تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين} العير أو هزيمة المشركين وعسكرهم، {أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة} يعنى العير، {تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته} يقول: يحقق الإسلام بما أنزل إليك، {ويقطع دابر الكافرين} يعني أصل الكافرين ببدر...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: واذكروا أيها القوم "إذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ "يعني: إحدى الفرقتين، فرقة أبي سفيان بن حرب والعير، وفرقة المشركين الذين نفروا من مكة لمنع عيرهم. وقوله: "أنّها لَكُمْ" يقول: إن ما معهم غنيمة لكم. "وَتَوَدّونَ أنّ غيرَ ذَاتِ الشّوْكَة تَكُونُ لَكُمْ" يقول: وتحبون أن تكون تلك الطائفة التي ليست لها شوكة، يقول: ليس لها حدّ ولا فيها قتال أن تكون لكم، يقول: تودّون أن تكون لكم العير التي ليس فيها قتال لكم دون جماعة قريش الذين جاءوا لمنع عيرهم الذين في لقائهم القتال والحرب...
"ويُرِيدُ اللّهُ أنْ يُحِقّ الحَقّ بكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافِرِينَ"
يقول تعالى ذكره: ويريد الله أن يحقّ الإسلام ويعليه بكلماته، يقول: بأمره إياكم أيها المؤمنون بقتال الكفار، وأنتم تريدون الغنيمة والمال.
وقوله: "وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافِرِينَ" يقول: يريد أن يجبّ أصل الجاحدين توحيد الله. وقد بيّنا فيما مضى معنى دابر، وأنه المتأخر، وأن معنى قطعه الإتيان على الجميع منهم... هذا خير لكم من العير... أي الوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} أي غير ذات الحرب وهي العير لأن نفوسهم في لقائها أسكن، وهم إلى ما فيها من الأموال أحوج. وفي الشوكة التي كُني بها عن الحرب وجهان: أحدهما:
أنها الشدة فكُني بها عن الحرب لما فيها من الشدة، وهذا قول قطرب.
والثاني: أنها السلاح، وكُني بها عن الحرب لما فيها من السلاح، من قولهم رجل شاكٍ في السلاح، قاله ابن قتيبة. {وَيُريدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} فيه قولان:
أحدهما: إظهار الحق بإعزاز الدين في وقته على ما تقدم من وعده.
والثاني: أن الحق في أمره لكم أن تجاهدوا عدوكم...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{أَن يُحِقَّ الحَقَّ} أن يثبته ويعليه {بكلماته} بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة، وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة، وبما قضى من أسرهم وقتلهم وطرحهم في قليب بدر. والدابر: الآخر... وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال، يعني أنكم تريدون الفائدة العاجلة وسفساف الأمور وأن لا تلقوا ما يرزؤكم في أبدانكم وأحوالكم، والله عز وجل يريد معالي الأمور، وما يرجع إلى عمارة الدين، ونصرة الحق، وعلوّ الكلمة، والفوز في الدارين. وشتان ما بين المرادين. ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوّتهم بضعفكم، وغلب كثرتهم بقلتكم، وأعزّكم وأذلهم، وحصل لكم ما لا تعارض أدناه العير وما فيها.