تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{سماعون}: قوالون {للكذب}: للزور.
{أكالون للسحت}: الرشوة في الحكم، كانت اليهود قد جعلت لهم جعلا في كل سنة، على أن يقضوا لهم بالجور.
{فإن جاءوك} يا محمد في الرجم، {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط}: بالعدل. {إن الله يحب المقسطين} [آية:42]، يعني الذين يعدلون في الحكم، ثم نسختها الآية التي جاءت بعد، وهي قوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} إليك في الكتاب أن الرجم على المحصن والمحصنة، ولا ترد الحكم، {ولا تتبع أهواءهم}...
لم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بالمدينة وادع يهود كافة على غير جزية، وأن قول الله عز وجل: {فَإِن جَاءوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ} أنما نزلت في اليهود الموادعين الذين لم يعطوا جزية، ولم يقروا بأن يجري عليهم الحكم. وقال البعض: نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، والذي قالوا يشبه ما قالوا لقول الله عز وجل: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ اَلتَّوْراةُ فِيهَا حُكْمُ اَللَّهِ} وقوله تبارك وتعالى: {وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلا تَتَّبِعَ اَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمُ أَنْ يَّفْتِنُوكَ}: يعني ـ والله تعالى أعلم ـ أن يتولوا عن حكمك بغير رضاهم، وهذا يشبه أن يكون ممن أتى حاكما غير مقهور على الحكم.
والذين حاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة منهم ورجل زنيا موادعون، وكان في التوراة الرجم، ورجوا أن لا يكون من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجم، فجاءوا بهما فرجمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
هؤلاء اليهود الذين وصفت لك يا محمد صفتَهم، سَمَّاعون لقِيل الباطل والكذب، ومن قيل بعضهم لبعض: محمد كاذب، ليس بنبيّ، وقِيل بعضهم: إن حكم الزاني المحصَن في التوراة الجلد والتحميم، وغير ذلك من الأباطيل والإفك، ويقبلون الرشا، فيأكلونها على كذبهم على الله وفريتهم عليه عن قتادة: "سَمّاعُونَ للكَذِبِ أكّالُونَ للسّحْتِ "قال: كان هذا في حكام اليهود بين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرشا... عن مسروق، قال: سألت عبد الله عن السحت، فقال: الرجل يطلب الحاجة فيقضيها، فيهدي إليه فيقبلها...
وأصل السحت: كلَب الجوع، يقال منه: فلان مسحوت المعدة: إذا كان أكولاً لا يُلَفى أبدا إلا جائعا. وإنما قيل للرّشوة السحت، تشيبها بذلك كأن بالمسترشِي من الشره إلى أخذ ما يُعطاه من ذلك مثل الذي بالمسحوت المعدة من الشره إلى الطعام...
"فإنْ جاءُوكَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ": إن جاء هؤلاء القوم الآخرون الذين لم يأتوك بعد، وهم قوم المرأة البغية، محتكمين إليك، فاحكم بينهم إن شئت بالحقّ الذي جعله الله حكما له، فيمن فعَل فِعْل المرأة البغية منهم، أو أعرض عنهم، فدع الحكم بينهم إن شئت والخيار إليك في ذلك.
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قتيل قتل في يهود منهم قتله بعضهم. عن ابن عباس: أن الآيات في المائدة، قوله: "فإنْ جاءُوكَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُم..." إلى قوله: المُقْسِطِينَ" إنما نزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف تؤدّى الدية كاملة، وإن قريظة كانوا يؤدّون نصف الدية. فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحقّ في ذلك، فجعل الدية في ذاك سواء. والله أعلم أيّ ذلك كان...
ثم اختلف أهل التأويل في حكم هذه الآية؛ هل هو ثابت اليوم، وهل للحكام من الخيار في الحكم والنظر بين أهل الذمة والعهد إذا احتكموا إليهم مثل الذي جعل لنبيه صلى الله عليه وسلم، في هذه الآية، أم ذلك منسوخ؟ فقال بعضهم: ذلك ثابت اليوم لم ينسخه شيء، وللحكام من الخيار في كل دهر بهذه الآية مثل ما جعله لرسوله صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: بل التخيير منسوخ، وعلى الحاكم إذا احتكم إليه أهل الذمة أن يحكم بينهم بالحقّ، وليس له ترك النظر بينهم... عن السديّ، قال: سمعت عكرمة يقول: نسختها "وأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنْزَلَ اللّهُ".
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابت لم ينسخ، وإن للحكام من الخيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا وترك الحكم بينهم والنظر مثل الذي جعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك في هذه الآية.
وإنما قلنا: ذلك أولاهما بالصواب، لأن القائلين أن حكم هذه الآية منسوخ زعموا أنه نسخ بقوله: "وأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنْزَلَ اللّهُ"، وقد دللنا في كتابنا: «كتاب البيان عن أصول الأحكام» أن النسخ لا يكون نسخا إلا ما كان نفيا لحكم غيره بكلّ معانيه، حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعا على صحته بوجه من الوجوه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستحيل في الكلام أن يقال: وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ومعناه: وأن احكم بينهم بما أنزل الله إذ حكمت بينهم باختيارك الحكم بينهم إذا اخترت ذلك ولم تختر الإعراض عنهم، إذ كان قد تقدم إعلام المقول له ذلك من قائله أن له الخيار في الحكم وترك الحكم كان معلوما بذلك أن لا دلالة في قوله: "وأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنْزَلَ اللّهُ" أنه ناسخ قوله: "فإنْ جاءُوكَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرّوكَ شَيْئا وَإنْ حَكَمْتَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بالقِسْطِ" لما وصفنا من احتمال ذلك ما بينا، بل هو دليل على مثل الذي دلّ عليه قوله: "وَإنْ حَكَمْتَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بالقِسْطِ". وإذا لم يكن في ظاهر التنزيل دليل على نسخ إحدى الآيتين الأخرى، ولا نفي أحد الأمرين حكمَ الآخر، ولم يكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يصحّ بأن أحدهما ناسخ صاحبه، ولا من المسلمين على ذلك إجماع، صحّ ما قلنا من أن كلا الأمرين يؤيد أحدهما صاحبه ويوافق حكمه حكمه ولا نسخ في أحدهما للآخر.
"وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرّوكَ شَيْئا": وإن تعرض يا محمد عن المحتكمين إليك من أهل الكتاب فتدع النظر بينهم فيما احتكموا فيه إليك، فلا تحكم فيه بينهم، فلن يضرّوك شيئا، يقول: فلن يقدروا لك على ضرّ في دين ولا دنيا، فدع النظر بينهم إذا اخترت ترك النظر بينهم.
"وَإنْ حَكَمْتَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بالقِسْطِ": وإن اخترت الحكم والنظر يا محمد بين أهل العهد إذا أتوك، فاحكم بينهم بالقسط، وهو العدل، وذلك هو الحكم بما جعله الله حكما في مثله على جميع خلقه من أمة نبينا صلى الله عليه وسلم.
"إنّ اللّهَ يُحِبّ المُقْسِطِينَ": إن الله يحبّ العاملين في حكمه بين الناس، القاضين بينهم بحكم الله الذي أنزله في كتابه وأمر أنبياءه صلوات الله عليهم، يقال منه: أقسط الحاكم في حكمه إذا عدل وقضى بالحقّ. وأما قسط فمعناه: الجور، ومنه قول الله تعالى: "وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنّمَ حَطَبا" يعني بذلك: الجائرين على الحقّ.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما ذكر التحريف، ذكر أثره وهو الحكم به فقال مكرراً لوصفهم زيادة في توبيخهم وتقبيح شأنهم: {سمّاعون} أي هم في غاية الشهوة والانهماك في سماعهم ذلك {للكذب أكّالون} أي على وجه المبالغة {للسحت} أي الحرام الذي يسحت البركة أي يستأصلها، وهو كل ما لا يحل كسبه، وذلك أخذهم الرشى ليحكموا بالباطل على نحو ما حرفوه وغيره من كلام الله، قال الشيخ أبو العباس المرسي: ومن آثر من الفقراء السماع لهواه، وأكل ما حرمه مولاه، فقد استهوته نزعة يهودية، فإن القوال يذكر العشق والمحبة والوجد، وما عنده منها شيء.
ولما كانوا قد يأخذون الرشوة ولا يقدرون على إبرام الحكم بما أرادوه، فيطمعون في أن يفعلوا ذلك بواسطة ترافعهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيترافعون إليه، فإن حكم بينهم بما أرادوا قبلوه واحتجوا به على من لعله يخالفهم، وإن حكم بما لم يريدوه قالوا: ليس هذا في ديننا -طمعاً في أن يخليهم فلا يلزمهم بما حكم، أعلمه الله تعالى بما يفعل في أمرهم، وحذره غوائل مكرهم، فقال مفوضاً الخيرة إليه في أمر المعاهدين إلى مدة- وأما أهل الجزية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلى حاكمنا -مسبباً عن أكلهم الحرام وسماعهم الكذب}: فإن جاءوك {أي طمعاً في أن تؤتيهم ما حرفوا إليه الكلم {فاحكم بينهم} أي إن شئت بما أنزل الله عليك من الحق {أو اعرض عنهم} أي كذلك.
ولما كان قوله: {وإن} دالاً بعطفه على غير معطوف عليه أن التقدير: فإن حكمت بينهم لم ينفعوك شيئاً لإقبالك عليهم، قال: وإن {تعرض عنهم} أي الكفرة كلهم من المصارحين والمنافقين {فلن يضروك شيئاً} أي لإعراضك عنهم واستهانتك بهم.
ولما كان هذا التخيير غير مراد الظاهر في جواز الحكم بينهم عند الترافع إلينا وعدمه، بل معناه عدم المبالاة بهم، أعرض عنهم أولاً، فحقيقته بيان العاقبة على تقديري الفعل والترك، علَّمه كيف يحكم بينهم، فقال عاطفاً على ما قدرته: {وإن حكمت} أي فيهم {فاحكم} أي أوقع الحكم {بينهم بالقسط} أي العدل الذي أراكه الله- على أن الآية ليست في أهل الذمة، والحكم في ترافع الكفار إلينا أنه كان منهم أو من أحدهم التزام لأحكامنا أم منا التزام للذب عنهم وجب، لقوله تعالى {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} وإلا لم يجب، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {يحب المقسطين} أي الفاعلين للعدل السوي من غير حيف أصلاً.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
ثم قال في وصفهم {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أعاد وصفهم بكثرة سماع الكذب لتأكيد ما قبله، والتمهيد لما بعده – كما قالوا-: والإعادة للتأكيد وتقرير المعنى، وإفادة اهتمام المتكلم به، مما ينبعث عن الغريزة، ويعرف التأثير والتأثر به من الطبيعة، ولعله عام في جميع لغات البشر. وإذا قلنا إن اللام في الآية الأولى للتعليل، وفي هذه الآية للتقوية، ينتفي التكرار، إذ المعنى هناك: يسمعون كلام الرسول والمؤمنين لأجل أن يجدوا مجالا للكذب ينفرون الناس به من الإسلام، والمعنى هنا أنهم يسمع بعضهم الكذب من بعض سماع قبول، فهم يكذب بعضهم على بعض كما يكذبون على غيرهم، ويقبل بعضهم الكذب من بعض. فأمرهم كله مبني على الكذب، الذي هو شر الرذائل وأضر المفاسد. وهكذا شأن الأمم الذليلة المهينة، تلوذ بالكذب في كل أمر، وترى أنها تدرأ به عن نفسها ما تتوقع من ضر.
