الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ} (19)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قل أي شيء أكبر شهادة}، وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أما وجد الله رسولا غيرك ما نرى أحدا يصدقك بما تقول، وقد سألنا عنك أهل الكتاب، فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فمن يشهد لك أن الله هو الذي أرسلك؟ فقال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: {قل} لهم {أي شيء أكبر شهادة}، قالوا: الله أكبر شهادة من غيره، فقال الله: {قل} لهم يا محمد {الله شهيد بيني وبينكم} بأني رسول، {و} أنه {وأوحي إلي هذا القرآن} من عند الله، {لأنذركم به}، يعني لكي أنذركم بالقرآن يا أهل مكة، {ومن بلغ} القرآن من الجن والإنس، فهو نذير لهم، يعني القرآن إلى يوم القيامة، ثم قال: {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى}؟ قالوا: نعم نشهد، قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: {قل} لهم {لا أشهد} بما شهدتم، ولكن أشهد {قل إنما هو إله واحد}، قل لهم: {وإنني بريء مما تشركون} به غيره.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبون ويجحدون نبوّتك من قومك: أيّ شيء أعظم شهادة وأكبر، ثم أخبرهم بأن أكبر الأشياء شهادة "الله "الذي لا يجوز أن يقع في شهادته ما يجوز أن يقع في شهادة غيره من خلقه من السهو والخطأ والغلط والكذب، ثم قل لهم: إن الذي هو أكبر الأشياء شهادة شهيد بيني وبينكم، بالمُحقّ منا من المبطل، والرشيد منا في فعله وقوله من السفيه، وقد رضينا به حكما بيننا.

عن مجاهد في قول الله تعالى: "أيّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً..." قال: أمر محمد أن يسأل قريشا، ثم أمر أن يخبرهم فيقول: "اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ".

"وأُوحِيَ إليّ هَذَا القُرآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ": يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين الذين يكذّبونك: اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وأُحِيَ إليّ هَذَا القُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بهِ عقابه، وأنذر به من بلغه من سائر الناس غيركم، إن لم ينته إلى العمل بما فيه وتحليل حلاله وتحريم حرامه والإيمان بجميعه، نزولَ نقمة الله به.

عن محمد بن كعب القرظي قال: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم. ثم قرأ: "وَمَنْ بَلَغَ أئِنّكُمْ لَتَشْهَدُونَ...".

عن ابن عباس، قوله: "وأُحِيَ هَذَا القُرآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ" يعني أهل مكة، "وَمَنْ بَلَغَ" يعني: ومن بلغه هذا القرآن فهو له نذير.

فمعنى هذا الكلام: لأنذركم بالقرآن أيها المشركون، وأنذر من بلغه القرآن من الناس كلهم...

"أئِنّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أنّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ وَإنّنِي بريء مِمّا تُشْرِكُونَ": يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين الجاحدين نبوّتك، العادلين بالله ربا غيره: أئنكم أيها المشركون لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى، يقول: تشهدون أن معه معبودات غيره من الأوثان والأصنام...ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، لا أشهد بما تشهدون أن مع الله آلهة أخرى، بل أجحد ذلك وأنكره، "إنّما هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ" يقول: إنما هو معبود واحد، لا شريك له فيما يستوجب على خلقه من العبادة. "وَإنّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ" يقول: قل وإنني بريء من كلّ شريك تدعونه لله وتضيفونه إلى شركته وتعبدونه معه، لا أعبد سوى الله شيئا ولا أدعو غيره إلها.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

غلَبَتْ شهادة الحق -سبحانه- كلَّ شهادة، فهم إذا أقبلوا يشهدون فلا تحيط بحقائِقِ الشيء علومُهم، والحقُّ -سبحانه- هو الذي لا يخفى عليه شيءٌ، ثم أخبره -صلى الله عليه وسلم أنه مبعوثٌ إلى الكافة ومَنْ سيوجد إلى يوم القيامة.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

وأراد: أيُّ شهيد {أَكْبَرُ شهادة} فوضع شيئاً مقام شهيد ليبالغ في التعميم {قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} يحتمل أن يكون تمام الجواب عند قوله: {قُلِ الله} بمعنى الله أكبر شهادة، ثم ابتدئ {شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي هو شهيد بيني وبينكم، وأن يكون {الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} هو الجواب، لدلالته على أنّ الله عزّ وجلّ إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم، فأكبر شيء شهادة شهيد له {وَمَن بَلَغَ} عطف على ضمير المخاطبين من أهل مكة. أي: لأنذركم به وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم. وقيل: من الثقلين. وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة... {أئنكم لتشهدون} تقرير لهم مع إنكار واستبعاد {قُل لاَّ أَشْهَدُ} شهادتكم.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن الآية تدل على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله تعالى. ثم بين أن شهادة الله حاصلة إلا أن الآية لم تدل على أن تلك الشهادة حصلت في إثبات أي المطالب فنقول: يمكن أن يكون المراد حصول شهادة الله في ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في ثبوت وحدانية الله تعالى...ثم قال: {وأوحي إلي هذا القرءان لأنذركم به ومن بلغ} أي إن القول بالتوحيد هو الحق الواجب، وإن القول بالشرك باطل مردود...والجواب اللائق بقوله {أي شيء أكبر شهادة} هو أن يقال: هو الله...

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

قوله تعالى:"وأوحي إلي هذا القرآن" أي والقرآن شاهد بنبوتي... "أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى "استفهام توبيخ وتقريع..

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما ختم بصفتي الحكمة والخبرة، كان كأنه قيل: فلم لم يعلم أنا نكذبك بخبرته فيرسل معك بحكمته من يشهد لك -على ما يقول من أنه أمرك أن تكون أول من أسلم، ونهاك عن الشرك لنصدقك- من ملك كما تقدم سؤالنا لك فيه أو كتاب في قرطاس أو غيرهما؟ فقال: قد فعل، ولم يرض لي إلا بشهادته المقدسة فقال -أو يقال: إنه لما أقام الأدلة على الوحدانية والقدرة ووصل إلى صفة القهر المؤذن بالانتقام، لم يبق إلا الإشهاد عليهم إيذاناً بما يستحقونه من سوء العذاب وإنذاراً به لئلا يقولوا إذا حل بهم: إنه لم يأتنا نذير، فقال: {قل} أي يا أيها الرسول لهم {أي شيء أكبر} أي أعظم وأجل {شهادة} فإن أنصفوا وقالوا: الله! فقل: هو الذي يشهد لي، كما قال في النساء "لكن الله يشهد بما أنزل إليك "ولكنه قطع الكلام هنا إشارة إلى عنادهم أو سكوتهم، أو إلى تنزيلهم منزلة المعاند، أو العالم بالشيء العامل عمل الجاهل، فقال آمراً له صلى الله عليه وسلم: {قل الله} أي الملك الأعظم المحيط علماً وقدرة أكبر شهادة.

ولما كانوا بمعرض أن يسلموا ذلك ويقولوا: إنه لَكذلك، ولكن هلم شهادته! قال: {شهيد} أي هو أبلغ شاهد يشهد {بيني وبينكم} أي بهذا القرآن الذي ثبت بعجزكم عنه أنه كلامه، وبغيره من الآيات التي عجزتم عن معارضتها؛ ولما قرر أنه أعظم شهيد، وأشار إلى شهادته بالآيات كلها، نبه على أعظمها، لأن إظهاره تعالى للقرآن على لسانه صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه شهادة من الله له بالصدق، فقال ذاكراً لفائدته في سياق تهديد متكفل بإثبات الرسالة وإثبات الوحدانية، وقدم الأول لأنه المقرر للثاني والمفهم له بغايته، عاطفاً على جملة "شهيد" بانياً للمفعول، تنبيهاً على أن الفاعل معروف للإعجاز، وبنى للفاعل في السواد: {وأوحي إلي} وحقق الموحى به وشخّصه بقوله: {هذا القرآن} ولما كان في سياق التهديد قال مقتصراً على ما يلائمه: {لأنذركم} أي أخوفكم وأحذركم من اعتقاد شائبة نقص في الإله لا سيما الشرك {به ومن} أي وأنذر به كل من {بلغ} أي بلغه، قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في صلات "الذي" و "من" و "ما".

وقال البخاري في آخر الصحيح: {لأنذركم به} يعني أهل مكة، ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير علقه بصيغة الجزم عن ابن عباس ووصله إليه ابن أبي حاتم كما أفاده شيخنا في شرحه...

فالمعنى: فمن صدق هذا القرآن فقد أفلح، ومن كذب فليأت بسورة من مثله، ثم عجزه شاهد على نفسه بالكذب، وهو شهادة الله لي بالصدق، ولأجل أن الله هو الشاهد لم تنقض الشهادة بموت النبي صلى الله عليه وسلم، بل استمرت على مرّ الأيام وكرّ الأعوام لبقاء الشاهد وتعاليه عن شوائب النقص وسمات الحدث، وإلى ذلك الإشارة بقول النبي صلى الله عليه وسلم" ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة "أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه. ولعل الاقتصار على الإنذار مع ما تقدم إشارة إلى أن أكثر الخلق هالك، وقد ذكر في نزول هذه الآية أن أهل مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أما وجد الله رسولاً غيرك؟ ما نرى أحداً يصدقك بما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس عندهم منك ذكر، فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزلها الله.

ولما لم يبق لمتعنت شبهة، ساق فذلكة ذلك وقطب دائرته- وهو لزوم التوحيد الذي جعلت الرسالة مُرَقَّى إليه، فإذا ثبت في قلب فاضت أنواره بحسب ثباته حتى أنها ربما ملأت الأكوان وعلت على كيوان -مساق استفهام على طريقة الإنكار والتعجيب تعظيماً لشأنه وتفخيماً لمقامه وتنبيهاً لهم على أن يبعدوا عن الشرك فقال: أئنكم لتشهدون أن مع الله} أي الذي حاز جميع العظمة {آلهة}.

ولما كانوا لكثرة تعنتهم ربما أطلقوا على أسمائه سبحانه إله كما قالوا حين سمعوه صلى الله عليه وسلم يقول:"يا الله يا رحمن "كما سيأتي إن شاء الله تعالى آخر الحِجْر وآخر سبحان، صرح بالمقصود على وجه لا يحتمل النزاع فقال: {أخرى} ولما كان كأنه قيل: إنهم ليقولون ذلك، فماذا يقال لهم؟ قال: {قل لا أشهد} أي معكم بشيء مما تقولونه لأنه باطل، ولو كان حقاً لشهدت به.

ولما كان هذا غير قاطع لطمعهم فيه، اجتثَّه من أصله وبرمته بقوله: {قل إنما هو} أي الإله {إله واحد} وهو الله الذي لا يعجزه شيء وهو يعجز كل شيء، لأنه واحد لا كفوء له، فإنكم عجزتم عن الإتيان بسورة من مثل كلامه وأنتم أفصح الناس.

ولما كان معنى هذا البراءة من إنذارهم، صرح به في قوله مؤكداً في جملة اسمية: {وإنني بريء مما تشركون} أي الآن وفي مستقبل الزمان إبعاداً من تطمعهم أن تكون الموافقة بينه وبينهم باتخاذه الأنداد أو شيئاً منها ولياً، فثبت التوحيد بهذه الآية بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد، ولقد امتثل صلى الله عليه وسلم الأمر بإنذار من يمكن إبلاغه القرآن...

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :

قوله: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغ} أي أوحى الله إليّ هذا القرآن الذي تلوته عليكم؛ لأجل أن أنذركم به، وأنذر به من بلغ إليه، أي كل من بلغ إليه من موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلة، وفي هذه الآية من الدلالة على شمول أحكام القرآن لمن سيوجد، كشمولها لمن قد كان موجوداً وقت النزول، ما لا يحتاج معه إلى تلك الخزعبلات المذكورة في علم أصول الفقه.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

ثم ختم الله تعالى هذه الأقوال أو الأوامر القولية المبينة لحقيقة الدين ودلائله بشهادته لرسوله وشهادة رسوله له فقال: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم}

أما معنى الآية فهو أن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأل كفار قريش: أي شيء شهادته أكبر شهادة وأعظمها وأجدر بأن تكون أصلحها وأصدقها؟ ثم أمره بأن يجيب هو عن هذا السؤال بأن أكبر الأشياء شهادة الذي لا يجوز أن يقع في شهادته كذب ولا زور ولا خطأ هو الله تعالى وهو شهيد بيني وبينكم، وأوحي إلي هذا القرآن من لدنه لأنذركم به عقابه على تكذيبي فيما جئت به مؤيدا بشهادته سبحانه، وأنذر من بلغه هذا القرآن في كل مكان وكل زمان؛ إذ كل من بلغه فهو مدعو إلى إتباعه حتى تقوم الساعة.

شهادة الشيء حضوره ومشاهدته، والشهادة به الإخبار به عن علم ومعرفة واعتقاد مبني على المشاهدة بالبصر أو بالبصيرة أي العقل والوجدان ومنه الشهادة بالتوحيد، وإثبات الشيء بالدليل والبرهان شهادة به، وشهادة الله بين الرسول وبين قومه قسمان: شهادته سبحانه برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وشهادته بما جاء به. وشهادته عز وجل برسالة رسوله ثلاثة أنواع (أحدها) إخباره بها في كتابه بمثل قوله: {محمد رسول الله} [الفتح:29] {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا} [فاطر: 24] {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} [سبأ:28] {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء:107] {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين} [البقرة: 252] {يس، والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين} [يس:1-3].

فهذه شهادات وردت بغير لفظ الشهادة وهو غير شرط في صحتها خلافا لبعض الفقهاء، ولا يقتضي التلفظ به حقيتها فقد حكى الله عن إخوة يوسف أنهم {قالوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا} [يوسف:81] وهم لم يقولوا: نشهد إن ابنك سرق. وقد سموا قولهم شهادة لأنه عن علم بما ثبت عليه عند عزيز مصر، وإن كان ذلك الإثبات مصنوعا. وقال تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون:1] فإنهم صرحوا بلفظ الشهادة ولما كانوا غير مؤمنين بها شهد الله تعالى بكذبهم فيها. وقال تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه} [النساء:166] فهذه شهادة صرح فيها باللفظ، وكذلك قوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لست مرسلا، قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم} [الرعد:43] وهي بمعنى هذه الآية التي نفسرها.

النوع الثاني من شهادة الله تعالى لرسوله: تأييده بالآيات الكثيرة وأعظمها القرآن- وهو الآية العلمية العقلية الدائمة بما ثبت بالفعل عن عجز البشر عن الإتيان بسورة من مثله. وبما اشتمل عليه من الآيات الكثيرة كأخبار الغيب ووعد الرسول والمؤمنين بنصره تعالى لهم وإظهارهم على أعدائهم وغير ذلك مما ثبت بالفعل عند أهل عصره ونقل إلينا بالتواتر. ومنها غير القرآن من الآيات الحسية والأخبار النبوية بالغيب التي ظهر بعضها في زمنه وبعضها بعد زمنه عليه أفضل الصلاة والسلام، كقوله في سبطه الحسن وهو طفل « ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين»، وقوله في عمار بن ياسر: « قتلته الفئة الباغية»، وقوله: « صنفان من أهل النار لم أرهما بعد رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، على رؤوسهن كأسنمة البخت».

النوع الثالث من شهادته لرسوله: شهادة كتبه السابقة له وبشارة الرسل الأولين به، ولا تزال هذه الشهادات والبشائر ظاهرة فيما بقي عند اليهود والنصارى من تلك الكتب وتواريخ أولئك الرسل عليهم السلام على ما طرأ عليها من التحريف، وقد تقدم بيان ذلك في تفسير السور السابقة ولاسيما المائدة. ولا تنسى هنا أخذه تعالى العهد على الرسل وقوله لهم: {أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري؟ قالوا أقررنا، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} [آل عمران:81] [ج:3].

وأما شهادته تعالى لما جاء به رسوله من التوحيد والبعث- وهو ما كانوا ينكرونه دون الآداب والفضائل والأحكام العلمية فهو ثلاثة أنواع: أحدها – شهادة كتابه معجز الخلق بذلك كقوله: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم * إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 18، 19]، وقوله: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا، قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبئون بما عملتم وذلك على الله يسير} [التغابن: 7].

ثانيها: ما أقامه من الآيات البينات في الأنفس والآفاق على توحيده واتصافه بصفات الكمال. وفي بيان ذلك في هذه السورة ما ليس في غيرها.

ثالثها: ما أودعه جل شأنه في الفطرة البشرية من الإيمان الفطري وبالألوهية وبقاء النفس وما هدى إليه العقول السليمة من تأييد هذا الشعور الفطري بالدلائل والبراهين. ولعلنا نشرح معنى الإيمان الفطري الذي بيناه من قبل بيانا موجزا في تفسير آية العهد الإلهي الذي أخذه على بني آدم، وهي قوله تعالى في سورة الأعراف: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا} [الأعراف: 172].

