الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (45)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم أخبر عن التوراة، فقال سبحانه: {وكتبنا عليهم فيها}، يعني وفرضنا عليهم في التوراة، نظيرها في المجادلة: {كتب الله} [المجادلة: 21]، يعني قضى، {أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له}، يقول: فمن تصدق بالقتل والجراحات، فهو كفارة لذنبه، يقول: إن عفى المجروح عن الجارح، فهو كفارة للجارح من الجرح، ليس عليه قود ولا دية.

{ومن لم يحكم بما أنزل الله} في التوراة من أمر الرجم والقتل والجراحات، {فأولئك هم الظالمون} [آية: 45].

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

361- يحيى: قال مالك القصاص يكون بين النساء كما يكون بين الرجال. والقصاص أيضا يكون بين الرجال والنساء. وذلك أن الله تبارك وتعالى قال في كتابه: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} فذكر الله تبارك وتعالى أن النفس بالنفس. فنفس المرأة الحرة بنفس الرجل الحر. وجرحها بجرحه. {والعين بالعين} [المائدة: 45]. 362- يحيى: سئل مالك عن شتر العين وحجاج العين؟ فقال: ليس في ذلك إلا الاجتهاد. إلا أن ينقص بصر العين، فيكون له بقدر ما نقص من بصر العين. 363- ابن العربي: قال مالك: إن شاء فقأ عينه أو أخذ دية كاملة.

{والسن بالسن} [المائدة: 45]. 364- المهدوي: قال مالك: الثنية بالثنية، والرباعية بالرباعية، والعليا بالعليا والسفلى بالسفلى، لا تقاد سن إلا بمثلها. فإن لم يكن لها مثل فالعقل، ولا قصاص في كل مخوف. {والجروح قصاص} [المائدة: 45]. 365- يحيى: قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن من كسر يدا أو رجلا عمدا أنه يقاد منه ولا يعقل. قال مالك: ولا يقاد من أحد حتى تبرأ جراح صاحبه فيقاد منه فإن جاء جرح المستقاد منه مثل جرح الأول حين يصح فهو القود. وإن زاد جرح المستقاد منه أو مات فليس على المجروح الأول المستقيد وإن برأ جرح المستقاد منه وشل المجروح الأول أو برأت جراح وبها عيب أو نقص أو عثل، فإن المستقاد منه لا يكسر الثانية ولا يقاد بجرحه. قال: ولكنه يعقل له بقدر ما نقص من يد الأول أو فسد منها. والجراح في الجسد على مثل ذلك. وعن مالك أنه بلغه أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أقاد من كسر الفخذ.

تفسير الشافعي 204 هـ :

ذكر الله ما فرض على أهل التوراة فقال عز وجل:

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ} إلى قوله: {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}. وروي في حديث عن عمر أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي القود من نفسه، وأبا بكر يعطي القود من نفسه، وأنا أعطي القود من نفسي.

ولم أعلم مخالفا في أن القصاص في هذه الأمة كما حكم الله عز وجل: أنه حكم به بين أهل التوراة، ولم أعلم مخالفا في أن القصاص بين الحرين المسلمين في النفس وما دونها من الجراح التي يستطاع فيها القصاص بلا تلف يخاف على المستقاد منه من موضع القود.

والقصاص ما دون النفس شيئان: جرح يشق بجرح، وطرف يقطع بطرف. (الأم: 6/50. ون الأم: 7/333. وأحكام الشافعي: 1/280-281.)

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ} الآية. قال: ولا يجوز ـ والله أعلم ـ في حكم الله تبارك وتعالى بين أهل التوراة أن كان حكما بينا إلا ما جاز في قوله: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـانًا فَلا يُسْرِف فِّي اِلْقَتْلِ} ولا يجوز فيها إلا أن تكون كل نفس محرمة القتل، فعلى من قتلها القود. فيلزم من هذا أن يقتل المؤمن بالكافر المعاهد، والمستأمن، والصبي، والمرأة من أهل الحرب، والرجل بعبده وعبد غيره مسلما كان أو كافرا، والرجل بولده إذا قتله.

أو يكون قول الله تبارك وتعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا} ممن دمه مكافئ دم من قتله، وكل نفس كانت تقاد بنفس، بدلالة كتاب الله عز وجل أو سنة أو إجماع، كما كان قول الله عز وجل: {وَالأنثى بِالأنثى} إذا كانت قاتلة خاصة، لا أن ذكرا لا يقتل بأنثى. وهذا أولى معانيه به، والله أعلم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وكتبنا على هؤلاء اليهود الذين يحكمونك يا محمد، وعندهم التوراة فيها حكم الله. ويعني بقوله: "كَتَبْنا": فرضنا عليهم فيها أن يحكموا في النفس إذا قتلت نفسا بغير حقّ بالنفس، يعني: أن تقتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة. "والعَيْنَ بالعَيْن": وفرضنا عليهم فيها أن يفقؤوا العين التي فقأ صاحبها مثلها من نفس أخرى بالعين المفقوءة، ويجدع الأنف بالأنف، وتقطع الأذن بالأذن، وتقلع السنّ بالسنّ، ويقتصّ من الجارح غيره ظلما للمجروح. وهذا إخبار من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن اليهود، وتعزية منه له عن كفر من كفر منهم به بعد إقراره بنبوّته وإدباره عنه بعد إقباله، وتعريف منه له جراءتهم قديما وحديثا على ربهم وعلى رسل ربهم وتقدمهم على كتاب الله بالتحريف والتبديل يقول تعالى ذكره له: وكيف يرضى هؤلاء اليهود يا محمد بحكمك إذا جاءوا يحكمونك وعندهم التوراة التي يقرّون بها أنها كتابي ووحيي إلى رسولي موسى صلى الله عليه وسلم فيها حكمي بالرجم على الزناة المحصَنين، وقضائي بينهم أن من قتل نفسا ظلما فهو بها قَوَد، ومن فقأ عينا بغير حقّ فعينه بها مفقوءة قصاصا، ومن جدع أنفا فأنفه به مجدوع، ومن قلع سنَا فسنه بها مقلوعة، ومن جرح غيره جرحا فهو مقتصّ منه مثل الجرح الذي جرحه، ثم هم مع الحكم الذي عندهم في التوراة من أحكامي يتولون عنه ويتركون العمل به يقول: فهم بترك حكمك وبسخط قضائك بينهم أحرى وأولى.

"فَمَنْ تَصَدّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ": عُني بذلك المجروحُ وولي القتيل. عن عبد الله بن عمرو: "فَمَنْ تَصَدّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ "قال: يُهدم عنه -يعني المجروح- مثل ذلك من ذنوبه.

حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: حدثنا ابن فضيل، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر، قال: دفع رجل من قريش رجلاً من الأنصار، فاندقت ثَنِيّته، فرفعه الأنصاري إلى معاوية. فلما ألحّ عليه الرجل، قال معاوية: شأنَك وصاحَبك قال: وأبو الدرداء عند معاوية، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فَيَهَبُهُ إلاّ رَفَعَهُ اللّهُ بِهِ دَرَجَةً وَحَطّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً». فقال له الأنصاريّ: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعتْه أذناني ووعاه قلبي. فخّلى سبيل القرشيّ، فقال معاوية: مروا له بمال.

حدثنا محمود بن خِداش، قال: حدثنا هشيم بن بشير، قال: أخبرنا مغيرة، عن الشعبيّ، قال: قال ابن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ جُرِحَ فِي جَسَدِهِ جِرَاحَةً فَتَصَدّقَ بِها، كُفّرَ عَنْهُ ذُنُوبُهُ بِمِثْلِ ما تَصَدّقَ بِهِ».

وقال آخرون: عَنَى بذلك الجارحَ، وقالوا معنى الآية: فمن تصدّق بما وجب له من قَوَدَ أو قصاص على من وجب ذلك له عليه، فعفا عنه، فعفوه ذلك عن الجاني كفارة لذنب الجاني المجرم، كما القصاص منه كفارة له قالوا: فأما أجر العافي المتصدّق فعلى الله...

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني به: "فمن تصدّق به فهو كفارة له": المجروح؛ فلأن تكون الهاء في قوله «له» عائدة على "مَن "أولى من أن تكون من ذكر من لم يجر له ذكر إلا بالمعنى دون التصريح وأحرى، إذ الصدقة هي المكفرة ذنب صاحبها دون المتصدّق عليه في سائر الصدقات غير هذه، فالواجب أن يكون سبيل هذه سبيل غيرها من الصدقات.

فإن ظنّ ظانّ أن القصاص إذ كان يكفر ذنب صاحبه المقتصّ منه الذي أتاه في قتل من قتله ظلما، لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أخذ البيعة على أصحابه: «أنْ لا تَقْتُلُوا وَلا تَزْنُوا وَلا تَسْرِقوا» ثم قال: «فَمَنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ حَدّهُ، فَهُوَ كَفّارَتُه». فالواجب أن يكونَ عفوُ العافي المجنيِّ عليه، أو ولي المقتول عنه نظيرَه، (5) في أن ذلك له كفارة. فإن ذلك لو وجب أن يكون كذلك، لوجب أن يكون عفوُ المقذوفِ عن قاذفه بالزنا، وتركِه أخذه بالواجب له من الحدِّ، وقد قذفه قاذِفُه وهو عفيفٌ مسلم مُحْصَن، كفَّارةً للقاذف من ذنبه الذى ركبه، ومعصيته التي أتاها. وذلك ما لا نعلم قائلا من أهل العلم يقوله. فإذْ كان غير جائز أن يكون تركُ المقذوف -الذي وصفنا أمره- أخذَ قاذفه بالواجب له من الحدّ كفارةً للقاذف من ذنبه الذي ركبه، كان كذلك غير جائز أن يكون ترك المجروح أخذَ الجارح بحقِّه من القصاص، كفَّارةً للجارح من ذنبه الذي ركبه.

فإن قال قائل: أو ليس لمجروح عندك أخذ جارحه بدية جرحه مكان القصاص؟ قيل له: بلى. فإن قال: أفرأيت لو اختار الدية ثم عفا عنها، أكانت له قِبَله في الاَخرة تبعة؟ قيل له: هذا كلام عندنا محال، وذلك أنه لا يكون عندنا مختار الدية إلا وهو لها آخذ. فأما العفو فإنما هو عفو عن الدم. وقد دللنا على صحة ذلك في موضع غير هذا بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع. إلا أن يكون مرادا بذلك هبتها لمن أخذت منه بعد الأخذ، مع أن عفوه عن الدية بعد اختياره إياها لو صحّ لم يكن في صحة ذلك ما يوجب أن يكون المعفوّ له عنها بريئا من عقوبة ذنبه عند الله لأن الله تعالى ذكره أو عد قاتل المؤمن بما أوعده به، إن لم يتب من ذنبه، والدية مأخوذة منه، أحبّ أم سَخِط، والتوبة من التائب إنما تكون توبة إذا اختارها وأرادها وآثرها على الإصرار. فإن ظنّ ظانّ أن ذلك وإن كان كذلك، فقد يجب أن يكون له كفارة كما جاز القصاص كفّارة فإنا إنما جعلنا القصاص له كفّارة مع ندمه وبذله نفسه لأخذ الحقّ منها تنصلاً من ذنبه، بخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم. فأما الدية إذا اختارها المجروح ثم عفا عنها فلم يُقْض عليه بحدّ ذنبه، فيكون ممن دخل في حكم النبيّ صلى الله عليه وسلم وقوله: «فمن أُقيم عليه الحَدّ فهو كَفّارَتُهُ». ثم مما يؤكد صحة ما قلنا في ذلك، الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: «فمن تَصَدّق بدَمٍ»، وما أشبه ذلك من الأخبار التي قد ذكرناها قبل. وقد يجوز أن يكون القائلون أنه عنى بذلك الجارح، أرادوا المعنى الذي ذكر عن عروة بن الزبير... عن مجاهد، قال: إذا أصاب رجل رجلاً ولا يعلم المصاب من أصابه فاعترف له المصيب، قال: وكان مجاهد يقول عند هذا: أصاب عروة ابن الزبير عين إنسان عند الركن فيما يستلمون، فقال له: يا هذا أنا عروة بن الزبير، فإن كان بعينك بأس فأنا بها.