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} أي وتحبون وتتمنون أن الطائفة غير ذات الشوكة وهي العير تكون لكم لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا. والشوكة الحدة والقوة، وأصلها واحدة الشوك شبهوا بها أسنة الرماح، ثم أطلقوها تجوزا على كل حديد من السلاح، فقالوا: شائك السلاح وشاكي السلاح. وإنما عبر عنها بهذا التعبير للتعريض بكراهتهم للقتال، وطمعهم في المال. {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته} أي ويريد الله بوعده غير ما أردتم، يريد أن يحق الحق الذي أراده بكلماته المنزلة على رسوله أي وعده لكم إحدى الطائفتين مبهمة وبيانها له معينة مع ضمان النصر له {ويقطع دابر الكافرين} المعاندين له من مشركي مكة وأعوانهم باستئصال شأفتهم ومحق قوتهم، فإن دابر القوم آخرهم الذي يأتي في دبرهم ويكون من ورائهم، ولن يصل إليه الهلاك إلا بهلاك من قبله من الجيش، وهكذا كان الظفر ببدر فاتحة الظفر فيما بعدها إلى أن قطع الله دابر المشركين بفتح مكة، وما تخلل ذلك من نيلهم من المؤمنين في أحد وحنين فإنما كان تربية على ذنوب لهم اقترفوها كما قال تعالى في الأولى: {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] إلى أن قال: {وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} [آل عمران: 141] وقال في الثانية: {ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا} إلى قوله {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} [التوبة: 26] الخ
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
... وقوله: {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته}... والمقصود من الإخبار بهذه الجمل الثلاث إظهار أن ما يودونه ليس فيه كمال مصلحتهم، وأن الله اختار لهم ما فيه كمال مصلحتهم، وإن كان يشق عليهم ويرهبهم فإنهم لم يطّلعوا على الأصلح بهم. فهذا تلطف من الله بهم. والمراد من الإرادة هنا إرادة خاصة وهي المشيئة والتعلق التنجيزي للإرادة التي هي صفة الذات. فهذا كقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] أي يسَّر بكم. ومعنى {يُحق الحق}: يثبت ما يسمى الحق وهو ضد الباطل يقال: حق الشيء، إذا ثبت قال تعالى: {أفمن حَق عليه كلمة العذاب} [الزمر: 19]. والمراد بالحق. هنا: دين الحق وهو الإسلام، وقد أطلق عليه اسم الحق في مواضع كثيرة من القرآن كقوله: {حتى جاءهم الحق ورسولٌ مبينٌ} [الزخرف: 29] الآية. وإحقاقه باستيصال معانديه، فأنتم تريدون نفعاً قليلاً عاجلاً، وأراد الله نفعاً عظيماً في العاجل والآجل. والله يعلم وأنتم لا تعلمون...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}...
في هذا التعبير إشارة إلى معنى من معاني العتب، وتنبيه إلى أن الواجب هو طلب القوة، لمن كان المشركون يستضعفونهم، فيبدل الله تعالى من خوفهم أمنا، ومن استضعافهم قوة، وتمكينا في الأرض؛ ولذلك يقول الله تعالى: {وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}. عبر الله تعالى بقوله يودون في جانبهم، وعبر بقوله {يريد الله} دون (يود) للإشارة إلى أن ذلك من جانب الله إرادة، وإرادة الله نافذة وهي المصلحة وهي الخير، وكان التعبير في جانبهم بقوله: {وتودون} للإشارة إلى انه مجرد ود، ولم يصر إرادة، وكيف يريدون ما لم يرد اله تعالى، وكيف وهم المؤمنون حقا وصدقا، وإرادة الله إعلاء لهم، وميلهم ميل إلى ما هو أدنى.
...الوعد من القادر القوي، الذي لا تقف عراقيل أمام إنفاذ ما يريد، هو وعد حق ويجب أن يتلقوا هذا الوعد على أنه حق...
