالى: {واستعمركم فيها} [هود: 61]. وإنما صيغ الكلام في هذا النظم ولم يقتصر على قوله: {ليستخلفنهم} دون تقييد بقوله: {في الأرض} ل {ليستخلفنهم} للإيماء إلى أن الاستخلاف يحصل في معظم الأرض. وذلك يقبل الامتداد والانقباض كما كان الحال يوم خروج بلاد الأندلس من حكم الإسلام. ولكن حرمة الأمة واتقاء بأسها ينتشر في المعمورة كلها بحيث يخافهم من عداهم من الأمم في الأرض التي لم تدخل تحت حكمهم ويسعون الجهد في مرضاتهم ومسالمتهم.

أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للشنقيطي 1393 هـ :

والآيات تدلّ على أن طاعة اللَّه بالإيمان به، والعلم الصالح سبب للقوّة والاستخلاف في الأرض ونفوذ الكلمة...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ} اللام تنبئ عن قسم مضمر في القول، فالله وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بسبب إيمانهم، وعلمهم الصالح في الطاعات والمعاملات الإنسانية وعدهم سبحانه بأن يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من بعد نوح كعاد، وغيرهم خلفاء مسيطرين على ما في الأرض، وقد أكد سبحانه وتعالى وعده بالقسم، وبنون التوكيد الثقيلة، وبالمشابهة بينهم، وبين من سبقوهم ممن جعلهم خلفاء في الأرض. وإن ذلك تبشير للمؤمنين الذين آمنوا واتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم في جهاده، وهو ماض إلى يوم القيامة، وليست الخلافة هي خلافة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها خلافة الله في الأرض بمقتضى الفطرة الإنسانية التي قال تعالى فيها: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ... (30)} [البقرة]، فهي السلطان في الأرض بمقتضى التمكين الإلهي... وإن استخلافهم في الأرض كان معه أمور أعزتهم وأعلتهم، ذكرها سبحانه في قوله تعالى: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمّْ} وهذا هو الأمر الأول...والثاني بينه سبحانه وتعالى بقوله: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}، أي يجعل الله تعالى من بعد الخوف المستمر من المشركين آمنا دائما مستقرا، وكان التنكير لبيان عظيم الأمن، وإنه أمن مستقر ثابت... {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}، أي يعبدونني وحدي في عامة أمورهم، لا يشركون بي شيئا في عبادة ولا طاعة ولا عمل...فإن استمروا على ذلك استمر لهم السلطان في الأرض.

{وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، أي من كفر وخالف وعصى الله بعد التمكين والأمن والاستقرار {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، أي الخارجون الجائرون البائرون فلا يكون كفرهم مجرد جحود، بل هو الضياع لا محالة...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} فمن فعل ذلك كان أهلا للخلافة عن الله، إنها معركة ابتلاءات وتمحيص تبين الغث من السمين، ألا ترى المسلمين الأوائل كيف كانوا يعذبون ويضطهدون، ولا يجرؤ أحد على حمايتهم حتى اضطروا للهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة...والوعد: بشارة بخير لم يأت زمنه بعد، حتى يستعد الناس بالوسيلة له، وضده الوعيد أو الإنذار بشر أو الإنذار بشر لم يأت زمنه بعد، لتكون هناك فرصة للاحتياط وتلافى الوقوع في أسبابه.وما دام الوعد من الله تعالى فهو صدق...فبماذا وعد الله الذين آمنوا؟ {ليستخلفنهم في الأرض} وهذه ليست جديدة، فقد سبقهم أسلافهم الأوائل {كما استخلف الذين من قبلهم}، فاستخلاف الذين آمنوا ليس بدعا، إنما هو أمر مشاهد في مواكب الرسل والنبوة ومشاهد في المسلمين الأوائل من الصحابة الذين أوذوا وعذبوا واضطهدوا وأخرجوا من ديارهم وأولادهم وأموالهم ولم يؤمروا برد العدوان...

لكن، ما المراد بالأرض في {ليستخلفنهم في الأرض}؟ إذا جاءت الأرض هكذا مفردة غير مضافة لشيء فتعني كل الأرض...