وإذا كان الأمر من الجارح على نحو ما كان من عروة من خطأ فعل على غير عمد ثم اعترف للذي أصابه بما أصابه فعفا له المصاب بذلك عن حقه قبله، فلا تبعة له حينئذٍ قبل المصيب في الدنيا ولا في الاَخرة لأن الذي كان وجب له قبله مال لا قصاص وقد أبرأه منه، فإبراؤه منه كفّارة له من حقه الذي كان له أخذه به، فلا طلبة له بسبب ذلك قبله في الدنيا ولا في الاَخرة، ولا عقوبة تلزمه بها بما كان منه من أصابه، لأنه لم يتعمد إصابته بما أصابه به فيكون بفعله إنما يستحقّ به العقوبة من ربه لأن الله عزّ وجلّ قد وضع الجُناح عن عباده فيما أخطئوا فيه ولم يتعمدوه من أفعالهم، فقال في كتابه: "لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ ما تَعَمّدَتْ قُلُوبُ

و"التصدق في هذا الموضع بالدم: العفو عنه.

"وَمَنْ لمْ يَحْكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ": ومن لم يحكم بما أنزل الله في التوراة من قود النفس القاتلة قصاصا بالنفس المقتولة ظلما. ولم يفقأ عين الفاقئ بعين المفقوء ظلما قصاصا ممن أمره الله به بذلك في كتابه، ولكن أقاد من بعض ولم يُقِد من بعض، أو قتل في بعضِ اثنين بواحد، فإن من يفعل ذلك من الظالمين، يعني ممن جار على حكم الله ووضع فعله ما فعل من ذلك في غير موضعه الذي جعله الله له موضعا.

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

قوله في نسق الآية: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} دليلٌ على ثبوت هذا الحكم في وقت نزول هذه الآية من وجهين، أحدهما: أنه قد ثبت أن ذلك مما أنزل الله ولم يفرق بين شيء من الأزمان، فهو ثابت في كل الأزمان إلى أن يَرِدَ نسخُه. والثاني: معلومٌ أنهم استحقوا سِمَةَ الظلم والفسق في وقت نزول الآية لتركهم الحكم بما أنزل الله تعالى من ذلك وقت نزول الآية، إما جحوداً له أو تركاً لفعل ما أوجب الله من ذلك، وهذا يقتضي وجوب القصاص في سائر النفوس ما لم تقم دلالة نسخه أو تخصيصه...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

...معنى هذه الآية الخبر بأن الله تعالى كتب فرضاً على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً فيجب في ذلك أخذ نفسه ثم هذه الأعضاء المذكورة كذلك، ثم استمر هذا الحكم في هذه الأمة بما علم من شرع النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه. ومضى عليه إجماع الناس، وذهب قوم من العلماء إلى تعميم قوله: {النفس بالنفس} فقتلوا الحر بالعبد والمسلم بالذمي، والجمهور على أنه عموم يراد به الخصوص في المتماثلين. وهذا مذهب مالك وفيه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل مسلم بكافر» وقال ابن عباس رضي الله عنه: رخص الله لهذه الأمة ووسع عليها بالدية ولم يجعل لبني إسرائيل دية فيما نزل على موسى وكتب عليهم.

وفي هذه الآية بيان لفساد فعل بني إسرائيل في تعزز بعضهم على بعض وكون بني النضير على الضعف في الدية من بني قريظة أو على أن لا يقاد بينهم بل يقنع بالدية، ففضحهم الله تعالى بهذه الآية وأعلم أنهم خالفوا كتابهم. {والجروح قصاص} هو عموم يراد به الخصوص في جراح القود، وهي التي لا يخاف منها على النفس، فأما ما خيف منه كالمأمومة وكسر الفخذ ونحو ذلك فلا قصاص فيها. و«القصاص» مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه. فكأن الجاني يقتص أثره ويتبع فيما سنه فيقتل كما قتل.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

.. نَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى أُمَّهَاتِ الْأَعْضَاءِ وَتَرَكَ بَاقِيَهَا لِلْقِيَاسِ عَلَيْهَا، وَكُلُّ عُضْوٍ فِيهِ الْقِصَاصُ إذَا أَمْكَنَ وَلَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ عُضْوٍ بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهُ وَبَقِيَتْ صُورَتُهُ فَلَا قَوَدَ فِيهِ، وَفِيهِ الدِّيَةُ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْقَوَدِ فِيهِ...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان ختام هذه الآيات في ترهيب المعرض عن الحكم بما أنزل الله مطابقاً لقوله في أول سياق المحاربة {ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} رجع إلى القتل مبيناً أنهم بدلوا في القتل كما بدلوا في الزنا، ففضلوا بني النضير على بني قريظة، فقال: {وكتبنا} أي بما لنا من العظمة {عليهم فيها} أي في التوراة، عطفاً على قوله {كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس} وإذا أنعمت النظر وجدت ما بينهما لشدة اتصاله وقوة الداعية إليه كأنه اعتراض {أن النفس} أي مقتولة قصاصاً مثلاً بمثل {بالنفس} أي بقتل النفس بغير وجه مما تقدم {والعين} أي تقلع {بالعين} أي قلعت بغير شبهة {والأنف} يجدع {بالأنف} كذلك {والأذن} تصلم {بالأذن} على ما تقدم {والسن} تقلع {بالسن} إذا قلعت عمداً بغير حق {والجروح} أي التي تنضبط كلها {قصاص} مثلاً بمثل سواء بسواء.

ولما أوجب سبحانه هذا، رخص لهم في النزول عنه، فسبب عن ذلك قوله: {فمن تصدق به} أي عفا عن القصاص ممن يستحقه سواء كان هو المجروح إن كان باقياً أو وارثه إن كان هالكاً {فهو} أي التصدق بالقصاص {كفارة له} أي ستارة لذنوب هذا العافي ولم يجعل لهم دية، إنما هو القصاص أو العفو، فمن حكم بما أنزل الله فأولئك هم المسلمون لانقيادهم في هذا الأمر الصعب لأمر الله (ومن لم يحكم) أي على وجه الاستمرار {بما أنزل الله} أي الذي لا كفوء له فلا أمر لأحد معه لخوف أو رجاء، أو تديناً بالإعراض عنه سواء حكم بغيره أو لا {فأولئك} أي البعداء عن طريق الاستقامة، البغضاء إلى أهل الكرامة {هم الظالمون} أي الذين تركوا العدل فضّلوا، فصاروا كمن يمشي في الظلام، فإن كانا تديناً بالترك كان نهاية الظلم وهو الكفر، وإلا كان عصيانا، لأن الله أحق أن يخشى ويرجى، روى ابن إسحاق في السيرة في تحاكمهم في الزنا نحو ما تقدم ثم قال: وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] إلى: {المقسطين} إنما نزلت في الدية بين بني النضير وبني قريظة، وذلك أن قتلى بني النضير وكان لهم شرف -يؤدون الدية كاملة، وأن بني قريظة كانوا يؤدون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك فجعل الدية سواء "قال ابن إسحاق: فالله أعلم أيّ ذلك كان! وأخرجه النسائي في سننه من طريق ابن إسحاق، وروي من طريق آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً، قال: كان قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، وكان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قُتِل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة أدى مائة وسق من تمر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله فقالوا: بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه فنزلت (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة: 42] والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت

{أفحكم الجاهلية يبغون} [المائدة: 50] انتهى.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} والاقتصاص: أن يفعل به كما فعل. فمن جرح غيره عمدا اقتص من الجارح جرحا مثل جرحه للمجروح، حدا، وموضعا، وطولا، وعرضا وعمقا، وليعلم أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وبعد بيان هذا الأصل القاعدي في دين الله كله، يعود السياق، لعرض نماذج من شريعة التوراة التي أنزلها الله ليحكم بها النبيون والربانيون والأحبار للذين هادوا -بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء:

(وكتبنا عليهم فيها: أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص)..

وقد استبقيت هذه الأحكام التي نزلت بها التوراة في شريعة الإسلام، وأصبحت جزءا من شريعة المسلمين، التي جاءت لتكون شريعة البشرية كلها إلى آخر الزمان. وإن كانت لا تطبق إلا في دار الإسلام، لاعتبارات عملية بحتة؛ حيث لا تملك السلطة المسلمة أن تطبقها فيما وراء حدود دار الإسلام. وحيثما كان ذلك في استطاعتها فهي مكلفة تنفيذها وتطبيقها، بحكم أن هذه الشريعة عامة للناس كافة، للأزمان كافة، كما أرادها الله.

وقد أضيف إليها في الإسلام حكم آخر في قوله تعالى:

(فمن تصدق به فهو كفارة له)..

ولم يكن ذلك في شريعة التوراة. إذ كان القصاص حتما؛ لا تنازل فيه، ولا تصدق به، ومن ثم فلا كفارة..

ويحسن أن نقول كلمة عن عقوبات القصاص هذه على قدر السياق في الظلال.

أول ما تقرره شريعة الله في القصاص، هو مبدأ المساواة.. المساواة في الدماء والمساواة في العقوبة.. ولم تكن شريعة أخرى- غير شريعة الله -تعترف بالمساواة بين النفوس، فتقتص للنفس بالنفس، وتقتص للجوارح بمثلها، على اختلاف المقامات والطبقات والأنساب والدماء والأجناس..

النفس بالنفس. والعين بالعين. والأنف بالأنف. والأذن بالأذن. والسن بالسن. والجروح قصاص.. لا تمييز. ولا عنصرية. ولا طبقية. ولا حاكم. ولا محكوم.. كلهم سواء أمام شريعة الله. فكلهم من نفس واحدة في خلقة الله.

إن هذا المبدأ العظيم الذي جاءت به شريعة الله هو الإعلان الحقيقي الكامل لميلاد "الإنسان "الإنسان الذي يستمتع كل فرد فيه بحق المساواة.. أولا في التحاكم إلى شريعة واحدة وقضاء واحد. وثانيا في المقاصة على أساس واحد وقيمة واحدة.

وهو أول إعلان.. وقد تخلفت شرائع البشر الوضعية عشرات من القرون حتى ارتقت إلى بعض مستواه من ناحية النظريات القانونية، وإن ظلت دون هذا المستوى من ناحية التطبيق العملي.

ولقد انجرف اليهود الذين ورد هذا المبدأ العظيم في كتابهم- التوراة -عنه؛ لا فيما بينهم وبين الناس فحسب، حيث كانوا يقولون: "ليس علينا في الأميين سبيل بل فيما بينهم هم أنفسهم. على نحو ما رأينا فيما كان بين بني قريظة الذليلة، وبني النضير العزيزة؛ حتى جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم فردهم إلى شريعة الله- شريعة المساواة.. ورفع جباه الأذلاء منهم فساواها بجباه الأعزاء!

والقصاص على هذا الأساس العظيم -فوق ما يحمله من إعلان ميلاد الإنسان- هو العقاب الرادع الذي يجعل من يتجه إلى الاعتداء على النفس بالقتل، أو الاعتداء عليها بالجرح والكسر، يفكر مرتين ومرات قبل أن يقدم على ما حدثته به نفسه، وما زينه له اندفاعه؛ وهو يعلم أنه مأخوذ بالقتل إن قتل -دون نظر إلى نسبه أو مركزه، أو طبقته، أو جنسه- وأنه مأخوذ بمثل ما أحدث من الإصابة. إذا قطع يدا أو رجلا قطعت يده أو رجله؛ وإذا أتلف عينا أو أذنا أو سنا، أتلف من جسمه ما يقابل العضو الذي أتلفه.. وليس الأمر كذلك حين يعلم أن جزاءه هو السجن -طالت مدة السجن أو قصرت- فالألم في البدن، والنقص في الكيان، والتشويه في الخلقة شيء آخر غير الآم السجن.. على نحو ما سبق بيانه في حد السرقة.. والقصاص على هذا الأساس العظيم -فوق ما يحمله من إعلان ميلاد الإنسان- هو القضاء الذي تستريح إليه الفطرة؛ والذي يذهب بحزازات النفوس، وجراحات القلوب، والذي يسكن فورات الثأر الجامحة، التي يقودها الغضب الأعمى وحمية الجاهلية.. وقد يقبل بعضهم الدية في القتل والتعويض في الجراحات. ولكن بعض النفوس لا يشفيها إلا القصاص..