علم مما بيناه أن شهادته تعالى هي شهادة آياته في القرآن، وآياته في الأكوان وآياته في العقل والوجدان، اللذين أودعهما في نفس الإنسان، وهذه الآيات قد بينها القرآن وأرشد إليها، فهو الدعوى والبينة، والشاهد والمشهود له، وكفى به ظهورا بالحق وإظهار له، أنه لا يحتاج إلى شهادة غيره له، على أن الشهود والأدلة على حقيقته كثيرة. وقد جاءت جملة « وأوحي إلي هذا القرآن» معطوفة على جملة « الله شهيد بيني وبينكم» مصدرة بالفعل المبني للمفعول لأن المراد بنصها بيان أن القرآن هو موضوع الدعوة والرسالة المقصود منها بالذات، وتدل بموضعها دلالة إيمان على أنه أعظم شهادة لله تعالى.

وقوله تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} نص على عموم بعثة خاتم الرسل عليه أفضل الصلاة والسلام، أي لأنذركم به يا أهل مكة أو يا معشر قريش أو العرب وجميع من بلغه ووصلت إليه دعوته من العرب أو العجم، أو المعنى لأنذركم به أيها المعاصرون لي وجميع من بلغه إلى يوم القيامة. قال البيضاوي: وهو دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه. اه. يعني أن العبرة في دعوة الإسلام بالقرآن فمن لم يبلغه القرآن لا يصدق عليه أنه بلغته الدعوة، وحينئذ لا يكون مخاطبا بهذا الدين. ومفهومه أن الحجة لا تقوم بتبليغ دعوة الإسلام بالقواعد الكلامية والدلائل النظرية التي بني عليها ذلك العلم ولكنا نرى المسلمين قد تركوا دعوة القرآن وتبليغه بعد السلف الصالح وتركوا العلم به وبما بينه من السنة إلى تقليد المتكلمين والفقهاء. والقرآن حجة عليهم وإن جعلوا أنفسهم غير أهل للحجة.

ومما روي عن تفسير السلف في الآية من الأحاديث والآثار ما أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم والخطيب عن ابن عباس قال: « من بلغه القرآن فكأنما شافهته به – ثم قرأ – {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}» ويؤيد الرواية أن القرآن لما كان متواترا بلفظه ومعناه كان من بلغه بعده صلى الله عليه وسلم كمن سمعه منه وإن كثرت الوسائط، لأنه هو الذي بلغه بلا زيادة ولا نقصان. وليس للأحاديث المروي كثيرها بالمعنى هذه المزية. فهي موضع اجتهاد: وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي في الآية قال: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ: من بلغه القرآن حتى يفهمه ويعقله كان كمن عاين النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه. وأخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى فقال لهم: « هل دعيتم إلى الإسلام-؟ قالوا لا. فخلى سبيلهم ثم قرأ: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} ثم قال-خلوا سبيلهم حتى يأتوا مأمنهم من أجل أنهم لم يدعوا».

ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالشهادة له بالوحدانية التي جحدها المشركون وبراءته من قولهم وشهادتهم بالشرك فقال: {أءنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19)} قالوا إن الاستفهام هنا للتقرير مع الإنكار والاستبعاد. وقد أمره تعالى أن يجيب بأنه لا يشهد كما يشهدون، ثم أمره أمرا آخرا بأن يشهد بنقيض ما يزعمون ويتبرأ منه وهو أن يصرح بأن الإله لا يكون إلا واحدا، ويتبرأ مما يشركونه به من الأصنام وغيرها أو من إشراكهم مهما يكن موضوعه، وإنما قال: {قل إنما هو إله واحد} فأعاد الأمر ولم يعطف المأمور به على ما قبله لإفادة أن الإقرار بالوحدانية مقصود بذاته لا يغني عنه نفي الشهادة بالشرك.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وأخيرا تجيء قمة المد في هذه الموجة؛ ويجيء الإيقاع المدوي العميق؛ في موقف الإشهاد والإنذار والمفاصلة والتبرؤ من المشاركة في الشرك.. كل ذلك في رنة عالية، وفي حسم رهيب:

(قل: أي شيء أكبر شهادة؟ قل الله. شهيد بيني وبينكم، وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ، أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل: لا أشهد، قل: إنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون)..

إن تتابع المقاطع والإيقاعات في الآية الواحدة عجيب؛ وإن هذا التتابع ليرسم الموقف لحظة لحظة، ومشهدا مشهدا، ويكاد ينطق بملامح الوجوه فيه وخلجات الصدور..

فها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمر من ربه هذا الأمر.. ثم ها هو ذا يواجه المشركين الذين يتخذون من دون الله أولياء؛ يجعلون لهم بعض خصائص الألوهية مع الله؛ ويدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم على هذا الذي هم فيه ليدخلوا هم فيما جاءهم به! كأن ذلك يمكن أن يكون! وكأنه يمكن أن يجتمع الإسلام والشرك في قلب واحد على هذا النحو الذي كانوا يتصورونه؛ والذي لا يزال يتصوره ناس في هذا الزمان، من أنه يمكن أن يكون الإنسان مسلما لله؛ بينما هو يتلقى من غير الله في شؤون الحياة؛ وبينما هو يخضع لغير الله ويستنصر بغير الله، ويتولى غير الله!

ها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يواجه هؤلاء المشركين؛ ليبين لهم مفرق الطريق بين دينه ودينهم، وبين توحيده وشركهم، وبين إسلامه وجاهليتهم. وليقرر لهم: أنه لا موضع للقاء بينه وبينهم، إلا أن يتخلصوا هم من دينهم ويدخلوا في دينه. وأنه لا وجه للمصالحة في هذا الأمر؛ لأنه يفترق معهم في أول الطريق!

وها هو ذا يبدأ معهم مشهد الإشهاد العلني المفتوح المكشوف:

(قل: أي شيء أكبر شهادة؟)..

أي شاهد في هذا الوجود كله هو أكبر شهادة؟ أي شاهد تعلو شهادته كل شهادة؟ أي شاهد تحسم شهادته في القضية فلا يبقى بعد شهادته شهادة؟

وللتعميم المطلق، حتى لا يبقى في الوجود كله (شيء) لا يستقصى وزنه في مقام الشهادة: يكون السؤال: (أي شيء أكبر شهادة؟).

وكما يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسؤال، فهو يؤمر كذلك بالجواب. ذلك أنه لا جواب غيره باعتراف المخاطبين أنفسهم. ولا جواب غيره في حقيقة الأمر والواقع:

ل: الله..

نعم! فالله -سبحانه وتعالى- هو أكبر شهادة.. هو الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين.. هو الذي لا شهادة بعد شهادته، ولا قول بعد قوله. فإذا قال فقد انتهى القول، وقد قضي الأمر.

فإذا أعلن هذه الحقيقة: حقيقة أن الله سبحانه هو أكبر شهادة، أعلن لهم أنه -سبحانه- هو الشهيد بينه وبينهم في القضية:

(شهيد بيني وبينكم)..

على تقدير: هو شهيد بيني وبينكم -فهذا التقطيع في العبارة هو الأنسب في جو المشهد: وهو أولى من الوصل على تقدير: (قل الله شهيد بيني وبينكم).

فإذا تقرر المبدأ: مبدأ تحكيم الله سبحانه في القضية، أعلن إليهم أن شهادة الله سبحانه، تضمنها هذا القرآن، الذي أوحاه إليه لينذرهم به؛ وينذر به كل من يبلغه في حياته صلى الله عليه وسلم أو من بعد. فهو حجة عليهم وعلى من يبلغه غيرهم؛ لأنه يتضمن شهادة الله في هذه القضية الأساسية؛ التي تقوم عليها الدنيا والآخرة، ويقوم عليها الوجود كله والوجود الإنساني ضمنا:

(وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ)..

فكل من بلغه هذا القرآن من الناس، بلغة يفهمها، ويحصل منها محتواه، فقد قامت عليه الحجة به، وبلغه الإنذار، وحق عليه العذاب، إن كذب بعد البلاغ.. [فأما من يحول عدم فهمه للغة القرآن دون فهمه لفحواه، فلا تقوم عليه الحجة به؛ ويبقى إثمه على أهل هذا الدين الذين لم يبلغوه بلغته التي يفهم بها مضمون هذا الشهادة.. هذا إذا كان مضمون القرآن لم يترجم إلى لغته]..

فإذا أعلن إليهم أن شهادة الله- سبحانه -متضمنة في هذا القرآن، أعلن إليهم مضمون هذه الشهادة في صورة التحدي والاستنكار لشهادتهم هم، المختلفة في أساسها عن شهادة الله سبحانه. وعالنهم بأنه ينكر شهادتهم هذه ويرفضها؛ وأنه يعلن غيرها ويقرر عكسها ويشهد لربه بالوحدانية المطلقة والألوهية المتفردة؛ وأنه يفاصلهم على هذا عند مفرق الطريق؛ وأنه يتبرأ من شركهم في صيغة التشديد والتوكيد:

(أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل: لا أشهد، قل: إنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون)..

والنصوص القرآنية بمقاطعها هذه، وبإيقاعاتها هذه، تهز القلوب بما لا يملك البيان البشري أن يفعل فلا أريد أن أوقف تدفقها وانسكابها في القلب بأي تعليق.

تعقيب على الوحدة- الولاء والتوحيد والمفاصلة

ولكني أريد أن أتحدث عن القضية التي تضمنها هذا المقطع، وجرت بها هذه الموجة.. إن هذه القضية التي عرضها السياق القرآني في هذه الآيات.. قضية الولاء والتوحيد والمفاصلة.. هي قضية هذه العقيدة؛ وهي الحقيقية الكبرى فيها. وان العصبة المؤمنة اليوم لخليقة بأن تقف أمام هذا الدرس الرباني فيها وقفة طويلة..

إن هذه العصبة تواجه اليوم من الجاهلية الشاملة في الأرض، نفس ما كانت تواجهه العصبة التي تنزلت عليها هذه الآيات، لتحدد على ضوئها موقفها، ولتسير على هذا الضوء في طريقها؛ وتحتاج -من ثم- أن تقف وقفة طويلة أمام هذه الآيات، لترسم طريقها على هداها.

لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية؛ وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويوم جاءها الإسلام مبينا على قاعدته الكبرى:"شهادة أن لا إله إلا الله".. شهادة أن لا إله إلا الله بمعناها الذي عبر عنه ربعي بن عامر رسول قائد المسلمين إلى رستم قائد الفرس، وهو يسأله: "ما الذي جاء بكم؟ "فيقول:"الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"..

وهو يعلم أن رستم وقومه لا يعبدون كسرى بوصفه إلها خالقا للكون؛ ولا يقدمون له شعائر العبادة المعروفة؛ ولكنهم إنما يتلقون منه الشرائع، فيعبدونه بهذا المعنى الذي يناقض الإسلام وينفيه؛ فأخبره أن الله ابتعثهم ليخرجوا الناس من الأنظمة والأوضاع التي يعبد العباد فيها العباد، ويقرون لهم بخصائص الألوهية -وهي الحاكمية والتشريع والخضوع لهذه الحاكمية والطاعة لهذا التشريع- [وهي الأديان].. إلى عبادة الله وحده وإلى عدل الإسلام.

لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا الله. فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان؛ ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: "لا إله إلا الله"؛ دون أن يدرك مدلولها، ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها، ودون أن يرفض شرعية "الحاكمية "التي يدعيها العباد لأنفسهم -وهي مرادف الألوهية- سواء ادعوها كأفراد، أو كتشكيلات تشريعية، أو كشعوب. فالأفراد، كالتشكيلات، كالشعوب، ليست آلهة، فليس لها إذن حق الحاكمية.. إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية، وارتدت عن لا إله إلا الله. فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية. ولم تعد توحد الله، وتخلص له الولاء..

البشرية بجملتها، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات: "لا إله إلا الله" بلا مدلول ولا واقع.. وهؤلاء أثقل إثما وأشد عذابا يوم القيامة، لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد -من بعدما تبين لهم الهدى- ومن بعد أن كانوا في دين الله!

فما أحوج العصبة المسلمة اليوم أن تقف طويلا أمام هذه الآيات البينات!

ما أحوجها أن تقف أمام آية الولاء:

(قل: أغبر الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض، وهو يطعم ولا يطعم؟ قل: إني أمرت أن أكون أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين)..

ذلك لتعلم أن اتخاذ غير الله وليا -بكل معاني "الولي".. وهي الخضوع والطاعة، والاستنصار والاستعانة.. يتعارض مع الإسلام، لأنه هو الشرك الذي جاء الإسلام ليخرج منه الناس.. ولتعلم أن أول ما يتمثل فيه الولاء لغير الله هو تقبل حاكمية غير الله في الضمير أو في الحياة.. الأمر الذي تزاوله البشرية كلها بدون استثناء. ولتعمل أنها تستهدف اليوم إخراج الناس جميعا من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده؛ وأنها تواجه جاهلية كالتي واجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم والجماعة المسلمة حين تلقي هذه الآيات..

وما أحوجها أن تستصحب في مواجهتها للجاهلية تلك الحقائق والمشاعر التي تسكبها في القلب المؤمن الآيات التالية:

(قل: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه، وذلك الفوز المبين. وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير. وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير)..

فما أحوج من يواجه الجاهلية بطاغوتها وجبروتها، وبإعراضها وعنادها، وبالتوائها وكيدها، وبفسادها وانحلالها.. ما أحوج من يواجه هذا الشر كله، أن يستصحب في قلبه هذه الحقائق وهذا المشاعر.. مخافة المعصية والولاء لغير الله. ومخافة العذاب الرعيب الذي يترقب العصاة.. واليقين بأن الضار والنافع هو الله. وأن الله هو القاهر فوق عباده فلا معقب على حكمه ولا راد لما قضاه. إن قلبا لا يستصحب هذه الحقائق وهذه المشاعر لن يقوى على تكاليف" إنشاء "الإسلام من جديد في وجه الجاهلية الطاغية.. وهي تكاليف هائلة تنوء بها الجبال!

ثم ما أحوج العصبة المؤمنة- بعد أن تستيقن حقيقة مهمتها في الأرض اليوم؛ وبعد أن تستوضح حقيقة العقيدة التي تدعو إليها ومقتضياتها من إفراد الله سبحانه بالولاء بكل مدلولاته؛ وبعد أن تستصحب معها في مهمتها الشاقة تلك الحقائق والمشاعر. ما أحوجها بعد ذلك كله إلى موقف الإشهاد والقطع والمفاصلة والتبرؤ من الشرك الذي تزاوله الجاهلية البشرية اليوم كما كانت تزاوله جاهلية البشرية الأولى. وأن تقول ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله؛ وأن تقذف في وجه الجاهلية، بما قذف به في وجهها الرسول الكريم، تنفيذا لأمر به العظيم:

(قل: أي شيء أكبر شهادة؟ قل: الله، شهيد بيني وبينكم، وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ. أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل: لا أشهد. قل: إنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون)..

إنه لا بد أن تقف العصبة المسلمة في الأرض، من الجاهلية التي تغمر الأرض، هذا الموقف. لا بد أن تقذف في وجهها بكلمة الحق هذه عالية مدوية، قاطعة فاصلة، مزلزلة رهيبة.. ثم تتجه إلى الله تعلم أنه على كل شيء قدير، وأنه هو القاهر فوق عباده. وأن هؤلاء العباد -بما فيهم الطواغيت المتجبرون- أضعف من الذباب، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه! وأنهم ليسوا بضارين من أحد إلا بإذن الله؛ وليسوا بنافعين أحدا إلا بإذن الله، وأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ولا بد أن تستيقن العصبة المسلمة كذلك أنها لن تنصر ولن يتحقق لها وعد الله بالتمكين في الأرض، قبل أن تفاصل الجاهلية على الحق عند مفترق الطريق. وقبل أن تعلن كلمة الحق في وجه الطاغوت، وقبل أنتشهد على الجاهلية هذا الإشهاد، وتنذرها هذه النذارة، وتعلنها هذا الإعلان، وتفاصلها هذه المفاصلة، وتتبرأ منها هذه البراءة..

إن هذا القرآن لم يأت لمواجهة موقف تاريخي؛ إنما جاء منهجا مطلقا خارجا عن قيود الزمان والمكان. منهجا تتخذه الجماعة المسلمة حيثما كانت في مثل الموقف الذي تنزل فيه هذا القرآن. وهي اليوم في مثل هذا الموقف تماما؛ وقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا القرآن لينشئ الإسلام في الأرض إنشاء.. فليكن اليقين الجازم بحقيقة هذا الدين. والشعور الواضح بحقيقة قدرة الله وقهره. والمفاصلة الحاسمة مع الباطل وأهله.. لتكن هذه عدة الجماعة المسلمة.. والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

روى الواحدي في « أسباب النزول» عن الكلبي: أنّ رؤساء مكّة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً مصدّقَك بما تقول، وقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس عندهم ذكرُك ولا صفتك فأرِنا من يشهد أنّك رسول الله. فنزلت هذه الآية.

وقد ابتدئت المحاورة بأسلوب إلقاء استفهام مستعمل في التقرير على نحو ما بيّنته عند قوله تعالى: {قل لمن ما في السماوات والأرض} [الأنعام: 12] ومثل هذا الأسلوب لإعداد السامعين لتلقّي ما يرد بعد الاستفهام.

و (أي) اسم استفهام يطلب به بيان أحد المشتركات فيما أضيف إليه هذا الاستفهام، والمضاف إليه هنا هو {شيء} المفسّر بأنَّه من نوع الشهادة.

