الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (164)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{إن في خلق السماوات والأرض}: وذلك أن كفار مكة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتنا بآية، اجعل لنا الصفا ذهبا، فقال الله سبحانه: {إن في خلق السماوات والأرض} {واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري}: السفن التي {في البحر بما ينفع الناس}: في معايشهم. {وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به}: بالماء {الأرض بعد موتها} يبسها. {وبث فيها}: يعني وبسط. {من كل دابة وتصريف الرياح}: في العذاب والرحمة.

{والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون}: فيما ذكر من صنعه فيوحدوه.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛

فقال بعضهم: أنزلها عليه احتجاجا له على أهل الشرك به من عبدة الأوثان، وذلك أن الله تعالى ذكره لما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"وإلهُكُمْ إلهٌ وَاحِدٌ لا إلهَ إلاّ هُوَ الرّحْمَنُ الرّحِيمُ" فتلا ذلك على أصحابه، وسمع به المشركون من عبدة الأوثان، قال المشركون: وما الحجة والبرهان على أن ذلك كذلك، ونحن ننكر ذلك، ونحن نزعم أن لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله عند ذلك: "إنّ في خَلْق السّمَوات وَالأرْض... "احتجاجا لنبيه صلى الله عليه وسلم على الذين قالوا ما ذكرنا عنهم.

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه وسلم من أجل أن أهل الشرك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم (آيةً)، فأنزل الله هذه الآية يعلمهم فيها أن لهم في خلق السمَوات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك آية بينة على وحدانية الله، وأنه لا شريك له في ملكه لمن عقل وتدبر ذلك بفهم صحيح.

والصواب من القول في ذلك، أن الله تعالى ذكره نبه عباده على الدلالة على وحدانيته وتفرّده بالألوهية دون كل ما سواه من الأشياء بهذه الآية. وجائز أن تكون نزلت فيما [قيل]، ولا خبر عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذر فيجوز أن يقضي أحد لأحد الفريقين بصحة قول على الآخر. وأيّ القولين كان صحيحا فالمراد من الآية ما قلت.

"إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ والأرْضِ": إن في إنشاء السمَوات والأرض وابتداعهما. ومعنى خلق الله الأشياء: ابتداعه وإيجاده إياها بعد أن لم تكن موجودة.

وقد دللنا فيما مضى على المعنى الذي من أجله قيل «الأرض» ولم تجمع كما جمعت السموات، فأغنى ذلك عن إعادته.

فإن قال لنا قائل: وهل للسموات والأرض خلق هو غيرها فيقال: إن في خلق السموات والأرض؟ قيل: قد اختلف في ذلك، فقال بعض الناس: لها خلق هو غيرها، واعتلوا في ذلك بهذه الآية، وبالتي في سورة الكهف: "مَا أشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلاَ خَلْقَ أنْفُسِهِمْ" وقالوا: لم يخلق الله شيئا إلا والله له مريد. قالوا: فالأشياء كانت بإرادة الله، والإرادة خلقٌ لها.

وقال آخرون: خلق الشيء صفة له، لا هي هو ولا غيره. قالوا: لو كان غيره لوجب أن يكون مثله موصوفا. قالوا: ولو جاز أن يكون خلقه غيره وأن يكون موصوفا لوجب أن تكون له صفة هي له خلق، ولو وجب ذلك كذلك لم يكن لذلك نهاية. قالوا: فكان معلوما بذلك أنه صفة للشيء. قالوا: فخلق السمَوات والأرض صفة لهما على ما وصفنا. واعتلوا أيضا بأن للشيء خلقا ليس هو به من كتاب الله بنحو الذي اعتلّ به الأوّلون.

وقال آخرون: خلق السمَوات والأرض وخلق كل مخلوق، هو ذلك الشيء بعينه لا غيره.

فمعنى قوله: "إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ": إن في السموات والأرض.

"وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ": وتعاقب الليل والنهار عليكم أيها الناس. وإنما الاختلاف في هذا الموضع الافتعال من خُلوف كل واحد منهما الآخر، كما قال تعالى ذكره: "وَهُوَ الّذِي جَعَلَ اللّيْلَ وَالنّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أرَادَ أنْ يَذّكّرَ أوْ أرَادَ شُكُورا" بمعنى: أن كل واحد منهما يخلف مكان صاحبه، إذا ذهب الليل جاء النهار بعده، وإذا ذهب النهار جاء الليل خلفه ومن ذلك قيل: خلف فلان فلانا في أهله بسوء.

وأما الليل: فإنه جمع ليلة. وأما النهار فإن العرب لا تكاد تجمعه لأنه بمنزلة الضوء.

"وَالفُلْكِ الّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النّاسَ": إن في الفلك التي تجري في البحر. والفلك هو السفن، واحده وجمعه بلفظ واحد، ويذكر ويؤنث، كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آية أخرى: "وآيَةٌ لَهُمْ أنّا حَمَلْنَا ذُرّيّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُون فذكره"، وقد قال في هذه الآية: "وَالفُلْكِ الّتي تَجْرِي فِي البَحْرِ" وهي مُجراة، لأنها إذا أجريت فهي الجارية، فأضيف إليها من الصفة ما هو لها.

"بِمَا يَنْفَعُ النّاسَ": ينفع الناس في البحر.

"وَما أنْزَلَ الّلهُ مِنَ السماءِ مِنْ ماءٍ فأحيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتها": وفيما أنزله الله من السماء من ماء، وهو المطر الذي ينزله الله من السماء.

"فَأحيْا بِهِ الأرْضَ بَعَدْ مَوْتِها": وإحياؤها: عمارتها وإخراج نباتها، والهاء التي في «به» عائدة على الماء، والهاء والألف في قوله: "بَعْدَ مَوْتها" على الأرض، وموت الأرض: خرابها ودثور عمارتها، وانقطاع نباتها الذي هو للعباد أقوات وللأنام أرزاق.

"وَبَثّ فِيها مِنْ كُلّ دابّة": وإن فيما بثّ في الأرض من دابة. ومعنى قوله: "وبَثّ فِيها": وفرّق فيها. والهاء والألف في قوله: «فِيها» عائدتان على الأرض. والدابة: الفاعلة من قول القائل دبت الدابة تدبّ دبيبا فهي دابة، والدابة اسم لكل ذي روح كان غير طائر بجناحيه لدبيبه على الأرض.

"وَتَصرِيف الرّياحِ": وفي تصريفه الرياح...وتصريف الله إياها: أن يرسلها مرة لواقح، ومرة يجعلها عقيما، ويبعثها عذابا تدمر كل شيء بأمر ربها. وزعم بعض أهل العربية أن معنى قوله: "وَتَصْرِيفِ الرّياحِ": أنها تأتي مرّة جنوبا وشمالاً وقَبُولاً ودَبُورا ثم قال: وذلك تصريفها. وهذه الصفة التي وصف الرياح بها صفة تصرّفها لا صفة تصريفها، لأن تصريفها تصريف الله لها، وتصرّفها اختلاف هبوبها. وقد يجوز أن يكون معنى قوله: "وَتَصَرْيفِ الرّياحِ": تصريف الله تعالى ذكره هبوب الرياح باختلاف مهابّها.

"وَالسّحابِ المُسّخّرِ وَبَيْنَ السّماءِ والأْرضِ لآيات لِقَوْمٍ يْعَقِلُونَ": وفي السحاب جمع سحابة... وإنما قيل للسحاب سحاب -إن شاء الله- لجرّ بعضه بعضا وسحبه إياه... فأما معنى قوله: "لآيات":فإنه علامات ودلالات على أن خالق ذلك كله ومنشئه إله واحد. "لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" لمن عقل مواضع الحجج وفهم عن الله أدلته على وحدانيته.

فأعلم تعالى ذكره عباده بأن الأدلة والحجج إنما وضعت معتبرا لذوي العقول والتمييز دون غيرهم من الخلق، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهي، والمكلفين بالطاعة والعبادة، ولهم الثواب وعليهم العقاب.

فإن قال قائل: وكيف احتجّ على أهل الكفر بقوله: "إنّ فِي خَلْق السّمَوَات والأرْضِ وَاخْتِلاف اللّيْلِ وَالنّهاِر..." في توحيد الله، وقد علمت أن أصنافا من أصناف الكفرة تدفع أن تكون السموات والأرض وسائر ما ذكر في هذه الآية مخلوقة؟.