وشرع الله في الإسلام يلحظ الفطرة -كما لحظها شرع الله في التوراة- حتى إذا ضمن لها القصاص المريح.. راح يناشد فيها وجدان السماحة والعفو -عفو القادر على القصاص:

(فمن تصدق به فهو كفارة له)

من تصدق بالقصاص متطوعا.. سواء كان هو ولي الدم في حالة القتل [والصدقة تكون بأخذ الدية مكان القصاص، أو بالتنازل عن الدم والدية معا وهذا من حق الولي، إذ العقوبة والعفو متروكان له ويبقى للإمام تعزير القاتل بما يراه] أو كان هو صاحب الحق في حالة الجروح كلها، فتنازل عن القصاص.. من تصدق فصدقته هذه كفارة لذنوبه؛ يحط بها الله عنه.

وكثيرا ما تستجيش هذه الدعوة إلى السماحة والعفو، وتعليق القلب بعفو الله ومغفرته. نفوسا لا يغنيها العوض المالي؛ ولا يسليها القصاص ذاته عمن فقدت أو عما فقدت.. فماذا يعود على ولي المقتول من قتل القاتل؟ أو ماذا يعوضه من مال عمن فقد؟.. إنه غاية ما يستطاع في الأرض لإقامة العدل، وتأمين الجماعة.. ولكن تبقى في النفس بقية لا يمسح عليها إلا تعليق القلوب بالعوض الذي يجيء من عند الله..

روى الإمام أحمد. قال: حدثنا وكيع، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر، قال "كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار. فاستعدى عليه معاوية. فقال معاوية: سنرضيه.. فألح الأنصاري.. فقال معاوية: شأنك بصاحبك!- وأبو الدرداء جالس -فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة، أو حط به عنه خطيئة".. فقال الأنصاري: فإني قد عفوت"..

وهكذا رضيت نفس الرجل واستراحت بما لم ترض من مال معاوية الذي لوح له به التعويض..

وتلك شريعة الله العليم بخلقة؛ وبما يحيك في نفوسهم من مشاعر وخواطر، وبما يتعمق قلوبهم ويرضيها؛ ويكسب فيها الاطمئنان والسلام من الأحكام.

وبعد عرض هذا الطرف من شريعة التوراة، التي صارت طرفا من شريعة القرآن، يعقب بالحكم العام:

(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)..

والتعبير عام، ليس هناك ما يخصصه؛ ولكن الوصف الجديد هنا هو (الظالمون).

وهذا الوصف الجديد لا يعني أنها حالة أخرى غير التي سبق الوصف فيها بالكفر. وإنما يعني إضافة صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله. فهو كافر باعتباره رافضا لألوهية الله- سبحانه -واختصاصه بالتشريع لعباده، وبادعائه هو حق الألوهية بادعائه حق التشريع للناس. وهو ظالم بحمل الناس على شريعة غير شريعة ربهم، الصالحة المصلحة لأحوالهم. فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة، وتعرضها لعقاب الكفر. وبتعريض حياة الناس- وهو معهم -للفساد.

وهذا ما يقتضيه اتحاد المسند إليه وفعل الشرط: (ومن لم يحكم بما أنزل الله).. فجواب الشرط الثاني يضاف إلى جواب الشرط الأول؛ ويعود كلاهما على المسند إليه في فعل الشرط وهو (من) المطلق العام.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

...والكَتْب هنا مجاز في التّشريع والفرض بقرينة تعديته بحرف (على)، أي أوجبنا عليهم فيها، أي في التّوراة مضمونَ {أنّ النّفس بالنّفس}، وهذا الحكم مسطور في التّوراة أيضاً، كما اقتضت تعديّة فعل {كتبنا} بحرف (في) فهو من استعمال اللّفظ في حقيقته، ومجازه.

وفي هذا إشارة إلى أنّ هذا الحكم لا يستطاع جحده لأنّه مكتوب والكتابة تزيد الكلام توثّقاً، والمكتوب عليهم هو المصدر المستفاد من (أنّ). والمصدرُ في مثل هذا يؤخذ من معنى حرف الباء الّذي هو التّعويض، أي كتبنا تعويض النّفسسِ بالنّفس، أي النّفس المقتولة بالنّفس القاتلة، أي كتبنا عليهم مساواةَ القصاص.

وقد اتّفق القرّاء على فتح همزة (أنّ) هنا، لأنّ المفروض في التّوراة ليس هو عين هذه الجمل ولكن المعنى الحاصل منها وهو العوضية والمساواة فيها.

.. وفائدة الإعلام بما شرع الله لبني إسرائيل في القصاص هنا زيادة تسجيل مخالفتهم لأحكام كتابهم، وذلك أنّ اليهود في المدينة كانوا قد دخلوا في حروب بعاث فكانت قريظة والنضير حرباً، ثمّ تحاجزوا وانهزمت قريظة، فشرطت النضير على قريظة أنّ ديّة النضيري على الضِعف من ديّة القُرظي وعلى أنّ القرظي يُقتل بالنضيري ولا يقتل النضيري بالقرظي، فأظهر الله تحريفهم لكتابهم. وهذا كقوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} إلى قوله {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} [البقرة: 84، 85]. ويجوز أن يقصد من ذلك أيضاً تأييد شريعة الإسلام إذ جاءت بمساواة القصاص وأبطلت التكايُل في الدّماء الّذي كان في الجاهلية وعند اليهود. ولا شكّ أنّ تأييد الشّريعة بشريعة أخرى يزيدها قبولاً في النّفوس، ويدلّ على أنّ ذلك الحكم مراد قديم لله تعالى، وأنّ المصلحة ملازمة له لا تختلف باختلاف الأقوام والأزمان، لأنّ العرب لم يزل في نفوسهم حرج من مساواة الشّريف الضّعيف في القصاص...

...وعاد فحذّر من مخالفة حكم الله فقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون} لينبّه على أنّ التّرغيب في العفو لا يقتضي الاستخفاف بالحكم وإبطال العمل به لأنّ حكم القصاص شُرع لحكم عظيمة: منها الزجر، ومنها جبر خاطر المعتدى عليه، ومنها التفادي من ترصّد المعتدى عليهم للانتقام من المعتدين أو من أقوامهم. فإبطال الحكم بالقصاص يعطّل هذه المصالح، وهْو ظلم، لأنّه غمص لحقّ المعتدى عليه أو ولِيّه. وأمّا العفو عن الجاني فيحقّق جميع المصالح ويزيد مصلحة التحابب لأنّه عن طيب نفس، وقد تغشى غباوة حكّام بني إسرائيل على أفهامهم فيجعلوا إبطال الحكم بمنزلة العفو، فهذا وجه إعادة التّحذير عقب استحباب العفو. ولم ينبّه عليه المفسّرون. وبه يتعيّن رجوع هذا التّحذير إلى بني إسرائيل مثل سابقه.

وقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون} القول فيه كالقول في نظيره المتقدّم. والمراد بالظّالمين الكافرون لأنّ الظلم يطلق على الكفر فيكون هذا مؤكّداً للّذي في الآية السابقة. ويحتمل أنّ المراد به الجور فيكون إثبات وصف الظلم لزيادة التشنيع عليهم في كفرهم لأنّهم كافرون ظالمون.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

القصاص والعفو:

تشرح هذه الآية الكريمة قسماً آخر من الأحكام الجنائية والحدود الإِلهية التي وردت في التّوراة، فتشير إلى ما ورد في هذا الكتاب السماوي من أحكام وقوانين تخص القصاص، وتبيّن أن من يقتل انساناً بريئاً فإِنّ لأولياء القتيل حق القصاص من القاتل بقتله نفساً بنفس. حيث تقول الآية في هذا المجال: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس).

كما بيّنت أن من يصيب عين انسان آخر ويتلفها، يستطيع هذا الإِنسان المتضرر في عينه أن يقتص من الفاعل ويتلف عينه، إِذ تقول الآية في هذا المجال: (والعين بالعين...).

وكذلك الحال بالنسبة للأنف والأذن والسن والجروح الأُخرى، (والأنف بالأنف والأُذن بالأُذن والسن بالسن والجروح قصاص...).

وعلى هذا الأساس فإنّ حكم القصاص يطبق بشكل عادل على المجرم الذي يرتكب أحد الجرائم المذكورة، دون الالتفات إلى عنصره أو قوميته أو طبقته الاجتماعية أو طائفته، ولا مجال أبداً لاستخدام التمايز القومي أو الطبقي أو الطائفي لتأخير تطبيق حكم القصاص على الجاني.

وبديهي أنّ تطبيق حكم القصاص على المعتدي شأنه شأن الأحكام الإِسلامية الأُخرى، مقيد بشروط وحدود ذكرتها كتب الفقه، ولا يختص هذا الكلام ولا ينحصر ببني إِسرائيل وحدهم، لأنّ الإِسلام أيضاً جاء بنظيره كما ورد في آية القصاص في سورة البقرة الآية (178).

وقد أنهت هذه الآية التمايز غير العادل الذي كان يمارس في ذلك الوقت حيث ذكرت بعض التفاسير أنّ تمايزاً غريباً كان يسود بين طائفتين من اليهود، هما بنو النضير وبنو قريظة الذين كانوا يقطنون المدينة المنورة في ذلك العصر، لدرجة أنّه إِذا قتل أحد أفراد طائفة بني النضير فرداً آخر من طائفة بني قريظة فالقاتل لا ينال القصاص، بينما في حالة حصول العكس فإن القاتل الذي كان من طائفة بني قريظة كان ينال القصاص إِن هو قتل واحداً من أفراد طائفة بني النضير.

ولمّا امتد نور الإِسلام إلى المدينة سأل بنو قريظة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذا الأمر، فأكّد النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا فرق في الدماء بين دم ودم... فاعترضت قبيلة بني النضير على حكم النّبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وادعت أنّ حكمه حطّ من شأنهم، فنزلت الآية الأخيرة وبيّنت أنّ هذا الحكم غير مختص بالإسلام، بل حتى الديانة اليهودية أوصت بتطبيق قانون القصاص بصورة عادلة 765.

ولكي لا يحصل وَهْمٌ أنّ القصاص أو المقابلة بالمثل أمر الزامي لا يمكن الحيدة عنه، استدركت الآية بعد ذكر حكم القصاص فبيّنت أن الذي يتنازل عن حقه في هذا الأمر ويعفو ويصفح عن الجاني، يعتبر عفوه كفارة له عن ذنوبه بمقدار ما يكون للعفو من أهمية (فمن تصدق به فهو كفارة له...).

ويجب الانتباه إلى أنّ الضمير الوارد في كلمة (به) يعود على القصاص، وكانت الآية جعلت التصدق بالقصاص عطية أو منحة للجاني واستخدام عبارة «التصدق» والوعد الذي قطعه الله للمتصدق، يعتبران عاملا محفزاً على العفو والصفح، لأنّ القصاص لا يمكنه أن يعيد للإِنسان ما فقده مطلقاً، بل يهبه نوعاً من الهدوء والاستقرار النفسي المؤقت، بينما العفو الذي وعد به الله للمتصدق، بإمكانه أن يعوضه عما فقده بصورة أُخرى، وبذلك يزيل عن قلبه ونفسه بقايا الألم والاضطراب، ويعتبر هذا الوعد خير محفز لمثل هؤلاء الأشخاص.

وقد ورد عن الحلبي قال سألت أبا عبد اللّه الإِمام الصادق (عليه السلام) عن قوله اللّه عزّ وجلّ: (فمن تصدق به فهو كفارة لهو..) قال: «يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما عفى».

وتعتبر هذه الجملة القرآنية في الحقيقة خير جواب مفحم للذين يزعمون أن القصاص ليس بقانون عادل، ويدعون أنّه يشجع روح الانتقام والمثلة.

والذي يفهم من الصياغة العامّة للآية هو أنّ جواز القصاص إِنّما هو لإِخافة وإِرعاب الجناة وبالنتيجة لضمان الأمن لأرواح الناس الأبرياء، كما أنّ الآية فتحت باب العفو والتوبة، وبذلك أراد الإِسلام أن يحول دون ارتكاب مثل هذه الجرائم باستخدام الروادع والحوافز كالخوف والأمل، كما استهدف الإِسلام من ذلك أيضاً الحيلولة دون الانتقام للدم بالدم بقدر الإِمكان إِذا استحق الأمر ذلك.