ثم يقول تعالى: {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} ففوق الاستخلاف في الأرض يمكن الله لهم الدين، ومعنى تمكين الدين: سيطرته على حركة الحياة، فلا يصدر من أمور الحياة أمر إلا في ضوئه وعلى هديه، لا يكون دينا معطلا كما نعطله نحن اليوم، تمكين الدين يعني توظيفه وقيامه بدوره في حركة الحياة تنظيما وصيانة. وقوله سبحانه: {وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} وهم الذين قالوا: نبيت في السلاح، ونصبح في السلاح، فيبدلهم الله بعد هذا الخوف أمنا، فإذا ما حدث ذلك فعليهم أن يحافظوا على الخلافة هذه، وأن يقوموا بحقها {يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرض} فيجعل لهم القوّة والسيطرة والخلافة، بحيث يصبحون الأمناء على إدارة شؤون الأرض التي يسيطرون عليها {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم السابقة التي عاشت الاضطهاد والقهر والإذلال، ولكن الله جعلها في موقع الانتصار والقوّة، فاستطاعت تكوين مجتمعاتها الصالحة، كما حدّثنا الله عن بعض هؤلاء في قوله تعالى: {وَمَا لنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ *وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أرضنا أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين} [إبراهيم: 12-13] وبذلك تكون الإشارة إلى القوم الصالحين الذين سبقوهم من أتباع الأنبياء...

{وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارْتَضَى لَهُمْ} وذلك بانتشاره بين الناس، بحيث يتحوّل إلى مركز قوّة في الساحة الفكرية والعملية، لكثرة المنتسبين إليه، والداعين إلى اعتناقه، والمتحركين من خلال مفاهيمه، والدارسين له، والحاكمين باسمه...وإننا نعتقد أن الآية جاءت من أجل أن تثير في نفوس المسلمين الثقة الكبيرة بالله وبأنفسهم، وتكشف لهم الغيب الإلهيّ الذي يتحرك من سنن الله في الكون، في ما يمنحهم الله من لطفه وفي ما يأخذ به الناس من أسباب النصر، في الدعوة والحركة والجهاد، في كل ما تحتاجه الحياة من عناصر القوّة للرسالة وللإنسان، كي لا يتساقطوا تحت تأثير الضغوط الصعبة التي تطبق عليهم وتحيط بهم من كل جانب، وكي لا يضعفوا أمام نوازع الضعف الكامنة فيهم، ليستمروا في التحرك، وليتابعوا المسيرة بقوّةٍ وجدٍّ وإخلاص..

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} (55)

قوله تعالى : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ويبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ( 55 ) } روي في سبب نزول هذه الآية أن بعض أصحاب النبي ( ص ) شكا إليه ما هم فيه من العدو ، وتضييقه عليهم ، وشدة الخوف وما يلقون من الأذى ، فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم فأنجزه الله وملكهم ما وعدهم وأظهرهم على عدوهم .

وروى أبو العالية قال : مكث النبي ( ص ) عشر سنين خائفا يدعو إلى الله سرا وجهرا ثم أمر بالهجرة إلى المدينة ، فمكث بها وأصحابه خائفين يصبحون في السلاح ويمسون . فقال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح ؟ ! فقال النبي ( ص ) : معناها : لا تعبرون ( لا تلبثون ) إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس بيده حديدة{[3283]} .

وهذه الآية من الله قول صدق ووعد حق ، وعد به رسوله ( ص ) بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض ليكونوا أئمة الناس . فلا جرم أن تصلح بهم الدنيا ويستقيم الناس بشرعهم وملتهم ليعيشوا سالمين آمنين كراما في حياتهم الدنيا . وقد أنجز الله لرسوله الكريم ( ص ) ما وعده ؛ فإنه لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن . ولقد هاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر المقوقس . وكذلك النجاشي ملك الحبشة . ولما مات ( ص ) وقام بالأمر بعده خليفتاه أبو بكر ثم عمر بن الخطاب اللذان جمعا شمل المسلمين من حول عقيدة الإسلام وبعثا جيوش المسلمين إلى فتح البلاد في فارس بقيادة أبطال صناديد من قادة المسلمين وعلى رأسهم أسد الله وأسد رسوله ، خالد بن الوليد . وبعثا جيشا يقوده نفر من عظماء الإسلام الأشاوش وفي طليعتهم أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح . ففتحوا الديار والأمصار ، وأشاعوا فيها رسالة الإسلام ، وعمت البلاد الهداية والخير والبركة .

ثم تولى من بعدهما عثمان بن عفان ، هذا الصحابي المفضال المبجّل ، الذي قتل مظلوما في نفسه رحمه الله . ثم جاء من بعده علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله ( ص ) وصهره . هذا الصحابي النابغ الهصور ، الذي تتجلى فيه خصائص فذة من العلم والنبوغ والبلاغة والورع والشجاعة والفطانة . هذا الصحابي الذي انبرى لنشر الإسلام في الآفاق حتى غلبه القدر المحتوم يوم أن تمالأ عليه الحاقدون الخائنون الذين كادوا له بليل فدفعوا إليه من يقتله غيلة وغدرا فخرّ شهيدا مكرّما ، عليه من الله الرحمة والرضوان .