قيل: إن إنكار من أنكر ذلك غير دافع أن يكون جميع ما ذكر تعالى ذكره في هذه الآية دليلاً على خالقه وصانعه، وأن له مدبرا لا يشبهه شيء، وبارئا لا مثل له. وذلك وإن كان كذلك، فإن الله إنما حاجّ بذلك قوما كانوا مقرّين بأن الله خالقهم، غير أنهم يشركون في عبادته عبادة الأصنام والأوثان فحاجّهم تعالى ذكره فقال إذ أنكروا قوله: "وَإلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ" وزعموا أن له شركاء من الاَلهة: إن إلهكم الذي خلق السموات، وأجرى فيها الشمس والقمر لكم بأرزاقكم دائبين في سيرهما، وذلك هو معنى اختلاف الليل والنهار في الشمس والقمر، وذلك هو معنى قوله: "وَالفُلْكِ الّتِي تَجْرِي في البَحْر بمَا يَنْفَعُ النّاسَ" وأنزل إليكم الغيث من السماء، فأخصب به جَنَابكم بعد جدوبه، وأمرعه بعد دثوره، فنَعَشكم به بعد قنوطكم، وذلك هو معنى قوله: "وَما أنْزَلَ اللّهُ مِنَ السّماءِ مِنْ ماءٍ فأحيْا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتها". وسخر لكم الأنعام فيها لكم مطاعم ومآكل، ومنها جمال ومراكب، ومنها أثاث وملابس، وذلك هو معنى قوله: "وَبَثّ فِيها مِنْ كُلّ دابّةٍ". وأرسل لكم الرياح لواقح لأشجار ثماركم وغذائكم وأقواتكم، وسير لكم السحاب الذي بوَدْقه حياتكم وحياة نَعَمكم ومواشيكم وذلك هو معنى قوله: "وَتَصْرِيفِ الرّياحِ وَالسّحابِ المُسَخّر بَيْنَ السّماءِ والأرْضِ".

فأخبرهم أن إلههم هو الله الذي أنعم عليهم بهذه النعم، وتفرّد لهم بها. ثم قال: هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ فتشركوه في عبادتكم إياي، وتجعلوه لي ندّا وعِدلاً؟ فإن لم يكن من شركائكم من يفعل ذلكم من شيء، ففي الذي عددت عليكم من نعمتي وتفرّدت لكم بأياديّ دلالات لكم إن كنتم تعقلون مواقع الحق والباطل والجور والإنصاف، وذلك أني لكم بالإحسان إليكم متفرّد دون غيري، وأنتم تجعلون لي في عبادتكم إياي أندادا. فهذا هو معنى الآية.

والذين ذُكّروا بهذه الآية واحتجّ عليهم بها هم القوم الذين وصفت صفتهم دون المعطلة والدهرية، وإن كان في أصغر ما عدّ الله في هذه الآية من الحجج البالغة، المُقْنَعُ لجميع الأنام، تركنا البيان عنه كراهة إطالة الكتاب بذكره.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار). خلق السماوات، وجعل فيها منافع، للخلق، ثم جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بعد ما بينهما، إذ لا منفعة للخلق في منافع إحداهما إلا باتصال منافع الأخرى بها من نحو ما جعل من معرفة الطرق في الأرض بالكواكب وإنضاج الأعناب والثمار وينعها بالشمس والقمر، وجعل إحياء الأرض وإخراج ما فيها من النبات من المأكول والمشروب والملبوس بالأمطار، فدل اتصال منافع أحدهما بالآخر وتعلقها به على أن منشئها واحد لأنه لو كان من اثنين لكان إذا قطع هذا وصل الآخر، وإذ وصل هذا قطع الآخر، فإذا لم يكن، ولكنه اتصل، دل أنه فعل واحد، فهو ينقض على الثنوية والزنادقة قولهم، وكذلك يدل اختلاف الليل والنهار على أن خالقهما واحد، لأنه لو كان من اثنين لكان إذا أتى هذا بالليل منع الآخر بالنهار، وإذا أتى أحدهما بالنهار منع الآخر بالليل، وفيه ذهاب عيش الخلق، وفي ذهابه تفانيهم وفسادهم، فدل أنه واحد...

والثاني: أنه جعل للخلق في الليل والنهار منافع، وجعل بعضها متصلة ببعض متعلقة مع تضادهما كقوله: (ومن رحمته، جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) [القصص: 73] فدل اتصال منافع أحدهما بالآخر مع اختلافهما وتضادهما أن محدثهما واحد.

والثالث: فيه دلالة حدث العالم لما ذكرنا من تغييرها وزوالها من حال إلى حال، فدل تغيرها وزوالها على أنها حدث، ودل أن جهل هذه الأشياء بابتدائها وعجزها على قدرة مثلها على أن لهما [محدثا، وأن] كل واحد منهما؛ أعني الليل والنهار، يصير بمجيء الآخر مغلوبا، فلو أن كان ثم لغير فيه تدبير، لما احتمل أن يصير مغلوبا بعد ما كان غالبا، فدل أن لهما محدثا، وأنه واحد.

[والرابع: فيه] دلالة البعث والحياة بعد الموت لأن الليل يأتي على النهار فيتلفه، ويذهب به حتى لا يبقى من أثر [النهار شيء، وكذلك النهار يأتي على الليل فيتلفه حتى لا يبقى من] الليل شيء، ثم وجد بعد ذلك كل واحد منهما على ما وجد في البداء من غير نقصان ولا تفاوت؛ فدل أنه قادر على إنشاء ما أماته، وأتلفه، وإن لم يبق له أثر على ما قدر من إيجاد ما أتلف وإنشاء ما أذهب من الليل بالنهار ومن النهار بالليل، وإن لم يبق له أثر.

{واختلاف الليل والنهار}؛ قيل: اختلافهما لما جعل أحدهما مظلما والآخر مضيئا، وقيل: اختلافهما لنقصانهما وزيادتهما، إذ ما ينتقص من أحدهما يزداد في الآخر، فدل انتقاصهما وزيادتهما على أن منشئهما واحد؛ لأنه لو كان من اثنين لمنع كل واحد منهما صاحبه من الزيادة والنقصان، وبالله التوفيق، ولتغير التدبير، ولا يجري كل عام الأمر فيه على ما جرى عليه في العام الأول.

{والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس}؛ ... ثم فيه أعجوبة؛ وهي أن الطباع تنفر من معافجة البحر بالاطلاع على أمواجه وأهواله، وأراهم من عظم آياته ما يجريه في البحر على الحفظ والأمر الواقع لهم، فدل أنه من عند قادر لطيف خبير. وفيه أيضا دلالة وحدانيته؛ وذلك أن أهل البر لهم الانتفاع بأهل البحر، ولأهل البحر الانتفاع بأهل البر على بعد ما بينهما وتضادهما، فدل أن محدثهما واحد. ثم فيه دلالة إباحة التجارات مع الخطرات على احتمال المشقات وتحمل المؤونات. وفي ذلك دلالة النبوة لأن يعلم أن اتخاذ السفن وما فيه من المنافع لا يقوم له تدبير البشر؛ ثبت أنه علم ذلك بمن علم جواهر الأشياء، وما يصلح الأشياء وما لا يصلح، وفي الحاجة إلى ذلك إيجاب القول بالرسالة للبشر.

وقوله: {وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض} فيه دلالة فضل العلوي على السفلي لأن ما ينزل من السماء من الماء ينزل عذبا، وما يخرج من الأرض يخرج مختلفا، منه ما هو عذب، ومنه ما هو أجاج، وما هو مر، فدل دلالة فضل العلوي على السفلي.

وقوله: {فأحيا به الأرض بعد موتها}... فيه دلالة البعث...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

و {تصريف الرياح} إرسالها عقيماً وملقحة وصراً ونصراً وهلاكاً، ومنه إرسالها جنوباً وشمالاً وغير ذلك، و {الرياح} جمع ريح، وجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله تعالى {وجرين بهم بريح طيبة} [يونس: 22]، وهذا أغلب وقوعها في الكلام...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

...

...

...

المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أنه لا بد من الاستدلال على وجود الصانع بالدلائل العقلية وأن التقليد ليس طريقا البتة إلى تحصيل هذا الغرض...

وعندي فيه وجه ثالث، وهو أن الليل والنهار كما يختلفان بالطول والقصر في الأزمنة، فهما يختلفان بالأمكنة، فإن عند من يقول: الأرض كرة فكل ساعة عينتها فتلك الساعة في موضع من الأرض صبح، وفي موضع آخر ظهر، وفي موضع ثالث عصر، وفي رابع مغرب، وفي خامس عشاء وهلم جرا هذا إذا اعتبرنا البلاد المخالفة في الأطوال، أما البلاد المختلفة بالعرض، فكل بلد تكون عرضه الشمالي أكثر كانت أيامه الصيفية أطول ولياليه الصيفية أقصر وأيامه الشتوية بالضد من ذلك فهذه الأحوال المختلفة في الأيام والليالي بحسب اختلاف أطوال البلدان وعرضها أمر مختلف عجيب...

أما قوله: {فأحيا به الأرض بعد موتها} فاعلم أن هذه الحياة من جهات.

(أحدها): ظهور النبات الذي هو الكلأ والعشب وما شاكلهما، مما لولاه لما عاشت دواب الأرض.

(وثانيها): أنه لولاه لما حصلت الأقوات للعباد.

(وثالثها): أنه تعالى ينبت كل شيء بقدر الحاجة، لأنه تعالى ضمن أرزاق الحيوانات، بقوله: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}

(ورابعها): أنه يوجد فيه من الألوان والطعوم والروائح وما يصلح للملابس، لأن ذلك كله مما لا يقدر عليه إلا الله.

(وخامسها): يحصل للأرض بسبب النبات حسن ونضرة ورواء ورونق فذلك هو الحياة.

واعلم أن وصفه تعالى ذلك بالإحياء بعد الموت مجاز، لأن الحياة لا تصح إلا على من يدرك ويصح أن يعلم، وكذلك الموت، إلا أن الجسم إذا صار حيا حصل فيه أنواع من الحسن والنضرة والبهاء، والنشور والنماء، فأطلق لفظ الحياة على حصول هذه الأشياء، وهذا من فصيح الكلام الذي على اختصاره يجمع المعاني الكثيرة

واعلم أن النعم على قسمين نعم دنيوية ونعم دينية، وهذه الأمور الثمانية التي عدها الله تعالى نعم دنيوية في الظاهر، فإذا تفكر العاقل فيها واستدل بها على معرفة الصانع صارت نعما دينية لكن الانتفاع بها من حيث إنها نعم دنيوية لا يكمل إلا عند سلامة الحواس وصحة المزاج فكذا الانتفاع بها من حيث إنها نعم دينية لا يكمل إلا عند سلامة العقول وانفتاح بصر الباطن فلذلك قال: {لآيات لقوم يعقلون}.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

فانظر إلى هذا الترتيب الغريب في الذكر، حيث بدأ أولاً باختراع السموات والأرض، ثم ثنى بذكر ما نشأ عن العالم العلوي، ثم أتى ثالثاً بذكر ما نشأ عن العالم السفلي، ثم أتى بالمشترك. ثم ختم ذلك بما لا تتم النعمة للإنسان إلا به، وهو التصريف المشروح.

وهذه الآيات ذكرها تعالى على قسمين: قسم مدرك بالبصائر، وقسم مدرك بالأبصار. فخلق السموات والأرض مدرك بالعقول، وما بعد ذلك مشاهد للأبصار. والمشاهد بالأبصار انتسابه إلى واجب الوجود، مستدل عليه بالعقول، فلذلك قال تعالى: {لآيات لقوم يعقلون}، ولم يقل: لآيات لقوم يبصرون، تغليباً لحكم العقل، إذ مآل ما يشاهد بالبصر راجع بالعقل نسبته إلى الله تعالى...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

قال الحرالي: ولما كان من سنة الله أن من دعاه إليه وإلى رسله بشاهد خرق عادة في خلق أو أمر عاجله بالعقوبة في الدنيا وجدد بعده أمة أخرى كما قال سبحانه وتعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} [الإسراء: 59] وكانت هذه الأمة خاتمة ليس بعدها أمة غيرها أعفاها ربها من احتياجها إلى خرق العوائد، قال عليه الصلاة والسلام "ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله أمن عليه البشر، وإنما كان الذي آتاني الله وحياً أوحاه الله سبحانه وتعالى إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً "فكان أمر الاعتبار أعم إجابة وأسمح مخالفة وكفاها بما قد أظهره لها في خلقه بالإبداء والتسخير من الشواهد، ليكونوا علماء منقادين لروح العلم لا لسلطان القهر، فيكون ذلك من مزاياهم على غيرهم.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

أخبر تعالى أن في هذه المخلوقات العظيمة، آيات أي: أدلة على وحدانية الباري وإلهيته، وعظيم سلطانه ورحمته وسائر صفاته، ولكنها {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي: لمن لهم عقول يعملونها فيما خلقت له، فعلى حسب ما منّ الله على عبده من العقل، ينتفع بالآيات ويعرفها بعقله وفكره وتدبُّره، ففي {خَلْقِ السَّمَاوَاتِ} في ارتفاعها واتساعها، وإحكامها، وإتقانها، وما جعل الله فيها من الشمس والقمر، والنجوم، وتنظيمها لمصالح العباد.

وفي خلق {الْأَرْضِ} مهادا للخلق، يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها، والاعتبار. ما يدل ذلك على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير، وبيان قدرته العظيمة التي بها خلقها، وحكمته التي بها أتقنها، وأحسنها ونظمها، وعلمه ورحمته التي بها أودع ما أودع، من منافع الخلق ومصالحهم، وضروراتهم وحاجاتهم. وفي ذلك أبلغ الدليل على كماله، واستحقاقه أن يفرد بالعبادة، لانفراده بالخلق والتدبير، والقيام بشئون عباده {و} في {اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} وهو تعاقبهما على الدوام، إذا ذهب أحدهما، خلفه الآخر، وفي اختلافهما في الحر، والبرد، والتوسط، وفي الطول، والقصر، والتوسط، وما ينشأ عن ذلك من الفصول، التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم، وجميع ما على وجه الأرض، من أشجار ونوابت، كل ذلك بانتظام وتدبير، وتسخير، تنبهر له العقول، وتعجز عن إدراكه من الرجال الفحول، ما يدل ذلك على قدرة مصرفها، وعلمه وحكمته، ورحمته الواسعة، ولطفه الشامل، وتصريفه وتدبيره، الذي تفرد به، وعظمته، وعظمة ملكه وسلطانه، مما يوجب أن يؤله ويعبد، ويفرد بالمحبة والتعظيم، والخوف والرجاء، وبذل الجهد في محابه ومراضيه.

{و} في {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} وهي السفن والمراكب ونحوها، مما ألهم الله عباده صنعتها، وخلق لهم من الآلات الداخلية والخارجية ما أقدرهم عليها.

ثم سخر لها هذا البحر العظيم والرياح، التي تحملها بما فيها من الركاب والأموال، والبضائع التي هي من منافع الناس، وبما تقوم به مصالحهم وتنتظم معايشهم.

فمن الذي ألهمهم صنعتها، وأقدرهم عليها، وخلق لهم من الآلات ما به يعملونها؟ أم من الذي سخر لها البحر، تجري فيه بإذنه وتسخيره، والرياح؟ أم من الذي خلق للمراكب البرية والبحرية، النار والمعادن المعينة على حملها، وحمل ما فيها من الأموال؟ فهل هذه الأمور، حصلت اتفاقا، أم استقل بعملها هذا المخلوق الضعيف العاجز، الذي خرج من بطن أمه، لا علم له ولا قدرة، ثم خلق له ربه القدرة، وعلمه ما يشاء تعليمه، أم المسخر لذلك رب واحد، حكيم عليم، لا يعجزه شيء، ولا يمتنع عليه شيء؟ بل الأشياء قد دانت لربوبيته، واستكانت لعظمته، وخضعت لجبروته.

وغاية العبد الضعيف، أن جعله الله جزءا من أجزاء الأسباب، التي بها وجدت هذه الأمور العظام، فهذا يدل على رحمة الله وعنايته بخلقه، وذلك يوجب أن تكون المحبة كلها له، والخوف والرجاء، وجميع الطاعة، والذل والتعظيم.

{وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ} وهو المطر النازل من السحاب.

{فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} فأظهرت من أنواع الأقوات، وأصناف النبات، ما هو من ضرورات الخلائق، التي لا يعيشون بدونها.

أليس ذلك دليلا على قدرة من أنزله، وأخرج به ما أخرج ورحمته، ولطفه بعباده، وقيامه بمصالحهم، وشدة افتقارهم وضرورتهم إليه من كل وجه؟ أما يوجب ذلك أن يكون هو معبودهم وإلههم؟ أليس ذلك دليلا على إحياء الموتى ومجازاتهم بأعمالهم؟ {وَبَثَّ فِيهَا} أي: في الأرض {مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} أي: نشر في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة، ما هو دليل على قدرته وعظمته، ووحدانيته وسلطانه العظيم، وسخرها للناس، ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع.

فمنها: ما يأكلون من لحمه، ويشربون من دره، ومنها: ما يركبون، ومنها: ما هو ساع في مصالحهم وحراستهم، ومنها: ما يعتبر به، ومع 429 أنه بث فيها من كل دابة، فإنه سبحانه هو القائم بأرزاقهم، المتكفل بأقواتهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها.

وفي {تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} باردة وحارة، وجنوبا وشمالا، وشرقا ودبورا وبين ذلك، وتارة تثير السحاب، وتارة تؤلف بينه، وتارة تلقحه، وتارة تدره، وتارة تمزقه وتزيل ضرره، وتارة تكون رحمة، وتارة ترسل بالعذاب.

فمن الذي صرفها هذا التصريف، وأودع فيها من منافع العباد، ما لا يستغنون عنه؟ وسخرها ليعيش فيها جميع الحيوانات، وتصلح الأبدان والأشجار، والحبوب والنوابت، إلا العزيز الحكيم الرحيم، اللطيف بعباده المستحق لكل ذل وخضوع، ومحبة وإنابة وعبادة؟.

وفي تسخير السحاب بين السماء والأرض على خفته ولطافته يحمل الماء الكثير، فيسوقه الله إلى حيث شاء، فيحيي به البلاد والعباد، ويروي التلول والوهاد، وينزله على الخلق وقت حاجتهم إليه، فإذا كان يضرهم كثرته، أمسكه عنهم، فينزله رحمة ولطفا، ويصرفه عناية وعطفا، فما أعظم سلطانه، وأغزر إحسانه، وألطف امتنانه "

أليس من القبيح بالعباد، أن يتمتعوا برزقه، ويعيشوا ببره وهم يستعينون بذلك على مساخطه ومعاصيه؟ أليس ذلك دليلا على حلمه وصبره، وعفوه وصفحه، وعميم لطفه؟

فله الحمد أولا وآخرا، وباطنا وظاهرا.

والحاصل، أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات، وازداد تأمله للصنعة وما أودع فيها من لطائف البر والحكمة، علم بذلك، أنها خلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب دلالات، على ما أخبر به الله عن نفسه ووحدانيته، وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر، وأنها مسخرات، ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها.

فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون، وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا الله، ولا رب سواه.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن في ذلك (لآيات لقوم يعقلون).. نعم لو ألقى الإنسان عن عقله بلادة الألفة والغفلة، فاستقبل مشاهد الكون بحس متجدد، ونظرة مستطلعة، وقلب نوره الإيمان. ولو سار في هذا الكون كالرائد الذي يهبط إليه أول مرة. تلفت عينه كل ومضة، وتلفت سمعه كل نأمة، وتلفت حسه كل حركة، وتهز كيانه تلك الأعاجيب التي ما تني تتوالى على الأبصار والقلوب والمشاعر.. إن هذا هو ما يصنعه الإيمان. هذا التفتح. هذه الحساسية. هذا التقدير للجمال والتناسق والكمال. إن الإيمان رؤية جديدة للكون، وإدراك جديد للجمال، وحياة على الأرض في مهرجان من صنع الله، آناء الليل وأطراف النهار...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ويختم الحق الآية بقوله: (لآيات لقوم يعقلون) أي أنها عجائب لقوم يعقلون. وحين يقول الحق: (لقوم يعقلون) فكأنه ينبه الملكة المفكرة العاقلة في الإنسان. وحين يخاطبك مخاطب؛ وينبه فيك الملكة العاقلة؛ فأعلم أن ما يخبر به ينتهي عقلك إليه بمجرد أن تفكر، وإلا لو لم يكن الأمر كذلك؛ ما كانت هناك ضرورة أن يذكر لك كلمة العقل...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وهكذا نجد أنَّ في هذه الظواهر الكونية "لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ "من خلال ما يدركه العقل من دلالتها على اللّه، فكأنّ الآية تريد أن تقول لنا: إنَّ بإمكانكم اكتشاف اللّه في ما تشاهدونه من آياته التي لو فكرتم بها بما أوتيتم من عقل لوصلتم إلى النتيجة الحاسمة وهي الإيمان باللّه. إنَّ التفكير باللّه والوصول إليه لا يكلّفكم جهداً في السفر والتنقيب في الأرض أو النزول إلى أعماق البحار، أو الصعود إلى آفاق الفضاء؛ بل يكفيكم التعامل مع حياتكم اليومية، لتفكروا في ما يمر أو يحيط بكم، لتكتشفوا اللّه الذي يطلُّ عليكم من خلال ذلك، بحكمته ورحمته وعظمته، حيث يقودكم الفكر العميق إلى أنَّ الصدفة لا يمكن أن تصنع نظاماً، وأنَّ القوّة العمياء الجامدة لا يمكن أن تخلق عقلاً ورؤية وامتداداً، وأنَّ الموت الراقد في أعماق العدم لا يفجر الحياة، بل لا بُدَّ من العقل المنظّم القادر الحكيم الذي يبعث ذلك كلّه في قدرته التي لا يعجزها شيء مهما كان عظيماً...

الأسلوب التربوي للدعوة في الآية:

إننا نستطيع أن نأخذ من الآية أسلوباً عملياً في التربية، خلاصته أن ينطلق الدعاة إلى اللّه في دعوة النّاس إلى التفكير من خلال حياتهم العامة في كلّ تفاصيلها اليومية، لجعلهم يفكرون به في كلّ نعمةٍ يعيشونها، أو ظاهرة يشاهدونها، أو قانونٍ طبيعي أو حياتي يلمسونه في حياتهم، فذلك هو السبيل الأمثل للوصول إلى قناعاتهم الفكرية والروحية بواقعية وعمق وصفاء، بعيداً عن كلّ الحذلقات الفلسفية المعقّدة، لأنَّ الإنسان يحبّ أن يتعامل مع الأشياء الحسية التي تحيط به أو تكون قريبةً من حياته.

ولعل قيمة هذا الأسلوب تتمثّل في فكرتين:

الأولى: أننا نربط وجود اللّه بكلّ ما يحيط بنا، فيكون كلّ شيء في الكون دليلاً على وجوده.

الثانية: أننا لا نشعر بابتعاد اللّه عنا، فنحسّ بالجوّ الحميم الذي يغمرنا بروح اللّه، والسرّ في ذلك أنك عندما تريد إثبات وجود اللّه من خلال أشياء بعيدة عن حسّ الإنسان ووعيه وحياته، فكأنك توحي له بأنَّ اللّه حقيقة لا تدرك، ولا يمكن أن تقترب من حياته، ككلّ شيء عظيم عميق مقدّس يحوطه الغموض من كلّ جوانبه، فلا تشعر به إلاَّ كما تشعر بالأشياء البعيدة في الأفق الغارق في الضباب... أمّا إذا ربطته بالفكرة من خلال حياته اليومية، فإنه سيشعر بوجوده معه في كلّ التفاصيل التي تمر به...

وبهذا، لا تقتصر النتائج على حصول الإيمان باللّه كعقيدةٍ تعيش في الوجدان، بل هناك الشعور بحضور اللّه في حياته، وهذا ما يهدف إليه الإسلام في ما نعتقد؛ أن لا يبقى وجود اللّه مجرّد فكرة كامنة في وعي الإنسان، أو إيمان ساذج مستقر في قلبه، بل يتحوّل إلى فكرة في العقل، وإحساس في المشاعر، وحضور قوي مهيمن في الحياة والوجدان...