و {شَيء} اسم عامّ من الأجناس العالية ذات العموم الكثير، قيل: هو الموجود، وقيل: هو ما يعلم ويصحّ وجوده. والأظهر في تعريفه أنّه الأمر الذي يعلم. ويجري عليه الإخبار سواء كان موجوداً أو صفة موجود أو معنى يتعقّل ويتحاور فيه، ومنه قوله تعالى: {فقال الكافرون هذا شيء عجيب أإذا متنا وكنّا تراباً ذلك رجْع بعيد} [ق: 2، 3].

وقد تقدّم الكلام على مواقع حسن استعمال كلمة (شيء) ومواقع ضعفها عند قوله تعالى: {ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع} في سورة [البقرة: 155].

( {وأكبَرُ} هنا بمعنى أقوى وأعدل في جنس الشهادات، وهو من إطلاق ما مدلوله عظم الذات على عظم المعنى، كقوله تعالى: {ورضوان من الله أكبر} [التوبة: 72] وقوله: {قل قتال فيه كبير} وقد تقدّم في سورة [البقرة: 217].

وقوة الشهادة بقوة اطمئنان النفس إليها وتصديق مضمونها.

وقوله: {شهادة} تمييز لنسبة الأكبرية إلى الشيء فصار ماصْدق الشيء بهذا التمييز هو الشهادة. فالمعنى: أيّة شهادة هي أصدق الشهادات، فالمستفهم عنه بِ {أي} فرد من أفراد الشهادات يطلب عِلم أنَّه أصدق أفراد جنسه.

والشهادة تقدّم بيانها عند قوله تعالى: {شهادة بينكم} في سورة [المائدة: 106].

ولمّا كانت شهادة الله على صدق الرسول غير معلومة للمخاطبين المكذّبين بأنّه رسول الله، صارت شهادة الله عليهم في معنى القسم على نحو قوله تعالى: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الكاذبين} [النور: 8] أي أن تُشهد الله على كذب الزوج، أي أن تحلف على ذلك بسم الله، فإنّ لفظ (أشهد الله) من صيغ القسم إلاّ أنّه إن لم يكن معه معنى الإشهاد يكون مجازاً مرسلاً، وإن كان معه معنى الإشهاد كما هنا فهو كناية عن القسم مراد منه معنى إشهاد الله عليهم، وبذلك يظهر موقع قوله: {الله شهيد بيني وبينكم}، أي أشهده عليكم.

وقريب منه ما حكاه الله عن هود {قال إنّي أشهد الله} [هود: 54].

وقوله: {قل الله شهيد بيني وبينكم} جواب للسؤال، ولذلك فصلت جملته المصدّرة ب {قل}. وهذا جواب أمر به المأمور بالسؤال على معنى أن يسأل ثم يبادر هو بالجواب لكون المراد بالسؤال التقرير وكون الجواب ممّا لا يسع المقرّر إنكاره، على نحو ما بيّنّاه في قوله: {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله} [الأنعام: 12] ووقع قوله: {الله شهيد بيني وبينكم} جواباً على لسانهم لأنّه مرتّب على السؤال وهو المقصود منه فالتقدير: قل شهادة الله أكبر شهادة، فالله شهيد بيني وبينكم، فحذف المرتّب عليه لدلالة المرتّب إيجازاً كما هو مقتضى جزالة أسلوب الإلجاء والجدل. والمعنى: أنّي أشهد الله الذي شهادته أعظم شهادة أنّني أبلغتكم أنّه لا يرضى بأن تشركوا به وأنذرتكم.

ومعنى: {شهيد بيني وبينكم} أنّه لمّا لم تنفعهم الآيات والنذر فيرجعوا عن التكذيب والمكابرة لم يبق إلاّ أن يكلهم إلى حساب الله تعالى. والمقصود: إنذارهم بعذاب الله في الدنيا والآخرة. ووجه ذكر {بيني وبينكم} أنّ الله شهيد له، كما هو مقتضى السياق. فمعنى البيْن أنّ الله شهيد للرسول صلى الله عليه وسلم بالصدق لردّ إنكارهم رسالته كما هو شأن الشاهد في الخصومات.

وقوله: {وأوحي إليّ هذا القرآن} عطف على جملة {الله شهيد بيني وبينكم}، وهو الأهمّ فيما أقسم عليه من إثبات الرسالة. وينطوي في ذلك جميع ما أبلغهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما أقامه من الدلائل. فعطف {وأوحي إلي هذا القرآن} من عطف الخاصّ على العامّ، وحُذف فاعل الوحي وبني فعله للمجهول للعلم بالفاعل الذي أوحاه إليه وهو الله تعالى.

والإشارة ب {هذا القرآن} إلى ما هو في ذهن المتكلّم والسامع. وعطف البيان بعد اسم الإشارة بيَّن المقصود بالإشارة.

واقتصر على جعل علّة نزول القرآن للنذارة دون ذكر البشارة لأنّ المخاطبين في حال مكابرتهم التي هي مقام الكلام لا يناسبهم إلاّ الإنذار، فغاية القرآن بالنسبة إلى حالهم هي الإنذار، ولذلك قال {لأنذركم به} مصرَّحاً بضمير المخاطبين. ولم يقل: لأنذر به، وهم المقصود ابتداء من هذا الخطاب وإن كان المعطوف على ضميرهم ينذر ويبشّر. على أنّ لام العلّة لا تؤذن بانحصار العلّة في مدخولها إذ قد تكون للفعل المعدّى بها علل كثيرة.

{ومن بلغ} عطف على ضمير المخاطبين، أي ولأنذر به من بلغه القرآن وسمعه ولو لم أشافهه بالدعوة، فحذف ضمير النصب الرابط للصلة لأنّ حذفه كثير حسن، كما قال أبو علي الفارسي.

وعموم {مَن} وصلتها يشمل كلّ من يبلغه القرآن في جميع العصور.

{أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله ءَالِهَةً أخرى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله واحد وَإِنَّنِي بريء مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.

جملة مستأنفة من جملة القول المأمور بأن يقوله لهم. فهي استئناف بعد جملة {أيّ شيء أكبر شهادة}. خصّ هذا بالذكر لأنّ نفي الشريك لله في الإلهية هو أصل الدعوة الإسلامية فبعد أن قرّرهم أنّ شهادة الله أكبر شهادة وأشهد الله على نفسه فيما بلّغ، وعليهم فيما أعرضوا وكابروا؛ استأنف استفهاماً على طريقة الإنكار استقصاء في الإعذار لهم فقال: أتشهدون أنتم على ما أصررتم عليه أنّ مع الله آلهة أخرى كما شهدت أنا على ما دعوتكم إليه، والمقرّر عليه هنا أمر ينكرونه بدلالة المقام.

وإنّما جعل الاستفهام المستعمل في الإنكار عن الخبر الموكّد ب (إنّ) ولام الابتداء ليفيد أنّ شهادتهم هذه ممَّا لا يكاد يصدَّق السامعون أنّهم يشهدونها لاستبعاد صدورها من عقلاء، فيحتاج المخبر عنهم بها إلى تأكيد خبره بمؤكّديْن فيقول: إنّهم ليشهدون أنّ مع الله آلهة أخرى، فهنالك يحتاج مخاطبهم بالإنكار إلى إدخال أداة الاستفهام الإنكاري على الجملة التي من شأنها أن يحكى بها خبرهم، فيفيد مثلُ هذا التركيب إنكارين: أحدهما صريح بأداة الإنكار، والآخر كنائي بلازم تأكيد الإخبار لغرابة هذا الزعم بحيث يشكّ السامع في صدوره منهم.

ومعنى {لتشهدون} لتدّعونا دعوى تحقَّقونها تحقيقاً يشبه الشهادة على أمر محقّق الوقوع، فإطلاق {تشهدون} مشاكلة لقوله {قل الله شهيد بيني وبينكم}.

والآلهة جمع إله، وأجري عليه الوصف بالتأنيث تنبيهاً على أنّها لا تعقل فإنّ جمع غير العاقل يكون وصفه كوصف الواحدة المؤنّثة.

وقوله: {قل لا أشهد} جواب للاستفهام الذي في قوله: {أإنّكم لتشهدون} لأنّه بتقدير: قل أإنّكم، ووقعت المبادرة بالجواب بتبرّىء المتكلّم من أن يشهد بذلك لأنّ جواب المخاطبين عن هذا السؤال معلوم من حالهم أنّهم مقرّون به فأعرض عنهم بعد سؤالهم كأنّه يقول: دعْنا من شهادتكم وخذوا شهادتي فإنّي لا أشهد بذلك. ونظير هذا قوله تعالى: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} [الأنعام: 15].

وجملة: {قل إنّما هو إله واحد} بيان لجملة {لا أشهد} فلذلك فصلت لأنّها بمنزلة عطف البيان، لأنّ معنى لا أشهد بأنّ معه آلهة هو معنى أنّه إله واحد، وأعيد فعل القول لتأكيد التبليغ.

وكلمة {إنّما} أفادت الحصر، أي هو المخصوص بالوحدانية: ثم بالغ في إثبات ذلك بالتبرّي من ضدّه بقوله: {وإنّني بريء ممَّا تشركون}. وفيه قطع للمجادلة معهم على طريقة المتاركة.

و (ما) في قوله: {ممّا تشركون} يجوز كونها مصدرية، أي من إشراككم. ويجوز كونها موصولة، وهو الأظهر، أي من أصنامكم التي تشركون بها، وفيه حذف العائد المجرور لأنّ حرف الجرّ المحذوف مع العائد متعيّن تقديره بلا لبس، وذلك هو ضابط جواز حذف العائد المجرور، كقوله تعالى: {أنسجد لما تأمرنا} [الفرقان: 60] أي بتعظيمه، وقوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر} أي بالجهر به. وظاهر كلام « التسهيل» أنّ هذا ممنوع، وهو غفلة من مؤلّفه اغترّ بها بعض شرّاح كتبه.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

والنص القرآني الذي نتكلم فيه اشتمل على أمور ثلاثة: أولها: بيان أنه المعجزة المثبتة لصدق النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر بالإشارة إذ قال: (وأوحي إلي هذا القرآن) وقد ثبت بالتحدي عجزهم عن أن يأتوا بمثله.

ثانيها: أنه مشتمل على الإنذار للمشركين والمخالفين والعصاة إن استمروا على غيهم ولم يستجيبوا لنداء ربهم ودعوة نبيهم على الوحدانية والفضيلة وتكون مجتمع سليم نقي.

ثالثها: أن النص يتضمن أن القرآن حجة وإنذار لكل من بلغه سواء خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم أم بلغه وقد بين ذلك قوله تعالى: (لأنذركم به ومن بلغ) أي أن من بلغ القرآن فهو مخاطب به، سواء أكان من العرب أم كان من العجم، وكأنه خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم ولقد روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: (بلغوا عن الله تعالى، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله) وروى عن جمع من التابعين أنهم كانوا يقولون: (من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم). وإن هذا النص يستفاد منه أمران: أولهما: أن من لم يبلغه القرآن ولا يعلم عنه شيئا فإنه لا يعتبر قد بلغته الدعوة الإسلامية وإثمه على الذين تقاصروا عن تبليغها وبيانها. ثانيهما: أنه لا معذرة لمن يعرف القرآن في الكفر بالحقائق الإسلامية. ولكن كيف التبليغ بالقرآن والعجمة سائدة في هذا الوجود سواء أكانت إنجليزية أو فرنسية أو غيرهما؟ والجواب ذلك أنه يجب في سبيل الدعوة إلى الإسلام التي هي فرض كفاية على المسلمين يأثم المسلمون جميعا إن لم يكن دعاة إلى الإسلام يجب عليهم أن تفسر طائفة مخلصة مؤمنة فاهمة القرآن تفسيرا موجزا تبين معانيه، ويترجم ذلك التفسير إلى كل لغة أعجمية.

(أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ). شهادة الله التي فصل بها في القضية ونطق بها القرآن الكريم، ولذا أحيل بيانها إلى القرآن في قوله تعالى: (وأوحي إلي هذا القرآن) وفي هذا النص السامي يقابل بينها وبين شهادتهم وما يتبعه، النبي صلى الله عليه وسلم أيتبع الله تعالى العلي الحكيم ام يتبع أهواءهم؟ معاذ الله أن يتبع الهوى بل إنه يتبع الهدى، والاستفهام هنا إنكاري لإنكار الواقع، فهم وقع منهم ذلك، وتأكد وقوعه ولم ينكروه ولذلك كان تأكيد وقوعهم بان قال تعالت كلماته: (أئنكم) فهو إنكار لهذا الأمر الواقع منهم وقوعا مؤكدا، وإنكار الواقع توبيخ، فالاستفهام هنا يتضمن معنى تقرير ما وقع منهم وتوبيخهم عليه، وعبر ب"تشهدون" للإشارة إلى قوة الضلال في نفوسهم إذا إنهم مع ضلال الفكرة الوثنية يعتقدونها أشد الاعتقاد لأن الشهادة لا تكون الا بالعلم اليقيني فهم يؤمنون ب (تشهدون) بالشرك أي بأن مع الله آلهة أخرى وتسمية الأوثان التي يشركون بها مع الله تعالى آلهة لأن ذلك في زعمهم فليست آلهة ولا يمكن أن تكون آلهة إذ هي أوثان أو أشياء أو أشخاص لا يكون منها نفع ولا ضرر وليست مفيدة في ذاتها وهم يعبدونها، فهي بزعمهم آلهة. ووصفت ب (أخرى) مع أنها جمع، وكان الظاهر أن توصف (بأخر) ليوصف الجمع بالجمع ولكن لأنها مشتركة في وصف جامع وهو أنها أحجار فهي في المعنى شيء واحد لذا وصفت، فهي في المعنى واحد وكذا وصفت بما يوصف به الواحد لا بما يوصف به العدد ب (أخرى) فيه إشارة إلى بطلان عبادتها. وانه من المبالغة في التوبيخ والتنديد أن يأمر الله تعالى نبيه بالا يشهد بما يشهدون بل يشهد بشهادة الحق، فيقول الله تعالى: (قل لا أشهد). وفي أمر الله تعالى له بالقول مع التنديد لهم والتوبيخ لهم ما يدعو إلى الاقتداء والتأسي به صلى الله عليه وسلم وهو العاقل الصادق الأمين المعروف بذلك بينهم جاهلية وإسلاما وإن ذهبت اللجاجة إلى إنكار المعروف بلسانه لا بقلبه. (قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ). هذا تقرير وتأكيد لمعنى الجملة السابقة وهي لا شهد وتحتمل أن تكون داخلة في مقول القول، ويكون مقول القول لا أشهد وإنما هو إله واحد، ويحتمل أن تكون جملة مبتدأة والفصل في الأول يكون لأنها بيان لما قبلها، وفي الثانية يكون لابتداء الكلام، وإن كان في المعنى فيه تقرير لما سبقه. والضمير (هو) يعود على الله تعالى وهذا النص السامي تضمن أمرين: أولهما: وحدة الله تعالى وقد نص عليه بقوله تعالى: (إنما هو إله واحد) وهذا يفيد قصر الأولوهية على الله تعالى فلا يعبد سواه سبحانه، ويفيد مع ذلك أنه لا يتصور أن يكون المعبود بحق غير واحد، لأن المنشئ المكون واحد ولا يتصور بمقتضى النظر إلا أن يكون المعبود واحدا. الأمر الثاني: التصريح ببراءة النبي صلى الله عليه وسلم مما يعبدون من أوثان يشركون بها مع الله تعالى: (وإنني بريء مما تشركون). في هذا النص تنديد شديدبعبادة الأوثان لأن الرجل العاقل يتبرأ منها، ولا يليق أن يعبدها وقد أكد براءته ب (عن) وبالوصف (برئ) وبأن ذلك انتحال منهم وليس ألوهية في شيء.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

لقد اختلف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع القوم المناوئين له. والاختلاف يتطلب حكما وبينة. والشهود هم إحدى البينات، فما بالنا والشاهد هو الله؟! إنه الشاهد والحكم والمنفذ. وشهادة الله لا تحايل فيها، وحكمه لا ظلم فيه، وإرادته لا تظلم عبدا مثقال ذرة، ولا شهادة – إذن – أكبر من شهادة الحق لرسوله بأنه رسول من الله. ولو شاء الحق لجعلكم كلكم مؤمنين، لكنه أراد للإنسان الاختيار. وحنان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على البشر هو الذي جعله يتمنى إيمانهم،...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

يستفاد من هذه العبارة أيضاً أنّ القرآن أعظم معجزة وأكبر شاهد على صدق دعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ثمّ يشير إِلى هدف نزول القرآن ويقول: (لأُنذركم به ومن بلغ) أي أنّ القرآن قد نزل عليّ لكي أنذركم، وأنذر جميع الذين يصل إِليهم عبر تاريخ البشر، وعلى امتداد الزمان وفي أرجاء العالم كافة كلامي، وأحذرهم من عواقب عصيانهم. يلاحظ هنا أنّ الكلام مقتصر على الإِنذار مع أنّ خطابات القرآن تجمع غالباً بين الإِنذار والبشرى، والسبب في ذلك يعود إِلى أنّ الكلام موجه هنا إِلى أفراد معاندين مصرين على المكابرة، ولا يمكن أن نتصور في الواقع عبارة أوجز وأشمل لبيان المقصود من هذه العبارة، وما فيها من دقّة وسعة يزيل كل إِيهام في عدم اختصاص دعوة القرآن بالعرب أو بزمان أو مكان معينين. بعض العلماء استدلوا بهذا التعبير وأمثاله على ختم النّبوة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذه الجملة تعني أنّ الرّسول قد بعث إلى جميع الذين تصلهم دعوته، وهذا يشمل جميع الذين يردون الحياة حتى نهاية العالم. وتفيد الأحاديث الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) أنّ مفهوم إِبلاغ القرآن لا يعني مجرّد وصول نصوصه إِلى الأقوام الأُخرى فحسب، بل إنّ المفهوم يشمل وصول ترجماته بمختلف اللغات إِلى تلك الأقوام.