وفي الختام تؤكّد الآية قائلة: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأُولئك هم الظّالمون).

وأي ظلم أكبر من الانجرار وراء العاطفة الكاذبة، وترك القاتل دون أن ينال قصاصه العادل بحجّة لا ضرورة في غسل الدم بالدم، وفسح المجال للقتلة للتمادي بارتكاب جرائم قتل أُخرى، وبالنهاية الإِساءة عبر هذا التغاضي إلى أفراد أبرياء، وممارسة الظلم بحقّهم نتيجة لذلك.

ويجب الانتباه إلى أنّ التّوراة المتداولة حالياً قد اشتملت على هذا الحكم أيضاً.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (45)

فيه ثلاثون مسألة :

الأولى : قوله تعالى : " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " بين تعالى أنه سوى بين النفس والنفس في التوراة فخالفوا ذلك ، فضلوا ، فكانت دية النضيري أكثر ، وكان النضيري لا يقتل بالقرظي ، ويقتل به القرظي فلما جاء الإسلام راجع بنو قريظة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، فحكم بالاستواء ، فقالت بنو النضير : قد حططت منا ، فنزلت هذه الآية . و " كتبنا " بمعنى فرضنا . وقد تقدم . وكان شرعهم القصاص أو العفو ، وما كان فيهم الدية ، كما تقدم في " البقرة " {[5629]} بيانه . وتعلق أبو حنيفة وغيره بهذه الآية فقال : يقتل المسلم بالذمي ؛ لأنه نفس بنفس ، وقد تقدم في " البقرة " {[5630]} بيان هذا . وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي عن علي رضي الله عنه أنه سئل هل خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ؟ فقال : لا ، إلا ما في هذا ، وأخرج كتابا من قراب سيفه وإذا فيه ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ) وأيضا فإن الآية إنما جاءت للرد على اليهود في المفاضلة بين القبائل ، وأخذهم من قبيلة رجلا برجل ، ومن قبيلة أخرى رجلا برجلين . وقالت الشافعية : هذا خبر عن شرع من قبلنا ، وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا ، وقد مضى في " البقرة " {[5631]} في الرد عليهم ما يكفي فتأمله هناك . ووجه رابع : وهو أنه تعالى قال : " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " وكان ذلك مكتوبا على أهل التوراة وهم ملة واحدة ، ولم يكن لهم أهل ذمة كما للمسلمين أهل ذمة ؛ لأن الجزية فيء وغنيمة أفاءها الله على المؤمنين ، ولم يجعل الفيء لأحد قبل هذه الأمة ، ولم يكن نبي فيما مضى مبعوثا إلا إلى قومه ، فأوجبت الآية الحكم على بني إسرائيل إذ كانت دماؤهم تتكافأ ، فهو مثل قول الواحد منا في دماء سوى المسلمين النفس بالنفس ، إذ يشير إلى قوم معينين ، ويقول : إن الحكم في هؤلاء أن النفس منهم{[5632]} بالنفس ، فالذي يجب بحكم هذه الآية على أهل القرآن أن يقال لهم فيما بينهم على - هذا الوجه - : النفس بالنفس ، وليس في كتاب الله ما يدل على أن النفس بالنفس مع اختلاف الملة .

الثانية : قال أصحاب الشافعي وأبو حنيفة : إذا جرح أو قطع الأذن أو اليد ثم قتل فعل ذلك به ؛ لأن الله تعالى قال : " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين " فيؤخذ منه ما أخذ ، ويفعل به كما فعل . وقال علماؤنا : إن قصد به المثلة فعل به مثله ، وإن كان ذلك في أثناء مضاربته ومدافعته قتل بالسيف ، وإنما قالوا ذلك في المثلة يجب ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمل أعين العرنيين ، حسبما تقدم بيانه في هذه السورة{[5633]} .

الثالثة : قوله تعالى : " والعين بالعين " قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف ، ويجوز تخفيف " أن " ورفع الكل بالابتداء والعطف . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح . وكان الكسائي وأبو عبيد يقرآن " والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن والجروح " بالرفع فيها كلها . قال أبو عبيد : حدثنا حجاج عن هارون عن عباد بن كثير عن عقيل عن الزهري عن أنس النبي صلى الله عليه وسلم قرأ " وكتبنا عليهم فيها أن{[5634]} النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص " . والرفع من ثلاث جهات ، بالابتداء والخبر ، وعلى المعنى على موضع " أن النفس " ؛ لأن المعنى قلنا لهم : النفس بالنفس . والوجه الثالث : قاله الزجاج يكون عطفا على المضمر في النفس ؛ لأن الضمير في النفس في موضع رفع ؛ لأن التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس ، فالأسماء معطوفة على هي . قال ابن المنذر : ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام ، حكم في المسلمين{[5635]} ؛ وهذا أصح القولين ، وذلك أنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم " والعين بالعين " وكذا ما بعده . والخطاب للمسلمين أمروا بهذا . ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستئناف بها ، كأن المسلمين أمروا بهذا خاصة وما قبله لم يواجهوا به .

الرابعة : هذه الآية تدل على جريان القصاص فيما ذكر وقد تعلق ابن شبرمة بعموم قوله : " والعين بالعين " على أن اليمنى تفقأ باليسرى وكذلك على العكس ، وأجر ذلك في اليد اليمنى واليسرى ، وقال : تؤخذ الثنية بالضرس والضرس بالثنية ؛ لعموم قوله تعالى : " والسن بالسن " . والذين خالفوه وهم علماء الأمة قالوا : العين اليمنى هي المأخوذة باليمنى عند وجودها ، ولا يتجاوز ذلك إلى اليسرى{[5636]} مع الرضا ، وذلك يبين لنا أن المراد بقوله : " والعين بالعين " استيفاء ما يماثله من الجاني ، فلا يجوز له أن يتعدى إلى غيره كما لا يتعدى من الرجل إلى اليد في الأحوال كلها ، وهذا لا ريب فيه .

الخامسة : وأجمع العلماء على أن العينين إذا أصيبتا خطأ ففيهما الدية ، وفي العين الواحدة نصف الدية . وفي عين الأعور إذا فقئت الدية كاملة . روي ذلك عن عمر وعثمان ، وبه قال عبدالملك بن مروان والزهري وقتادة ومالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق . وقيل : نصف الدية . روي ذلك{[5637]} عن عبدالله بن المغفل ومسروق والنخعي ، وبه قال الثوري والشافعي والنعمان . قال ابن المنذر : وبه نقول ؛ لأن في الحديث ( في العينين الدية ) ومعقول إذ كان كذلك أن في إحداهما نصف الدية . قال ابن العربي : وهو القياس الظاهر ، ولكن علماؤنا قالوا : إن منفعة الأعور ببصره كمنفعة السالم أو قريب من ذلك ، فوجب عليه مثل ديته .

السادسة : واختلفوا في الأعور يفقأ عين صحيح ، فروي عن عمر وعثمان وعلي أنه لا قود عليه ، وعليه الدية كاملة ، وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل . وقال مالك : إن شاء اقتص فتركه أعمى ، وإن شاء أخذ الدية كاملة ( دية عين الأعور ){[5638]} . وقال النخعي : إن شاء اقتص وإن شاء أخذ نصف الدية . وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري : عليه القصاص . وروي ذلك عن علي أيضا ، وهو قول مسروق وابن سيرين وابن معقل ، واختاره ابن المنذر وابن العربي ؛ لأن الله تعالى قال : " والعين بالعين " وجعل النبي صلى الله عليه وسلم في العينين الدية ؛ ففي العين نصف الدية ، والقصاص بين صحيح العين والأعور كهيئته بين سائر الناس . ومتعلق أحمد بن حنبل أن في القصاص منه أخذ جميع البصر بضمه وذلك ليس بمساواة ، وبما روي عن عمر وعثمان وعلي في ذلك ، ومتمسك مالك أن الأدلة لما تعارضت خير المجني عليه . قال ابن العربي : والأخذ بعموم القرآن أولى ، فإنه أسلم عند الله تعالى .

السابعة : واختلفوا في عين الأعور التي لا يبصر بها ، فروي عن زيد بن ثابت أنه قال : فيها مائة دينار . وعن عمر بن الخطاب أنه قال : فيها ثلث ديتها ، وبه قال إسحاق . وقال مجاهد : فيها نصف ديتها . وقال مسروق والزهري ومالك والشافعي وأبو ثور والنعمان : فيها حكومة ، قال ابن المنذر : وبه نقول لأنه الأقل مما قيل .

الثامنة : وفي إبطال البصر من العينين مع بقاء الحدقتين كمال الدية ، ويستوي فيه الأعمش{[5639]} والأخفش{[5640]} . وفي إبطال من إحداهما مع بقائها النصف . قال ابن المنذر : وأحسن ما قيل في ذلك ما قاله علي بن أبي طالب : أنه أمر بعينه الصحيحة فغطيت وأعطي رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظره ، ثم أمر بخط عند ذلك ، ثم أمر بعينه الأخرى فغطيت وفتحت الصحيحة ، وأعطي رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظره ثم خط عند ذلك ، ثم أمر به فحول إلى مكان آخر ففعل به مثل ذلك فوجده سواء ، فأعطي ما نقص من بصره مال الآخر ، وهذا على مذهب الشافعي ، وهو قول علمائنا .

التاسعة : ولا خلاف بين أهل العلم على أن لا قود في بعض البصر ، إذ غير ممكن الوصول إليه . وكيفية القود في العين أن تحمى مرآة ثم توضع على العين الأخرى قطنة ، ثم تقرب المرآة من عينه حتى يسيل إنسانها . روي عن علي رضي الله عنه ؛ ذكره المهدوي وابن العربي . واختلف في جفن العين ، فقال زيد بن ثابت : فيه ربع الدية ، وهو قول الشعبي والحسن وقتادة وأبي ، هاشم{[5641]} والثوري والشافعي وأصحاب الرأي . وروي عن الشعبي أنه قال : في الجفن الأعلى ثلث الدية وفي الجفن الأسفل ثلثا الدية ، وبه قال مالك .

العاشرة : قوله تعالى : " والأنف بالأنف " جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( وفي الأنف إذا أوعب{[5642]} جدعا الدية ) . قال ابن المنذر : وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على القول به ، والقصاص من الأنف إذا كانت الجناية عمدا كالقصاص من سائر الأعضاء على كتاب الله تعاق . واختلفوا في كسر الأنف . فكان مالك يرى في العمد منه القود ، وفي الخطأ الاجتهاد . وروى ابن نافع أنه لا دية للأنف حتى يستأصله من أصله . قال أبو إسحاق التونسي : وهذا شاذ ، والمعروف الأول . وإذا فرعنا على المعروف ففي بعض المارن من الدية بحساب من المارن . قال ابن المنذر : وما قطع من الأنف فبحسابه ، روي ذلك عن عمر بن عبدالعزيز والشعبي ، وبه قال الشافعي . قال أبو عمر : واختلفوا في المارن إذا قطع ولم يستأصل الأنف ، فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن في ذلك الدية كاملة ، ثم إن قطع منه شيء بعد ذلك ففيه حكومة . قال مالك : الذي فيه الدية من الأنف أن يقطع المارن ، وهو دون العظم . قال ابن القاسم : وسواء قطع المارن من العظم أو استؤصل الأنف من العظم من تحت العينين إنما فيه الدية ، كالحشفة فيها الدية : وفي استئصال الذكر الدية .

الحادية عشرة : قال ابن القاسم : وإذا خرم الأنف أو كسر فبرئ على عثم{[5643]} ففيه الاجتهاد ، وليس فيه دية معلومة . وإن برئ على غير عثم فلا شيء فيه . قال : وليس الأنف إذا خرم فبرئ على غير عثم كالموضحة{[5644]} تبرأ على غير ثم فيكون فيها ديتها ؛ لأن تلك جاءت بها السنة ، وليس في خرم الأنف أثر . قال : والأنف عظم منفرد ليس فيه موضحة . واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن لا جائفة فيه ، ولا جائفة عندهم إلا فيما كان في الجوف ، والمارن ما لان من الأنف ، وكذلك قال الخليل وغيره . قال أبو عمر : وأظن روثته مارنه ، وأرنبته طرفه . وقد قيل : الأرنبة والروثة والعرتمة طرف الأنف . والذي عليه الفقهاء مالك والشافعي والكوفيون ومن تبعهم ، في الشم إذا نقص أو فقد حكومة .