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (164)

{ إن في خلق السماوات والأرض } الآية : ذكر فيها ثمانية أصناف من المخلوقات تنبيها على ما فيها من العبر والاستدلال على التوحيد المذكور قبلها في قوله :{ وإلهكم إله واحد } .

{ واختلاف الليل والنهار } أي : اختلاف وصفهما من الضياء والظلام والطول والقصر ، وقيل : إن أحدهما يخلف الآخر .

{ بما ينفع الناس } من التجارة وغيرها .

{ وتصريف الرياح } إرسالها من جهات مختلفة ، وهي الجهات الأربع ، وما بينهما وبصفات مختلفة فمنها ملقحة بالشجر ، وعقيم ، وصر ، وللنصر ، وللهلاك .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (164)

ولما كان هذا المقام لا يصح إلا بتمام العلم وكمال القدرة نصب الأدلة على ذلك في هذه الآية الثالثة بأبسط مما{[6124]} في الآية الثانية كما كانت الثانية أبسط من الأولى وأجلى تبصيراً{[6125]} للجهال وتذكيراً للعلماء ؛ فكانت هذه الآية تفصيلاً لتينك الآيتين السابقتين ولم تدع حاجة إلى مثل هذه التفصيل{[6126]} في آية آل عمران ، لأن معظم المراد بها الدلالة على شمول{[6127]} القدرة وأما هذه فدليل على{[6128]} التفرد ، فكان لا بد من ذكر ما ربما أضيف إلى أسبابه القريبة{[6129]} تنبيهاً على أنه لا شريك له في شيء من ذلك وأن الكل بخلقه وإن أقام لذلك أسباباً ظاهرية فقال تعالى { إن في خلق السماوات{[6130]} والأرض } {[6131]}أي واختلافهما{[6132]} فإن خلق ما ذكر في الآية من نعمته على عباده كما ذكر في أول السورة ، ثم ذكر ما ينشأ عنهما{[6133]} فقال : { واختلاف } وهو افتعال{[6134]} من الخلف ، وهو ما يقع من افتراق بعد اجتماع في {[6135]}أمر من{[6136]} الأمور { الليل } {[6137]}قدمه لأنه الأصل والأقدم{ وآية لهم الّليل{[6138]} }[ يس : 37 ] { والنهار } {[6139]}وخلقهما ، فالآية من الاحتباك{[6140]} ، ذكر الخلق أولاً دليلاً على حذفه ثانياً والاختلاف ثانياً{[6141]} على حذفه أولاً{[6142]} . وقال الحرالي : ولما كان من سنة الله أن من دعاه إليه وإلى رسله بشاهد خرق عادة{[6143]} في خلق أو أمر عاجله بالعقوبة في الدنيا وجدد بعده أمة أخرى كما قال سبحانه وتعالى :{ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون{[6144]} }[ الإسراء : 59 ] وكانت هذه الأمة خاتمة ليس بعدها أمة غيرها أعفاها ربها من احتياجها إلى خرق العوائد ، قال عليه الصلاة والسلام " ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله أمن{[6145]} عليه البشر ، وإنما كان الذي آتاني{[6146]} الله{[6147]} وحياً أوحاه الله سبحانه وتعالى إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً " فكان أمر الاعتبار أعم إجابة وأسمح مخالفة وكفاها بما قد أظهره لها{[6148]} في خلقه بالإبداء والتسخير من الشواهد ، ليكونوا علماء منقادين لروح العلم لا{[6149]} لسلطان القهر ، فيكون ذلك من مزاياهم على غيرهم ، ولم يجبها إلى ما سألته من ذلك ، فلما{[6150]} وصل{[6151]} تعالى بدعوة الربوبية ذِكر الخلق والرزق وذكر الأرض بأنها فراش والسماء بأنها بناء على عادة العرب في رتبة حس{[6152]} ظاهر أعلاهم في هذا الخطاب بإيراد آياته وشواهده على علو رتبة معنى معقول فوق رتبة الأمر المحسوس السابق فقال : { إن في خلق السماوات والأرض } خطاباً مع من له نظر عقلي يزيد على نظر الحس{[6153]} باعتبار السماوات أفلاكها وعددها بشواهد نجومها حتى يتعرف أنها سماوات معدودة ، وذلك مما يظهر موقعه عند من له اعتبار في{[6154]} مخلوق السماوات ؛ ولما لم يكن للأرضين شواهد محسوسة بعددها كما في{[6155]} السماوات لم يجر ذكرها في القرآن إلا{[6156]} مفردة{[6157]} وجاء ذكر السماوات معددة لأهل النظر العقلي ومفردة لأهل النظر الحسي ، وأيسر معتبر ما بين السماوات والأرض في مقابلة حظيهما في كون السماوات في حد من العلو والصفاء والنورانية والحركة والأرض في مقابل ذلك من السفل والكثافة والظلمانية والسكون ، فيقع الاعتبار بحصول مشهود التعاون من مشهود التقابل ، وذلك مما{[6158]} يعجز الخلق فيعلمون أنه من{[6159]} أمر الحق ، لأن الخلق إنما يقع لهم التعاون بالمتناسب لا بالمتقابل ، فمن آلته الماء مثلاً تفسد{[6160]} عليه النار ، ومن آلته النار يفسد عليه الماء ، والحق سبحانه وتعالى أقام للخلق والموجودات{[6161]} والموالد آحاداً مجتمعة قد قهر فيها متنافرات موجودات الأركان وموجود{[6162]} خلق السماء والأرض المشهود تقابلهما{[6163]} ، فما وقع اجتماع النار بالماء على تقابل ما بين الحار والبارد ، واجتماع الهواء بالأرض على تقابل ما بين الكثيف واللطيف ، واجتماع الكل في شيء واحد من جسم واحد وعضو واحد حتى في جزء واحد من أدق أجزائه إلا بأمر يعجز عنه الخلق ولا يقدر عليه إلا الحق الذي يحار فيه الخلق ، فهو إذن إلههم الذي هو إله واحد ، آثاره{[6164]} موجودة في أنفسهم ، وشواهده{[6165]} مبصرة بأعينهم وحقائق تلك الشواهد بادية لعقولهم ، فكأنه سبحانه وتعالى أقرأهم ذكره الحكيم المرئي لأعينهم{[6166]} كشفاًً لغطاء أعينهم ليتميزوا عن الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره .

ولما ذكر{[6167]} سبحانه وتعالى خلق متقابل{[6168]} العلو والسفل في ذكر السماوات والأرض نظم بها اختلاف الأفقين اللذين فيهما ظهور مختلفي الليل والنهار ليتريع{[6169]} اعتبارهم بين اعتبار الأعلى والأسفل والمشرق والمغرب فيقع{[6170]} شواهد الإحاطة بهم عليهم في توحيد ربهم وإرجاع ذلك إليه دون أن يعزي ذلك إلى شيء من دونه مما هو داخل في حصر موجود هذه الإحاطة من المحيط الأعلى والمحيط الأسفل والمحيط بالجوانب كلها من ملبس الآفاق من الليل والنهار خطابَ إجمال يناسب مورد السورة التي موضوعها إجمالات ما يتفسر فيها وفي سائر القرآن من حيث إنها فسطاطه وسنامه - انتهى .

ولما ذكر تعالى ما أنشأه عن سير الكواكب في ساحة الفلك أتبعه سير الفلك في باحة{[6171]} البحر فقال : { والفلك } وهو ما عظم من السفن في مقابلة{[6172]} القارب وهو المستخف منها{[6173]} . قال الحرالي : استوى واحده وجمعه ، حركات الواحد أول في الضمير وحركات الجمع ثوان في الضمير من حيث أن الواحد أول والجمع ثان مكسر{[6174]} {[6175]}انتهى .