وفي فضل الأربعة هؤلاء أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن سفينة مولى رسول الله ( ص ) أن رسول الله قال : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا عضوضا " .

ومن الحق الذي لا مراء فيه أن خلافة الراشدين الأربعة كانت خير فترة من الزمان سجلها تاريخ الإنسانية ومرت بها الأجيال من البشر ، بما تجلى فيها من بالغ العدل والتُّقى والرحمة ، وكامل الفضل والطهر والاستقامة والأمان ، فضلا عما تحقق في أشخاص ذلك الجيل الفريد من عجائب القيم والمثاليات المثيرة المذهلة . والحديث عن طهر الخلفاء الأربعة الراشدين وعن زهدهم وبالغ إخلاصهم وتجردهم من حظوظ الدنيا يطول . وكفى شاهدا على ذلك قول الرسول ( ص ) : " خير القرون قرني " .

أما الخلفاء والولاة من بعد الراشدين الأربعة فقد أبلوا عظيم البلاء في نشر الإسلام وترسيخ قواعده وأركانه وتثبيت حضارته وبنيانه الشامخ في أنحاء الدنيا ، بالرغم مما قيل في حقهم من بعض القوادح المنسوبة إليهم .

فهم كغيرهم من البشر لا ينجون من الزلل أو القوادح أو الخطل ؛ لأنهم أناس من جنس البشر لا تصدهم عن الأخطاء والزلات عِصْمة . ومع ذلك فإن زلاتهم بالغة الهوان بالنظر إلى ما تثيره حول أشخاصهم وعن سيرتهم أقلام الحاقدين والمتربصين الذين يكرهون الإسلام . أولئك الأفاكون الخراصون الذين زيفوا التاريخ من حول الإسلام وأشاعوا عنه وعن رجاله من الحكام والولاة والخلفاء ما هم منه برآء . كالذي قيل افتراء وزورا عن الخليفة العظيم هارون الرشيد وغيره من ساسة المسلمين .

وكيفما يكن الأمر فإن هؤلاء الساسة الميامين قد نشروا الإسلام في الأرض وحملوا لواء الحق والعدل والعلم في ربوع العالمين ، وأشاعوا بين العباد كل ظواهر الأمن والرخاء والاستقرار ، وأحلوا شعوبهم وأممهم دار الكرامة والمجد والإحساس بالعزة والاستعلاء والثقة ، فكانوا سادة الدنيا وكانوا أقوياء أشداء يهابهم الظالمون من حولهم ، وترتعد من بأسهم وسلطانهم وعظيم شوكتهم فرائص المجرمين الماكرين الذين يكرهون الإسلام والمسلمين .

إن ما حُسب على الخلفاء من بني أمية والعباس والذين جاءوا من بعدهم ، من الأخطاء والزلات ، ما ينبغي إلا أن تنمحي من الذاكرة كليا كلما ذكرنا صنائع هؤلاء الولاة الأعاظم من الفتوحات وبناء الحضارات الهائلة التي تفيض بالعلم والاستقرار والبحبوحة والاستقرار والعزة والمهابة لأمة الإسلام .

على أن هذا الوعد من الله بالنصر والتمكين والتأييد إنما هو لجميع المسلمين في كل زمان ؛ لأن الآية عامة لأمة محمد ( ص ) ، غير مخصوصة ؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بالخبر الصحيح . ومن الأصل التمسك بالعموم ما لم يرد ما يخصصه .

وعلى هذا فإن وعد الله قائم لا يُخلف ؛ فقد وعد عباده المؤمنين بالنصر والتمكين في الأرض ليكونوا آمنين سالمين سعداء إذا ما آمنوا وعملوا الصالحات وقاموا بفعل الطاعات ، وبمجانبة المعاصي ، والتزموا دين الإسلام بكل أحكامه وشرائعه ونظمه وما يقتضيه ذلك من جمع الكلمة ووحدة القلوب ؛ ليكون المسلمون جميعا متعاونين متراحمين متوادين فيما بينهم . وحينئذ يجعل الله لهم العزة والمنعة والسلطان . وهو قوله : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) ( كما ) ، الكاف في محل نصب على المصدر ؛ أي استخلافا كما استخلف الذين . والمراد كل من استخلفهم الله في الأرض من الأمم السابقة وجعل لهم المنعة والعزة .

قوله : ( وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) المراد بدينهم هنا ، الإسلام . وهو دين الحق الذي ارتضاه الله للبشرية لتهتدي بهديه ، وليكون لها نورا ينير لها الطريق ، ويبدد من أمامها الظلمات ؛ فلسوف يجعل الله الإسلام مكينا منيعا ظاهرا على كل الشرائع والملل .