الثانية عشرة : قوله تعالى : " والأذن بالأذن " قال علماؤنا رحمة الله عليهم في الذي يقطع أذني رجل : عليه حكومة ، وإنما تكون عليه الدية في السمع ، ويقاس في نقصانه كما يقاس في البصر . وفي إبطاله من إحداهما نص الدية ولو لم يكن يسمع إلا بها ، بخلاف العين العوراء فيها الدية كاملة ، على ما تقدم . وقال أشهب : إن كان السمع إذا سئل عنه قيل إن أحد السمعين يسمع ما يسمع السمعان فهو عندي كالبصر ، وإذا شك في السمع جرب بأن يصاح به من مواضع عدة ، يقاس ذلك ، فإن تساوت أو تقاربت أعطي بقدر ما ذهب من سمعه ويحلف على ذلك . قال أشهب : ويحسب له ذلك على سمع وسط من الرجل مثله ، فإن اختبر فاختلف قوله لم يكن له شيء . وقال عيسى بن دينار : إذا اختلف قوله عقل له الأقل مع يمينه .

الثالثة عشرة : قوله تعالى : " والسن بالسن " قال ابن المنذر : وثبت عن رسول الله صل الله عليه وسلم أنه أقاد من سن وقال : ( كتاب الله القصاص ) . وجاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( في السن خمس من الإبل ) . قال ابن المنذر : فبظاهر هذا الحديث نقول : لا فضل للثنايا منها على الأنياب والأضراس والرباعيات{[5645]} ؛ لدخولها كلها في ظاهر الحديث ، وبه يقول الأكثر من أهل العلم . وممن قال بظاهر الحديث ولم يفضل شيئا منها على شيء عروة بن الزبير وطاوس والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان وابن الحسن ، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومعاوية . وفيه قول ثان - رويناه عن عمر بن الخطاب أنه قضى فيما أقبل من الفم بخمس فرائض خمس فرائض ، وذلك خمسون دينارا ، قيمة كل فريضة عشرة دنانير . وفي الأضراس ببعير بعير . وكان عطاء يقول : في السن والرباعيتين والنابين خمس خمس ، وفيما بقي بعيران بعيران ، أعلى الفم وأسفله سواء ، والأضراس سواء ، قال أبو عمر : أما ما رواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر قضى في الأضراس ببعير بعير فإن المعنى في ذلك أن الأضراس عشرون ضرسا ، والأسنان اثنا عشر سنا : أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربع أنياب ؛ فعلى قول عمر تصير الدية ثمانين بعيرا ، في الأسنان خمسة خمسة ، وفي الأضراس بعير بعير . وعلى قول معاوية في الأضراس والأسنان خمسة أبعرة خمسة أبعرة ؛ تصير الدية ستين ومائة بعير . وعلى قول سعيد بن المسيب ، بعيرين بعيرين في الأضراس وهي عشرون ضرسا . يجب لها أربعون . وفي الأسنان خمسة أبعرة فذلك ستون ، وهي تتمة لمائة بعير ، وهي الدية كاملة من الإبل . والاختلاف بينهم إنما هو في الأضراس لا في الأسنان . قال أبو عمر : واختلاف العلماء من الصحابة والتابعين في ديات الأسنان وتفضيل بعضها على بعض كثير جدا ، والحجة قائمة لما ذهب إليه الفقهاء مالك وأبو حنيفة والثوري ، بظاهر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وفي السن خمس من الإبل ) والضرس سن من الأسنان . روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء ) وهذا نص أخرجه أبو داود . وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس قال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابع اليدين والرجلين سواء . قال أبو عمر : على هذه الآثار جماعة فقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم أن الأصابع في الدية كلها سواء ، وأن الأسنان في الدية كلها سواء ، الثنايا والأضراس والأنياب لا يفضل شيء منها على شيء ، على ما في كتاب عمرو بن حزم . ذكر الثوري عن أزهر بن محارب قال : اختصم إلى شريح رجلان ضرب أحدهما ثنية الآخر وأصاب الآخر ضرسه فقال شريح : الثنية وجمالها والضرس ومنفعته سن بسن قوما . قال أبو عمر : على هذا العمل اليوم في جميع الأمصار . والله أعلم .

الرابعة عشرة : فإن ضرب سنه فاسودت ففيها ديتها كاملة عند مالك والليث بن سعد ، وبه قال أبو حنيفة ، وروي عن زيد بن ثابت ، وهو قول سعيد بن المسيب والزهري والحسن وابن سيرين وشريح . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن فيها ثلث ديتها ، وبه قال أحمد وإسحاق . وقال الشافعي وأبو ثور : فيها حكومة . قال ابن العربي : وهذا عندي خلاف يؤول إلى وفاق ، فإنه إن كان سوادها أذهب منفعتها ، وإنما بقيت صورتها كاليد الشلاء والعين العمياء ، فلا خلاف في وجوب الدية ، ثم إن كان بقي من منفعتها شيء أو جميعه لم يجب إلا بمقدار ما نقص من المنفعة حكومة ، وما روي عن عمر رضي الله عنه{[5646]} فيها ثلث ديتها لم يصح عنه سندا ولا فقها .

الخامسة عشرة : واختلفوا في سن الصبي يقلع قبل أن يثغر{[5647]} ؛ فكان مالك والشافعي وأصحاب الرأي يقولون : إذا قلعت سن الصبي فنبتت فلا شيء على القالع ، إلا أن مالكا والشافعي قالا : إذا نبتت ناقصة الطول عن التي تقاربها أخذ له من أرشها بقدر نقصها . وقالت طائفة : فيها حكومة ، وروي ذلك عن الشعبي ؛ وبه قال النعمان . قال ابن المنذر : يستأنى بها إلى الوقت الذي يقول أهل المعرفة إنها لا تنبت ، فإذا كان ذلك كان فيها قدرها تاما ، على ظاهر الحديث ، وإن نبتت رد الأرش . وأكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يقولون : يستأنى بها سنة ، روي ذلك عن علي وزيد وعمر بن عبدالعزيز وشريح والنخعي وقتادة ومالك وأصحاب الرأي . ولم يجعل الشافعي لهذا{[5648]} مدة معلومة .

السادسة عشرة : إذا قلع سن الكبير فأخذ ديتها ثم نبتت ، فقال مالك لا يرد ما أخذ . وقال الكوفيون : يرد إذا نبتت . وللشافعي قولان : يرد ولا يرد ؛ لأن هذا نبات لم تجر به عادة ، ولا يثبت الحكم بالنادر ؛ هذا قول علمائنا .

تمسك الكوفيون بأن عوضها قد نبت فيرد ، أصله سن الصغير . قال الشافعي : ولو جنى عليها جان آخر وقد نبتت صحيحة كان فيها أرشها تاما . قال ابن المنذر : هذا أصح القولين ؛ لأن كل واحد منهما قالع سن ، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم في السن{[5649]} خمسا من الإبل .

السابعة عشرة : فلو قلع رجل سن رجل فردها صاحبها فالتحمت فلا شيء فيها عندنا . وقال الشافعي : ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة ، وقاله ابن المسيب وعطاء . ولو ردها أعاد كل صلاة صلاها لأنها ميتة ، وكذلك لو قطعت أذنه فردها بحرارة الدم فالتزقت مثله . وقال عطاء : يجبره السلطان على قلعها لأنها ميتة ألصقها . قال ابن العربي : وهذا غلط ، وقد جهل من خفي عليه أن ردها وعودها بصورتها لا يوجب عودها بحكمها ؛ لأن النجاسة كانت فيها للانفصال ، وقد عادت متصلة ، وأحكام الشريعة ليست صفات للأعيان ، وإنما هي أحكام تعود إلى قول الله سبحانه فيها وإخباره عنها .

قلت : ما حكاه ابن العربي عن عطاء خلاف ما حكاه ابن المنذر عنه . قال ابن المنذر : واختلفوا في السن تقلع قودا ثم ترد مكانها فتنبت ، فقال عطاء الخراساني وعطاء بن أبي رباح : لا بأس بذلك . وقال الثوري وأحمد وإسحاق : تقلع ؛ لأن القصاص للشين . وقال الشافعي : ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة ، ويجبره السلطان على القلع .

الثامنة عشرة : فلو كانت له سن زائدة فقلعت ففيها حكومة ، وبه قال فقهاء الأمصار . وقال زيد بن ثابت : فيها ثلث الدية . قال ابن العربي : وليس في التقدير دليل ، فالحكومة أعدل . قال ابن المنذر : ولا يصح ما روي عن زيد ، وقد روي عن علي أنه قال : في السن إذا كسر بعضها أعطي صاحبها بحساب ما نقص منه ؛ وهذا قول مالك والشافعي وغيرهما .

قلت : وهنا انتهى ما نص الله عز وجل عليه من الأعضاء ، ولم يذكر الشفتين واللسان وهي :

التاسعة عشرة : قال الجمهور : وفي الشفتين الدية ، وفي كل واحدة منهما نص الدية لا فضل للعليا منهما على السفلى . وروي عن زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والزهري : في الشفة العليا ثلث الدية ، وفي الشفة السفلى ثلثا الدية . وقال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول ؛ للحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( وفي الشفتين الدية ) ولأن في اليدين الدية ومنافعهما مختلفة . وما قطع من الشفتين فبحساب ذلك . وأما اللسان فجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( في اللسان الدية ) . وأجمع أهل العلم من أهل المدينة وأهل الكوفة وأصحاب الحديث وأهل الرأي على القول به . قاله ابن المنذر .

الموفية عشرين : واختلفوا في الرجل يجني على لسان الرجل فيقطع من اللسان شيئا ، ويذهب من الكلام بعضه ، فقال أكثر أهل العلم : ينظر إلى مقدار ما ذهب من الكلام من ثمانية وعشرين حرفا فيكون عليه من الدية بقدر ما ذهب من كلامه ، وإن ذهب الكلام كله ففيه الدية . هذا قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي . وقال مالك : ليس في اللسان قود لعدم الإحاطة باستيفاء القود . فإن أمكن فالقود هو الأصل .

الحادية والعشرون : واختلفوا في لسان الأخرس يقطع . فقال الشعبي ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه : فيه حكومة . قال ابن المنذر : وفيه قولان شاذان : أحدهما : قول النخعي أن فيه الدية . والآخر : قول قتادة أن فيه ثلث الدية . قال ابن المنذر : والقول الأول أصح ؛ لأنه الأقل مما قيل . قال ابن العربي : نص الله سبحانه على أمهات الأعضاء وترك باقيها للقياس عليها ، فكل عضو فيه القصاص إذا أمكن ولم يخش عليه الموت ، وكذلك كل عضو بطلت{[5650]} منفعته وبقيت صورته فلا قود فيه ، وفيه الدية لعدم إمكان القود فيه .

الثانية والعشرون : قوله تعالى : " والجروح قصاص " أي مقاصة ، وقد تقدم في " البقرة " {[5651]} . ولا قصاص في كل مخوف ولا فيما لا يوصل إلى القصاص فيه إلا بأن يخطئ الضارب أو يزيد أو ينقص . ويقاد من جراح العمد إذا كان مما يمكن القود منه . وهذا كله في العمد ، فأما الخطأ فالدية ، وإذا كانت الدية في قتل الخطأ فكذلك في الجراح . وفي صحيح مسلم عن أنس أن أخت الربيع - أم حارثة - جرحت إنسانا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( القصاص القصاص ) ، فقالت أم الربيع : يا رسول الله أيقتص من فلانة ؟ ! والله لا يقتص منها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله ) قالت : لا{[5652]} والله لا يقتص منها أبدا ؛ قال{[5653]} فما زالت حتى قبلوا الدية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ) . قلت : المجروح في هذا الحديث جارية ، والجرح كسر ثنيتها . أخرجه النسائي عن أنس أيضا أن عمته كسرت ثنية جارية فقضى نبي الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص ، فقال أخوها أنس بن النضر : أتكسر ثنية فلانة ؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها . قال : وكانوا قبل ذلك سألوا أهلها العفو والأرش ، فلما حلف أخوها وهو عم أنس - وهو الشهيد يوم أحد - رضي القوم بالعفو ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ) . وخرجه أبو داود أيضا ، وقال : سمعت أحمد بن حنبل قيل له : كيف يقتص من السن ؟ قال : تبرد . قلت : ولا تعارض بين الحديثين ، فإنه يحتمل أن يكون كل واحد منهما حلف فبر الله قسمهما . وفى هذا ما يدل على كرامات الأولياء على ما يأتي بيانه في قصة الخضر{[5654]} إن الله تعالى . فنسأل الله التثبت على الإيمان بكراماتهم وأن ينظمنا في سلكهم من غير محنة ولا فتنة{[5655]} .