ولما أراد هنا الجمع لأنه أدل على القدرة {[6176]}وصف بأداة{[6177]} التأنيث فقال { التي تجري } بتقدير الله ، {[6178]}وحقق{[6179]} الأمر بقوله : { في البحر } {[6180]}أسند الجري إليها ومن المعلوم أنه لا جري لها حقيقة ولا فعل بوجه ترقية إلى اعتقاد مثل ذلك في النجوم إشارة إلى أنه لا فعل لها ولا تدبير كما يعتقد بعض الفلاسفة{[6181]} . وقال الحرالي : ولما ذكر سبحانه وتعالى جملة الخلق وجملة الاختلاف في الوجهين وصل بذلك إحاطة البحر بالأرض وتخلل{[6182]} التجار{[6183]} فيها لتوصل المنافع المحمولة في الفلك مما يوصل من منافع المشرق للمغرب ومنافع المغرب للمشرق ومنافع الشمال للجنوب وبالعكس ، فما حملت جارية شيئاً ينتفع به{[6184]} إلا و{[6185]}قد تضمن ذكره مبهم{[6186]} {[6187]}كلمة { ما } في{[6188]} قوله تعالى : { بما{[6189]} ينفع الناس } وذكرهم باسم الناس الذي هو أول من يقع فيه الاجتماع والتعاون والتبصر بوجه ما أدنى{[6190]} ذلك في منافع الدنيا الذي هو {[6191]}شاهد هذا{[6192]} القول - انتهى .

ولما ذكر نفع البحر بالسفن ذكر من نفعه ما هو أعم من ذلك فقال : { وما أنزل الله } {[6193]}الذي له العظمة التامة{[6194]} { من السماء } أي جهتها باجتذاب السحاب له . {[6195]}ولما كان النازل منها على أنواع وكان السياق للاستعطاف إلى رفع الخلاف ذكر ما هو سبب الحياة فقال : {[6196]} { من ماء فأحيا به الأرض } بما ينبت منها {[6197]}ولما كان الإحياء يستغرق الزمن المتعقب للموت نفى الجار فقال : {[6198]}{ بعد موتها } بعدمه{[6199]} .

ولما ذكر حياة الأرض بالماء أشار إلى أن حياة كل ذي روح به فقال { وبث } من البث وهو تفرقة أحاد مستكثرة في جهات مختلفة { فيها } بالخضب{[6200]} { من كل دابة }{[6201]} من الدبيب وهو الحركة بالنفس{[6202]} قال الحرالي : أبهم تعالى أمر الخلق والاختلاف والإجراء فلم يسنده إلى اسم من أسمائه يظهره ، وأسند إنزال الماء من السماء إلى اسمه العظيم الذي هو الله لموقع ظهور القهر على الخلق في استدرار أرزاق الماء واستجداده{[6203]} وقتاً بعد وقت بخلاف مستمر ما أبهم من خلق السماوات والأرض الدائم على حالة واختلاف الليل والنهار المستمر على وجهة{[6204]} واحتيال إجراء الفلك الماضي على حكم عادته ، فأظهر اسمه فيما يشهد{[6205]} به عليهم ضرورتهم إليه في كل حول ليتوجهوا{[6206]} في العبادة إلى علو المحل الذي منه{[6207]} ينزل الماء فينقلهم بذلك من عبادة ما في الأرض إلى عبادة من في السماء{ ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض{[6208]} }[ الملك : 16 ] وقال عليه الصلاة والسلام للأمة : " أين الله ؟ قالت : في السماء ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة " فأذن أدنى الإيمان{[6209]} التوجه إلى عبادة من في السماء ترقياً إلى علو المستوى على العرش{[6210]} إلى غيب الموجود في أسرار القلوب ، فكان في هذه التوطئة توجيه الخلق إلى الإله الذي ينزل الماء من السماء وهو الله{[6211]} الذي لم يشرك به أحد سواه ليكون ذلك توطئة لتوحيد الإله ، ولذلك ذكر{[6212]} تعالى آية الإلهية التي هي الإحياء ، والحياة كل خروج عن الجمادية من حيث إن معنى الحياة في الحقيقة إنما هو تكامل في الناقص ، فالمهتزّ حي بالإضافة إلى الجماد ترقياً إلى ما فوق ذلك من رتب الحياة من نحو حياة الحيوان ودواب الأرض ، فلذلك ذكر تعالى الإحياءين{[6213]} بالمعنى ، وأظهر الاسم مع الأرض لظهوره في الحيوان ، فأظهر حيث خفي عن الخلق ، ولم يذكره حيث هو ظاهر للخلق ، فنبههم{[6214]} على الاعتبارين{[6215]} إنزال الماء الذي لهم منه{[6216]} شراب ومنه شجر وبه حياة الحيوان ومنه مرعاهم .

ولما ذكر سبحانه وتعالى بث ما هو السبب{[6217]} للنبات المسبب عن الماء ذكر بث ما هو سبب للسحاب{[6218]} السبب للمطر{[6219]} السبب للحياة فقال تعالى : { وتصريف الرياح{[6220]} } أي تارة صباً وأخرى دبوراً و{[6221]}مرة شمالاً وكرة جنوباً ، والتصريف إجراء المصرف بمقتضى الحكم عليه ، والريح متحرك الهوى في الأقطار { والسحاب } وهو المتراكم في جهة العلو من جوهر ما بين الماء والهواء المنسحب{[6222]} في الجو { المسخر } أي بها ، من التسخير{[6223]} وهو إجراء الشيء على مقتضى غرض ما سخر له { بين السماء والأرض } لا يهوى إلى جهة السفل مع ثقله بحمله بخار الماء ، كما تهوى بقية الأجرام العالية حيث لم يكن لها ممسك{[6224]} محسوس{[6225]} {[6226]}ولا ينقشع مع أن الطبع يقتضي أحد الثلاثة : فالكثيف يقتضي النزول واللطيف يقتضي الصعود ، والمتوسط يقتضي الانقشاع{[6227]} { لآيات } وقال الحرالي : لما ذكر تعالى الأعلى والأسفل ومطلع الليل والنهار من الجانبين وإنزال{[6228]} الماء أهواءً ذكر ما يملأ ما بين ذلك من الرياح والسحب الذي هو ما بين حركة هوائية إلى استنارة{[6229]} مائية إلى ما يلزم ذلك من بوادي نيراته من نحو صواعقه وجملة أحداثه ، فكان في هذا الخطاب اكتفاء بأصول من مبادىء الاعتبار ، فذكر السماء والأرض والآفاق وما بينهما من الرياح والسحب والماء المنزل الذي جملته قوام الخلق في عاجل دنياهم ، ليجعل لهم ذلك آية على علو أمر وراءه ويكون{[6230]} {[6231]}كل وجه منه آية على أمر من أمر الله فيكون آيات ، لتكون السماء آية على علو أمر{[6232]} الله فيكون أعلى من الأعلى ، وتكون الأرض آية على باطن أمر الله فيكون أبطن من الأبطن ، ويكون اختلاف الليل والنهار آية على نور بدوه وظلمة غيبته مما وراء أمر الليل والنار ، ويكون{[6233]} ما أنزل من الماء لإحياء الأرض وخلق الحيوان آية ما ينزل من نور علمه على القلوب {[6234]}فتحيا{[6235]} بها حياة تكون حياة الظاهر آية{[6236]} عليه ، ويكون تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض آيات على تصريف ما بين أرض العبد الذي هو ظاهره وسمائه الذي هو باطنه ، وتسخير بعضه لبعض ليكون ذلك آية على علو الله على سمائه العلى في الحس وعلى سماء القلوب العلية في الوجدان ؛ فلجملة ذلك جعل تعالى صنوف هذه الاعتبارات { لآيات{[6237]} لقوم{[6238]} } وهم الذين يقومون في الأمر حق القيام ، ففيه إشعار بأن ذلك لا يناله من هو في سن الناس حتى يتنامى طبعه وفضيلة عقله إلى أن يكون من قوم يقومون في الاعتبار قيام المنتهضين في أمور الدنيا ، لأن العرب عرفت استعمالها في القوم إنما هو لأجل النجدة والقوة حتى يقولون : قوم أو نساء{[6239]} .