وكذلك يفشو فيها أكل السحت، لأنها تعيش بالمحاباة، وتألف الدناءة وتؤثر الباطل على الحق. فسر ابن مسعود السحت بالرشوة في الدين، وابن عباس بالرشوة في الحكم، وعلي بالرشوة مطلقا، قيل له: الرشوة في الحكم؟ قال: ذلك الكفر. وقال عمر: بابان من السحت يأكلهما الناس – الرشا في الحكم ومهر الزانية. فأفاد أن السحت أعم من الرشوة ومن فسره بالرشوة المطلقة أو المقيدة فقد أراد به أنه المراد من الآية باعتبار نزولها في أحبار اليهود ورؤسائهم لا المعنى اللغوي العام. وقيل: السحت الحرام مطلقا، أو الربا، أو الحرام الذي فيه عار ودناءة كالرشوة. واختلف علماء العربية في معناه الأصلي الذي اختير هذا اللفظ لأجله. فقال الزجاج هو من سحته وأسحته بمعنى استأصله بالهلاك، ومنه قوله تعالى: {قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب} [طه:61] فعلى هذا يكون المراد بالسحت ما يسحت الدين والشرف لقبحه وضرره، أو لسوء عاقبته وأثره. وقال الفراء: أصل السحت شدة الجوع، يقال رجل مسحوت المعدة إذا كان أكولا لا يكاد يرى إلا جائعا. وعلى هذا يكون المراد به الحرام أو الكسب الدنيء الذي يحمل عليه الشره.
قرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة السحت بضم السين وفتح الحاء والباقون بضمهما معا. السحت والسحت كل حرام قبيح الذكر، وقيل ما خبث من المكاسب وحرم فلزم عنه العار وقبيح الذكر، كثمن الكلب والخمر والخنزير. وسحت الشيء يسحته (كفتح يفتح) قشره قليلا، وسحت الشحم عن اللحم قشرته عنه مثل سخفته... وقال اللحياني سحت رأسه سحتا وأسحته استأصله حلقا. وأسحت ماله استأصله وأفسده. – إلى أن قال – والسحت (بالفتح) شدة الأكل والشرب، ورجل سحت (بالضم) وسحيت ومسحوت: رغيب واسع الجوف لا يشبع. اه المراد من اللسان. فعلم منه أن أصل معنى السحت إزالة القشر عن العود بالتدريج وما في معناه كحلق الشعر، ومن العرب من لا يقول: اسحت الشيء. إلا إذا استأصله بالقشر. ويمكن إرجاع معنى عدم الشبع إلى هذا المعنى كأن المعدة لسرعة هضمها تستأصل الطعام. وسمي الكسب الخسيس والحرام سحتا لأنه يستأصل المروءة أو الدين، والرشوة تستأصل الثروة، وتفسد أم المعاملة، وتستبدل الطمع بالعفة وكان أحبار اليهود ورؤساؤهم في عصر التنزيل كذابين أكالين للسحت من الرشوة وغيرها من الخسائس، كدأب سائر الأمم في عهد فسادها وانحطاطها، وقد صارت حالهم الآن أحسن من حال كثير من الذين يعيبونهم بما كان من سلفهم.
ومن عجائب غفلة البشر عن أنفسهم أن يعيبك أحدهم بنقيصة ينسبها إلى أحد أجدادك الغابرين، على علم منه بأنك عار عنها، أو متصف بالمحمدة التي هي ضدها، وهو متصف بنقيصة جدك التي يعيبك بها! فإن كثيرا ممن يعدهم المسلمون من أحبارهم ورؤساء الدين فيهم، وكثيرا من حكامهم الشرعيين والسياسيين يكذبون كثيرا ويقبلون الكذب ويأكلون السحت، حتى أنهم يأخذون الرشوة من طلبة العلم ليشهدوا لهم زورا بأنهم صاروا من العلماء الأعلام، ويعطونهم ما يسمونه (شهادة العلمية) كما يمنحهم حكامهم الرتب العلمية. وقد تجرأ بعض طلبة الأزهر مرة على شيخنا الأستاذ الإمام فعرض عليه ثلاثين جنيها ليساعده في امتحان شهادة العالمية لعلمه بأنه غير مستعد للامتحان ولا أهل للشهادة، فلم يملك الأستاذ نفسه من الانفعال أن ضربه ضربا موجعا، وقال: أتطلب في هذه السن أن أغش المسلمين بك لتفسد عليهم دينهم بجهلك، بهذه الجنيهات الحقيرة في نظري العظيمة في نظرك، وأنا الذي لم أتدنس في عمري حتى ولا بقبول الهدية ممن أنقذتهم من الموت؟. ولو كنت ممن يتساهل في هذا لكنت من أوسع الناس ثروة. أو ما هذا مؤداه.
{فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي فإن جاءوك متحاكمين إليك فأنت مخير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم وتركهم إلى رؤسائهم. وقد اختلف العلماء في هذا التخيير: أهو خاص بتلك الواقعة التي نزلت فيها الآية، وهي حد الزنا هل هو الجلد أو الرجم، أو دية القتيل، إذ كان بنو النضير يأخذون دية كاملة على قتلاهم لقوتهم وشرفهم، وبنو قريظة يأخذون نصف الدية لضعفهم، وقد تحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعل الدية سواء أم هوة خاص بالمعاهدين دون أهل الذمة وغيرهم، إذ كان أولئك اليهود معاهدين، أم الآية عامة في جميع القضايا من جميع الكفار، عملا بقاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ المرجح المختار من الأقوال في الآية أن التخيير خاص بالمعاهدين دون أهل الذمة. وعلى هذا لا يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين الأجانب الذين هم في بلادهم وإن تحاكموا إليهم، بل هم مخيرون، يرجحون في كل وقت ما يرون فيه مصلحة. وأما أهل الذمة فيجب الحكم بينهم إذا تحاكموا إلينا. وليس في الآية نسخ كما قال بعض من زعم أنها عامة في جميع الكفار، وقد نسخ من عمومها التخيير في الحكم بين الذميين. قال بعضهم إن التخيير منسوخ بقوله تعالى في هذا السياق {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ} [المائدة: 49] ونقول لا يعقل أن تنزل آيات في سياق واحد كما هو ظاهر في هذه الآيات فيكون بعضها ناسخا لبعض. وإنما تلك الآية أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بينهم بما أنزل الله من القسط. وسيأتي بيان ذلك.
{وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا} أي وإن اخترت الإعراض عنهم، فأعرضت ولم تحكم بينهم، فلن يستطيعوا أن يضروك شيئا من الضر، وإن ساءتهم الخيبة، وفاتهم ما يرجون من خفة الحكم وسهولته. ولعل هذا تعليل للتخيير. {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} أي وإن اخترت الحكم فاحكم بينهم بالقسط أي العدل لا بما يبغون. وقد شرحنا معناه اللغوي وبينا ما عظم الله من أمره في القيام به والشهادة به في تفسير الآية 134 من سورة النساء ج5 تفسير) والآية التاسعة من هذه السورة. والمقسطون هم المقيمون للقسط بالحكم به أو الشهادة أو غير ذلك. وفصلنا القول في الحكم بالعدل في تفسير {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء:58] فيراجع في المنار أو (ص 174-175 من ج 5 تفسير).
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ثم يمضي في بيان حال القوم، وما انتهوا إليه من فساد في الخلق والسلوك، قبل أن يبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يتعامل معهم إذا جاءوا إليه متحاكمين:
(سماعون للكذب، أكالون للسحت. فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم. وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً. وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين)..
كرر أنهم سماعون للكذب. مما يشي بأن هذه أصبحت خصله لهم.. تهش نفوسهم لسماع الكذب والباطل، وتنقبض لسماع لحق والصدق.. وهذه طبيعة القلوب حين تفسد، وعادة الأرواح حين تنطمس.. ما أحب كلمة الباطل والزور في المجتمعات المنحرفة، وما أثقل كلمة الحق والصدق في هذه المجتمعات.. وما أروج الباطل في هذه الآونة وما أشد بوار الحق في هذه الفترات الملعونة!
وهؤلاء: سماعون للكذب. أكالون للسحت.. والسحت كل مال حرام.. والربا والرشوة وثمن الكلمة والفتوى! في مقدمة ما كانوا يأكلون، وفي مقدمة ما تأكله المجتمعات التي تنحرف عن منهج الله في كل زمان! وسمي الحرام سحتاً لأنه يقطع البركة ويمحقها. وما أشد انقطاع البركة وزوالها من المجتمعات المنحرفة. كما نرى ذلك بأعيننا في كل مجتمع شارد عن منهج الله وشريعة الله.
ويجعل الله الأمر للرسول بالخيار في أمرهم إذا جاءوه يطلبون حكمه -فإن شاء أعرض عنهم- ولن يضروه شيئاً -وإن شاء حكم بينهم. فإذا اختار أن يحكم حكم بينهم بالقسط، غير متأثر بأهوائهم، وغير متأثر كذلك بمسارعتهم في الكفر ومؤامراتهم ومناوراتهم..
والرسول صلى الله عليه وسلم والحاكم المسلم، والقاضي المسلم، إنما يتعامل مع الله في هذا الشأن؛ وإنما يقوم بالقسط لله. لأن الله يحب المقسطين. فإذا ظلم الناس وإذا خانوا، وإذا انحرفوا، فالعدل فوق التأثر بكل ما يصدر منهم. لأنه ليس عدلاً لهم؛ وإنما هو لله.. وهذا هو الضمان الأكيد في شرع الإسلام وقضاء الإسلام، في كل مكان وفي كل زمان.
وهذا التخيير في أمر هؤلاء اليهود يدل على نزول هذا الحكم في وقت مبكر. إذ أنه بعد ذلك أصبح الحكم والتقاضي لشريعة الإسلام حتمياً. فدار الإسلام لا تطبق فيها إلا شريعة الله. وأهلها جميعاً ملزمون بالتحاكم إلى هذه الشريعة. مع اعتبار المبدأ الإسلامي الخاص بأهل الكتاب في المجتمع المسلم في دار الإسلام؛ وهو ألا يجبروا إلا على ما هو وارد في شريعتهم من الأحكام؛ وعلى ما يختص بالنظام العام. فيباح لهم ما هو مباح في شرائعهم، كامتلاك الخنزير وأكله، وتملك الخمر وشربه دون بيعه للمسلم. ويحرم عليهم التعامل الربوي لأنه محرم عندهم. وتوقع عليهم حدود الزنا والسرقة لأنها واردة في كتابهم وهكذا. كما توقع عليهم عقوبات الخروج على النظام العام والإفساد في الأرض كالمسلمين سواء، لأن هذا ضروري لأمن دار الإسلام وأهلها جميعاً: مسلمين وغير مسلمين. فلا يتسامح فيها مع أحد من أهل دار الإسلام...
وفي تلك الفترة التي كان الحكم فيها على التخيير، كانوا يأتون ببعض قضاياهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
..والسمَّاع: الكثيرُ السمع، أي الاستماعِ لما يقال له. والسَّمع مستعمل في حقيقته، أي أنّهم يُصغون إلى الكلام الكذب وهم يعرفونه كَذِبا، أي أنّهم يحفلون بذلك ويتطلّبونه فيكثر سماعهم إيّاه. وفي هذا كناية عن تفشّي الكذب في جماعتهم بين سامع ومختلق، لأنّ كثرة السمع تستلزم كثرة القول. والمراد بالكذب كذب أحبارهم الزاعمين أنّ حكم الزّنى في التّوراة التّحميمُ.
.. وإرادة الله فتنة المفتون قضاؤها له في الأزل، وعلامة ذلك التّقدير عدم إجداء الموعظة والإرشاد فيه. فذلك معنى قوله: {فلَن تملك له من الله شيئاً}، أي لا تبلغ إلى هديه بما أمرك الله به من الدّعوة للنّاس كافّة.
وهذا التّركيب يدلّ على كلام العرب على انتفاء الحيلة في تحصيل أمر مّا.
ومدلول مفرداته أنّك لا تملك، أي لا تقدر على أقلّ شيء من الله، أي لا تستطيع نيل شيء من تيسير الله لإزالة ضلالة هذا المفتون، لأنّ مادّة المِلك تدلّ على تمام القدرة.
وقد خيّر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم والإعراض عنهم. ووجه التخيير تعارض السببين؛ فسبب إقامة العدل يقتضي الحكمَ بينهم، وسبب معاملتهم بنقيض قصدهم من الاختبار أو محاولة مصادفة الحكم لهواهم يقتضي الإعراض عنهم لئلاّ يعرّض الحكم النبوي للاستخفاف.