الثالثة والعشرون : أجمع العلماء على أن قوله تعالى : " والسن بالسن " أنه في العمد ، فمن أصاب سن أحد عمدا ففيه القصاص على حديث أنس . واختلفوا في سائر عظام الجسد إذا كسرت عمدا . فقال مالك : عظام الجسد كلها فيها القود إلا ما كان مخوفا مثل الفخذ والصلب والمأمومة والمنقلة والهاشمة ، ففي ذلك الدية . وقال الكوفيون : لا قصاص في عظم يكسر ما خلا السن ؛ لقوله تعالى : " والسن بالسن " وهو قول الليث والشافعي . قال الشافعي : لا يكون كسر ككسر أبدا ، فهو ممنوع . قال الطحاوي : اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس ، فكذلك في سائر العظام . والحجة لمالك حديث أنس في السن وهي عظم ، فكذلك سائر العظام إلا عظما أجمعوا على أنه لا قصاص فيه ؛ لخوف ذهاب النفس منه . قال ابن المنذر : ومن قال لا قصاص في عظم فهو مخالف للحديث ، والخروج إلى النظير غير جائز مع وجود الخبر .

قلت : ويدل على هذا أيضا قوله تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم{[5656]} " [ البقرة : 194 ] ، وقوله : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به{[5657]} " [ النحل : 126 ] وما أجمعوا عليه فغير داخل في الآي . والله أعلم{[5658]} وبالله التوفيق .

الرابعة والعشرون : قال أبو عبيد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الموضحة ، وما جاء عن غيره في الشجاج . قال الأصمعي وغيره : دخل كلام بعضهم في بعض ، أول الشجاج - الخاصة وهي : التي تحرص الجلد - يعني التي تشقه قليلا - ومنه قيل : حرص القصار الثوب إذا شقه ، وقد يقال لها : الحرصة أيضا . ثم الباضعة - وهي : التي تشق اللحم تبضعه بعد الجلد . ثم المتلاحمة - وهي : التي أخذت في الجلد ولم تبلغ السمحاق . والسمحاق : جلدة أو قشرة رقيقة بين اللحم والعظم . وقال الواقدي : هي عندنا الملطى . وقال غيره : هي الملطاة ، قال : وهي التي جاء فيها الحديث ( يقضى في الملطاة بدمها ) . ثم الموضحة - وهي : التي تكشط عنها ذلك القشر أو تشق حتى يبدو وضح{[5659]} العظم ، فتلك الموضحة . قال أبو عبيد : وليس في شيء من الشجاج قصاص إلا في الوضحة خاصة ؛ لأنه ليس منها شيء له حد ينتهي إليه سواها ، وأما غيرها من الشجاج ففيها ديتها . ثم الهاشمة - وهي التي تهشم العظم . ثم المنقلة - بكسر القاف حكاه الجوهري - وهي التي تنقل العظم - أي تكسره - حتى يخرج منها فراش العظام مع الدواء . ثم الآمة - ويقال لها المأمومة - وهي التي تبلغ أم الرأس ، يعني الدماغ . قال أبو عبيد ويقال في قوله : ( ويقضى في الملطاة بدمها ) أنه إذا شج الشاج حكم عليه للمشجوج بمبلغ الشجة ساعة شج ولا يستأنى بها . قال : وسائر الشجاج عندنا{[5660]} يستأنى بها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها ثم يحكم فيها حينئذ . قال أبو عبيد : والأمر عندنا في الشجاج كلها والجراحات كلها أنه يستأنى بها ، حدثنا هشيم عن حصين قال : قال عمر بن عبدالعزيز : ما دون الموضحة خدوش وفيها صلح . وقال الحسن البصري : ليس فيما دون الموضحة قصاص . وقال مالك : القصاص فيما دون الموضحة الملطى والدامية والباضعة وما أشبه ذلك ، وكذلك قال الكوفيون وزادوا السمحاق ، حكاه ابن المنذر . وقال أبو عبيد : الدامية التي تدمى من غير أن يسيل منها دم . والدامعة : أن يسيل منها دم . وليس فيها دون الموضحة قصاص . وقال الجوهري : والدامية الشجة التي تدمى ولا تسيل . وقال علماؤنا : الدامية هي التي تسيل الدم . ولا قصاص فيما بعد الموضحة ، من الهاشمة للعظم ، والمنقلة - على خلاف فيها خاصة - والآمة هي البالغة إلى أم الرأس ، والدامغة الخارقة لخريطة الدماغ . وفي هاشمة الجسد القصاص ، إلا ما هو مخوف كالفخذ وشبهه . وأما هاشمة الرأس فقال ابن القاسم : لا قود فيها ؛ لأنها لا بد تعود منقلة . وقال أشهب : فيها القصاص ، إلا أن تنقل فتصير منقلة لا قود فيها . وأما الأطراف فيجب القصاص في جميع المفاصل إلا المخوف منها . وفي معنى المفاصل أبعاض المارن والأذنين والذكر والأجفان والشفتين ؛ لأنها تقبل التقدير . وفي اللسان روايتان . والقصاص في كسر العظام ، إلا ما كان متلفا كعظام الصدر والعنق والصلب والفخذ وشبهه . وفي كسر عظام العضد القصاص . وقضى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في رجل كسر فخذ رجل أن يكسر فخذه ، وفعل ذلك عبدالعزيز بن عبدالله بن خالد بن أسيد بمكة . وروي عن عمر بن عبدالعزيز أنه فعله ، وهذا مذهب مالك على ما ذكرنا ، وقال : إنه الأمر المجمع عليه عندهم{[5661]} ، والمعمول به في بلادنا في الرجل يضرب الرجل فيتقيه بيده فكسرها يقاد منه .

الخامسة والعشرون : قال العلماء : الشجاج في الرأس ، والجراح في البدن . وأجمع أهل العلم على أن فيما دون الموضحة أرش فيا ذكر ابن المنذر ، واختلفوا في ذلك الأرش وما دون الموضحة شجاج خمس : الدامية والدامعة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق ، فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق{[5662]} وأصحاب الرأي في الدامية حكومة ، وفي الباضعة حكومة ، وفي المتلاحمة حكومة . وذكر عبدالرزاق عن زيد بن ثابت قال : في الدامية بعير ، وفي الباضعة بعيران ، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة من الإبل ، وفي السمحاق أربع ، وفي الموضحة خمس ، وفي الهاشمة عشر ، وفي المنقلة خمس عشرة ، وفي المأمومة ثلث الدية ، وفي الرجل يضرب حتى يذهب عقله الدية كاملة ، أو يضرب حتى يغن{[5663]} ولا يفهم الدية كاملة ، أو حتى يبح ولا يفهم الدية كاملة ، وفي جفن العين ربع الدية . وفي حلمة الثدي ربع{[5664]} الدية . قال ابن المنذر : وروي عن علي في السمحاق مثل قول زيد . وروي عن عمر وعثمان أنهما قالا : فيها نصف الموضحة . وقال الحسن البصري وعمر بن عبدالعزيز والنخعي فيها حكومة ، وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد . ولا يختلف العلماء أن الموضحة فيها خمس من الإبل ؛ على ما في حديث عمرو بن حزم ، وفيه : وفي الموضحة خمس .

وأجمع أهل العلم على أن الموضحة تكون في الرأس والوجه . واختلفوا في تفضيل موضحة الوجه على موضحة الرأس ، فروي عن أبي بكر وعمر أنهما سواء . وقال بقولهما جماعة من التابعين ، وبه يقول الشافعي وإسحاق . وروي عن سعيد بن المسيب تضعيف موضحة الوجه على موضحة الرأس . وقال أحمد : موضحة الوجه أحرى أن يزاد فيها . وقال مالك : المأمومة والمنقلة والموضحة لا تكون إلا في الرأس والوجه ، ولا تكون المأمومة إلا في الرأس خاصة إذا وصل إلى الدماغ ، قال : والموضحة ما تكون في جمجمة الرأس ، وما دونها فهو من العنق ليس فيه موضحة . قال مالك : والأنف ليس من الرأس وليس فيه موضحة ، وكذلك اللحي الأسفل ليس فيه موضحة . وقد اختلفوا في الموضحة في غير الرأس وليس فيه والوجه ، فقال أشهب وابن القاسم : ليس في موضحة الجسد ومنقلته ومأمومته إلا الاجتهاد ، وليس فيها أرش معلوم . قال ابن المنذر : هذا قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، وبه نقول . وروي عن عطاء الخراساني أن الموضحة إذا كانت في جسد الإنسان فيها خمس وعشرون دينارا . قال أبو عمر : واتفق مالك والشافعي وأصحابهما أن من شج رجلا مأمومتين أو موضحتين أو ثلاث مأمومات أو موضحات أو أكثر في ضربة واحدة أن فيهن كلهن - وإن انخرقت فصارت واحدة - دية كاملة . وأما الهاشمة فلا دية فيها عندنا بل حكومة . قال ابن المنذر : ولم أجد في كتب المدنيين ذكر الهاشمة ، بل قد قال مالك فيمن كسر أنف رجل إن كان خطأ ففيه الاجتهاد . وكان الحسن البصري لا يوقت في الهاشمة شيئا . وقال أبو ثور : إن اختلفوا فيه ففيها حكومة . قال ابن المنذر : النظر يدل على هذا ؛ إذ لا سنة فيها ولا إجماع . وقال القاضي أبو الوليد الباجي : فيها ما في الموضحة ؛ فإن صارت منقلة فخمسة عشر ، وإن صارت مأمومة فثلث الدية . قال ابن المنذر : ووجدنا أكثر من لقيناه وبلغنا عنه من أهل العلم يجعلون في الهاشمة عشرا من الإبل . وروينا هذا القول عن زيد بن ثابت ، وبه قال قتادة وعبيدالله بن الحسن والشافعي . وقال الثوري وأصحاب الرأي : فيها ألف درهم ، ومرادهم عشر الدية . وأما المنقلة فقال ابن المنذر : جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( في المنقلة خمس عشرة من الإبل ) وأجمع أهل العلم على القول به . قال ابن المنذر : وقال كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المنقلة هي التي تنقل منها العظام . وقال مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي - وهو قول قتادة وابن شبرمة - أن المنقلة لا قود فيها ، وروينا عن ابن الزبير - وليس بثابت عنه - أنه أقاد من المنقلة . قال ابن المنذر : والأول أولى ؛ لأني لا أعلم أحدا خالف في ذلك وأما المأمومة فقال ابن المنذر : جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( في المأمومة ثلث الدية ) . وأجمع عوام{[5665]} أهل العلم على القول به ، ولا نعلم أحدا خالف ذلك إلا مكحولا فإنه قال : إذا كانت المأمومة عمدا ، ففيها ثلثا الدية ، وإذا كانت خطأ ففي ثلث الدية ، وهذا قول شاذ ، وبالقول الأول أقول . واختلفوا في القود من المأمومة ، فقال كثير من أهل العلم : لا قود فيها ، وروي عن ابن الزبير أنه أقص من المأمومة ، فأنكر ذلك الناس . وقال عطاء : ما علمنا أحدا أقاد منا قبل ابن الزبير . وأما الجائفة ففيها ثلث الدية على حديث عمرو بن حزم ، ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مكحول أنه قال : إذا كانت عمدا ففي ثلثا الدية ، وإن كانت خطأ ففيها ثلث الدبة . والجائفة كل ما خرق إلى الجوف ولو مدخل إبرة ، فإن نفذت من جهتين عندهم جائفتان ، وفيها من الدية الثلثان . قال أشهب : وقد قضى أبو بكر الصديق رضي الله عنه في جائفة نافذة من الجنب الآخر بدية جائفتين . وقال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي كلهم يقولون : لا قصاص في الجائفة . قال ابن المنذر : وبه نقول .