تقابلاً بين المعنيين ؛ وذكر تعالى العقل الذي{[6240]} هو نور من نوره هدى لمن أقامه من حد تردد حال الناس إلى الاستضاءة بنوره في قراءة حروف كتابه الحكيم التي كتبها بيده وأغنى الأميين بقراءة ما كتب لهم عن قراءة كتاب ما كتبه الخلق - انتهى ؛ فقال{[6241]} : { يعقلون * } أي فيعلمون أن مصرف هذه الأمور على هذه الكيفيات المختلفة والوجوه المحكمة فاعل مختار وهو قادر بما يشاهد من إحياء الأرض وغيرها مما{[6242]} هو أكبر منه على بعث الموتى وغيره{[6243]} مما يريده وأنه مع ذلك كله واحد لا شريك له يمانعه العقلاء من الناس ، يعلمون ذلك بذلك{[6244]} فلا يتخذون أنداداً من دونه ولا يميلون عن جنابه{[6245]} الأعلى إلى{[6246]} سواه{[6247]} ، وقد اشتملت هذه الآية على جميع ما نقل البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن الحليمي أنه مما{[6248]} يجب اعتقاده في الله سبحانه وتعالى وهو خمسة أشياء : الأول إثباته سبحانه وتعالى لتقع به مفارقة التعطيل ، والثاني وحدانيته لتقع به البراءة عن {[6249]}الشرك - وهذان من قوله { وإلهكم إله واحد } [ البقرة : 163 ] والثالث إثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض لتقع به البراءة من التشبيه وهذا من قوله { لا إله إلا هو{[6250]} } [ البقرة : 163 ] لأن من لا يسد غيره مسده لا شبيه له ، والرابع إثبات أن وجود كل ما سواه كان بإبداعه له واختراعه إياه لتقع به البراءة من قول من يقول بالعلة{[6251]} والمعلول وهذا من قوله { الرحمن الرحيم } [ البقرة : 163 ] { إن في خلق السماوات والأرض } [ البقرة : 164 ] ، والخامس أنه مدبر{[6252]} ما أبدع ومصرفه على ما يشاء لتقع به البراءة من قوله القائلين بالطبائع أو تدبير الكواكب أو تدبير الملائكة وهذا من قوله { وما أنزل الله من السماء من ماء } [ البقرة : 164 ] إلى آخرها قال البيهقي : كانت{[6253]} أسماء الله سبحانه وتعالى جده التي ورد بها الكتاب والسنة وأجمع{[6254]} العلماء على تسميته بها منقسمة{[6255]} بين العقائد الخمس ، فليلحق{[6256]} بكل واحدة منهن بعضها ، وقد يكون منها ما يلتحق بمعنيين ويدخل في بابين{[6257]} أو أكثر - انتهى . {[6258]}وسبب تكثير الأدلة أن عقول الناس متفاوتة ، فجعل سبحانه وتعالى العالم وهو الممكنات الموجودة وهي جملة ما سواه الدالة على وجوده وفعله بالاختيار على قسمين : قسم من شأنه أن يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى في عرف أهل الشرع الشهادة والخلق والملك ، وقسم لا يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى الغيب والأمر والملكوت ، والأول يدركه عامة الناس والثاني يدركه أولو الألباب الذين عقولهم خالصة عن الوهم والوساوس ، فالله سبحانه وتعالى بكمال عنايته ورأفته ورحمته جعل العالم بقسميه{[6259]} محتوياً على جمل وتفاصيل من{[6260]} وجوه متعددة وطرق متكثرة تعجز القوى البشرية عن ضبطها يستدل بها على وحدانيته بعضها أوضح من بعض ليشترك الكل في المعرفة ، فيحصل لكل بقدر{[6261]} ما هيىء{[6262]} له ، اللهم إلا أن يكون ممن طبع على قلبه ، فذلك والعياذ بالله سبحانه وتعالى هو الشقي .