والشوكة هي شيء محدد من طرف تحديدا ينفذ بسهولة من غيره، وأنت تجد الشوكة مدببة رفيعة من الطرف ثم يزداد عرضها من أسفلها ليتناسب الغِلْظُ مع القاعدة لتنفذ باتساع. وذات الشوكة أي الفئة القوية التي تنفذ إلى الغرض المرادَ، ولا يتأبى عليها غرض، ولذلك يقال "شاكي السلاح". فإن كنتم تتمنون وتريدون عدم ملاقاة جيش الكفار في معركة فالمولى عز وجل يقول لكم {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين}. أي أن الله تعالى يريد أن ينصر الإسلام بقوة ضئيلة ضعيفة بغير عتاد على جيش قوي فيعرفون أن ربنا مؤيدهم، وبذلك يحق الحق بكلماته أي بوعده. وهناك الكلمة من الله التي قال فيها: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى} (من الآية 137 من سورة الأعراف). هكذا كان وعد الله الذي تحقق، {ويقطع دابر الكافرين}، والدابر والدُّبرُ هي الخلف، وتقول: "قطعت دابره "أي لم أجعل له خلفا.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
درسٌ قرآنيّ في كيفية الاستعداد للقتال: وهكذا نعرف من خلال ذلك، أن الاستعداد للقتال لم يكن منسجماً مع الحالة النفسية الكارهة للقتال، المحبّة للسلامة. وتلك هي نقطة الضعف الكامنة في الداخل، التي كانت تستيقظ في بعض الحالات، لتثير فيهم نوعاً من التردُّد والاهتزاز الذي لا يلبث إلاّ قليلاً، ثم يفعل الإيمان فعله، ليثبِّت المؤمنين ويقودهم إلى المسيرة الظافرة في طريق الجهاد والشهادة. وهكذا يثير القرآن في آياته الأجواء الذاتية في داخل المسلمين وخارجهم، فيحدّثنا عن نقاط الضعف، في حديث توعيةٍ وتنبيهٍ وتحذير، من أجل مراقبة ذلك كلّه في أنفسنا، لنواجه حالات الاهتزاز الداخلي والخارجي بالمزيد من عوامل التركيز والتثبيت، فإن الإنسان الذي لا يكتشف نقاط ضعفه، لا يستطيع تنمية عناصر قوته، لأن الهروب من وعي المشكلة لا يهزمها، بل يعقّدها ويشلُّ فيها إمكانية الحلّ... وهذا هو السبيل الذي يريد الإسلام للمسلم أن يسير فيه: أن يواجه الواقع كما هو، فيعترف بسلبياته وإيجابياته. ثم يعالج السلبيات من مواقع الإيجابيات، لينتهي إلى النصر والفلاح من موقع المواجهة القوية، بكل ما تستلزمه من آلام وتضحيات، لأن ذلك هو الوسيلة الفعلية لإحقاق الحق وتحويله إلى قوةٍ متحركة في الواقع. إرادة الله تعالى إحقاق الحق وقطع دابر الكافرين {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} ويثبّته بوحيه وسننه في الكون، ليكون هو المهيمن على حركة الحياة، وتكون قيادته الرسولية هي الحاكمة لها في كلّ خطوط السير. {وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} ويستأصلهم باستئصال قوّتهم العسكرية والسياسية، ويهدم عنادهم وكبرياءهم، ويهزم كل مواقع التحدي التي يواجهون بها المسلمين. ولا بدّ للوصول إلى هذا الهدف، من معارك ضارية يقف فيها المسلمون في خط المواجهة للكافرين المعتدين، لأن القوة لا بد من أن تجابه بالقوة، كما أن عملية النصر ليست دعاءً يدعو به الداعون في مواقف الخشوع في الصلاة، وليست تمنياتٍ يحلم بها الحالمون في ما يعيشونه من أحلام اليقظة والمنام، بل هي موقف صمودٍ وصبرٍ وهجومٍ ودفاعٍ ومواقف للتحدّي المضاد الذي يرد التحديات ويواجهها بتحدّياتٍ مماثلة، فإذا عاش الإنسان حالة الضعف قليلاً في تلك المواقع، كان الدعاء سبيل قوّة روحية يستمدها من ارتباطه بالله، وكان النصر حلماً روحياً يتحرك في خط الواقع وحركته، في تطلّعٍ خاشع نحو الغيب القادم من لطف الله ورحمته.
{ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين }يعني : قريش أو عيرهم ، والعامل في إذ محذوف تقديره اذكروا .
{ أنها لكم } بدل من إحدى الطائفتين .
{ وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم } الشوكة عبارة عن السلاح ، سميت بذلك لحدتها ، والمعنى : تحبون أن تلقوا الطائفة التي لا سلاح لها وهي العير .
{ أن يحق الحق } : يعني : يظهر الإسلام بقتل الكفار وإهلاكهم يوم بدر .