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ} (19)

{ قل أي شيء أكبر شهادة } سؤال يقتضي جوابا ينبني عليه المقصود ، وفيه دليل على أن الله يقال فيه شيء لكن ليس كمثله شيء .

{ قل الله شهيد بيني وبينكم } يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون { الله } مبتدأ و{ شهيد } خبره ، والآخر : أن يكون تمام الجواب عند قوله : { قل الله } ، بمعنى أن الله أكبر شهادة ، ثم يبتدئ على تقدير هو شهيد بيني وبينكم ، والأول : أرجح لعدم الإضمار ، والثاني : أرجح لمطابقته للسؤال ، لأن السؤال بمنزلة من يقول : من أكبر الناس ؟ فيقال في الجواب : فلان وتقديره فلان أكبر ، والمقصود بالكلام استشهاد بالله الذي هو أكبر شهادة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهادة الله بهذا هي علمه بصحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وإظهار معجزته الدالة على نبوته .

{ ومن بلغ } عطف على ضمير المفعول في { لأنذركم } والفاعل { بلغ } ضمير القرآن ، والمفعول محذوف يعود على { من } تقديره : ومن بلغه والمعنى أوحى إلي هذا القرآن لأنذر به المخاطبين ، وهم أهل مكة ، وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم إلى يوم القيامة ، قال سعيد ابن جبير : من بلغه القرآن فكأنما رأى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل المعنى : ومن بلغ الحلم وهو بعيد .

{ قل أئنكم لتشهدون } الآية : تقرير للمشركين على شركهم ، ثم تبرأ من ذلك بقوله : لا أشهد ، ثم شهد الله بالوحدانية ، وروي أنها نزلت بسبب قوم من الكفار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ما تعلم مع الله إلها آخر .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ} (19)

ولما ختم{[28772]} بصفتي الحكمة والخبرة ، كان كأنه قيل : فلم لم يعلم{[28773]} أنا نكذبك{[28774]} بخبرته فيرسل معك بحكمته من يشهد لك - على ما يقول من أنه أمرك أن{[28775]} تكون أول من أسلم ، ونهاك عن الشرك لنصدقك - من ملك كما تقدم سؤالنا لك{[28776]} فيه{[28777]} أو كتاب في قرطاس أو غيرهما ؟ فقال : قد فعل ، ولم يرض لي{[28778]} إلا بشهادته المقدسة فقال - أو يقال : إنه لما أقام الأدلة على الوحدانية والقدرة ووصل إلى صفة القهر المؤذن بالانتقام ، لم يبق إلا الإشهاد عليهم إيذاناً بما يستحقونه من سوء العذاب وإنذاراً به لئلا يقولوا إذا حل{[28779]} بهم : إنه لم يأتنا نذير ، فقال : { قل } أي يا أيها الرسول لهم { أي شيء أكبر } أي{[28780]} أعظم وأجل{[28781]} { شهادة } فإن أنصفوا وقالوا : الله ! فقل : هو الذي يشهد{[28782]} لي ، كما قال في النساء " لكن الله يشهد بما أنزل إليك{[28783]} " ولكنه قطع الكلام هنا إشارة إلى عنادهم أو سكوتهم ، أو إلى تنزيلهم منزلة المعاند ، أو العالم بالشيء العامل عمل الجاهل ، فقال آمراً له صلى الله عليه وسلم : { قل الله } أي الملك الأعظم المحيط علماً وقدرة أكبر شهادة .

ولما كانوا بمعرض أن يسلموا ذلك ويقولوا : إنه لَكذلك ، ولكن هلم شهادته ! قال : { شهيد } أي هو أبلغ شاهد يشهد { بيني وبينكم } أي بهذا القرآن الذي ثبت بعجزكم{[28784]} عنه أنه كلامه ، وبغيره من الآيات التي عجزتم عن معارضتها ؛ ولما قرر أنه أعظم شهيد{[28785]} ، وأشار إلى شهادته بالآيات كلها ، نبه على أعظمها ، لأن إظهاره تعالى للقرآن على لسانه صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه شهادة من الله له{[28786]} بالصدق ، فقال ذاكراً لفائدته في سياق تهديد متكفل بإثبات الرسالة وإثبات الوحدانية ، وقدم الأول لأنه المقرر للثاني والمفهم{[28787]} له بغايته{[28788]} ، عاطفاً على جملة{[28789]} " شهيد " بانياً للمفعول ، تنبيهاً على أن الفاعل معروف للإعجاز ، وبنى للفاعل في السواد : { وأوحي إلي }{[28790]} وحقق الموحى به وشخّصه بقوله{[28791]} : { هذا القرآن } ولما كان في سياق التهديد قال مقتصراً على ما{[28792]} يلائمه{[28793]} : { لأنذركم } أي أخوفكم وأحذركم من اعتقاد شائبة نقص في الإله لا سيما الشرك{[28794]} { به ومن } أي وأنذر به كل من { بلغ } أي بلغه ، {[28795]} قال الفراء{[28796]} : والعرب تضمر الهاء في صلات " الذي " و " من " و " ما " .

وقال البخاري في آخر الصحيح : { لأنذركم به } يعني أهل مكة ، ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير علقه بصيغة الجزم عن ابن عباس ووصله إليه ابن أبي حاتم كما أفاده شيخنا في شرحه{[28797]} . وقال عبد الرزاق في تفسيره : أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بلغوا عن الله ، فمن بلغته{[28798]} آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله . وقال الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي{[28799]} في جواب سؤال ورد عليه سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل بعث إلى الجن - ومن خطه نقلتُ : الكتاب{[28800]} والسنة ناطقان{[28801]} بذلك ، والإجماع قائم عليه ، لا خلاف بين المسلمين فيه ؛ ثم أسند الإجماع إلى أبي طالب القضاعي وأبي عمر بن عبد البر في التمهيد وأبي محمد بن حزم في كتاب الفِصَل{[28802]} وغيرهم ثم قال : أما الكتاب فآيات إحداها { لأنذركم به ومن بلغ } قال محمد بن كعب القرظي{[28803]} : من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن عباس - فذكره ، وقال السدي : من بلغ{[28804]} القرآن فهو له نذير ، وقال ابن زيد : من بلغه هذا القرآن فأنا نذيره . وهذه كلها أقوال متفقة المعنى ، وقد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا الكلام وأن{[28805]} ينذر بالقرآن كل من بلغه ، ولم يخص إنساً ولا جناً من أهل التكليف ، ولا خلاف أن الجن مكلفون - انتهى{[28806]} . وسيأتي مما{[28807]} ذكر من الآيات وغيرها ما يليق بالاستدلال على الإرسال إلى الملائكة عليهم السلام ، فالمعنى : فمن صدق هذا القرآن فقد أفلح ، ومن كذب فليأت بسورة من مثله ، ثم عجزه شاهد على نفسه بالكذب ، وهو شهادة الله لي بالصدق ، ولأجل أن الله هو الشاهد لم تنقض الشهادة بموت النبي صلى الله عليه وسلم ، بل استمرت على مرّ الأيام{[28808]} وكرّ الأعوام لبقاء الشاهد وتعاليه عن شوائب النقص وسمات الحدث{[28809]} ، وإلى ذلك الإشارة بقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة " أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه . ولعل الاقتصار على الإنذار مع ما تقدم إشارة إلى أن أكثر الخلق هالك ، وقد ذكر في نزول هذه الآية أن أهل مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أما وجد الله رسولاً غيرك ؟ ما نرى أحداً يصدقك بما تقول ، ولقد سألنا عنك{[28810]} اليهود والنصارى{[28811]} فزعموا أنه ليس عندهم منك ذكر ، فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم ، فأنزلها الله .

ولما لم يبق لمتعنت شبهة ، ساق{[28812]} فذلكة ذلك وقطب دائرته - وهو لزوم التوحيد الذي جعلت الرسالة مُرَقَّى إليه ، فإذا ثبت في قلب فاضت أنواره بحسب{[28813]} ثباته حتى أنها ربما ملأت الأكوان وعلت على كيوان{[28814]} - مساق استفهام على طريقة الإنكار والتعجيب تعظيماً لشأنه وتفخيماً لمقامه{[28815]} وتنبيهاً لهم على أن يبعدوا عن الشرك فقال : أئنكم لتشهدون أن مع الله } أي الذي حاز جميع العظمة { آلهة } .

ولما كانوا لكثرة تعنتهم ربما أطلقوا على أسمائه سبحانه إله{[28816]} كما قالوا حين سمعوه صلى الله عليه وسلم يقول : " يا الله يا رحمن " كما سيأتي إن شاء الله تعالى آخر الحِجْر وآخر سبحان ، صرح بالمقصود على وجه{[28817]} لا يحتمل النزاع فقال : { أخرى } ولما كان كأنه قيل : إنهم{[28818]} ليقولون ذلك ، فماذا يقال لهم ؟ قال : { قل لا أشهد } أي معكم بشيء مما تقولونه لأنه باطل ، ولو كان حقاً لشهدت{[28819]} به .

ولما كان هذا غير قاطع لطمعهم فيه ، اجتثَّه من أصله وبرمته بقوله : { قل إنما هو } أي الإله { إله واحد } وهو الله{[28820]} الذي لا يعجزه شيء وهو يعجز كل شيء ، لأنه واحد لا كفوء له ، فإنكم عجزتم عن الإتيان بسورة من مثل كلامه وأنتم أفصح الناس .

ولما كان معنى هذا البراءة من إنذارهم ، صرح به في قوله مؤكداً في جملة اسمية : { وإنني بريء مما تشركون * } أي الآن وفي مستقبل الزمان إبعاداً من تطمعهم أن تكون{[28821]} الموافقة بينه وبينهم باتخاذه الأنداد أو شيئاً منها ولياً ، فثبت التوحيد بهذه الآية بأعظم طرق البيان{[28822]} وأبلغ وجوه التأكيد{[28823]} ، ولقد امتثل{[28824]} صلى الله عليه وسلم الأمر بإنذار من يمكن إبلاغه القرآن ، فلما استراح{[28825]} عن حرب{[28826]} قريش وكثير ممن حوله من العرب في عام الحديبية ، وهو سنة ست{[28827]} من الهجرة ، وأعلمه{[28828]} الله تعالى أن ذلك فتح مبين ، أرسل إلى من يليه من ملوك الأمصار في ذلك العام وما بعده ، وكان أكثر{[28829]} عند منصرفه من ذلك{[28830]} الاعتمار يدعوهم إلى جنات وأنهار في دار القرار ، وينذرهم دار البوار ، قال أهل السير : خرج صلى الله عليه وسلم - بعد رجوعه من عمرة الحديبية التي صد عنها - على أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فقال : " أيها الناس ! إن الله بعثني رحمة وكافة ، وإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم " وقال ابن عبد الحكم في{[28831]} فتوح مصر عن عبد الرحمن بن عبد القادر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ذات يوم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال : " أما بعد فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك العجم ، فأدوا عني يرحمكم الله ، ولا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون "

وقال ابن عبد الحكم : بنو إسرائيل - على عيسى ابن مريم عليهما السلام ، فقال المهاجرون : يا رسول الله ! والله لا نختلف عليك في شيء أبداً ، فمرنا وابعثنا ، فسألوه : كيف اختلف الحواريون على عيسى عليه السلام ؟ قال : دعاهم إلى الذي-{[28832]} وفي رواية{[28833]} لمثل الذي - دعوتكم إليه ، وقال ابن عبد الحكم : إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام أن ابعث إلى مقدس الأرض ، فبعث الحواريون - فأما من بعثه مبعثاً قريباً فرضي وسلم ، وأما من بعثه مبعثاً بعيداً فكره وجهه وتثاقل - قال ابن عبد الحكم : وقال : لا أحسن كلام من تبعثني إليه - فشكا ذلك عيسى عليه السلام إلى الله عز وجل ، فأصبح كل رجل - وقال ابن عبد الحكم : فأوحى الله تعالى إليه أني سأكفيك ، فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم - يتكلم بلغة الأمة{[28834]} التي بعث إليها . فقال عيسى عليه السلام : هذا أمر قد عزم الله عليه{[28835]} فامضوا له{[28836]} . وقال الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي في القاموس : إن المكان الذي جمع فيه{[28837]} عيسى عليه السلام الحواريين وأنفذهم إلى النواحي{[28838]} قرية بناحية{[28839]} طبرية تسمى الكرسي{[28840]} . وقال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب المصري أنه وجد كتاباً فيه ذكر من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البلدان وملوك العرب و{[28841]} العجم وما قال لأصحابه حين بعثهم ، قال : فبعث به إلى محمد بن شهاب الزهري فعرفه - فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال : قال ابن إسحاق : وكان من بعث عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم من الحواريين والأتباع الذين كانوا بعدهم{[28842]} في الأرض بطرس الحواري ومعه بولس{[28843]} - وكان بولس من الأتباع ولم يكن من الحواريين - إلى رومية{[28844]} ، وأندرائس{[28845]} ومنتا{[28846]} إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس ، وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق وقيبليس{[28847]} إلى قرطاجنة{[28848]} ، وهي إفريقية ، ويحنس{[28849]} إلى أقسوس{[28850]} قرية الفتية{[28851]} أصحاب الكهف ، ويعقوبس إلى أوراشلم وهي إيلياء قرية بيت المقدس ، وابن ثلما{[28852]} إلى الأعرابية ، وهي أرض الحجاز ، وسيمن{[28853]} إلى أرض البربر ، ويهودا ولم يكن من الحواريين ، جُعل مكان يودس{[28854]} - انتهى . كذا رأيت في نسخة معتمدة مقابلة من تهذيب السيرة لابن هشام ، وكذا في مختصرها للامام جمال الدين محمد بن المكرم{[28855]} الأنصاري عدد رسله وأسمائهم ، وفي آخرهم : قوله : مكان يودس ، ولم يتقدم ليودس ذكر ، والذي حررته أنا من الأناجيل التي بأيدي النصارى غير هذا ، ولعله أصح ، وقد جمعت ما تفرق{[28856]} من ألفاظها ، قال{[28857]} في إنجيل متى ما{[28858]} نصه - ومعظم السياق له : ودعا يعني عيسى عليه السلام - تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم سلطاناً على جميع الأرواح النجسة{[28859]} لكي يخرجوها ويشفوا كل الأمراض ؛ وفي إنجيل مرقس : وصعد إلى الجبل ودعا الذين أحبهم فأتوا إليه ، وانتخب اثني عشر ليكونوا معه ولكي يرسلهم ليكرزوا ، وأعطاهم سلطاناً على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين ، وفي إنجيل لوقا : وكان في تلك الأيام خرج إلى الجبل يصلي ، وكان ساهراً في صلاة الله{[28860]} ، فلما كان النهار دعا تلاميذه واختار منهم اثني عشر ؛ وقال في موضع آخر : ودعا الاثني عشر الرسل وأعطاهم قوة وسلطاناً على جميع الشياطين وشفاء المرضى ، وأرسلهم يكرزون بملكوت الله ويشفون{[28861]} الأوجاع ؛ وهذه أسماء{[28862]} الاثني عشر الرسل : سمعان المسمى بطرس - ونسبه في موضع{[28863]} من إنجيل متى{[28864]} : ابن يونا - وأندراوس أخوه{[28865]} ، ويعقوب بن زبدي{[28866]} ويوحنا أخوه- قال في إنجيل مرقس : وسماهما باسمي بوانرجس{[28867]} اللذين{[28868]} ابنا{[28869]} الرعد - وفيلبس{[28870]} وبرثولوماوس ، وتوما ومتى العشار ، ويعقوب بن حلفي ، ولباوس{[28871]} الذي يدعى تداوس{[28872]} ، وجعل في إنجيل مرقس بدل هذا : تدى ، وفي إنجيل لوقا بدلهما : يهوذا بن يعقوب ، ثم اتفقوا : وسمعان القاناني ، وقال في إنجيل لوقا : المدعو الغيور ، ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه - أي دل عليه في الليلة التي ادعى اليهود القبض عليه فيها -{[28873]} هؤلاء الاثنا عشر{[28874]} الرسل الذين أرسلهم يسوع - وفي إنجيل مرقس : ودعا الاثني عشر{[28875]} وجعل يرسلهم اثنين اثنين{[28876]} ، وأعطاهم السلطان على الأرواح النجسة - قائلاً : لا تسلكوا طريق الأمم ، ولا تدخلوا مدينة السامرة ، وانطلقوا خاصة إلى{[28877]} الخراف التي ضلت من بيت إسرائيل ، وإذا ذهبتم فاكرزوا وقولوأ : قد اقتربت ملكوت السماوات ، اشفوا المرضى ، أقيموا الموتى ، طهروا البرص ، أخرجوا الشياطين ، مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا ، لا تكنزوا{[28878]} ذهباً ولا فضة ولا نحاساً في مناطقكم ولا همياناً{[28879]} في الطريق ولا ثوبين ولا حذاء ولا عصى ، والفاعل مستحق طعامه ، وفي إنجيل مرقس : وأمرهم أن لا يأخذوا{[28880]} في الطريق غير عصى فقط ولا همياناً{[28881]} ولا خبزاً{[28882]} ولا فضة{[28883]} ولا نحاساً في مناطقهم إلا نعالاً في أرجلهم ولا يلبسوا{[28884]} قميصين ؛ وفي إنجيل لوقا : وقال لهم{[28885]} لا تحملوا في الطريق{[28886]} شيئاً ، لا عصى ولا همياناً{[28887]} ولا خبزاً ولا فضة ، ولا يكون لكم{[28888]} ثوبان{[28889]} ، وأي مدينة أو قرية دخلتموها فحصوا{[28890]} فيها عمن يستحقكم ، وكونوا هناك حتى تخرجوا{[28891]} ، فإذا دخلتم إلى البيت فسلموا عليه ، فإن كان البيت مستحقاً لسلامكم{[28892]} فهو يحل عليه ، وإن كان لا يستحق فسلامكم راجع إليكم ، ومن لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم فإذا خرجتم من ذلك البيت وتلك القرية أو تلك المدينة انفضوا غبار أرجلكم ؛ وفي إنجيل مرقس : وقال لهم : أي بيت دخلتموه أقيموا فيه إلى أن تخرجوا{[28893]} منه ، وأي موضع لم يقبلكم ولم يسمع منكم فإذا خرجتم من هناك فانفضوا الغبار الذي تحت أرجلكم للشهادة عليهم ، الحق أقول{[28894]} لكم ! إن الأرض{[28895]} سدوم و{[28896]} عامورا{[28897]} راحة في يوم الدين أكثر من تلك المدينة{[28898]} ، هو ذا أنا مرسلكم كالخراف بين الذئاب ، كونوا حكماء كالحية وودعاء{[28899]} كالحمام{[28900]} ، احذروا من الناس ، فإنهم يسلمونكم إلى المحافل ، وفي مجامعهم{[28901]} يضربونكم ، ويقدمونكم إلى القواد والملوك من أجلى شهادة لهم{[28902]} وللأمم - وفي إنجيل مرقس{[28903]} : شهادة عليهم وعلى كل الأمم ، ينبغي أولاً أن يكرزوا بالإنجيل - فإذا أسلموكم فلا تهتموا بما تقولون{[28904]} - وفي إنجيل مرقس : ولا ماذا تجيبون - فإنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به ، ولستم أنتم المتكلمين لكن روح أبيكم - وفي إنجيل{[28905]} مرقس : لكن روح القدس يتكلم فيكم - وسيسلم الأخ أخاه إلى الموت والأب ابنه ، ويقوم الأبناء على آبائهم فيقتلونهم ، وتكونون{[28906]} مبغوضين من الكل من أجل اسمي ، والذي يصبر إلى المنتهى يخلص ، فإذا طردوكم{[28907]} من هذه المدينة اهربوا إلى أخرى ، الحق الحق{[28908]} أقول لكم ! إنكم لا تكلمون مدائن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان ، ليس تلميذ أفضل من معلمه ، ولا عبد أفضل من سيده ، وحسب التلميذ أن يكون مثل معلمه والعبد مثل سيده ، إن كانوا سموا رب البيت باعل زبول فكم بالحري أهل بيته ! فلا تخافوهم ، فليس خفي إلا سيظهر ولا مكتوم إلا سيعلم ، الذي أقول لكم في الظلمة قولوه أنتم في النور ، وما سمعتموه بآذانكم فاكرزوا به على السطوح ، و{[28909]} لا تخافوا ممن{[28910]} يقتل الجسد ولا يستطيع أن يقتل النفس{[28911]} ، خافوا ممن يقدر أن يهلك النفس والجسد جميعاً في جهنم ، أليس{[28912]} عصفوران يباعان بفلس ، وواحد منهما لا يسقط على الأرض دون إرادة أبيكم ، وأنتم فشعور{[28913]} رؤوسكم كلها محصاة ، فلا تخافوا ، فإنكم أفضل من عصافير كثيرة ، لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض سلامة ، لكن سيفاً{[28914]} ، أتيت لأفرق الإنسان من أبيه والابنة{[28915]} من أمها ، والعروس من حماتها{[28916]} ، وأعداء الإنسان{[28917]} أهل بيته ، من أحب أباً أو{[28918]} أماً أكثر مني فما يستحقني ، ومن وجد نفسه فليهلكها ، ومن أهلك نفسه من أجلي وجدها ، ومن قبلكم فقد قبلني ، ومن قبلني فهو يقبل الذي أرسلني ، ومن يقبل نبياً باسم نبي فأجر نبي{[28919]} يأخذ ، ومن يأخذ صديقاً باسم صديق فأجر{[28920]} صديق يأخذ ، ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ {[28921]}- الحق أقول لكم{[28922]} - إن أجره لا يضيع ، ولما أكمل يسوع أمره لتلاميذه{[28923]} الاثني عشر ، انتقل من هناك ليعلم ويكرز في مدنهم{[28924]} ؛ وفي إنجيل مرقس : فلما خرجوا - يعني الرسل - كرزوا بالتوبة وأخرجوا شياطين كثيرة ومرضى عديدة{[28925]} يدهنونهم بالزيت فيشفون ؛ وفي إنجيل لوقا : ومن بعد هذا أيضاً ميز الرب سبعين آخرين{[28926]} وأرسلهم اثنين اثنين قدام وجهه إلى كل مدينة وموضع أزمَعَ أن يأتيه ، وقال لهم : إن الحصاد كثير والفعلة قليلون{[28927]} ، أطلبوا من{[28928]} رب الحصاد ليخرج فعلة لحصاده ؛ وفي إنجيل متى ما ظاهره أن هذا الكلام كان{[28929]} للاثني عشر ، فإنه{[28930]} قال قبل ذكر عددهم : فلما رأى الجمع تحنن عليهم لأنهم كانوا ضالين ومطرحين كالخراف التي ليس لها راع ، حينئذ قال لتلاميذه الاثني عشر - إلى آخر ما ذكرته عنه أولاً ، فيجمع بأنه قاله للفريقين{[28931]} - رجع إلى السياق الأول : اذهبوا ، وهو ذا أرسلكم كالخراف بين الذئاب ، لا تحملوا همياناً ولا حذاء ولا مزوداً و{[28932]} لا تقبلوا أحداً{[28933]} في الطريق ، وأي بيت دخلتموه فقولوا{[28934]} أولاً : سلام لأهل هذا البيت ، فإن كان هناك ابن سلامكم{[28935]} فإن سلامكم{[28936]} يحل عليه ، وإلا فسلامكم راجع إليكم ، وكونوا في ذلك البيت{[28937]} ، كلوا واشربوا من عندهم{[28938]} ، فإن الفاعل مستحق أجرته ، ولا تنتقلوا من بيت إلى بيت ، وأي مدينة دخلتموها ويقبلكم أهلها فكلوا مما يقدم لكم{[28939]} ، واشفوا المرضى الذين فيها ، وقولوا لهم : قد قربت ملكوت الله ، وأي مدينة دخلتموها ولا يقبلكم أهلها فاخرجوا{[28940]} من{[28941]} شوارعها وقولوا لهم{[28942]} : نحن ننفض لكم الغبار الذي لصق بأرجلنا من مدينتكم ، لكن اعلموا أن ملكوت الله قد قربت ، أقول لكم : إن سدوم{[28943]} في ذلك اليوم لها راحة أكثر من تلك المدينة{[28944]} ، الويل لك يا كورزين{[28945]} ! والويل لك يا بيت صيدا ! لأنه لو كان في صور وصيدا القوات التي كنَّ فيكما{[28946]} جلسوا وتابوا بالمسوح والرماد ، وأما صور وصيدا فلهما راحة في الدينونة أكثر منكم ، وأنت يا كفرناحوم لو أنك ارتفعت إلى السماء سوف تهبطين{[28947]} إلى الجحيم ، من سمع منكم فقد سمع مني ، ومن جحدكم فقد جحدني ، ومن جحدني{[28948]} فقد شتم الذي أرسلني ؛ فرجع السبعون بفرح قائلين{[28949]} : يا رب ! الشياطين باسمك تخضع لنا{[28950]} يا رب{[28951]} فقال لهم : قد رأيت الشيطان{[28952]} سقط من السماء مثل البرق ، وهو ذا قد أعطيتكم سلطاناً لتدوسوا{[28953]} الحيات والعقارب وكل قوة العدو ، ولا يضركم شيء ، ولكن{[28954]} لا تفرحوا{[28955]} بهذا أن الأرواح تخضع لكم ، افرحوا لأن أسماءكم مكتوبة في السماوات ، وفي تلك الساعة تهلل يسوع بالروح ، والتفت إلى تلاميذه خاصة وقال : طوبى للأعين التي ترى ما رأيتم ! أقول لكم : إن أنبياء كثيرين{[28956]} و{[28957]} ملوكاً اشتهوا أن ينظروا ما نظرتم فلم ينظروا ، ويسمعوا ما سمعتم فلم يسمعوا ؛ وفي إنجيل متى - بعد ما ادعى اليهود صلبه - أنه ظهر لتلاميذه الأحد عشر - وهم من تقدم غير يهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه - في الجليل في الجبل الذي أمرهم به يسوع ، وكلمهم قائلاً : أعطيت كل سلطان في السماء وعلى الأرض ، فاذهبوا الآن وتلمذوا كل الأمم ؛ وفي آخر إنجيل مرقس أنه ظهر لهم وهم مجتمعون ، وكانوا في تلك الأيام يبكون وينوحون فبكّتهم لقلة{[28958]} إيمانهم وقسوة قلوبهم وقال لهم : امضوا إلى العالم أجمع{[28959]} ، واكرزوا بالإنجيل في الخليقة كلها ، فمن آمن واعتمد خلص ، ومن لم يؤمن يدان ، وهذه الآيات تتبع{[28960]} المؤمنين ، يخرجون الشياطين باسمي{[28961]} ويتكلمون بألسنة جديدة ، ويحملون بأيديهم الحيات ولا تؤذيهم .

ويشربون السم القاتل فلا يضرهم ، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون ، ومن بعد ما كلمهم يسوع ارتفع{[28962]} إلى السماء ، فخرج أولئك يكرزون في كل مكان ؛ وفي إنجيل لوقا : فلما خرجوا كانوا يطوفون في القرى ويبشرون ويشفون في كل موضع وفي آخره بعد أن ذكر تلامذته الأحد عشر{[28963]} وكلاماً كانوا يخوضون فيه بعد ادعاء اليهود لصلبه : وفيما هم يتكلمون وقف يسوع في وسطهم وقال لهم : السلام لكم{[28964]} ، أنا هو ! لا تخافوا ، فاضطربوا وظنوا أنهم ينظرون روحاً فقال : ما بالكم تضطربون ؟ ولِمَ تأتي الأفكار في قلوبكم ؟ انظروا يدي ورجلي فإني أنا هو ! جسّوني وانظروا ، إن الروح ليس له لحم ولا عظم كما ترون أنه لي ؛ ولما قال هذا أراهم{[28965]} يديه ورجليه ، وإذا هم غير مصدقين من الفرح ، قال لهم : أعندكم ههنا ما يؤكل ؟ فأعطوه{[28966]} جزءاً من حوت مشوي ومن شهد عسل ، فأخذ قدامهم وأكل ، وأخذ الباقي وأعطاهم ، وقال لهم : هذا الكلام الذي كلمتكم به إذ{[28967]} كنت معكم ، وأنه سوف يكمل كل شيء هو مكتوب في ناموس موسى والأنبياء والمزامير لأجلي ، وحينئذ فتح أذهانهم ليفهموا ، وقال لهم : اجلسوا أنتم في المدينة يروشليم حتى تتذرعوا{[28968]} لقوة من العلى ، ثم أخرجهم خارجاً إلى بيت عنيا ، فرفع يديه وباركهم ، وكان فيما هو يباركهم انفرد عنهم{[28969]} وصعد إلى السماء أمامهم ، فرجعوا إلى يروشليم بفرح عظيم ، وكانوا في كل حين يسبحون ويباركون الله - انتهى ما نقلته من الأناجيل . وما{[28970]} كان فيه من لفظ يوهم نقصاً ما{[28971]} فقد تقدم في أول{[28972]} آل عمران أنه لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى وإن كان صح إطلاقه في شرعهم ، فهو مؤول وقد نسخ ؛ وقال الإمام محيي السنة البغوي في تفسير آل عمران فيما نقله عن وهب : فلما كان بعد سبعة أيام - أي من ادعاء اليهود لصلبه - قال الله تعالى لعيسى عليه السلام : اهبط على مريم المجدلانية في جبلها ، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها ، ولم يحزن عليك{[28973]} أحد حزنها ، ثم لتجمع لك الحواريين فتبثهم{[28974]} في الأرض دعاة إلى الله تعالى ، فأهبطه{[28975]} الله تعالى عليها فاشتعل{[28976]} الجبل حين هبط نوراً ، فجمعت له الحواريين فبثهم{[28977]} في الأرض دعاة ، ثم رفعه الله إليه ، وتلك الليلة هي التي تدخن{[28978]} فيها النصارى ، فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى عليه السلام إليهم ، فذلك قوله تعالى{ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين{[28979]} }[ آل عمران : 54 ] هذا ما ذكر{[28980]} من شأن رسل عيسى عليه السلام أنهم كانوا دعاة ، وأما رسل{[28981]} النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم{[28982]} كانوا مبلغين لكتبه صلى الله عليه وسلم ، فمن قبل ذلك كان حظه من الله ، ومن أبى كان جوابه السيف الماحق لدولته - كما ذكرته مستوفى في شرحي لنظمي للسيرة{[28983]} وهو مذكور في فتوح البلاد ؛ ولما بعث صلى الله عليه وسلم رسله اتخذ لأجل مكاتبة الملوك الخاتم ، أخرج أبو يعلى في مسنده عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر - وفي رواية : وأكيدر دومة و{[28984]} إلى كل جبار - يدعوهم إلى الله وأخرج الشيخان في صحيحهما - وهذا لفظ مسلم - عن أنس بن مالك أيضاً رضي الله عنه قال : لما{[28985]} أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم - وفي رواية : إلى العجم - قالوا : إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً ، فاتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من فضة كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم نقشه " محمد رسول الله " .

فبعث دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه إلى قيصر ملك الروم وأمره أن يوصل الكتاب إلى عظيم بصرى ليوصله إليه ، فعظم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وقبله وقرأه ووضعه على وسادة وعلم صدقه صلى الله عليه وسلم و{[28986]} أنه سيغلب على ملكه ، فجمع الروم وأمرهم بالإسلام فأبوا ، فخافهم{[28987]} فقال : إنما أردت أن أجربكم ، ثم لم يقدر الله له الإسلام ، فأزال الله حكمه عن الشام وكثير من الروم على يدي أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، ثم{[28988]} عن كثير من الروم أيضاً على يد من بعدهم ، ومكن بها الإسلام ، لكن أثابه{[28989]} الله على تعظيم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن أبقى ملكه في أطراف بلاده إلى الآن ، وبلغني أن الكتاب محفوظ عندهم إلى هذا الزمان ؛ وبعث شجاع بن وهب الأسدي رضي الله عنه إلى الحارث بن أبي شمر الغساني - وقال القضاعي : المنذر بن أبي شمر عامل قيصر على تخوم الشام - ثم{[28990]} إلى جبلة بن الأيهم{[28991]} الغساني ، فأما الحارث أو المنذر فغضب من الكتاب وهمّ {[28992]} بالمسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليقاتله ، زعم فنهاه{[28993]} عن ذلك قيصر ، فأكرم شجاعاً ورده وأسلم{[28994]} حاجبه مري الرومي{[28995]} بما عرف من صفة النبي صلى الله عليه وسلم{[28996]} في الإنجيل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم{[28997]} : " باد ملك الحارث ، وفاز مري " فقلّ ما لبث الحارث حتى مات ، وولي بعده في مكانه{[28998]} جبلة بن الأيهم{[28999]} الغساني ، وهو آخر ملوك غسان على نواحي الشام ، فرد{[29000]} إليه النبي صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب رضي الله عنه ، فرد{[29001]} على النبي صلى الله عليه وسلم رداً جميلاً ولم يسلم ، واستمر يتربص حتى أسلم في خلافة عمر رضي الله عنه لما رأى من ظهور نور الإسلام وخمود نار الشرك ، ثم إنه ارتد - ولحق ببلاد الروم - في لطمة أريد أن يقتص منه فيها{[29002]} ، فسبحان الفاعل لما يشاء ! وبعث عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه إلى كسرى ملك الفرس ، وأمره أن يدفع الكتاب إلى عظيم البحرين ليوصله إليه ، فلما رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ{[29003]} باسمه الشريف مزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه ، فرجع عبد الله ، فلما سكن غضب الخبيث التمسه فلم يجده فأرسل في طلبه فسبق الطلب ، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن تمزيق الكتاب ، دعا على كسرى أن يمزق كل ممزق ، فأجاب الله دعوته فشتت شملهم وقطع وصلهم على يد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ثم قتل يزدجرد آخر ملوكهم في خلافة عثمان رضي الله عنه ، فأصبح ملك الأكاسرة كأمس الدابر{[29004]} ، وعم بلادهم الإسلام وظهرت بها كلمة الإيمان ، بل تجاوز الإسلام ملكهم{[29005]} إلى ما وراء النهر وإلى بلاد الخطا .