وكان ابتداء التخيير في لفظ الآية بالشقّ المقتضي أنّه يحكم بينهم إشارة إلى أنّ الحكم بينهم أولى. ويؤيّده قوله بعد {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ الله يحبّ المقسطين} أي بالحقّ، وهو حكم الإسلام بالحدّ. وأمّا قوله: {وإن تُعرض عنهم فلن يضرّوك شيئاً} فذلك تطمين للنّبيء صلى الله عليه وسلم لئلاّ يقول في نفسه: كيف أعرض عنهم، فيتّخذوا ذلك حجّة علينا. يقولون: ركنّا إليكم ورضينا بحكمكم فأعرضتم عنّا فلا نسمع دعوتكم من بعد. وهذا ممّا يهتمّ به النّبيء صلى الله عليه وسلم لأنّه يؤول إلى تنفير رؤسائِهم دهماءَهم من دعوة الإسلام فطمّنه الله تعالى بأنّه إنْ فعل ذلك لا تنشأ عنه مضرّة. ولعلّ في هذا التطمين إشعاراً بأنّهم لا طمع في إيمانهم في كلّ حال. وليس المراد بالضرّ ضرّ العداوة أو الأذى لأنّ ذلك لا يهتمّ به النّبيء صلى الله عليه وسلم ولا يخشاه منهم، خلافاً لما فسّر به المفسّرون هنا.
وتنكير {شيئاً} للتحقير كما هو في أمثاله، مثل {فلَن تملك له من الله شيئاً} وهو منصوب على المفعوليّة المطلقة لأنّه في نية الإضافة إلى مصدر، أي شيئاً من الضرّ، فهو نائب عن المصدر. وقد تقدّم القول في موقع كلمة شيء عند قوله تعالى: {ولنبلونَّكم بشيء من الخوف والجوع} في سورة البقرة (155).
والآية تقتضي تخيير حكّام المسلمين في الحكم بين أهل الكتاب إذا حكّموهم؛ لأنّ إباحة ذلك التخيير لغير الرسول من الحكّام مساو إباحته للرسول. واختلف العلماء في هذه المسألة وفي مسألة حكم حكّام المسلمين في خصومات غير المسلمين. وقد دلّ الاستقراء على أنّ الأصل في الحكم بين غير المسلمين إذا تنازع بعضهم مع بعض أن يحكم بينهم حكّام ملّتهم، فإذا تحاكموا إلى حكّام المسلمين فإن كان ما حدث من قبيل الظلم كالقتل والغصب وكلّ ما ينتشر منه فساد فلا خلاف أنّه يجب الحكم بينهم (وعلى هذا فالتخيير الذي في الآية مخصوص بالإجماع). وإن لم يكن كذلك كالنزاع في الطلاق والمعاملات.
فمن العلماء من قال: حكم هذا التخيير مُحْكم غير منسوخ، وقالوا: الآية نزلت في قصّة الرجم (الّتي رواها مالك في الموطأ والبخاري ومن بعده) وذلك أنّ يهودياً زنى بامرأة يهوديّة، فقال جميعهم: لنسأل محمّداً عن ذلك. فتحاكموا إليه، فخيّره الله تعالى. واختلف أصحاب هذا القول فقال فريق منهم: كان اليهود بالمدينة يومئذٍ أهل موادعة ولم يكونوا أهل ذمّة، فالتّخيير باق مع أمثالهم ممّن ليس داخلاً تحت ذمّة الإسلام، بخلاف الّذين دخلوا في ذمّة الإسلام، فهؤلاء إذا تحاكموا إلى المسلمين وجب الحكم بينهم. وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى بن دينار، لأنّ اليهوديين كانا من أهل خيبر أو فَدَك وهما يومئذٍ من دار الحرب في موادعة.
وقال الجمهور: هذا التخيير عام في أهل الذمّة أيضاً. وهذا قول مالك ورواية عن الشافعي. قال مالك: الأعراض أولى. وقيل: لا يحكم بينهم في الحدود، وهذا أحد قولي الشافعي. وقيل: التّخيير منسوخ بقوله تعالى بعد {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49]، وهو قول أبي حنيفة، وقاله ابن عبّاس، ومجاهد، وعكرمة، والسديّ، وعمر بن عبد العزيز، والنخَعي، وعطاء، الخراساني، ويبعده أنّ سياق الآيات يقتضي أنّها نزلت في نسق واحد فيبعد أن يكون آخرها نسخاً لأوّلها.
وقوله: {وإنْ حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط} أي بالعدل. والعدل: الحكم الموافق لشريعة الإسلام. وهذا يحتمل أنّ الله نهى رسوله عن أن يحكم بينهم بما في التّوراة لأنّها شريعة منسوخة بالإسلام. وهذا الّذي رواه مالك. وعلى هذا فالقصّة الّتي حكّموا فيها رسول الله لم يحكم فيها الرسول على الزانيين ولكنّه قَصَر حكمه على أن بيّن لليهود حقيقة شرعهم في التّوراة، فاتّضح بطلان ما كانوا يحكمون به لعدم موافقته شرعهم ولا شرْع الإسلام؛ فهو حُكم على اليهود بأنّهم كتموا. ويكون مَا وقع في حديث « الموطأ» والبخاري: أنّ الرجل والمرأة رُجما، إنّما هو بحكم أحبارهم. ويحتمل أنّ الله أمره أن يحكُم بينهم بما في التّوراة لأنّه يوافق حكم الإسلام؛ فقد حكم فيه بالرجم قبل حدوث هذه الحادثة أو بعدها. ويحتمل أنّ الله رخّص له أن يحكم بينهم بشرعهم حين حكَّموه. وبهذا قال بعض العلماء فيما حكاه القرطبي. وقائل هذا يقول: هذا نُسخ بقوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49]، وهو قول جماعة من التّابعين. ولا داعي إلى دعوى النسخ، ولعلّهم أرادوا به ما يشمل البيان، كما سنذكره عند قوله: {فاحكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 48].