[6124]:في م و مد: ما
[6125]:في م: تبصرا
[6126]:ليس في م
[6127]:ليس في م
[6128]:ليس في ظ
[6129]:زيدت من م و ظ ومد
[6130]:زيد في م ومد: جمعها لاختلاف أجناسها ولأن تعددها يعرف بالكواكب فتسهل إقامة الدليل عليه، وقدمها لأنها أشرف وأعجب خلقا وأكبر
[6131]:روى أنه لما نزل {وإلهكم إله واحد} قالت كفار قريش: كيف يسع الناس إله واحد؟ فنزل {إن في خلق السماوات} ولما تقدم وصفه تعالى بالوحدانية واختصاصه بالألوهية استدل بهذا الخلق الغريب والبناء العجيب استدلالا بالأثر على المؤثر وبالصنعة على الصانع وعرفهم طريق النظر وفيم ينظرون فبدأ أولا بذكر العالم العلوي فقال: {إن في خلق السماوات} وخلقها إيجادها واختراعها أو خلقها وتركيب أجرمها وائتلاف أجزائها، من قولهم: خلق فلان حين، أي خلقته وشكله- البحر المحيط 1/ 464
[6132]:في ظ: اختلافها.
[6133]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: عنها
[6134]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: فعل
[6135]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: أمرين
[6136]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: أمرين
[6137]:العبارة من هنا إلى "الليل" الآتي ليست في ظ
[6138]:زيد في م و مد : الآية سورة 36 آية 37
[6139]:العبارة من هنا إلى "حذفه أولا" ليست في م
[6140]:في الأصل: الاحتيال، والتصحيح من مد و ظ.
[6141]:زيد في ظ: دليلا
[6142]:قال أبو حيان الأندلسي: اختلافهما بإقبال هذا وإدبار هذا، أو اختلافهما بالأوصاف في النور والظلمة والطول والقصر، أو تساويهما – قاله ابن كيسان. وقدم الليل على النهار لسبقه في الخلق، قال تعالى: "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار" البحر المحيط 1/ 465
[6143]:في مد: العادة
[6144]:سورة 17 آية 59.
[6145]:في مد فقط: آمن
[6146]:في م: أتاه
[6147]:زيد في م: لي
[6148]:زيد من م و ظ و مد.
[6149]:في م: إلا
[6150]:في م و ظ ومد: فكما
[6151]:في ظ: وصلت
[6152]:في مد: حسي، وفي ظ: حين
[6153]:زيد من م و ظ ومد
[6154]:في م: من
[6155]:زيد في م: ظاهر.
[6156]:زيد في م: في
[6157]:قالوا: وجمع السماوات لأنها أجناس كل سماء من جنس غير جنس الأخرى، ووحد الأرض لأنها كلها من تراب؛ وبدأ بذكر السماء لشرفها وعظم ما احتوت عليه من الأفلاك والأملاك والعرش والكرسي وغير ذلك، وآياتها ارتفاعها من غير عمد تحتها ولا علائق من فوقها ثم ما فيها من النيرين الشمس والقمر والنجوم السيارة والكواكب الزاهرة شارقة وغاربة وممحوة وعظم أجرامها وارتفاعها –البحر المحيط 1/ 464.
[6158]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: ما
[6159]:زيد في م: له
[6160]:في ظ: يفسد
[6161]:سقط من م
[6162]:في ظ: مشهود
[6163]:وذكر أرباب الهيئة أن الأرض نقطة في وسط الدائرة ليس لها جهة وأن البحار محيطة بها والهواء محيط بالماء والنار محيطة بالهواء والأفلاك ورواء ذلك – البحر المحيط 1/ 465.
[6164]:من م و مد و ظ، وزيد بعده: عندهم، وفي الأصل: آثارهم
[6165]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: شواهد
[6166]:في مد: لأنفسهم
[6167]:في ظ: ذكره تعالى.
[6168]:من م و مد و ظ: وفي الأصل: بتقابل.
[6169]:من م و ظ، وفي الأصل ومد: ليتزيغ –كذا بالزاي
[6170]:في م و ظ ومد، فتقع
[6171]:في م: بارحة.
[6172]:زيد من م و ظ ومد
[6173]:قال أبو حيان الأندلسي: أول من عمل الفلك نوح عل ى نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام وقال له جبريل عليه السلام: ضعها على جؤجؤ الطائر، فالسفينة طائر مقلوب والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها – قاله أبو بكر بن العربي، وآيتها تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقها مع نقلها وتبليغها المقاصد ولو رميت في البحر حصاة لغرقت،ووصفها بهذه الصفة من الجريان لأنها آيتها العظمى – البحر المحيط 1/ 465
[6174]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: منكسر
[6175]:العبارة من هنا إلى "فقال" ليست في ظ
[6176]:في م: وصفه بأدلة،وفي مد:وصفه بأداة.
[6177]:في م: وصفه بأدلة،وفي مد:وصفه بأداة.
[6178]:العبارة من هنا إلى "بقوله" ليست في ظ
[6179]:في مد: حق
[6180]:ليست في ظ
[6181]:ليست في ظ
[6182]:في ظ فقط: حلل
[6183]:في م: البحار.
[6184]:زيد في الأصل "و" ولم تكن الزيادة في بقية الأصول فحذفناها
[6185]:ليس في م و مد
[6186]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: منهم
[6187]:من مد و ظ، وفي الأصل: كلهم ما في، وقد سقطت من م
[6188]:من مد و ظ، وفي الأصل: كلهم ما في، وقد سقطت من م
[6189]:يحتمل أن تكون "ما" موصولة أي تجري مصحوبة بالأعيان التي تنفع الناس من أنواع المتاجر والبضائع المنقولة من بلد إلى بلد فتكون الباء للحال، ويحتمل أن تكون "ما" مصدرية أي ينفع الناس في تجاراتهم وأسفارهم للغزو والحج وغيرهما فتكون الباء للسبب؛ واقتصر على ذكر النفع وإن كانت تجري بما يضر لأنه ذكرها في محل الامتنان –البحر المحيط 1/ 465
[6190]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: أدى
[6191]:في ظ: مشاهد
[6192]:في ظ: مشاهد
[6193]:ليست في ظ. وفي م كلها – مكان: التامة
[6194]:ليست في ظ. وفي م كلها – مكان: التامة
[6195]:ليست في ظ
[6196]:ليست في ظ
[6197]:ليست في ظ
[6198]:ليست في ظ
[6199]:قال أبو حيان الأندلسي: كني بالإحياء عن ظهور ما أودع فيها من النبات، وبالموت عن استقرار ذلك فيها وعدم ظهوره، وهما كنايتان غريبتان، لأن ما برز منها بالمطر جعل تعالى فيه القوة الغادية والنامية والمحركة، وما لم يظهر فهو كامن فيها كأنه دفين فيها وهي له قبر.
[6200]:ليس في ظ
[6201]:زيد في م: أي
[6202]:{وبث فيها من كل دابة} فيكون ذلك أعظم في الآيات، لأن ما بث تعالى في الأرض من كل دابة فيه آيات عظيمة في أشكالها وصفاتها وأحوالها وانتقالاتها ومضارها ومنافعها وعجائبها وما أودع في كل شكل شكل منها من الأسرار العجيبة ولطائف الصنعة الغريبة وذلك من الفيل إلى الذرة وما أوجد تعالى في البحر من عجائب المخلوقات المباينة لأشكال البر فمثل هذا ينبغي إفراده بالذكر –البحر المحيط 1/ 466
[6203]:في م: استجراده
[6204]:زيد في ظ: واحدة
[6205]:في م: تشهد
[6206]:من ظ ، وفي بقية الأصول: ليوجهوا
[6207]:سقط من م.
[6208]:سورة 67 آية 16
[6209]:ليس في ظ
[6210]:في م: الأرض
[6211]:ليس في مد
[6212]:زيد في م: الله
[6213]:في م: الإحياء
[6214]:في ظ: نبههم
[6215]:من مد و م و ظ، وفي الأصل: الاعتبار من
[6216]:في مد: منهم
[6217]:زيد في م: عن
[6218]:في م: السحاب
[6219]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: للمطر
[6220]:في هبوبها قبولا ودبورا وجنوبا وشمالا، وفي أوصافها حارة وباردة ولينة وعاصفة وعقيما ولواقح ونكباء وهي تأتي بين مهبي ريحين، وقيل: تارة بالرحمة وتارة بالعذاب...والريح جسم لطيف شفاف غير مرئي، ومن آياته ما جعل الله فيه من القوة التي تقلع الأشجار وتعفي الآثار وتهدم الديار وتهلك الكفار وتربية الزرع وتنميته واشتداده بها وسوق السحاب إلى البلد الماحل – قاله أبو حيان الأندلسي (1/ 467)
[6221]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: أو
[6222]:ليس في ظ
[6223]:تسخيره بعثه من مكان إلى مكان، وقيل: تسخيره ثبوته بين السماء والأرض بلا علاقة تمسكه.... فقيل: السحاب يأخذ المطر من السماء، وقيل: يغترفه من بحار الأرض، وقيل: يخلقه: الله فيه؛ وللفلاسفة فيه أقوال، وجعل مسخرا باعتبار إمساكه الماء إذ الماء ثقيل فبقاؤه في جو الهواء هو على خلاف ما طبع عليه وتقديره بالمقدار المعلوم الذي فيه المصلحة يأتي به الله في وقت الحاجة ويرده عند زوال الحاجة – البحر المحيط
[6224]:في م: تمسك
[6225]:زيد في مد: ولا يعلو
[6226]:ليست في ظ
[6227]:ليست في ظ
[6228]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: أنزل
[6229]:في م فقط: استتار
[6230]:في ظ: فيكون
[6231]:العبارة من هنا إلى "علو أمر الله فيكون" ليست في ظ
[6232]:زيد من م ومد
[6233]:زيد في م: ويكون - مكررا
[6234]:في م: الحياة
[6235]:زيد في م: به
[6236]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: أنه
[6237]:في م و مد و ظ: آيات- كذا
[6238]:و {لقوم} في موضع الصفة أي كائنة لقوم، والجملة صفة لقوم لأنه لا يتفكر في هذه الآيات العظيمة إلا من كان عاقلا، فإنه يشاهد من هذه الآيات ما يستدل به على وحدانية الله تعالى وانفراده بالإلهية وعظيم قدرته وباهر حكمته، وقد أثر في الأثر: ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها (ومناسبة هذه الآية لما قبلها) هو أنه لما ذكر تعالى أنه واحد وأنه منفرد بالإلهية لم يكتف بالإخبار حتى أورد دلائل الاعتبار، ثم مع كونها دلائل بل هي نعم من الله على عباده فكانت أوضح لمن يتأمل وأبهر لمن يعقل، إذ التنبيه على ما فيه النفع باعث على الفكر، لكن لا تنفع هذه الدلائل إلا عند من كان متمكنا من النظر والاستدلال بالعقل الموهوب من عند الملك الوهاب – قاله أبو حيان الأندلسي في تفسيره المسمى ببحر المحيط 1/ 468
[6239]:في مد: نسيا -كذا
[6240]:سقط من م
[6241]:ليس في ظ
[6242]:من م ومد، وفي ظ: بما، وفي الأصل: ممن
[6243]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: غيرها
[6244]:العبارة من هنا إلى "سواه" ليست في ظ
[6245]:في م: جانبه.
[6246]:زيد في م: ما
[6247]:ثم ختم ذلك مما لا تتم النعمة للإنسان إلا به وهو التصريف المشروح، وهذه الآيات ذكرها تعالى على قسمين: قسم مدرك بالبصائر، وقسم مدرك بالأبصار، فخلق السماوات والأرض مدرك بالعقول وما بعد ذلك مشاهد للأبصار، والمشاهد بالأبصار انتسابه إلى واجب الوجود مستدل عليه بالعقول، فلذلك قال تعالى {لآيات لقوم يعقلون} ولم يقل: لآيات لقوم يبصرون، تغليبا لحكم العقل، إذ مآل ما يشاهد بالبصر راجع بالعقل نسبته إلى الله تعالى – البحر المحيط 1/ 468
[6248]:سقط من م
[6249]:في م: من
[6250]:زيد في ظ: الحي.
[6251]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: بالعملة - كذا
[6252]:زيد في م: كل
[6253]:في م: لأن، وفي ظ: ثم إن
[6254]:زيد في الأصل فقط: أهل، ولم تكن الزيادة في م ومد و ظ: فحذفناها
[6255]:من م و ظ و مد، وفي الأصل: متضمنة
[6256]:في م و ظ: فليلتحق، وفي مدك فيلتحق
[6257]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: ما بين
[6258]:العبارة من هنا إلى "والعياذ بالله سبحانه وتعالى هو الشقي" ليست في ظ.
[6259]:من م و مد،وفي الأصل: بقسميته
[6260]:زيد من م و مد
[6261]:من م و مد، وفي الأصل: يقدر
[6262]:في م فقط: يهيء