وبعث حاطب بن أبي بلتعة{[29006]} رضي الله عنه إلى المقوقس صاحب مصر والإسكندرية ، فعلم من صدق النبي صلى الله عليه وسلم ما علمه قيصر من الإنجيل ، فأكرم الرسول وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ورد رداً جميلاً ولم يسلم ، فأباد الله ملكه على يد عمرو بن العاص أمير لعمر رضي الله عنهما . وبعث عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه إلى النجاشي فآمن رضي الله عنه وقال : أشهد أنه النبي صلى الله عليه وسلم الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب ، وأن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل عليهم السلام .

وأن العيان ليس بأشفى من الخبر{[29007]} ، وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدايا{[29008]} كثيرة ، وأرسل ابنه بإسلامه في سبعين من الحبشة ، وقال في كتابه : وإني لا أملك إلا نفسي ومن آمن بك من قومي ، وإن أحببت أن آتيك يا رسول الله فعلتُ ؛ فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على النجاشي واستغفر له ؛ وبعث العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين وإلى أسيحت{[29009]} مرزبان هجر بكتاب يدعوهما{[29010]} فيه إلى الإسلام أو الجزية ، وأرض البحرين من بلاد العرب ، لكن كان الفرس قد غلبوا عليها ، وبها خلق كثير من عبد القيس وبكر بن وائل وتميم فأسلم المنذر وأسيحت{[29011]} وجميع من هناك من العرب وبعض العجم ، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على عمله ؛ وبعث سليط بن عمرو العامري رضي الله عنه إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة ، وكان عاملاً لقيصر على قومه ، فقرأ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ورد رداً دون رد ، فصادف أن قدم عليه راهب من دمشق ، فأخبره أنه لم يجب إلى الإسلام ، فقال : لم ؟ قال : ضننت بملكي{[29012]} ، قال الراهب : لو تبعته لأقرك والخير لك في اتباعه ، فإنه النبي صلى الله عليه وسلم ، بشر به عيسى عليه السلام ، قال هوذة للراهب : فما لك{[29013]} لا تتبعه ؟ فقال : أجدني{[29014]} أحسده وأحب الخمر ، فكتب هوذة كتاباً وبعث{[29015]} إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهدية مكانه ذلك ، وشعر به قومه فأتوه{[29016]} فهددوه{[29017]} ، فرد الرسول واستمر{[29018]} على نصرانيته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع إليه سليط :

" باد هوذة وباد ما في يده " ! فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من فتح مكة{[29019]} جاءه{[29020]} جبرئيل عليه السلام بأن هوذة مات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يقتل بعدي " ، فكان{[29021]} كذلك كما هو مشهور من أمر مسيلمة الكذاب ، وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي رضي الله عنه إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن ، فلما بلغه رسالة النبي صلى الله عليه وسلم قال الحارث : قد كان هذا النبي عرض نفسه عليّ فخطئت{[29022]} عنه ، وكان ذخراً لمن صار إليه ، وسأنظر ، وتباطأ به الحال إلى أن أسلم عند رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك سنة الوفود ، وكاتب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ وبعث عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى جيفر{[29023]} وعبد{[29024]} ابني الجلندي{[29025]} الأزديين ملكي عمان ، فتوقفا واضطرب{[29026]} رأيهما ، ثم عزم الله لهما على الرشد فقال جيفر : إنه والله قد دلني على هذا النبي صلى الله عليه وسلم الأمي أنه لا يأمر بخير إلاّ كان أول آخذ به ، ولا{[29027]} ينهى عن شر إلا كان أول تارك له ، وأنه يغلب فلا يبطر{[29028]} ، ويغلب فلا يفجر{[29029]} ، وأنه يوفى بالعهد وينجز الوعد ، ولا يزال يطع على سر قوم يساوي فيه أهله ، وإني أشهد أنه رسول الله ، وأسلم أخوه أيضاً ، وكتبا{[29030]} إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامهما ، فقال خيراً وأثنى خيراً ، وكان في سير هؤلاء الرسل لعمري غير ما ذكر أحاديث عجائب وأقاصيص غرائب من دلائل النبوة وأعلام الرسالة ، خشيت من ذكرها الإطالة وأن تمل وإن لم يكن فيها ما يقتضي{[29031]} ملاله ، وقد شفيت في شرحي لنظمي للسيرة باستيفائها القليل في ترتيب جميل ونظم أسلوبه لعمري جليل ، هؤلاء رسل البشر ، وأما الرسل من الجن فقد روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى :{ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن{[29032]} يستمعون القرآن{[29033]} }[ الجن : 29 ] قال : كانوا{[29034]} تسعة نفر من أهل نصيبين ، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم قال الهيثمي : وفي سنده النضر أبو عمر وهو متروك ، ويؤيد عموم هذه الآية في تناولها الملائكة عليهم السلام قوله تعالى{ ليكون للعالمين نذيراً{[29035]} }[ الفرقان : 1 ] وإذا تأملت سياق الآيات التي بعدها مع آخر السورة التي قبلها قطعت بذلك

( لينذر من كان حياً }[ يس : 70 ] ، { إنما تنذر من اتبع الذكر }[ يس : 11 ] إذ هم من جملة العالمين وممن بلغه القرآن وممن هو حي وممن{[29036]} اتبع الذكر{[29037]} ، والخطاب بالإنذار وارد مورد التغليب ، إذ الإنس والجن أهل له ، فانتفى ما يقال : إن الملائكة في غاية الخوف من الله تعالى مع عصمتهم فليسوا{[29038]} ممن يخوف ، ويزيد ذلك وضوحاً قوله تعالى :{ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين{[29039]} }[ الأنبياء : 29 ] ولا إنذار أعظم من ذلك ، وإن عيسى عليه السلام من هذه الأمة وممن شملته الآيات الدالة على عموم الرسالة بغير شك ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده ! لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي " أخرجه الإمام أحمد والدارمي والبيهقي في الشعب عن جابر رضي الله عنه ، ومذهب أهل السنة أن رسل البشر أفضل من رسل الملائكة ، وقد ثبتت{[29040]} رسالته إلى الأفضل المعصوم بالفعل لعيسى ، وبالتعليق بالحياة لموسى عليه السلام ، وقد أخذ الله سبحانه ميثاق النبيين كلهم عليهم السلام إن أدركوه ليؤمنن به ، وقد خوطب النبي صلى الله عليه وسلم - وهو أشرف الخلق وأكملهم - بالإنذار في غير آية ، فمهما أول به ذلك في حقه صلى الله عليه وسلم قيل مثله في حقهم عليهم السلام ، ومما يرفع{[29041]} النزاع ويدفع{[29042]} تعلل المتعلل بالإنذار قوله تعالى{ لتنذر به وذكرى للمؤمنين{[29043]} }[ الأعراف : 2 ] فخذف مفعول " تنذر " دال على عموم رسالته ، وتعليق الذكرى{[29044]} بالمؤمنين مدخل لهم بلا ريب لأنهم من رؤوسهم - عليهم السلام ، وقوله تعالى{ لتبشر به المتقين{[29045]} }[ مريم : 97 ] إلى غيرها من الآيات ، فيكون عموم رسالته لهم زيادة شرف له ، وهو واضح{[29046]} ، وزيادة شرف لهم بحمل أنفسهم على طاعته والتقيد بما حده لهم من أعمال ملته طاعة لله{[29047]} تعالى زيادة في أجورهم ورفعة درجاتهم ، وذلك مثل ما قال أبو حيان{[29048]} في قوله تعالى{[29049]}{ فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين{[29050]} }[ الأعراف : 144 ] : إن في{[29051]} الأمر له بذلك مزيد تأكيد وحصول أجر بالامتثال ؛ وقال القاضي عياض{[29052]} في الفصل السابع من الباب الأول من القسم الأول من الشفا في قوله تعالى{[29053]}{ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب{[29054]} وحكمة{[29055]} }[ آل عمران : 81 ] قال المفسرون : أخذ الله الميثاق بالوحي ، فلم يبعث نبياً إلا ذكر له محمداً ونعته{[29056]} وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به ، ويعضد ذلك ما قال في أول الباب الأول : وحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبرئيل عليه السلام : " هل أصابك من هذه الرحمة المذكورة في قوله تعالى { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين{[29057]} } شيء ؟ قال نعم ! كنت أخشى العاقبة{[29058]} فآمنت لثناء الله عز وجل عليّ بقوله { ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين{[29059]} } [ التكوير : 20 ، 21 ] " وروى مسلم في كتاب الصلاة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون " وحمل من حمل الخلق على الناس - للرواية التي فيها " إلى الناس " تحكم ، بل العكس أولى لمطابقة الآيات{[29060]} ، وقد خرج من هذا العموم من لا يعقل بالدليل العقلي ، فبقي غيرهم داخلاً في اللفظ ، لا يحل لأحد أن يخرج منه أحداً منهم إلا بنص صريح ودلالة قاطعة ترفع النزاع ، وقال عياض في الباب الثالث من القسم الأول : وذكر البزار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لما أراد الله تعالى أن يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان - فذكر المعراج وسماع الأذان من وراء الحجاب ثم قال : ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم{[29061]} فقدمه ، فأمّ بأهل السماء فيهم آدم ونوح - انتهى . وروى عبد الرزاق عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان الرجل بأرض قيّ{[29062]} فحانت الصلاة فليتوضأ ، فإن لم يجد الماء فليتيمم ، فإن أقام صلى معه ملكاه ، وإن{[29063]} أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه " قال المنذري : القيّ - بكسر القاف وتشديد الياء ، وهي الأرض{[29064]} القفر . وروى مالك والستة إلا الترمذي وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال{[29065]} : " إذا قال الإمام { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } فقولوا آمين " -وفي رواية إذا أمن الإمام فأمنوا - فإنه من وافق تأمينه{[29066]} - تأمين الملائكة - وفي رواية : من وافق قوله قول الملائكة - غفر له ما تقدم من ذنبه . وفي رواية في{[29067]} الصحيح : " إذا قال أحدكم في الصلاة : آمين ، وقالت الملائكة في السماء : آمين ، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم له من ذنبه " وفي رواية{[29068]} لأبي يعلى : إذا قال الإمام { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } قال الذين{[29069]} خلفه : آمين ، التقت{[29070]} من أهل السماء وأهل الأرض آمين{[29071]} ، غفر للعبد ما تقدم من ذنبه . وللشيخين عن أبي هريرة أيضاً رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده ، فقولوا : اللهم ربنا{[29072]} لك الحمد ، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " ؛ وفي رواية : فإذا وافق قول أهل السماء قول{[29073]} أهل الأرض غفر له ما تقدم من ذنبه ؛ في أشكال ذلك مما يؤذن بائتمام الملائكة بأئمتنا ، وذلك ظاهر في التقيد{[29074]} بشرعنا ؛ وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم وجزم ابن معين والذهلي بصحته - عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة " وأدل من جميع ما مضى ما روى مالك والشيخان وأبو داود وابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة{[29075]} الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ، ومن راح في الساعة{[29076]} الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون{[29077]} الذكر " ؛ وفي رواية : " فإذا قعد الإمام طويت الصحف " ؛ وفي رواية لأحمد عن أبي سعيد : فإذا أذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر طويت الصحف{[29078]} ودخلوا المسجد يستمعون الذكر . فإن تركهم لكتابة الناس وإقبالهم على الاستماع دليل واضح على الائتمام ، بما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أيضاً رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : أنصت ، والإمام يخطب{[29079]} فقد لغوت{[29080]} " قال الحليمي في الرابع من شعب الإيمان في الجواب عما أورد على قوله :

{ لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله{[29081]} }[ الإسراء : 87 ] من أن التخصيص بالإنس والجن لا يمنع قدرة الملائكة على المعارضة ما نصه : وأما الملائكة فلم يتحدوا{[29082]} على ذلك لأن الرسالة إذا لم تكن إليهم لم يكن القرآن حجة عليهم ، فسواء كانوا قادرين على مثله أو عاجزين ، وهم عندنا عاجزون ؛ وقال في الخامس عشر في أن من أنواع تعظيمه{[29083]} الصلاة عليه فأمر الله عباده أن يصلوا عليه ويسلموا ، وقدم قبل ذلك إخبارهم بأن ملائكته يصلون عليه ، {[29084]} فأمر الله عباده{[29085]} لنبيهم بذلك على ما في الصلاة عليه من الفضل إذا كانت الملائكة مع انفكاكهم عن شريعته تتقرب{[29086]} إلى الله تعالى بالصلاة والتسليم عليه{[29087]} ، ليعلموا أنهم بالصلاة والتسليم عليه أول وأحق - هذا نصه في الموضعين ، ولم يذكر لذلك دليلاً ، ونسب الجلال المحلي في شرحه لجمع الجوامع مثل ذلك إلى البيهقي في الشعب فإنه قال : وصرح الحليمي والبيهقي في الباب الرابع من شعب الإيمان بأنه عليه الصلاة والسلام لم يرسل إلى الملائكة ، وفي الباب الخامس عشر بانفكاكهم من شرعه ، قال : وفي{[29088]} تفسير الإمام الرازي والبرهان النسفي{[29089]} حكاية الإجماع{[29090]} في تفسير الآية{[29091]} الثانية - أي{ ليكون للعالمين نذيراً }[ الفرقان : 1 ] أنه لم يكن رسولاً إليهم - انتهى . وهو شهادة نفي كما ترى ، لا ينهض بما ذكرته من النصوص على أن الحليمي لم يقل بذلك إلا لقوله بأن لملائكة أفضل من الأنبياء - كما نقله عنه الإمام فخر الدين في كتاب الأربعين والشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد وغيرهما ، ولم يوافقه على ذلك أحد من أهل السنة إلا القاضي ابو بكر الباقلاني ، فكما لم يوافق على الأصل لا يوافق على الفرع ، وأما البيهقي فإنما نقله عن الحليمي وسكوته عليه لا يوجب القطع برضاه{[29092]} ، قال الزركشي في شرح جمع الجوامع : وهي مسألة وقع النزاع فيها بين فقهاء مصر مع فاضل درس عندهم وقال لهم : الملائكة ما دخلت{[29093]} في دعوته ، فقاموا عليه ، وقد ذكر الإمام فخر الدين في تفسير سورة الفرقان{[29094]} الدخول محتجاً بقوله تعالى { ليكون{[29095]} للعالمين نذيراً } : والملائكة داخلون في هذا العموم - انتهى .

وهذا يقدح فيما نقل عنه من نقل الإجماع ، وعلى تقدير صحته ففيه أمور ، أما أولاً فالإجماع لا يرجع إلا{[29096]} إلى أهل الاطلاع على المنقولات من حفاظ الآثار وأقاويل السلف فيه{[29097]} ، وأما ثانياً فإنه نقل{[29098]} يحتمل التصحيح والتضعيف ، لأنه بطرقه احتمال أن يكون نقل{[29099]} عمن لا يعتد به ، أو يكون أخذه عن أحد مذاكرة{[29100]} وأحسن الظن به ، أو حصل له{[29101]} سهو ، ونحو ذلك ، فلا وثوق إلا بعد معرفة المنقول عنه وسند النقل والاعتضاد بما يوجب الثقة ليقاوم هذه الظواهر{[29102]} الكثيرة ، و{[29103]} أما ثالثاً{[29104]} فإنه سيأتي عن الإمام تقي الدين السبكي أن بعض المفسرين قال بالإرسال إلى الملائكة ، وقال الإمام ولي الدين أبو زرعة أحمد ابن الحافظ زين الدين العراقي في شرحه لجمع الجوامع : وأما كونه مبعوثاً إلى الخلق أجمعين فالمراد المكلف منهم ، وهذا يتناول الإنس والجن والملائكة ، فأما الأولان{[29105]} فبالإجماع ، وأما الملائكة فمحل خلاف فأين الإجماع ! هذا على تقدير صحة هذا النقل وأنى لمدعي ذلك به فإني راجعت تفسير الإمام للآية المذكورة فلم أجد فيه نقل الإجماع ، وإنما قال : ثم قالوا : هذه الآية تدل على أحكام : الأول أن العالم كل ما سوى الله ، فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة ، لكنا نبئنا أنه عليه السلام لم يكن رسولاً إلى الملائكة ، فوجب أن ينفى كونه رسولاً إلى الجن{[29106]} والإنس{[29107]} جميعاً ، وبطل قول من قال : إنه كان رسولاً إلى البعض دون البعض ، الثاني أن لفظ { العالمين } يتناول جميع المخلوقات ، فتدل الآية على أنه رسول إلى المكلفين إلى يوم القيامة ، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل - هذا لفظه في أكثر النسخ ، وفي بعضها : لكنا{[29108]} أجمعنا - بدل : نبئنا - وهي غير صريحة في إجماع الأمة كما ترى ، ولم يعين الموضع الذي أحال عليه في النسخ الأخرى - فليطلب من مظانه ويتأمل{[29109]} ، وأما النسفي فمختصر له - والله الموفق ؛ ثم رأيت في خطبة كتاب{[29110]} الإصابة في أسماء الصحابة لشيخنا حافظ عصره أبي الفضل بن حجر في تعريف الصحابي : وقد نقل الإمام فخر الدين في أسرار التنزيل الإجماع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مرسلاً إلى الملائكة ، ونوزع{[29111]} في هذا النقل ، بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلاً إليهم واحتج بأشياء يطول شرحها - انتهى .