السادسة والعشرون : واختلفوا في القود من اللطمة وشبهها ، فذكر البخاري عن أبي بكر وعلي وابن الزبير وسويد بن مقرن رضي الله عنهم{[5666]} أنهم أقادوا من اللطمة وشبهها . وروي عن عثمان وخالد بن الوليد مثل ذلك ، وهو قول الشعبي وجماعة من أهل الحديث . وقال الليث : إن كانت اللطمة في العين فلا قود{[5667]} فيها ؛ للخوف{[5668]} على العين ويعاقبه السلطان . وإن كانت على الخد ففيها القود . وقالت طائفة : لا قصاص في اللطمة ، روي هذا عن الحسن وقتادة ، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي ، واحتج مالك في ذلك فقال : ليس لطمة المريض الضعيف مثل لطمة القوي ، وليس العبد الأسود يلطم مثل الرجل ذي الحالة والهيئة ، وإنما في ذلك كله الاجتهاد لجهلنا بمقدار اللطمة .

السابعة والعشرون : واختلفوا في القود من ضرب السوط ، فقال الليث والحسن{[5669]} : يقاد منه ، ويزاد عليه للتعدي{[5670]} . وقال ابن القاسم : يقاد منه . ولا يقاد منه عند الكوفيين والشافعي إلا أن يجرح ، قال الشافعي إن جرح السوط ففيه حكومة . وقال ابن المنذر : وما أصيب{[5671]} به من سوط أو عصا أو حجر فكان دون النفس فهو عمد ، وفيه القود . وهذا قول جماعة من أصحاب الحديث . وفي البخاري وأقاد عمر من ضربة بالدرة{[5672]} ، وأقاد علي بن أبي طالب من ثلاثة أسواط . واقتص شريح من سوط وخموش . وقال ابن بطال : وحديث لد{[5673]} النبي صلى الله عليه وسلم لأهل البيت حجة لمن جعل القود في كل ألم وإن لم يكن جرح .

الثامنة والعشرون : واختلفوا في عقل جراحات النساء ؛ ففي " الموطأ " عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول : تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل{[5674]} ، إصبعها كإصبعه وسنها كسنه ، وموضحتها كموضحته ، ومنقلتها كمنقلته . قال ابن بكير ، قال مالك : فإذا بلغت ثلث دية الرجل كانت على النصف من دية الرجل . قال ابن المنذر : روينا هذا القول عن عمر وزيد بن ثابت ، وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبدالعزيز وعروة بن الزبير والزهري{[5675]} وقتادة وابن هرمز ومالك وأحمد بن حنبل وعبدالملك بن الماجشون . وقالت طائفة : دية المرأة على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر ، روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب ، وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه ، واحتجوا بأنهم لما أجمعوا على الكثير وهو الدية كان القليل مثله ، وبه نقول .

التاسعة والعشرون : قال القاضي عبدالوهاب : وكل ما فيه جمال منفرد عن منفعة أصلا ففيه حكومة ، كالحاجبين وذهاب شعر اللحية وشعر الرأس وثديي الرجل وأليته{[5676]} . وصفة الحكومة أن يقوم المجني عليه لو كان عبدا سليما ، ثم يقوم مع الجناية ، فما نقص من ثمنه جعل جزءا من ديته بالغا ما بلغ ، وحكاه ابن المنذر عن كل من يحفظ عنه من أهل العلم ، قال : ويقبل فيه قول رجلين ثقتين من أهل المعرفة . وقيل : بل يقبل قول عدل واحد . والله سبحانه أعلم . فهذه جمل من أحكام الجراحات والأعضاء تضمنها معنى هذه الآية ، فيها لمن اقتصر عليها كفاية ، والله الموفق للهداية بمنه وكرمه{[5677]} .

الموفية ثلاثين : قوله تعالى : " فمن تصدق به فهو كفارة له " شرط وجوابه ، أي تصدق بالقصاص فعفا فهو كفارة له ، أي لذلك المتصدق . وقيل : هو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة ؛ لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه ، وأجر المتصدق عليه . وقد ذكر ابن عباس القولين ، وعلى الأول أكثر الصحابة ومن بعدهم ، وروي الثاني عن ابن عباس ومجاهد ، وعن إبراهيم النخعي والشعبي بخلاف عنهما ، والأول أظهر لأن العائد فيه يرجع إلى مذكور ، وهو " من " . وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة ) . قال ابن العربي : والذي يقول إنه إذا عفا عنه المجروح عفا الله عنه لم يقم عليه دليل ، فلا معنى له .


[5629]:راجع ج 2 ص 244، 246.
[5630]:راجع ج 2 ص 244، 246.
[5631]:راجع ج 2 ص 244.
[5632]:في ع: أن النفس بالنفس بينهم.
[5633]:راجع ص 148 من هذا الجزء.
[5634]:في البحر: بتخفيف أن. الخ، ثم قال: يحتمل أن وجهين أحدهما أن تكون مصدرية. الخ.
[5635]:أي وبيان حكم جديد في المسلمين. كما في "روح المعاني".
[5636]:كذا في الأصول وصوابه: إلا مع الرضا. كما في البحر.
[5637]:من ع و ك.
[5638]:كذا في الأصول إلا ع: دية غير الأعور. وهو الوجه.
[5639]:العمش (محركة): ضعف البصر مع سيلان الدمع في أكثر الأوقات.
[5640]:الخفش (محركة): ضعف في البصر خلقة وضيق في العين، أو فساد في الجفون بلا وجع، أو أن يبصر بالليل دون النهار، وفي يوم غيم دون صحو.
[5641]:سقط أبو هاشم من ك وع، وهو الرماني من أقران الثوري. و في ج: ابن هاشم.
[5642]:أي استؤصل قطعه.
[5643]:العثم: الجبر على غير استواء.
[5644]:الموضحة: هي التي بلغت العظم فأوضحت عنه. وقيل: هي التي تقشر الجلدة التي بين اللحم والعظم أو تشقها حتى يبدو وضح العظم.
[5645]:الرباعية (كثمانية): السن التي بين الثنية والناب.
[5646]:من ع.
[5647]:أثغر الغلام: سقطت أسنانه الرواضع.
[5648]:في ع و ك: لها.
[5649]:في ع: فيها.
[5650]:في ع. ذهبت.
[5651]:راجع ج 2 ص 244 فما بعدها.
[5652]:الزيادة عن صحيح مسلم.
[5653]:من ج و ع و ك.
[5654]:هي قصته المشهورة مع سيدنا موسى عليهما السلام وستأتي في سورة الكهف إن شاء الله ج 11 ص 16 فما بعد.
[5655]:من ع.
[5656]:راجع ج 2 ص 354.
[5657]:راجع ج 10 ص 200.
[5658]:من ع.
[5659]:وضح العظم بياضه.
[5660]:من ع.
[5661]:في ع: عندنا.
[5662]:من ج و ك و هـ و ع، ز.
[5663]:يغن أي يخرج صوته من خياشمه. وفي ك، ع: يجن. وسقط من ج: أو يضرب الخ.
[5664]:في ع: الدية كاملة.
[5665]:من ع و ك.
[5666]:من ع.
[5667]:في ج و ك و هـ: فلا قصاص.
[5668]:في ك: للخوف فيها.
[5669]:من ع و ك.
[5670]:في ع: لأجل التعدي.
[5671]:في ع: أصبت.
[5672]:الدرة (بالكسر): التي يضرب بها.
[5673]:اللد: أن يؤخذ بلسان الصبي فيمد إلى أحد شقيه ويوجر في الآخر الدواء في الصدف بين اللسان وبين الشدق. وحديث اللد أنه لد –صلى الله عليه وسلم- في مرضه فلما أفاق قال: "لا يبقى في البيت أحد إلا لد" فعل ذلك عقوبة لهم، لأنهم لدوه بغير إذنه.
[5674]:من ك وع. يريد أن ما دون ثلث الدية عقلها فيه كعقل الرجل، حتى إذا بلغت في عقل ما جنى عليها ثلث الدية كان عقلها نصف عقل الرجل. وقوله: "إصبعها كإصبعه..الخ" يريد أن عقل هذه كلها دون الثلث فلذلك ساورت فيه الرجل (الموطأ).
[5675]:من ج و ك و هـ و ع.
[5676]:في ع و ك: أليتيه.
[5677]:من ع و ك.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (45)

قوله تعالى : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } .

فرض الله على بني إسرائيل في التوراة أن يسووا في النفس والنفس ، لكنهم خالفوا ذلك عمدا وعنادا فغيروه وبدلوه ففضلوا بني النضير على بني قريظة ، وخصصوا إيجاب القود على بني قريظة دون بني النضير ، فكانوا لا يقيدون القرظي من النضري بل يعدلون إلى الدية ، مثلما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن ، إذ عدلوا عنه إلى الجلد والتحميم والإشهار . من أجل ذلك جاء قوله { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } توبيخا لهم وتقريعا ، لكونهم يخالفون ما كتبه الله عليهم في التوراة .

وقد اختلف العلماء في شرع من قبلنا هل هو شرع لنا ؟

وثمة قولان في هذه المسألة :

القول الأول : إننا متعبدون بشرع من قبلنا ما لم يظهر ما ينسخه . وقد ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية وبعض الشافعية ، أحمد في إحدى الروايتين عنه . وقالت به طائفة من المتكلمين . وهو قول الفقهاء . واختاره الرازي وابن الحاجب . وقال به معظم المالكية{[979]} .

واحتجوا في ذلك بعدة أدلة منها قوله تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } والنبي صلى الله عليه وسلم من جملة النبيين فوجب في حقه الحكم بها .

وكذلك قوله تعالى : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } فقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يقتدي بهدي من سبقه من النبيين . وشرعهم من هداهم فوجب عليه اتباعه .

ومنها قوله تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } فدل على وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم لشريعة نوح ومنها قوله تعالى : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم } فقد أمر باتباع ملة إبراهيم والأمر للوجوب .

واحتجوا من السنة بأدلة منها ما أخرجه مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " وتلا قوله تعالى : { وأقم الصلاة لذكري } وهذا خطاب مع موسى عليه السلام . ولو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته متعبدين بما كان موسى متعبدا به في دينه لما صح الاستدلال بالآية .

القول الثاني : إن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا . وهو قول المعتزلة والمتكلمين وأكثر الشافعية ، وأحمد في الرواية الثانية عنه ، واختاره الآمدي والغزالي . واستدلوا على ذلك بعدة أدلة منها : قوله تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } وهذا يدل على أن كل واحد من النبيين ينفرد بشرع لا يشاركه فيه غيره . وأجيب عن ذلك بأن مشاركتهم في بعض الأحكام لا يمنع من أن يكون لكل واحد منهم شرع يخالف شرع الآخر ، فمشاركتهم في التوحيد لا تمنع انفراد كل واحد منهم بشريعة تخالف شريعة غيره .

ومنها : ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي عمر رضي الله عنه ومعه شيء من التوراة ينظر فيه فقال : " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " {[980]} وهذا يدل على نسخ ما تقدم .

وأجيب عن ذلك بأنه إنما نهي عن النظر في التوراة لما أصابها من تغيير وتبديل . لكن المراد هنا ما حكى الله عن دينهم في الكتاب أو ثبت عنهم بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم{[981]} .

ومنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قاضيا له : " بم تحكم " ؟ قال : بكتاب الله . قال : " فإن لم تجد " قال : " بسنة رسول الله " قال " " فإن لم تجد " قال : " أجتهد رأيي . ولم يذكر شيئا من كتب الأنبياء الأولين وسننهم . وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال : " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله " . ولو كانت الشرائع السابقة شرائع لنا لما جاز لمعاذ العدول إلى اجتهاد الرأي .

وأجيب عن ذلك بأن معاذا لم يتعرض لذكر التوراة والإنجيل اكتفاء منه بآيات في الكتاب الحكيم تدل على اتباعهما . ولأن اسم الكتاب يدخل تحته التوراة والإنجيل لكونهما من الكتب المنزلة{[982]} .