قوله : ( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) أي يجعلهم الله آمنين مطمئنين بعد أن كانوا خائفين وجلين من أعداء الله المجرمين . كذلك كانت حال المسلمين قبل هجرتهم من مكة وبعدها بقليل . كانت تحيط بهم أسباب الخوف والذعر . وكان الأعداء الظالمون يحيطون بهم من كل جانب حتى منّ الله عليهم عقب ذلك بالنصر والأمن والتمكين في الأرض ، فجعلهم آمنين سالمين لا يخشون أحدا إلا الله . بعد أن أذل الله المشركين والظالمين والمتربصين ، وساقهم الهوان والخزي . وهو مصير المجرمين من أعداء الله والدين ، أعداء المسلمين في كل زمان ومكان . لسوف يسومهم الله الوبال والمهانة والقهر جزاء أفاعليهم النكراء وجرائمهم البشعة في حق المسلمين . وذلك بعد أن يفيق المسلمون من غفلتهم وينهضوا من كبوتهم فيعاودوا الاستمساك بعقيدة الإسلام والالتفاف من حول هذا الدين الكريم ليجعل الله لهم النصر والمنعة والاستعلاء . وحينئذ تكون لهم الريادة والسيادة على العالمين فينطلقون في أرجاء الأرض مبشرين بدين الله الحق ، حاملين ألوية الهداية والرحمة للبشرية .

قوله : ( يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) ( يعبدونني ) ، جملة فعلية في محل نصب على الحال{[3284]} ؛ أي يذعنون لي بالطاعة والخضوع ويستسلمون لما أمرتهم به ، ولا يعبدون أحدا من دوني يتخذونهم شركاء كالأرباب المزيفة المصطنعة .

قوله : ( ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) ( كفر ) هنا من الكفران وهو جحود النعمة ؛ أي من جحد ما أنعمه الله عليه فهو من العصاة الجاحدين لنعم الله . ومن عظائم نعم الله : تمكين المسلمين في الأرض ليكونوا أقوياء أولي مهابة وشوكة وسلطان .

والمسلمون باقون على حالهم من القوة والبأس وظهور الشوكة ماداموا معتصمين بحبل الله ، ساربين في طريق الحق والعدل ، سائرين على منهج الله . المنهج الكامل الشامل السديد وهو الإسلام . حتى إذا ضل المسلمون عن دينهم أو زاغوا عن منهج الله واستعاضوا عنه بشرائع الكفر والكافرين وانفتلوا عن صراط ربهم انفتالا أفضى بهم من الفسق والعصيان واتباع الأهواء والشهوات والملذات وركنوا إلى الدنيا بزينتها ومتاعها وزخرفها ، حينئذ ينساهم الله ويدعهم وشأنهم ، فما يصيرون بعد ذلك إلا إلى التخلخل والخور والانهيار لتتقطع أوصالهم ، وتنتقض عرى الوحدة والأخوة فيهم ، فيبيتون عرضة لتكالب المشركين والظالمين عليهم ؛ إذ ينقضون عليهم انقضاضا من كل جانب ليقتلوهم تقتيلا ويمزقوهم شر تمزيق وليقطعوهم شذر مذر ، وليستبيحوا كل حرماتهم ، فيجوسوا خلال ديارهم فلا يراعوا فيهم إلا ولا ذمة . كالذي حل بالمسلمين في كثير من بقاع الأرض مثل : الأندلس وفلسطين وكشمير وبلاد البوسنة وغير ذلك من بلاد المسلمين التي عاث فيها المجرمون الظالمون تقتيلا وتدميرا وتخريبا .

ومع كل هذه المآسي والويلات والعظائم المريعة التي نزلت بساحة المسلمين ، فما زالت طائفة من المسلمين تعمل في جد ويقظة وحرص ؛ لإظهار شأن الإسلام وإعادة مجده وعزه وسلطانه ، لا يصدها عن هذا المسعى بأس عدو ولا فتنة ظالم متربص . وهم ماضون لأمر الله في ثبات وعزم ويقين بالرغم من كل المؤامرات والمكائد التي يخطط لها الظالمون من الصليبيين والوثنيين والملحدين والاستعماريين والصهيونيين ، حتى يحكم الله لأوليائه الثابتين الصابرين بالنصر والغلبة . وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ( ص ) أنه قال : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة " {[3285]} .


[3283]:- أحكام القرآن لابن العربي جـ 3 ص 1380.
[3284]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 199.
[3285]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 302 وتفسير الرازي جـ 24 ص 26 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 3 ص 1382- 1383.