والعجب من الرازي في نقل هذا الذي لا يوجد لغيره مع أنه قال في أسرار التنزيل في أواخر الفصل الثاني من الباب الثالث في الاستدلال بخلق الآدمي على وجود الخالق : الوجه الرابع - أي في تكريم بني آدم - أنه جعل أباهم رسولاً إلى الملائكة حيث قال{ أنبئهم بأسمائهم{[29112]} }[ البقرة : 31 ] وقد تقرر أن كل كرامة كانت لنبي من الأنبياء فلنبينا صلى الله عليه وسلم مثلها أو أعظم{[29113]} منها ، وقال في تفسيره الكبير في{ وعلم آدم الأسماء{[29114]} }[ البقرة : 31 ] : ولا يبعد أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى من يوجه التحذير إليهم من الملائكة ، لأن جميعهم وإن كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسول لبعثة إبراهيم إلى لوط عليهما السلام - انتهى . وأنت خبير بأمر عيسى عليه السلام بعد نزوله من السماء{[29115]} ، والحاصل أن رسالته صلى الله عليه وسلم إليهم صلوات الله عليهم - رتبة فاضلة ودرجة عالية كاملة جائزة له{[29116]} ، لائقة بمنصبه ، مطابقة لما ورد من القواطع لعموم{[29117]} رسالته وشمول دعوته ، وقد دلت على حيازته لها ظواهر الكتاب والسنة مع أنه لا يلزم من إثباتها{[29118]} له إشكال في الدين ولا محذور في الاعتقاد ، فليس لنا التجريء{[29119]} على نفيها إلا بقاطع كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة في آية الأنعام { قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً }[ الأنعام : 145 ] قال : فاحتملت معنيين{[29120]} : أحدهما أن{[29121]} لا يحرم على طاعم يطعمه{[29122]} أبداً إلا ما استثنى الله عز وجل ، وهذا المعنى الذي إذا وُوجه{[29123]} رجل مخاطباً به كان الذي يسبق إليه أنه لا يحرم عليه{[29124]} غير{[29125]} ما سمى الله{[29126]} عز وجل محرماً ، وما كان هكذا فهو الذي يقال{[29127]} له أظهر المعاني وأعمها وأغلبها والذي{[29128]} لو احتملت الآية معاني سواه - كان هو المعنى الذي يلزم أهل العلم القول به إلا أن تأتي سنة للنبي صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي - تدل على معنى غيره مما{[29129]} تحتمله الآية ، فنقول{[29130]} : هذا معنى ما أراد الله عزّ وجلّ ، ولا يقال بخاص في كتاب الله ولا سنة إلا بدلالة فيهما أو في واحد منهما{[29131]} ، ولا يقال بخاص حتى تكون الآية{[29132]} تحتمل أن تكون{[29133]} أريد بها ذلك الخاص ، فأما ما لم تكن محتملة له فلا يقال فيها بما لا تحتمل{[29134]} الآية - انتهى . وشرحه الإمام أبو محمد بن حزم في المحلى فقال : ولا يحل لأحد أن يقول في آية{[29135]} أو في خبر : هذا منسوخ{[29136]} أو{[29137]} مخصوص في بعض ما يقتضيه ظاهر لفظه ، ولا أن لهذا النص تأويلاً غير مقتضى ظاهر لفظه ، ولا أن هذا الحكم غير واجب علينا من حين وروده{[29138]} إلا بنص آخر وأرد بأن هذا النص كما ذكر{[29139]} ، أو بإجماع متيقن بأنه كما ذكر ، أو بضرورة حس{[29140]} موجبة أنه كما ذكر ، برهانه : وما أرسلنا من رسول{[29141]} إلا ليطاع بإذن الله{[29142]} }[ النساء : 64 ] { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم{[29143]} }[ إبراهيم : 4 ] وقال{ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم{[29144]} فتنة }[ النور : 63 ] ، ومن ادعى أن المراد بالنص بعض ما يقتضيه في اللغة العربية ، لا كل ما يقتضيه{[29145]} فقد أسقط بيان النص ، {[29146]} وأسقط{[29147]} وجوب الطاعة له بدعواه الكاذبة ، وليس بعض ما يقتضيه النص بأولى بالاقتصار عليه من سائر ما يقتضيه - انتهى . وقال أهل الأصول : إن الظاهر ما{[29148]} دل على المعنى دلالة ظنية أي راجحة ، والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح ، {[29149]} فإن حمل عليه لدليل فصيح{[29150]} - أو لما نظن دليلاً وليس في الواقع بدليل - فاسد{[29151]} ، أو لا لشيء فلعب لا تأويل ، قال الإمام الغزالي في كتاب المحبة من الإحياء في الكلام على أن رؤية الله تعالى في الآخرة هل هي بالعين أو بالقلب : والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين ، ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلاّ لضرورة - انتهى{[29152]} ، وقال الإمام تقي الدين السبكي في جواب السؤال عن الرسالة إلى الجن الذي تقدم في أول الكلام على هذه الآية أني رأيته بخطه{[29153]} : الآية العاشرة :{ ليكون للعالمين نذيراً{[29154]} }[ الفرقان : 1 ] قال المفسرون كلهم في تفسيرها : للجن والإنس ، وقال بعضهم : والملائكة . {[29155]} الثانية عشرة{[29156]}{ وما أرسلناك إلا كافة للناس{[29157]} }[ سبأ : 28 ] قال المفسرون : معناها{[29158]} : إلا إرسالاً عاماً شاملاً لجميع الناس ، أي ليس بخاص ببعض الناس ، فمقصود الآية نفي{[29159]} الخصوص وإثبات العموم ، ولا مفهوم لها فيما وراء الناس ، بل قوتها في العموم يقتضي عدم{[29160]} الخصوصية فيهم وحينئذ يشمل الجن ، ولو كان مقصود الآية حصر{[29161]} رسالته في الناس لقال : وما أرسلناك إلا إلى الناس ، فإن كلمة " إلا " تدخل على ما يقصد الحصر فيه ، فلما أدخلها على { كافة } دل على أنه المقصود بالحصر ، ويبقى قوله { للناس } لا مفهوم له ، أما أولاً فلأنه مفهوم قلب{[29162]} وأما ثانياً فلأنه لا يقصد بالكلام ، أما ثالثاً فلأنه{[29163]} قد قيل : إن { الناس } يشمل الإنس والجن ، أي على القول بأنه مشتق من النوس ، وهو التحرك ، وهو على هذا شامل للملائكة أيضاً ، وممن صرح من أهل اللغة بأن { الناس } يكون{[29164]} من الإنس ومن الجن{[29165]} الإمام أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي في كتابه ديوان الأدب{[29166]} ، قال السبكي : السابعة عشرة{[29167]}

إن هو إلا ذكر للعالمين{[29168]} }[ ص : 87 ] الثامنة عشرة{[29169]}{ إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب{[29170]} }[ يس : 11 ] ونحوهما كقوله{[29171]}{ لتنذر من كان حياً{[29172]} }[ يس : 70 ] وكذا قوله { هدى للمتقين } ، وأما السنة فأحاديث : الأول حديث مسلم{[29173]} عن أبي هريرة رضي الله عنه " وأرسلت إلى الخلق كافة " ، " إلى الخلق " عام يشمل الجن بلا شك ، ولا يرد على هذا أنه ورد في روايات هذا الحديث من طرق أخرى في صحيح البخاري وغيره " الناس " موضع " الخلق " لأنا نقول : ذلك من رواية جابر ، وهذا من رواية أبي هريرة ؛ فلعلهما حديثان ، وفي رواية الخلق زيادة معنى على الناس ، فيجب الأخذ به{[29174]} إذ لا تعارض{[29175]} بينهما ، ثم جوز أن يكون من روى " الناس " روى بالمعنى فلم يوف به ، قال : وهذا الحديث يؤيد قول من قال : إنه مرسل إلى الملائكة ولا يستنكر هذا ، فقد يكون ليلة الإسراء يسمع{[29176]} من الله كلاماً فبلغه لهم في السماء أو لبعضهم ، وبذلك يصح أنه مرسل إليهم ، ولا يلزم من كونه مرسلاً إليهم من حيث الجملة أن يلزمهم جميعُ الفروع التي تضمنتها شريعته ، فقد يكون مرسلاً إليهم في بعض الأحكام أو في بعض الأشياء التي ليست بأحكام ، أو يكون يحصل لهم بسماع القرآن زيادةُ إيمان ، ولهذا جاء فيمن قرأ سورة الكهف : فنزلت عليه مثل الظلة ، ثم قال في أثناء كلام : بخلاف{[29177]} الملائكة ، لا يلتزم أن هذه التكاليف كلها ثابتة في حقهم إذا قيل بعموم الرسالة لهم ، بل يحتمل ذلك ويحتمل في شيء خاص كما أشرنا إليه فيما قبل - انتهى . قلت : ولا ينكر اختصاص الأحكام ببعض المرسل إليهم دون بعض في شرع واحد في الأحرار والعبيد والنساء والرجال والحطّابين والرعاء بالنسبة إلى بعض أعمال الحج وغير ذلك مما يكثر تعداده - والله الموفق ؛ ومن تجرأ{[29178]} على نفي الرسالة إليهم من أهل زماننا بغير نص صريح يضطره إليه ، كان ضعيف العقل{[29179]} مضطرب الإيمان مزلزل اليقين سقيم{[29180]} الدين ، ولو كان حاكياً لما قيل على وجه الرضى به ، {[29181]} فما كل{[29182]} ما يُعلَم يقال ، وكفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع ، ولعمري ! إن الأمر لعلى ما قال صاحب البردة وتلقته{[29183]} الأمة بالقبول ، وطرب عليه في المحافل والجموع :

دع ما ادعته النصارى في نبيهم *** واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم


[28772]:زيد من ظ.
[28773]:في ظ: لانا فلذلك.
[28774]:في ظ: لانا فلذلك.
[28775]:في ظ: بان.
[28776]:سقط من ظ.
[28777]:من ظ، وفي الأصل: منه.
[28778]:سقط من ظ.
[28779]:من ظ، وفي الأصل: كل.
[28780]:في ظ: أجل وأعظم.
[28781]:في ظ: أجل وأعظم.
[28782]:في ظ: شهد.
[28783]:من ظ والقرآن الكريم- آية 166، وفي الأصل: إليه.
[28784]:سقط من ظ.
[28785]:في ظ: شهيدا.
[28786]:سقط من ظ.
[28787]:في ظ: الفهم.
[28788]:من ظ، وفي الأصل: فائقه- كذا.
[28789]:من ظ، وفي الأصل: متعلق.
[28790]:تداخل ما بين الرقمين في ظ بين "سياق التهديد" و" قال مقتصرا".
[28791]:تداخل ما بين الرقمين في ظ بين "سياق التهديد" و" قال مقتصرا".
[28792]:سقط من ظ.
[28793]:في الأصل: يدائمه، وفي ظ: ملائمة- كذا.
[28794]:زيد بعده في الأصل: الذي ومن وما وقال، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[28795]:في الأصل: للفراء، والعبارة من هنا إلى "من وما" تقدمت في الأصل على " وحقق الموحي".
[28796]:في الأصل: للفراء، والعبارة من هنا إلى "من وما" تقدمت في الأصل على " وحقق الموحي".
[28797]:راجع فتح الباري- كتاب الرد على الجهمية، باب قوله تعالى "بل هو قرآن مجيد"، ورواه الطبري أيضا بسنده وأوصله إلى ابن عباس- راجع تفسير هذه الآية في جامع البيان.
[28798]:وفي تفسير الطبري: بلغه، ورواه هناك من عبد الرزاق بالسند المذكور.
[28799]:هو عالم مشارك في الفقه والتفسير والأصلين والمنطق والقراءات والحديث والخلاف والأدب والنحو واللغة والحكمة، وكان قاضي الشام- راجع معجم المؤلفين 7/127.
[28800]:في ظ: بالكتاب.
[28801]:من ظ، وفي الأصل: ناطقا.
[28802]:في ظ: الفضل، والصواب ما في الأصل- راجع معجم المؤلفين 7/16.
[28803]:في ظ: القرظي.
[28804]:وفي تفسير الطبري حيث أخرج هذا الحديث: بلغه- راجع فيه آية 19 من الأنعام.
[28805]:من ظ، وفي الأصل: إنه.
[28806]:سقط من ظ.
[28807]:في ظ: ما.
[28808]:من ظ، وفي الأصل: الآثار.
[28809]:من ظ، وفي الأصل: الحديث.
[28810]:في ظ: عن.
[28811]:سقط من ظ.
[28812]:من ظ، وفي الأصل: مساق.
[28813]:من ظ، وفي الأصل: بخبر- كذا.
[28814]:بفتح أوله: اسم زحل بالفارسية.
[28815]:من ظ، وفي الأصل: لشانه.
[28816]:من ظ، وفي الأصل: آلهة.
[28817]:من ظ، وفي الأصل: نصه- كذا.
[28818]:سقط من ظ.
[28819]:من ظ،ن وفي الأصل: شهدت.
[28820]:سقط من ظ.
[28821]:من ظ، وفي الأصل: يكون.
[28822]:سقط من ظ.
[28823]:في ظ: التوكيد.
[28824]:من ظ، وفي الأصل: امتثله.
[28825]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28826]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28827]:من ظ، وفي الأصل: ستة.
[28828]:من ظ، وفي الأصل: اعلم أن.
[28829]:من ظ، وفي الأصل: أكثرهم.
[28830]:زيد من ظ.
[28831]:والعبارة من هنا إلى "وقال ابن عبد الحكم" الآخر، ساقطة من ظ.
[28832]:في الأصل: فا روايته- كذا.
[28833]:في الأصل: فا روايته- كذا.
[28834]:من ظ وسيرة ابن هشام 3/77، وفي الأصل: الآية- كذا.
[28835]:سقط من ظ.
[28836]:في ظ: إليه.
[28837]:من ظ، وفي الأصل: به.
[28838]:في ظ: قريب ناحية.
[28839]:في ظ: قريب ناحية.
[28840]:من ظ والقاموس، وفي الأصل: الكريين- كذا.
[28841]:زيد من سيرة ابن هشام 3/78.
[28842]:في ظ: كانوا بعثهم- كذا.
[28843]:زيد من سيرة ابن هشام 3/78.
[28844]:من ظ والسيرة، وفي الأصل: رومة.
[28845]:في ظ: اندراس.
[28846]:في ظ: مينا، وبهامش السيرة: قوله: ومنتا، في نسخة: ومثنا- بالمثلثة.
[28847]:من السيرة، وفي الأصل: فبلس، وفي ظ: فيلس- كذا، والصحيح أنه فيلبس- كما يأتي من نص الإنجيل.
[28848]:في ظ: قرطاحيه.
[28849]:من السيرة، وفي الأصل: محس، وفي ظ: بيجيس- كذا.
[28850]:في ظ: اقيوس.
[28851]:زيد من سيرة ابن هشام 3/78.
[28852]:من ظ والسيرة، وفي الأصل: سلما.
[28853]:من السيرة، وفي الأصل: سيمين، موفي ظ: سنين.
[28854]:من ظ والسيرة، وفي الأصل: يورس- كذا.
[28855]:زيد من معجم المؤلفين 12/46، وموضعه في ظ: المكر – كذا.
[28856]:من ظ، وفي الأصل: تعرف- كذا.
[28857]:زيد من ظ.
[28858]:سقط من ظ.
[28859]:زيد من الإنجيل.
[28860]:في ظ: الليل.
[28861]:في ظ: يبغون- كذا.
[28862]:من ظ، وفي الأصل: الأسماء.
[28863]:راجع الأصحاح السادس عشر- آية 17.
[28864]:زيد من ظ.
[28865]:سقط من ظ.
[28866]:في ظ: زيدا- كذا.
[28867]:من إنجيل مرقس، وفي الأصل: توابرحجس، وفي ظ: نزابرجس- كذا.
[28868]:في ظ: الذين هم.
[28869]:من ظ، وفي الأصل: ابن.
[28870]:في ظ: قبلس- كذا.
[28871]:من إنجيل متى، وفي الأصل و ظ: لما- كذا.
[28872]:من ظ والإنجيل، وفي الأصل: بذاوس- كذا.
[28873]:في ظ: هو الاثني عشر- كذا.
[28874]:في ظ: هو الاثني عشر- كذا.
[28875]:من ظ والإنجيل، وفي الأصل: الاثنا عشر.
[28876]:سقط من ظ.
[28877]:في ظ: في.
[28878]:من ظ، في الأصل: لا تنكروا- كذا.
[28879]:في ظ: هيمانا.
[28880]:من ظ، وفي الأصل: لا يوخذوا.
[28881]:في ظ : هيمانا.
[28882]:ليس ما بين الرقمين في إنجيل مرقس.
[28883]:ليس ما بين الرقمين في إنجيل مرقس.
[28884]:من ظ، وفي الأصل: لا تلبسوا.
[28885]:زيدت الواو بعده في ظ.
[28886]:زيدت الواو بعده في الأصل و ظ، ولم تكن في إنجيل لوقا فحذفناها.
[28887]:في ظ: هيمانا.
[28888]:في ظ: لهم.
[28889]:من ظ وإنجيل لوقا، وفي الأصل: ثوبا.
[28890]:من ظ، وفي الأصل: افحصوا.
[28891]:من ظ وإنجيل متى، وفي الأصل: يخرجوا.
[28892]:في ظ: لا سلامكم.
[28893]:من ظ وإنجيل مرقس، وفي الأصل: يخرجوا.
[28894]:سقط من ظ.
[28895]:من إنجيل متى، وفي الأصل و ظ: الأرض.
[28896]:سقط من ظ.
[28897]:من ظ، وفي الأصل: عامور، وفي الإنجيل: عمورة.
[28898]:زيدت الواو بعده في ظ.
[28899]:جمع وديع: هادىء ساكن،وفي الإنجيل: بسطاء.
[28900]:من ظ والإنجيل، وفي الأصل: الحما- كذا.
[28901]:في ظ: محافلهم.
[28902]:من انجيل، وفي الأصل و ظ: لكم.
[28903]:العبارة من هنا إلى "إنجيل مرقس"- الآتي، ساقطة من ظ.
[28904]:في الأصل: يقولون، ومبني التصحيح نص الإنجيل.
[28905]:سقط من ظ.
[28906]:في ظ: يكونون.
[28907]:من ظ الإنجيل، وفي الأصل: طردوهم.
[28908]:سقط من ظ.
[28909]:سقط من ظ.
[28910]:في ظ: من.
[28911]:سقط من ظ.
[28912]:زيد من ظ والإنجيل.
[28913]:من ظ، وفي الأصل: شعور.
[28914]:في ظ: سيف.
[28915]:من ظ، وفي الأصل: الأمة.
[28916]:من ظ، وفي الأصل حمايتها.
[28917]:زيد بعده في ظ: من.
[28918]:من إنجيل متى، وفي الأصل "و".
[28919]:من ظ، وفي الأصل: نى- كذا.
[28920]:من ظ، وفي الأصل: فاخبر.
[28921]:من ظ والإنجيل، وفي الأصل: التلميذ.
[28922]:زيد بعده في ظ: أن أجرة تلميذ الحق أقول لكم.
[28923]:في ظ: تلاميذه.
[28924]:من ظ والإنجيل، وفي الأصل: مدينتهم.
[28925]:في الأصل: عدة، وفي ظ: عدهم، وفي الإنجيل: كثيرين.
[28926]:من إنجيل لوقا، وفي الأصل و ظ: آخر.
[28927]:من الإنجيل، وفي الأصل و ظ: قليل.
[28928]:زيد من الإنجيل.
[28929]:سقط من ظ.
[28930]:في ظ: وإنه.
[28931]:في ظ: للفقير من – كذا.
[28932]:وفي إنجيل لوقا: لا تسلموا على أحد.
[28933]:وفي إنجيل لوقا: لا تسلموا على أحد.
[28934]:في ظ: فسلموا.
[28935]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28936]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28937]:زيد من الإنجيل.
[28938]:في ظ: عندكم.
[28939]:سقط من ظ.
[28940]:من الإنجيل، وفي الأصل و ظ: اخرجوا.
[28941]:في الإنجيل: إلى.
[28942]:زيد من ظ.
[28943]:من ظ، وفي الأصل: سدومة.
[28944]:سقط من ظ.
[28945]:في ظ: كوزن.
[28946]:من الإنجيل، وفي الأصل: فيكون، وفي ظ: فيك.
[28947]:من ظ، وفي الأصل: تهبطن.
[28948]:زيد من ظ.
[28949]:في ظ: قائلون.
[28950]:ليس ما بين الرقمين في الإنجيل.
[28951]:ليس ما بين الرقمين في الإنجيل.
[28952]:من ظ والإنجيل، وفي الأصل: الشياطين.
[28953]:من الإنجيل، وفي الأصل و ظ: لتدسوا.
[28954]:من الإنجيل، وفي الأصل و ظ: تفرحون.
[28955]:من الإنجيل، وفي الأصل و ظ: تفرحون.
[28956]:من الإنجيل، وفي الأصل و ظ: كثيرا.
[28957]:من ظ، وفي الأصل: أو.
[28958]:من ظ، وفي الأصل: لغة- كذا.
[28959]:في ظ: اجتمعوا.
[28960]:من الإنجيل، وفي الأصل: يتبعون، وفي ظ: يتبع.
[28961]:زيد من الإنجيل.
[28962]:سقط من ظ.
[28963]:من ظ، وفي الأصل: الإحدى عشر.
[28964]:في ظ: عليكم.
[28965]:من ظ، وفي الأصل: أرأيتم.
[28966]:في ظ: فأعطوهم.
[28967]:في ظ: أداء.
[28968]:في ظ: تدعوا- كذا.
[28969]:في ظ: عليهم.
[28970]:في ظ: مما.
[28971]:زيد من ظ.
[28972]:سقط من ظ.
[28973]:زيد من معالم التنزيل- راجع الخازن 1/299.
[28974]:في ظ: فهم.
[28975]:من المعالم، وفي الأصل و ظ: فاهبط.
[28976]:من ظ والمعالم، وفي الأصل: فاسعد- كذا.
[28977]:في ظ: لبثهم.
[28978]:من المعالم، وفي الأصل: يدخل، وفي ظ: يدخر- كذا.
[28979]:راجع آية 54 من آل عمران، وزيد من الواو بعده في ظ.
[28980]:في ظ: ذكره.
[28981]:زيد بعده في الأصل: عيسى عليه السلام، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[28982]:في ظ: فإنما.
[28983]:في ظ: السيرة.
[28984]:سقط من ظ.
[28985]:زيد من ظ وصحيح مسلم- كتاب اللباس.
[28986]:زيد من ظ.
[28987]:في ظ: لحالهم.
[28988]:زيد من ظ.
[28989]:من ظ، وفي الأصل: أثاره- كذا.
[28990]:زيد من ظ.
[28991]:من سيرة ابن هشام 3/78، وفي الأصل: ألا إنهم، وفي ظ: ألا فهم.
[28992]:في ظ: هو.
[28993]:من ظ، وفي الأصل: فنها.
[28994]:من ظ، وفي الأصل: فأسلمه.
[28995]:ذكر قصته في السيرة الحلبية مبسوطا من غير تعرض لاسمه- راجع 3/353 منها، ولكن ذكره في السيرة التي بهامش الحلبية فقال: وكان هذا الحاجب روميا سمه مري- راجع 3/85 منها، وذكر اسمه أيضا في الخصائص الكبرى 2/11.
[28996]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[28997]:سقط ما بقين الرقمين من ظ.
[28998]:زيد من ظ.
[28999]:من سيرة ابن هشام 3/78، وفي الأصل:إلا أنهم، وفي ظ: إلا فهم- كذا.
[29000]:في ظ: فيرد.
[29001]:في ظ: فرده.
[29002]:وفي الروض الأنف 2/357: وهو الذي أسلم ثم تنر من أجل لطمة حاكم فيها إلى بي عبيدة بن الجراح.
[29003]:من ظ، وفي الأصل: بارا- كذا.
[29004]:في ظ: الداير.
[29005]:سقط من ظ.
[29006]:من ظ والسيرة، وفي الأصل: أبي ثعلبة.
[29007]:كذا وقع في المصباح المضيء، وزيد بعده فيه: عنه، وكذا ذكره في السيرة الحلبية 3/345، وفي السيرة بهامش الحلبية: وإنه ليس الخبر كالعيان- راجع السيرة الحلبية 3/73، وهو الصواب.
[29008]:في ظ: بهدايا.
[29009]:من المصباح المضيء، وفي الأصل: سبخت، وفي ظ: سحت- كذا، ونُسِب هو هناك إلى ابن عبد الله.
[29010]:في ظ: يدعو لهما.
[29011]:من المصباح المضيء، وفي الأصل: سبخت، وفي ظ: سحت- كذا، ونُسِب هو هناك إلى ابن عبد الله.
[29012]:من ظ، وفي الأصل: تملكي.
[29013]:في ظ: بالك.
[29014]:في ظ: أخذه.
[29015]:زيد من ظ.
[29016]:زيد من ظ.
[29017]:في ظ: وهددوه.
[29018]:من ظ: وفي الأصل: استمرت.
[29019]:زيد من ظ.
[29020]:سقط من ظ.
[29021]:من ظ، وفي الأصل: وكان.
[29022]:من ظ والروض الأنف 2/358، وفي الأصل: فخطيته- كذا.
[29023]:من السيرة 3/77؟، وفي الأصل و ظ: حنيفة- كذا.
[29024]:في نسخة من السيرة: عياذ.
[29025]:في ظ: الحامدي- كذا.
[29026]:في ظ: اضرب.
[29027]:زيد من ظ.
[29028]:في ظ: فلا ينظر.
[29029]:وفي ظ: فلا يضجر، وفي الخصائص الكبرى 2/14 فلا يهجر.
[29030]:في ظ: كتب.
[29031]:من ظ، وفي الأصل: يقص.
[29032]:سقط ما بين الرقمين من ظ، وراجع سورة 46 آية 29.
[29033]:سقط ما بين الرقمين من ظ، وراجع سورة 46 آية 29.
[29034]:في ظ: كنا- كذا.
[29035]:سورة 25 آية 1.
[29036]:زيد بعده في ظ: هو.
[29037]:زيد بعده في ظ: إذ هو من جملة العالمين.
[29038]:في ظ: فليس.
[29039]:سورة 21 آية 29.
[29040]:من ظ، وفي الأصل: ثبث.
[29041]:في ظ يقع:- كذا.
[29042]:في ظ: يمنع.
[29043]:سورة 7 آية 2.
[29044]:من ظ، وفي الأصل: الذكر.
[29045]:سورة 19 آية 97.
[29046]:زيد بعده في ظ: لهم.
[29047]:في ظ: الله.
[29048]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29049]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29050]:سورة 7 آية 144.
[29051]:سقط من ظ.
[29052]:هو ابن موسى بن عياض بن عمرو وبن موسى بن عياض اليحصبي المالكي، محدث حافظ مؤرخ ناقد مفسر فقيه أولي، واسم كتابه هذا: الشفا بتعريف حقوق المصطفى- راجع معجم المؤلفين وكشف الظنون.
[29053]:سورة 3 آية 81.
[29054]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29055]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29056]:في ظ: بعثه- كذا.
[29057]:سورة 21 آية 107.
[29058]:سقط من ظ.
[29059]:سورة 81 آية 20 و 21.
[29060]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29061]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29062]:في ظ: لي- كذا، وفي اللسان: أبدلوا الواو ياء طلبا للخفة، وكسروا القاف لمجاورتها الياء- راجع (قوا).
[29063]:سقط من ظ.
[29064]:من ظ، وفي الأصل: أرض.
[29065]:سقط من ظ.
[29066]:زيد من الخمسة.
[29067]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29068]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29069]:في ظ: الذي.
[29070]:من مجمع الزوائد 2/113 حيث سيق هذا الحديث، وفي الأصل و ظ: التفت- كذا.
[29071]:زيد من المجمع.
[29072]:زيدت الواو بعده في ظ ونسخة من صحيح البخاري.
[29073]:سقط من ظ.
[29074]:في ظ: التقييد.
[29075]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29076]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29077]:في ظ: يسمعون.
[29078]:زيد ما بين الحاجزين من ظ، و "على المنبر" كان ساقطة من ظ فأثبتناه من مسند الإمام أحمد 3/81.
[29079]:زيد في ظ: يوم الجمعة.
[29080]:زيد بعده في ظ: لكن.
[29081]:سورة 17 آية 87.
[29082]:في الأصل و ظ: عن.
[29083]:من ظ،وفي الأصل: تعظيم.
[29084]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29085]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29086]:في الأصل و ظ: يتقرب.
[29087]:سقط من ظ
[29088]:سقط من ظ.
[29089]:من ظ، وفي الأصل: المسمى، وهو برهان الدين محمد بن محمد النسفي ملخص تفسير الرازي- راجع معجم المؤلفين 11/295.
[29090]:في ظ: بالإجماع.
[29091]:سقطة من ظ.
[29092]:في ظ: لرضاه.
[29093]:في ظ: خلت.
[29094]:من ظ، وفي الأصل: القرآن.
[29095]:سقط من ظ.
[29096]:من ظ، وفي الأصل: إليه.
[29097]:سقط من ظ.
[29098]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29099]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29100]:في ظ: مذاكرة.
[29101]:سقط من ظ.
[29102]:سقط من ظ.
[29103]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29104]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29105]:من ظ، وفي الأصل: الإيمان.
[29106]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29107]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29108]:من ظ، وفي الأصل: لكن.
[29109]:من ظ، وفي الأصل: تعامل- كذا.
[29110]:في ظ: كتابه.
[29111]:من خطبة كتاب الإصابة 1/4، وفي الأصل: من راع، وفي ظ: يوزع- كذا.
[29112]:سورة 2 آية 31.
[29113]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[29114]:سورة 2 آية 31.
[29115]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[29116]:سقط من ظ.
[29117]:في ظ: بعموم.
[29118]:في ظ: إتيانها.
[29119]:في ظ: التحري.
[29120]:في ظ: تعيين.
[29121]:في ظ: إنه.
[29122]:سقط من الرسالة 29.
[29123]:في ظ: وجه، وفي الرسالة: واجه، وما في الأصل أقرب صوابا.
[29124]:زيد من الرسالة.
[29125]:في ظ: المعنى – كذا.
[29126]:في ظ: المعنى- كذا.
[29127]:من الرسالة، وفي الأصل و ظ: يقول.
[29128]:زيد من الرسالة.
[29129]:من ظ والرسالة، وفي الأصل: فما.
[29130]:من الرسالة، وفي الأصل: فيقول، وفي ظ: فيقول- كذا.
[29131]:زيد من الرسالة.
[29132]:من الرسالة، وفي الأصل: يحتمل أن يكون، وفي ظ: تحتمل أو يكون- كذا.
[29133]:من الرسالة، وفي الأصل: يحتمل أن يكون، وفي ظ:ى تحتمل أو يكون- كذا.
[29134]:من الرسالة، وفي الأصل و ظ: يحتمل.
[29135]:زيد من المحلي 1/49.
[29136]:من المحلي، وفي الأصل و ظ: منصوص.
[29137]:في المحلي، وهذا.
[29138]:من المحلي، وفي الأصل و ظ: وردوه- كذا.
[29139]:في ظ: خبر.
[29140]:زيد في المحلي: و إلا فهو كاذب.
[29141]:العبارة من هنا إلى "من رسول" ساقطة من ظ.
[29142]:سورة 4 آية 64.
[29143]:سورة 14 آية 4.
[29144]:من ظ والمحلي وال'قرآن الكريم سورة 24 آية 63، وفي الأصل: يصيبهم.
[29145]:زيد من ظ والمحلي 1/50.
[29146]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29147]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29148]:زيد من ظ.
[29149]:في ظ: قال أحمل الدليل بصحيح.
[29150]:في ظ: قال أحمل الدليل بصحيح.
[29151]:في ظ: تفاسد.
[29152]:زيد من ظ.
[29153]:من ظ، وفي الأصل: بخط.
[29154]:سورة 25 آية 1.
[29155]:في ظ: الثانية.
[29156]:في ظ: الثانية.
[29157]:سورة 24 آية 28.
[29158]:من ظ، وفي الأصل: معناه.
[29159]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل، وثبتت صفحة 185 من الأصل في العبارة المتكررة بعد "إثبات العموم".
[29160]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل، وثبتت صفحة 185 من الأصل في العبارة المتكررة بعد "إثبات العموم".
[29161]:في ظ: حضور.
[29162]:في الأصل و ظ: لقب- كذا.
[29163]:سقط من ظ.
[29164]:في ظ: يكونون.
[29165]:زيد بعده في ظ: قال.
[29166]:سقط من ظ.
[29167]:في ظ: عشر.
[29168]:سورة 38 آية 87.
[29169]:في ظ: عشر.
[29170]:سورة 36 آية 11.
[29171]:في ظ: لقوله.
[29172]:سورة 36 آية 70.
[29173]:من ظ، وفي الأصل: سلمة.
[29174]:سقط من ظ.
[29175]:من ظ، وفي الأصل: لا يعارضه- كذا.
[29176]:في ظ: سمع.
[29177]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ فحذفناها.
[29178]:من ظ، وفي الأصل: يجرء.
[29179]:في ظ: القلب.
[29180]:من ظ، وفي الأصل: سيعصم.
[29181]:في ظ: فكل.
[29182]:في ظ: فكل.
[29183]:في ظ: تلقيه.