أما أحكام القصاص المختلفة في النفس فقد بيناها في تفسير سورة البقرة عند قوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى } ولا داعي بعد ذلك للتكرار هنا . لكننا نعرض هنا للكلام عن القصاص في الأطراف أو فيما دون النفس وما يتفرع عن ذلك من أحكام . والأصل في ذلك قوله تعالى : { والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص } هذه تدل على جريان القصاص فيما ذكر إلا أن يعفو المجني عليه مطلقا أو على الدية . وذلكم بيان تفصيلي بأحكام الجناية على ما ذكر في الآية . على أننا نعرض لجملة شروط يجب تحققها كيما يجوز القصاص في الأطراف أو فيما دون النفس . وتلكم هي الشروط بإيجاز واقتضاب .

الشرط الأول : التكليف في حق الجاني . فإن كان غير مكلف فلا قصاص عليه . وكونه مكلفا أن يكون بالغا عاقلا .

الشرط الثاني : أن يكون الجاني غير أصل للمجني عليه ، كأن يكون أباه أو جده .

الشرط الثالث : العصمة . وهي أن يكون المجني عليه معصوما على التأييد . وبذلك لا يقطع المسلم بالحربي أو المستأمن لعدم العصمة المؤبدة .

الشرط الرابع : أن تكون الجناية عمدا عدوانا . فلا قصاص في الخطأ إجماعا .

وكذلك شبه العمد .

الشرط الخامس : أن يكون الاستيفاء ممكنا ومن غير حيف . وذلك بالمماثلة الكاملة دون نقص أو زيادة لقوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ويضاف إلى ذلك عدم السراية إلى النفس غالبا . وذلك ككسر العنق والترقوة والصلب والفخذ . فإن القصاص في مثل هذه الأعضاء لا تؤمن معه السراية إلى النفس غالبا{[983]} .

أما الأطراف فهي مفردها طرف بالفتح . ويعني في اللغة الناحية . وعند الفقهاء ما له حد ينتهي إليه من أعضاء الجسد{[984]} وذلك كاليد والرجل والسن والأذن والأصابع وغير ذلك مما ينتهي إلى حد كالمفصل . فإن كان كذلك جاز فيه القصاص لإمكان حصوله من غير حيف . أما إن كان مما لا ينتهي إلى حد فلا يجوز إيقاع القصاص فيه لعدم استيفاء القصاص في مماثلة تامة ومن غير حيف بما يحتمل معه حصول النقص أو الزيادة .

ويضاف إلى هذا الاشتراط الأساسي لإجراء القصاص في الأطراف شرطان آخران هما :

أولا : التساوي . أي أن يكون الطرف في المجني عليه مساويا لنظيره في الجاني ، وبذلك لا يؤخذ طرف صحيح بطرف أشل . ولا يد كاملة الأصابع بناقصة الأصابع ، ولا تؤخذ أصبع أصلية بأخرى زائدة .

ثانيا : الاشتراك في الاسم الخاص بالعضو أو الطرف . فلا تؤخذ يمين بيسار . ولا يسار بيمين . وكذلك لا تؤخذ أصبع بأخرى مخافة لها ، كالخنصر بالسبابة ، أو البنصر بالوسطى . ولا تؤخذ شفة سفلى بشفة عليا ، ولا جفن أيمن بجفن أيسر ، أو أذن يمنى بأذن يسرى ، لأن كل واحد مما ذكر مختص باسم منفرد{[985]} .

إذا تبين ذلك ، نأخذ في الكلام عن الأطراف المذكورة في الآية وهي :

العين : وهي طرف من الأطراف التي تنتهي إلى مفصل فيجري فيها القصاص مع اعتبار الشرطين المذكورين آنفا وهما التساوي والاشتراك في الاسم . ولا ينبغي اعتبار صفة العين كالصغر والكبر ، أو الضعف والقوة ، أو الحسن والقبح ، فمثل هذه الصفات لا يؤثر في إجراء القصاص . وعلى هذا تؤخذ عين الشاب بعين الشيخ . أو العين السليمة بالعين المريضة . أو العين الحسنة بالعين القبيحة .

الأنف : يؤخذ الأنف قصاصا بالأنف من غير اعتبار للفرق في الصفة بين الأنفين ، كالصغر والكبر ، أو الحسن والقبح أو المنفعة وعدمها . فيقطع الأنف الأخشم بالأخشم{[986]} والأخشم بالشام لتساويهما في سلامة الصورة والمنظر ؟

أما القصاص في الأنف فإنما يكون في المارن ، لأنه ينتهي إلى مفصل . والمارن هو ما لان من لحم الأنف دون قصبته ، لأنه ينتهي بحد . وبذلك يقتص من مارن الجاني بمثله ويقدر ما قطع من الأنف بالأجزاء كالنصف والثلث والربع ، ولا يقدر القصاص بالمساحة .

الأذن : تقطع الأذن قصاصا في العمد ، لأنها تنتهي إلى حد فاصل ، وذلك بغض النظر عن اختلاف الأوصاف بين الآذان ، ولذلك تؤخذ الأذن الكبيرة بالأذن الصغيرة . وتؤخذ أذن السميع بأذن الأصم . وأذن الأصم بأذن السميع لتساويهما في السلامة من نقص الصورة والمنظر .

ولو قطع بعض الأذن كان للمجني عليه أن يقطع من أذن الجاني بقدر ما قطع من أذنه على أن يقدر ذلك بالأجزاء كالنصف والثلث والربع{[987]} .

السن : وهو الضرس وجمعه أسنان وأسنة . وهو مما يجري فيه القصاص وعلى هذا تؤخذ السن الصحيحة بالصحيحة . وتؤخذ المكسورة بالصحيحة . لكن لا تؤخذ الصحيحة بالمكسورة ، كيلا يأخذ المجني عليه أكثر من حقه . وتؤخذ السن الزائدة بالسن الزائدة إذا اتفق محلهما لكونهما متساويين .

ولو كسر بعض سن ، كان للمجني عليه أن يقتص من الجاني . وذلك أن يقدر المكسور بالأجزاء . فيؤخذ النصف بالنصف والثلث بالثلث وكل جزء بمثله . ولا يقدر ذلك بالمساحة ، لأن التقدير بها ربما يؤدي إلى أخذ جميع سن الجاني ببعض سن المجنى عليه{[988]} .

وقوله : { والجروح قصاص } قصاص مصدر يراد به المفعول : أي والجروح متقاصة بعضها ببعض . وذلك إجمال بعد تفصيل . والمراد إجراء القصاص في كل ما يمكن أن يقتص منه على أن تراعي الشروط في ذلك والتي بيناها سابقا . وعلى هذا يجب القصاص في كل ما ينتهي إلى حد أو مفصل من الأطراف أو أعضاء الجسد ، كالشفتين واليدين والقدمين والأنثيين والذكر .

ديات الأعضاء والمعاني

يراد بالأعضاء هنا أطراف البدن أو أجزاؤه التي تنتهي إلى مفاصل أو حدود والجناية على الواحد من هاتيك الأعضاء يستوجب دية كاملة أو دون ذلك ، على التفصيل في المسألة .

وكذلك الجناية على المعاني وهي منافع أعضاء البدن ، فإنها تستوجب الدية في مقابل كل معنى أو منفعة من منافع الجسد ، كالبصر والسمع الشم والذوق وغير ذلك من المعاني . على أن الضابط في ديات الأطراف ومعانيها هو أن كل ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه الدية الكاملة . وذلك كاللسان والأنف والذكر . ففي كل واحد من هذه الأعضاء دية كاملة لانفراده في الإنسان .

وأما ما كان في الإنسان منه شيئان ففيهما كليهما الدية وفي كل واحد منهما نصف الدية . وذلك كالعينين والأذنين واليدين والقدمين .

وأما ما كان في الإنسان منه أربعة أشياء ففي الواحد منها ربع الدية وذلك كأجفان العينين ، وفيها مجتمعة الدية كاملة .

وأما ما كان في الإنسان منه عشرة أشياء ففي الواحد منها عشر الدية وفيها مجتمعة الدية كاملة . وذلك كأصبع اليدين والرجلين .

وكذلك منافع أعضاء البدن فإن في إتلاف المنفعة الواحدة الدية كاملة . وذلك كإذهاب السمع أو البصر أو الشم أو العقل أو غير ذلك من المنافع{[989]} .

إلى غير ذلك من الأحكام في الجناية على النفس وما دونها من الأطراف سواء في ذلك القصاص أو الديات . والتفصيل بأكثر من ذلك في هذه المسائل يراجع في مظانه من كتب الفقه .

قوله : { فمن تصدق به فهو كفارة له } أي أن المجني عليه المستحق للقصاص إن تصدق بالقصاص بأن عفا عن الجاني ، فإن ذلك كفارة للمتصدق ، إذ يكفر الله عنه بتصدقه ذنوبه .

وقيل : إنه كفالة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة ، لأن العفو يقوم مقام أخذ الحق منه . والأول هو الراجح ، وهو قول أكثر العلماء{[990]} .

ووجه الضعف في القول الثاني أن أمور الآخرة من الثواب والعقاب ، أو العفو والمؤاخذة ، منوط كل ذلك بتحقق النية في التوبة من الجاني أو غيره . فما لم يتب الجاني المتعمد أو يعتوره الندم فأنى له التوبة من الله ما دام غير عابئ ولا مكترث ولا متمعر{[991]} .

قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ . هم ، ضمير الفصل . الظالمون خبر الإشارة . وقيل : الضمير مبتدأ ثان وخبره الظالمون . والجملة في موضع رفع خبر الإشارة . الظلم معناه الشيء في غير موضعه . وفي المثل : من استرعى الذئب فقد ظلم{[992]} إذا تبين لنا ذلك علمنا أن تأويل الآية هو أن النكول عما فرضه الله من أحكام القصاص في القتل العمد أو الجروح ليستعاض عن ذلك بأحكام أخرى جائرة مخافة لشرع الله كقتل اثنين بواحد أو نحو ذلك فإن ذلك ظلم . أي وضع حكم الله في غير موضعه الصحيح الذي يليق به . أو هو وضع لرأي الإنسان القاصر في موضع أحكام الله .


[979]:- ارشاد الفحول للشوكاني ص 240 والإحكام للآمدي ج 3 ص 190 وإحكام الفصول للباجي ص 327 وكشف الأسرار للنسفي ج 2 ص 172.
[980]:- رواه أحمد وأبو يعلى.
[981]:- التبصرة في أصول الفقه للفيروزابادي ص 86 والمنخول للغزالي ص 31 والإحكام للآمدي ج 3 ص 192 والمعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري ج 2 ص 336.
[982]:- الإحكام للآمدي ج 3 ص 190 والتبصرة في أصول الفقه ص 287 والمنخول ص 232.
[983]:- الكافي ج 3 ص 20 والمغني ج 7 ص 703 والبدائع ج 7 ص 296 ومغني المحتاج ج 4 ص 26 وأسهل المدارك ج 3 ص 120.
[984]:- المصباح المنير ج 2 ص 18 ومغني المحتاج ج 4 ص 25.
[985]:- المغنى ج 7 ص 707 والمجموع ج 18 ص 409.
[986]:- الأخشم: الذي أصابه في أنفه داء فأفسده فصار لا يشم. انظر المصباح المنير ج 1 ص 182.
[987]:- البناية على الهداية ج 10 ص 59 وأسهل المدارك ج 3 ص 121 والمجموع ج 18 ص 406 والمغني ج 7 ص 712 والمدونة ج 4 ص 435 والنهاية للطوسي ص 772.
[988]:- المجموع ج 18 ص 415 وحاشية الخرشي على مختصر خليل ج 8 ص 21 والمغني ج 7ص 722.
[989]:- الكافي ج 3 ص 96 والأحكام السلطانية للماوردي ص 234 وتحفة الفقهاء ج 3 ص 158 ومختصر المزني ص 245 وحاشية الخرشي ج 8 ص 35.
[990]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 208 وتفسير البيضاوي ص 151 وفتح القدير ج 2 ص 47.
[991]:- المتمعر: المتغير وجهه غيظا. انظر القاموس المحيط ج 2 ص 140.
[992]:- القاموس المحيط ج 3 ص 147 ومختار الصحاح ص 405.