والّذي يستخلص من الفقه في مسألة الحكم بين غير المسلمين دون تحكيم: أنّ الأمّة أجمعت على أنّ أهل الذمّة داخلون تحت سلطان الإسلام، وأنّ عهود الذمّة قضت بإبقائهم على ما تقتضيه مللهم في الشؤون الجارية بين بعضهم مع بعض بما حددتْ لهم شرائعهم. ولذلك فالأمور الّتي يأتونها تنقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأوّل: ما هو خاصّ بذات الذمّيّ من عبادته كصلاته وذبحه وغيرها ممّا هو من الحلال والحرام. وهذا لا اختلاف بين العلماء في أنّ أيمّة المسلمين لا يتعرّضون لهم بتعطيله إلاّ إذا كان فيه فساد عامّ كقتل النّفس.
القسم الثّاني: ما يجري بينهم من المعاملات الراجعة إلى الحلال والحرام في الإسلام، كأنواع من الأنكحة والطلاق وشرب الخمر والأعمال الّتي يستحلّونها ويحرّمها الإسلام. وهذه أيضاً يقرّون عليها، قال مالك: لا يقام حَدّ الزنا على الذميّين، فإن زنى مسلم بكتابية يحدّ المسلم ولا تحدّ الكتابية. قال ابن خُويز منداد: ولا يُرسل الإمام إليهم رسولاً ولا يُحضِر الخصمَ مجلسه.
القسم الثّالث: ما يتجاوزهم إلى غيرهم من المفاسد كالسرقة والاعتداء على النفوس والأعراض. وقد أجمع علماء الأمّة على أنّ هذا القسم يجري على أحكام الإسلام، لأنّا لم نعاهدهم على الفسادِ، وقد قال تعالى: {والله لا يحبّ الفساد} [البقرة: 205]، ولذلك نمنعهم من بيع الخمر للمسلمين ومن التظاهر بالمحرّمات.
القسم الرّابع: ما يجري بينهم من المعاملات الّتي فيها اعتداء بعضهم على بعض: كالجنايات، والديون، وتخاصم الزوجين. فهذا القسم إذا تراضوا فيه بينهم لا نتعرّض لهم، فإن استعدى أحدهم على الآخر بحاكم المسلمين. فقال مالك: يقضي الحاكم المسلم بينهم فيه وجوباً، لأنّ في الاعتداء ضرباً من الظلم والفساد، وكذلك قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمّد، وزفر. وقال أبو حنيفة: لا يَحكم بينهم حتّى يتراضى الخصمان معاً.
الأولى : قوله تعالى : " سماعون للكذب " كرره تأكيدا وتفخيما ، وقد تقدم{[5608]} .
الثانية : وقوله تعالى : " أكالون للسحت " على التكثير . والسحت في اللغة أصله الهلاك والشدة ، قال الله تعالى : " فيسحتكم بعذاب " {[5609]} . وقال الفرزدق :
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع *** من المال إلا مُسْحَتًا{[5610]} أو مجلف{[5611]}
كذا الرواية . أو مجلف بالرفع عطفا على المعنى ؛ لأن معنى لم يدع لم يبق . ويقال للحالق : اسحت أي استأصل . وسمي المال الحرام سحتا لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها . وقال الفراء : أصله كلب الجوع ، يقال رجل مسحوت المعدة أي أكول ؛ فكأن بالمسترشي وآكل الحرام من الشره إلى ما يعطى مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم . وقيل : سمي الحرام سحتا لأنه يسحت مروءة الإنسان .
قلت : والقول الأول أولى ؛ لأن بذهاب الدين تذهب المروءة ، ولا مروءة لمن لا دين له . قال ابن مسعود وغيره : السحت الرشا . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : رشوة الحاكم من السحت . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به ) قالوا : يا رسول الله ، وما السحت ؟ قال : ( الرشوة في الحكم ) . وعن ابن مسعود أيضا أنه قال : السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي إليه هدية فيقبلها . وقال ابن خويز منداد : من السحت أن يأكل الرجل بجاهه ، وذلك أن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها . ولا خلاف بين السلف أن أخذ الرشوة على إبطال حق أو ما لا يجوز سحت حرام . وقال أبو حنيفة : إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت وإن لم يعزل ، وبطل كل حكم حكم به بعد ذلك .
قلت : وهذا لا يجوز أن يختلف فيه إن شاء الله ؛ لأن أخذ الرشوة منه فسق ، والفاسق لا يجوز حكمه . والله أعلم .
وقال عليه الصلاة والسلام : ( لعن اله الراشي والمرتشي ) . وعن علي رضي الله عنه أنه قال : السحت الرشوة وحلوان{[5612]} الكاهن والاستجعال في القضية{[5613]} . وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له : الرشوة حرام في كل شيء ؟ فقال : لا ، إنما يكره من الرشوة أن ترشي لتعطي ما ليس لك ، أو تدفع حقا فد لزمك ، فأما أن ترشي لتدفع عن دينك ودمك ومالك فليس بحرام . قال أبو الليث السمرقندي الفقيه : وبهذا نأخذ ، لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة . وهذا كما روي عن عبدالله بن مسعود أنه كان بالحبشة فرشا دينارين وقال : إنما الإثم على القابض دون الدافع . قال المهدوي : ومن جعل كسب الحجام ومن ذكر معه سحتا فمعناه أنه يسحت مروءة آخذه .
قلت : الصحيح في كسب الحجام أنه طيب ، ومن أخذ طيبا لا تسقط مروءته ولا تنحط مرتبته . وقد روى مالك عن حميد الطويل عن أنس أنه قال : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حجمه أبو طيبة فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم{[5614]} بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه . قال ابن عبدالبر : هذا يدل على أن كسب الحجام طيب ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجعل ثمنا ولا جعلا ولا{[5615]} عوضا لشيء من الباطل . وحديث أنس هذا ناسخ لما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم من ثمن الدم ، وناسخ لما كرهه من إجارة الحجام . وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره ، ولو كان سحتا لم يعطه . والسُّحُت والسُّحْت لغتان قرئ بهما ، قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي بضمتين ، والباقون بضم السين وحدها . وروى العباس بن الفضل عن خارجة بن مصعب عن نافع " أكالون للسحت " بفتح السين وإسكان الحاء وهذا مصدر من سحته ، يقال : أسحت وسحت بمعنى واحد . وقال الزجاج : سحته ذهب به قليلا قليلا .