ولما{[34546]} لانوا بهذا الخطاب ، وأقبلوا على الملك التواب ، أقبل عليهم فقال : { وإذ } أي اذكروا هذا الذي ذكره الله لكم وقد كان حالكم فيه ما ذكره ، ثم{[34547]} أفضى إلى سعادة عظيمة وعز لا يشبهه عز ، واذكروا إذ { يعدكم الله } أي الجامع لصفات الكمال { إحدى الطائفتين } : العير أو النفير ، وأبدل من الإحدى - ليكون الوعد بها مكرراً - قوله : { أنها لكم } أي فتكرهون لقاء ذات الشوكة { وتودون } أي والحال أنكم تحبون محبة عظيمة { أن غير ذات الشوكة } أي السلاح والقتال والكفاح الذي به{[34548]} تعرف الأبطال ويميز بين الرجال من ذوات الحجال { تكون لكم } أي العير لكونها{[34549]} لم يكن فيها إلا ناس قليل ، يقال : إنهم أربعون رجلاً ، جهلاً منكم بالعواقب ، ثم تبين لكم أن ما فعله الله خير لكم بما{[34550]} لا يبلغ كنهه ، فسلموا له الأمر في السر والجهر تنالوا الغنى والنصر ، وقال الإمام أبو{[34551]} جعفر بن الزبير العاصمي في مناسبة تعقيب الأعراف بهذه السورة ومناسبة آخر تلك لأول هذه ما نصه : لما قصَّ سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم في سوة الأعراف أخبار الأمم ، وقطع المؤمنون{[34552]} من مجموع ذلك بأنه{[34553]} لا يكون الهدى إلا بسابقة السعادة ، لافتتاح السورة من ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام ، وكلاهما{[34554]} كفر على علم ولم ينفعه ما قد كان حصل عليه ، ونبه تعالى عباده على الباب الذي أتى{[34555]} منه على بلعام بقوله سبحانه ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فأشار سبحانه إلى أن اتباع الأهواء أضل كل ضلال ، نبهوا على ما فيه الحزم{[34556]} من ترك الأهواء جملة فقال تعالى يسألونك عن الأنفال }[ الأنفال : 1 ] الآية ، فكان قد{[34557]} قيل لهم : اتركوا ما ترون أنه حق واجب لكم ، وفوضوا في أمره لله وللرسول ، فذلك أسلم لكم وأحزم في ردع أغراضكم وقمع شهواتكم وترك{[34558]} أمور ربكم{[34559]} وقد ألف في هذه الشريعة السمحة{[34560]} البيضاء حسم الذرائع كثيراً وإقامة مظنة الشيء مقامه كتحريم الجرعة من الخمر والقطرة{[34561]} ، والخطبة في العدة واعتداد النوم الثقيل ناقضاً ، فهذه مظان لم يقع الحكم فيها على ما هو لأنفسها{[34562]} ولا بما هي كذا ، بل بما هي مظان ودواع لما منع لعينه أو استوجب حكماً لعينه وعلته الخاصة به ، ولما أمر المسلمون بحل أيديهم عن الأنفال يوم بدر إذ كان المقاتلة قد هموا بأخذها وحدثوا أنفسهم بالأنفراد بها{[34563]} ورأوا أنها من حقهم وأن من{[34564]} لم يباشر قتالاً من الشيوخ ومن انحاز منه{[34565]} لمهم فلا حق له فيها ، ورأى الآخرون أيضاً{[34566]} أن حقهم فيها ثابت لأنهم كانوا فيه للمقاتلين عدة{[34567]} وملجأ وراء ظهورهم ، كان ما أمرهم الله به من تسليم الحكم في ذلك إلى الله ورسوله من باب حسم الذرائع لأن تمشية أغراضهم في ذلك - وإن تعلق كل من الفريقين بحجة - مظنة لرئاسة{[34568]} النفوس واستسهال اتباع الأهواء{[34569]} ، فأمرهم الله بالتنزه
عن ذلك والتفويض لله ولرسوله فإن ذلك أسلم لهم{[34570]} و{[34571]}أوفى لدينهم{[34572]} وأبقى في إصلاح ذات البين وأجدى في الأتباع{ فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم }[ الأنفال : 1 ] الآية ، ثم ذكروا بما ينبغي لهم أن يلتزموا فقال تعالى{ إنما المؤمنون }[ الأنفال : 2 ] - إلى قوله :{ زادتهم إيماناً }[ الأنفال : 2 ] ثم نبهوا على أن أعراض الدنيا من نفل أو غيره لا ينبغي للمؤمن أن يعتمد عليه اعتماداً يدخل عليه ضرراً من الشرك أو{[34573]} التفاتاً إلى غير الله سبحانه بقوله : { وعلى ربهم يتوكلون } ثم ذكروا بما وصف به المتقين من الصلاة والإنفاق ثم قال { أولئك هم المؤمنون حقاً } تنبيهاً على أن من قصر عن هذه الأحوال ولم يأت بها على كمالها لم يخرج عن الإيمان ولكن ينزل عن درجة الكمال بحسب تقصيره ، وكان في هذا إشعار{[34574]} بعذرهم في كلامهم في الأنفال وأنهم قد كانوا في مطلبهم على حالة من الصواب وشرب من التمسك والأتباع ، لكن أعلى الدرجات ما بين لهم ومنحوه ، وأنه الكمال والفوز ، ثم نبههم سبحانه بكيفية أمرهم في الخروج إلى بدر وودهم أن غير ذات الشوكة تكون لهم وهو سبحانه يريهم حسن العاقبة فيما اختاره لهم ، فقد كانوا تمنوا لقاء العير ، واختاروا ذلك على لقاء العدو ولم يعلموا ما وراء ذلك
ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين }[ الأنفال : 7 ] إلى ما قصه تعالى عليهم من اكتنافهم برحمته وشمول ألطافه وآلائه وبسط نفوسهم ونبههم{[34575]} على ما{[34576]} يثبت يقينهم ويزيد في إيمانهم ، ثم أعلم أن الخير كله في التقوى فقال :{ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً }[ الأنفال : 29 ] الاية ، وهذا الفرقان هو{[34577]} الذي حرمه إبليس وبلعام ، فكان منهما ما تقدم من{[34578]} اتباع الأهواء القاطعة لهم عن الرحمة ، وقد تضمنت الآية حصول خير الدنيا والآخرة بنعمة الاتقاء{[34579]} ، ثم أجمل الخيران معاً في قوله{ والله ذو الفضل العظيم }[ الأنفال : 29 ] بعد تفصيل ما إليه إسراع{[34580]} المؤمنين من الفرقان والتكفير والغفران ، ولم يقع التصريح بخيري الدنيا الخاص بها مع اقتضاء الآية إياه{[34581]} تنزيهاً للمؤمن في مقام إعطاء الفرقان وتكفير السيئات ، والغفران{[34582]} من{[34583]} ذكر متاع الدنيا التي هي لهو ولعب فلم يكن ذكر متاعها الفاني ليذكر مفصلاً مع ما لا يجانسه ولا يشاكله{ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان }[ العنكبوت : 64 ] ثم التحمت الآي ، ووجه آخر وهو أنه تعالى لما{[34584]} قال { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له{[34585]} } بيَّن لهم كيفية هذا الاستماع وما الذي يتصف به المؤمن من ضروبه فقال{ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله }[ الأنفال : 2 ] الآية ، فهؤلاء لم يسمعوا بآذانهم فقط ، ولا كانت لهم آذان لا يسمعون بها ولا قلوب لا يفقهون بها ، ولو كانوا كذا{[34586]} لما وجلت وعمهم الفزع والخشية وزادتهم الآيات إيماناً ، فإذن إنما يكون سماع المؤمن هكذا{ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون }[ الأنفال : 21 ] ولما كان هؤلاء إنما أتى عليهم من اتباع أهوائهم والوقوف مع أعراضهم وشهواتهم{ يأخذون عرض هذا الأدنى }[ الأعراف : 169 ] { ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه }[ الأعراف : 176 ] وهذه بعينها كانت آفة إبليس ، رأى لنفسه المزيد واعتقد لها الحق ثم اتبع هذا الهوى حين قال{ لم أكن لأسجد{[34587]} لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون }[ الحجر : 33 ] فلما كان اتباع الهوى{[34588]} أصلاً في الضلال وتنكب{[34589]} الصراط المستقيم ، أمر المؤمنين بحسم باب الأهواء ، والتسليم فيما لهم{[34590]} {[34591]}به تعلق{[34592]} وإن لم يكن هوى مجرداً لكنه مظنة تيسير لاتباع{[34593]} الهوى ، فافتتحت السورة بسؤالهم عن الأنفال وأخبروا أنها لله ورسوله ، يحكم فيها ما يشاء { فاتقوا الله } واحذروا الأهواء التي أهلكت من قص عليكم ذكره { وأصلحوا ذات بينكم } برفع التنازع ، وسلموا لله ولرسوله ، وإلا لم تكونوا سامعين وقد أمرتم أن تسمعوا السماع الذي عنه ترجى الرحمة ، وبيانه في قوله { إنما المؤمنون } - الآيات ، ووجه آخر وهو أن قصص بني إسرائيل عقب بوصاة المؤمنين وخصوصاً بالتقوى وعلى حسب ما يكون الغالب فيما يذكر من أمر بني إسرائيل ، ففي البقرة أتبع قصصهم بقوله{[34594]}
يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا{[34595]} واسمعوا{[34596]} }[ البقرة : 104 ] ولما كان قصصهم مفتتحاً بذكر تفضيلهم { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين{[34597]} } افتتح خطاب هذه الأمة بما يشعر بتفضليهم{[34598]} ، وتأمل ما بين { يا بني إسرائيل } و { يا أيها الذين آمنوا } وأمر أولئك بالإيمان{ وآمنوا بما أنزلت{[34599]} }[ البقرة : 41 ] وأمر هؤلاء بتعبد احتياطي فقيل{ وقولوا انظرنا واسمعوا }[ البقرة : 104 ] ثم أعقبت البقرة بآل عمران وافتتحت ببيان المحكم والمتشابه الذي من جهته أتى{[34600]} على بني إسرائيل في{[34601]} كثير من مرتكباتهم ، ولما ضمنت سورة آل عمران من ذكرهم{[34602]} ما ورد{[34603]} فيها ، أعقبت بقوله تعالى ؛{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين{[34604]} }[ آل عمران : 100 ] ثم أعقبت السورة بقوله{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة{[34605]} }[ النساء : 1 ] وعدل عن الخطاب باسم الإيمان للمناسبة ، وذلك أن سورة آل عمران خصت من مرتكبات بني إسرائيل بجرائم كقولهم في الكفار{ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً{[34606]} }[ النساء : 51 ] فهذا بهت{[34607]} ، ومنها قولهم{ الله فقير ونحن أغنياء{[34608]} }[ آل عمران : 181 ] إلى ما تخلل هاتين{[34609]} من الآيات المنبئة عن تعمدهم الجرائم ، فعدل عن { يا أيها الذين آمنوا } إلى { يا أيها الناس } ليكون أوقع في الترتيب وأوضح مناسبة لما ذكر ، ولما ضمنت سورة النساء قوله تعالى{ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات }[ النساء : 160 ] - إلى قوله :{ وأكلهم أموال الناس بالباطل{[34610]} }[ النساء : 161 ] أتبعت بقوله تعالى{ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود{[34611]} }[ المائدة : 51 ] ثم ذكر لهم ما أحل لهم وحرم عليهم ليحذروا مما وقع فيه أولئك ، فعلى هذا لما ضمنت سورة الأعراف من قصصهم جملة ، وبين فيها اعتداءهم ، وبناه على اتباع الأهواء والهجوم على الأغراض ، طلب هؤلاء باتقاء ذلك والبعد عما يشبهه جملة ، فقيل في آخر السورة{ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا }[ الأعراف : 201 ] ثم افتتحت السورة{[34612]} الأخرى بصرفهم عما لهم به تعلق وإليه تشبث يقيم عذرهم شرعاً فيما كان منهم ، فكان قد قيل لهم : ترك هذا أسلم وأبعد عن اتباع الأهواء ، فسلموا في ذلك الحكم لله ورسوله واتقوا الله ، ثم تناسج السياق والتحمت الآي ، وقد تبين وجه اتصال الأنفال بالأعراف من وجوه ، والحمد لله - انتهى .
ولما أخبر تعالى بما هو الحق من أن إرادتهم بل ودادتهم إنما كانت منصبة إلى العير لا إلى النفير ، تبين أنه لا صنع لهم فيما وقع إذ لو كان لكان على ما أرادوا ، فلا حظ لهم في الغنيمة إلا ما{[34613]} يقسمه الله لهم لأن الحكم لمراده لا لمراد غيره ، فقال تعالى عاطفاً على { وتودون } : { ويريد الله } أي بما له من العز والعظمة والعلم { أن يحق الحق } اي يثبت في عالم الشهادة الثابت عنده في عالم الغيب ، وهو هنا إصابة ذات الشوكة { بكلماته } أي التي أوحاها إلى{[34614]} نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم يهزمون ويقتلون ويؤسرون ، وأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان ، ليعلي دينه ويظهر أمره على كل أمر { ويقطع دابر } أي آخر { الكافرين* } أي كما يقطع أولهم ، أي يستأصلهم بحيث لا يبقى منهم أحد يشاقق أهل حزبه فهو يدبر أمركم على ما يريد ، فلذلك اختار لكم ذات الجد والشوكة ليكون ما وعدكم به من إعلاء الدين وقمع المفسدين بقطع دابرهم