قوله تعالى : " فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " هذا تخيير من الله تعالى ، ذكره القشيري . وتقدم معناه أنهم كانوا أهل موادعة لا أهل ذمة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وادع اليهود . ولا يجب علينا الحكم بين الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة ، بل يجوز الحكم إن أردنا . فأما أهل الذمة فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا ؟ قولان للشافعي ، وإن ارتبطت الخصومة بمسلم يجب الحكم . قال المهدوي : أجمع العلماء على أن على الحاكم أن يحكم بين المسلم والذمي . واختلفوا في الذميين ، فذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة وأن الحاكم مخير ، روي ذلك عن النخعي والشعبي وغيرهما ، وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما ، سوى ما روي عن مالك في ترك إقامة الحد على أهل الكتاب في الزنى ، فإنه إن زنى المسلم بالكتابية حد ولا حد عليها ، فإن كان الزانيان ذميين فلا حد عليهما ، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وغيرهما . وقد روي عن أبي حنيفة أيضا أنه قال : يجلدان ولا يرجمان . وقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وغيرهم : عليهما الحد إن أتيا راضيين بحكمنا . قال ابن خويز منداد : ولا يرسل الإمام إليهم إذا استعدى بعضهم على بعض ، ولا يحضر الخصم مجلسه إلا أن يكون فيما يتعلق بالمظالم التي ينتشر منها الفساد كالقتل ونهب المنازل وأشباه ذلك ، فأما الديون والطلاق وسائر المعاملات فلا يحكم بينهم إلا بعد التراضي ، والاختيار له ألا يحكم ويردهم إلى حكامهم . فإن حكم بينهم حكم بحكم الإسلام . وأما إجبارهم على حكم المسلم فيما ينتشر منه الفساد فليس على الفساد عاهدناهم ، وواجب قطع الفساد عنهم ، منهم ومن غيرهم ؛ لأن في ذلك حفظ أموالهم ودمائهم ، ولعل في دينهم استباحة ذلك فينتشر منه الفساد بيننا ؛ ولذلك منعناهم أن يبيعوا الخمر جهارا وأن يظهروا الزنى وغير ذلك من القاذورات ؛ لئلا يفسد بهم سفهاء المسلمين . وأما الحكم فيما يختص به دينهم من الطلاق والزنى وغيره فليس يلزمهم أن يتدينوا بديننا ، وفي الحكم بينهم بذلك{[5616]} إضرار بحكامهم وتغيير ملتهم ، وليس كذلك الديون والمعاملات ؛ لأن فيها وجها من المظالم وقطع الفساد . والله أعلم . وفي الآية قول ثان : وهو ما روي عن عمر بن عبدالعزيز والنخعي أيضا أن التخيير المذكور في الآية منسوخ بقوله تعالى : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " وأن على الحاكم أن يحكم بينهم ، وهو مذهب عطاء الخراساني وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم . وروي عن عكرمة أنه قال : " فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " نسختها آية أخرى " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " [ المائدة : 49 ] . وقال مجاهد : لم ينسخ من " المائدة " إلا آيتان ، قوله : فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " نسختها " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " ؛ وقوله : " لا تحلوا شعائر الله{[5617]} " [ المائدة : 2 ] نسختها " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم{[5618]} " [ التوبة : 5 ] . وقال الزهري : مضت السنة أن يرد أهل الكتاب في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم ، إلا أن يأتوا راغبين في حكم الله فيحكم بينهم بكتاب الله . قال السمرقندي : وهذا القول يوافق قول أبي حنيفة أنه لا يحكم بينهم ما لم يتراضوا بحكمنا . وقال النحاس في " الناسخ والمنسوخ " له قوله تعالى : " فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " منسوخ ؛ لأنه إنما نزل أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود فيها يومئذ كثير ، وكان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا إلى أحكامهم ، فلما قوي الإسلام أنزل الله عز وجل " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " . وقاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن عبدالعزيز والسدي ، وهو الصحيح من قول الشافعي ؛ قال في كتاب الجزية : ولا خيار له إذا تحاكموا إليه ؛ لقوله عز وجل : " حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " {[5619]} [ التوبة : 29 ] . قال النحاس : وهذا من أصح الاحتجاجات ؛ لأنه إذا كان معنى قوله : " وهم صاغرون " أن تجرى عليهم أحكام المسلمين وجب ألا يردوا إلى أحكامهم ، فإذا وجب هذا فالآية منسوخة . وهو أيضا قول الكوفيين أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد ، لا اختلاف بينهم إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإمام أنه ليس له أن يعرض عنهم ، غير أن أبا حنيفة قال : إذا جاءت المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهم بالعدل ، وإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم . وقال الباقون : يحكم ، فثبت أن قول أكثر العلماء أن الآية منسوخة مع ما ثبت فيها من توقيف ابن عباس ، ولو لم يأت الحديث عن ابن عباس لكان النظر يوجب أنها منسوخة ؛ لأنهم قد أجمعوا أن أهل الكتاب إذا تحاكموا إلى الإمام فله أن ينظر بينهم ، وأنه إذا نظر بينهم مصيب عند الجماعة ، وألا يعرض عنهم فيكون عند بعض العلماء تاركا فرضا ، فاعلا ما لا يحل له ولا يسعه . قال النحاس : ولمن قال بأنها منسوخة من الكوفيين قول آخر ، منهم من يقول : على الإمام إذا لم من أهل الكتاب حدا من حدود الله عز وجل أن يقيمه وإن لم يتحاكموا إليه ويحتج بأن قول الله عز وجل : " وأن احكم بينهم " يحتمل أمرين : أحدهما : وأن احكم بينهم إذا تحاكموا إليك . والآخر : وأن احكم بينهم وإن لم يتحاكموا إليك - إذا علمت ذلك منهم - قالوا : فوجدنا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يوجب إقامة الحق عليهم وإن لم يتحاكموا إلينا ، فأما ما في كتاب الله فقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " {[5620]} [ النساء : 135 ] . وأما ما في السنة فحديث البراء بن عازب قال : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي قد جلد وحمم فقال : ( أهكذا حد الزاني عندكم ) فقالوا : نعم . فدعا رجلا من علمائهم فقال : ( سألت بالله أهكذا حد الزاني فيكم ) فقال : لا . الحديث ، وقد تقدم . قال النحاس : فاحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بينهم ولم يتحاكموا إليه في هذا الحديث . فإن قال قائل : ففي حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل له : ليس في حديث مالك أيضا أن اللذين زنيا رضيا بالحكم وقد رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو عمر بن عبدالبر : لو تدبر من احتج بحديث البراء لم يحتج ؛ لأن في درج الحديث تفسير قوله عز وجل : " إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا " [ المائدة : 41 ] يقول : إن أفتاكم بالجلد والتحميم فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، دليل على أنهم حكموه . وذلك بين في حديث ابن عمر وغيره . فإن قال قائل : ليس في حديث ابن عمر أن الزانيين حكما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رضيا بحكمه . قيل له : حد الزاني حق من حقوق الله تعالى على الحاكم إقامته . ومعلوم أن اليهود كان لهم حاكم يحكم بينهم ، ويقيم حدودهم عليهم ، وهو الذي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم . والله أعلم .
قوله تعالى : " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط " روى النسائي عن ابن عباس قال كان قريظة والنضير ، وكان النضير أشرف من قريظة ، وكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به ، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ودى مائة وسق{[5621]} من تمر ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا : ادفعوه إلينا لنقتله ، فقالوا : بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط " النفس بالنفس ، ونزلت : " أفحكم الجاهلية يبغون " [ المائدة : 50 ] .
قوله تعالى : { سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ( 42 ) وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين } .
كرر قوله : { سماعون للكذب } على سبيل التأكيد والتفخيم . والمراد بالكذب هنا الدعوى الباطلة وما كان يفتريه الأحبار من أكاذيب وتحريف للتوراة . أما السحت فالأصل فيه أنه الهلاك والاستئصال . أسحت أي استأصل . والمراد هنا بالسحت المال الحرام أو ما خبث من المكاسب فيلزم عنه العار . وقد سمي سحتا ، لأنه يسحت الطاعات ويسحت البركة أي يذهبها ويستأصلها{[971]}وقيل : سمي الحرام سحتا ، لأنه يسحت مروءة الإنسان . فإنه بذهاب الدين تذهب المروءة ، ولا مروءة لمن ليس له دين . وقيل : المراد به هنا الرشوة في الحكم . وفي الحديث عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل لحم نبث من سحت فالنار أولى به " قيل : يا رسول الله . وما السحت ؟ قال : " الرشوة في الحكم " . وأخرج عبد الرزاق عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هدايا الأمراء سحت " وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي ؟ قال : لا . ولكن كفر . إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية .
وذكر الرازي في قوله : { سماعون للكذب أكالون للسحت } ثلاثة وجوه :
الأول : كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلا في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه . فكان يسمع الكذب ويأكل السحت . وهو قول الحسن .
الثاني : قال بعضهم : كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي يأخذونه منهم .
الثالث : سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة ، أكالون للربا{[972]} .
قوله : { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } هذا تخيير من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بين الحكم في أهل الذمة من اليهود أو الإعراض عنهم . أي إن جاءك هؤلاء متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من الخصومات { فاحكم بينهم } أي بما أراك الله { أو أعرض عنهم } من غير أن تعبأ بهم أو تكثرت ، فهذا تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم بين الحكم بين أهل الذمة لدى تحاكمهم إلينا ، والإعراض عنهم . فالآية على هذا التأويل محكمة لم ينسخها ناسخ . وهو قول فريق من التابعين .
وقيل : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } وقد روي النسخ عن ابن عباس . وقال به أكثر السلف . وهو مذهب الحنفية والشافعية وآخرين . قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أولا مخيرا بين الأمرين ، ثم أمره الله بإجراء الأحكام عليهم . قال النحاس في " الناسخ والمنسوخ " قوله تعالى : { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } منسوخ ، لأنه إنما نزل أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود فيها يومئذ كثير . وكان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا إلى أحكامهم . فلما قوي الإسلام أنزل الله عز وجل { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } وقال الشافعي في كتاب " الجزية " : ولا خيار له إذا تحاكموا إليه ، لقوله عز وجل : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون } أي أن من مقتضى صغارهم إجراء أحكام المسلمين عليهم . فإذا وجب ذلك كانت الآية منسوخة .
وعلى هذا وجب أن تجري على أهل الذمة أحكام الشريعة الإسلامية . ومن أقوال الحنفية في هذا المعنى : أهل الذمة محملون على أحكام الإسلام في البيوع والمواريث وسائر العقود إلا في بيع الخمر والخنزير فإنهم يقرون عليه ويمنعون من الزنا كالمسلمين فإنهم نهوا عنه .
قوله : { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } قال صاحب الكشاف في تأويل ذلك : كانوا لا يتحاكمون إليه لطلب الأيسر والأهون عليهم كالجلد مكان الرجم . فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم وتكرهوا إعراضه عنهم وكانوا خلقاء بإن يعادوه ويضاروه فأمن الله سربه{[973]} .
قوله : { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } روي عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية : كانت قريظة والنضير . وكان النضير أشرف من قريظة ، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به ، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة أدى مائة وسق وتمر ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ، فقالوا : ادفعوه إلينا فقالوا : بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } {[974]} .
وفي الآية يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين أهل الكتاب بالعدل . والعدل بتمامه وكماله ما تضمنه شريعة الإسلام . الشريعة الربانية المميزة القائمة على الحق والعدل .
والله جلت قدرته يحب الذين يحكمون بين الناس بالحق والعدل والنصفة . أولئك سينالهم من الله فضل وجزاء كريم فوق ما ينالهم من عاطر الذكر والسيرة مما يستجيش القلوب والألسن أن تديم الثناء والدعاء للمقسطين بالخير .