جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"قُلْ" يا محمد لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يتعرّون عند طوافهم بالبيت، ويحرّمون على أنفسهم ما أحللت لهم من طيبات الرزق: "مَنْ حَرّمَ "أيها القوم عليكم "زِينَةَ اللّهِ" التي خلقها لعباده أن تتزينوا بها وتتجملوا بلباسها، والحلال من رزق الله الذي رزق خلقه لمطاعمهم ومشاربهم.
واختلف أهل التأويل في المعني بالطيبات من الرزق بعد إجماعهم على أن الزينة ما قلنا؛ فقال بعضهم: الطيبات من الرزق في هذا الموضع: اللحم، وذلك أنهم كانوا لا يأكلونه في حال إحرامهم...
وقال آخرون: بل عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرّم من البحائر والسوائب... "قُلْ هِيَ للّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدّنْيا خالِصَة يَوْمَ القِيامَةِ" يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء الذين أمرتك أن تقول لهم "مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطّيّباتِ مِن الرّزْقِ" إذ عيوا بالجواب فلم يدروا ما يجيبونك: زينة الله التي أخرج لعباده، وطيبات رزقه للذين صدّقوا الله ورسوله، واتبعوا ما أنزل إليك من ربك في الدنيا، وقد شركهم في ذلك فيها من كفر بالله ورسوله وخالف أمر ربه، وهي للذين آمنوا بالله ورسوله خالصة يوم القيامة، لا يشركهم في ذلك يومئذ أحد كفر بالله ورسوله وخالف أمر ربه...
"كَذَلِكَ نُفَصّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" يقول تعالى ذكره: كما بينت لكم الواجب عليكم في اللباس والزينة والحلال من المطاعم والمشارب والحرام منها، وميزت بين ذلك لكم أيها الناس، كذلك أبين جميع أدلتي وحججي وأعلام حلالي وحرامي وأحكامي لقوم يعلمون ما يبين لهم ويفقهون ما يميز لهم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
...في قوله تعالى: {قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} دليل إباحة الزينة والتّناول من الطيبات. وقد يحتمل أن يكون خرّج على النهي والإنكار على ما كان يفعله أهل الشرك من نحو تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة، فقال: {قل من حرّم} ما حرّمتم إذا لم يحرّمه الله؟ ألا ترى أنه قال: {قل إنما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن}؟ [الأعراف: 33] يقول، والله أعلم، لم يحرّم ما حرّمتموه من هذه الأشياء، ولكن حرّم الفواحش وما ذكر. [وأمّا] جوابهم أنهم ماذا يقولون؟ فهو يخرّج على وجهين: إن قالوا: حرّم الله: قيل لهم: متى حرّم، وأنتم قوم لا تؤمنون بالرسل والكتب؟ وإن قالوا: حرّم فلان قيل: كيف صدّقتم فلانا في تحريم ذلك، ولا تصدّقون الرسل في ما يخبرون عن الله تعالى مع ظهور صدقهم؟ يذكر سفههم في ذلك. وقوله تعالى: {قل من حرّم زينة الله} كأنه يقول: ليس لأحد تحريم ما ذكرنا إنما التحريم إلى الله، وإنما حرّم ما ذكر... {لقوم يعلمون} أي لقوم ينتفعون بعلمهم...
...والطيبات من الرزق قيل فيه وجهان، أحدهما: ما استطابه الإنسان واستلذّه من المأكول والمشروب، وهو يقتضي إباحة سائر المأكول والمشروب إلا ما قامت دلالة تحريمه. والثاني: الحلال من الرزق...
قوله تعالى: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ}. يعني أن الله تعالى أباحها وهي خالصة يوم القيامة لهم من شوائب التنغيص والتكدير. وقيل: هي خالصة لهم دون المشركين...
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: خالصة من مضرة أو مأثم.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
" كذلك نفصل الآيات "أي كما نميز لكم الآيات وندلكم بها على منافعكم وصلاح دينكم، كذلك نفصل الآيات لكل عاقل يعلم معناها ودلالتها...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{خُذُواْ زِينَتَكُمْ} أي ريشكم ولباس زينتكم {عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ} كلما صليتم أو طفتم وكانوا يطوفون عراة. وعن طاوس، لم يأمرهم بالحرير والديباج، وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد، وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت عنه، لأنهم قالوا: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، وقيل: تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب...
والسنّة أن يأخذ الرجل أحسن هيئته للصلاة، وكان بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلاّ قوتاً، ولا يأكلون دسماً يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: فإنا أحق أن نفعل، فقيل لهم: كلوا واشربوا ولا تسرفوا. وعن ابن عباس رضي الله عنه: "كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{زينة الله} هي ما حسنته الشريعة وقررته. وزينة الدنيا هي كل ما اقتضته الشهوة وطلب العلو في الأرض كالمال والبنين، وقوله: {والطيبات} قال الجمهور يريد المحللات، وقال الشافعي وغيره يريد المستلذات...إلا أن ذلك ولا بد يشترط فيه أن يكون من الحلال،...
... يتناول جميع أنواع الزينة، فيدخل تحت الزينة جميع أنواع التزيين، ويدخل تحتها تنظيف البدن من جميع الوجوه، ويدخل تحتها المركوب، ويدخل تحتها أيضا أنواع الحلي، لأن كل ذلك زينة، ولولا النص الوارد في تحريم الذهب والفضة والإبريسم على الرجال لكان ذلك داخلا تحت هذا العموم، ويدخل تحت الطيبات من الرزق، كل ما يستلذ ويشتهى من أنواع المأكولات والمشروبات، ويدخل أيضا تحته التمتع بالنساء وبالطيب.
محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :
قال المهايمي: يعني إن زعموا أن التزين والتلذذ ينافيان التذلل الذي هو العبادة، فيحرمان معها، فأعلمهم أنه قد أخرجها لعباده الذين خلقهم لعبادته ليتزينوا بها حال العبادة، فعل عبيد الملوك إذا حضروا خدمتهم، ولا ينافي ذلك تذللهم لهم، وكذلك الطيبات التي خلقها لتطييب قلوب عباده ليشكروه، والشكر عبادة، فلا ينافي التلذذ العبادة، بل قد يكون داعية إليها. انتهى...
" والطيبات من الرزق": قال المهايمي: إنما خلقت للمؤمنين ليعلموا بها لذات الآخرة، فيرغبوا فيها مزيد رغبة، لكن شاركهم الكفرة فيها لئلا يكون هذا الفرق ملجئا له إلى الإيمان. فإذا ذهب هذا المعنى، تصير خالصة لهم يوم القيامة، فلو حرمت على المؤمنين لكانت مخلوقة للكافرين، وهو خلاف مقتضى الحكمة. وإن خلقت للمؤمنين فأولى أوقات الانتفاع بها وقت جريانهم على مقتضى الإيمان، وهو العبادة والتقوى، ولكن من غير انهماك في الشهوات...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
حرمت العرب في جاهليتها زينة اللباس في الطواف تعبدا وقربة، وحرم بعضهم أكل بعض الطيبات من الأدهان وغيرها في حال الإحرام بالحج كذلك، وحرموا من الحرث والأنعام ما بينه تعالى في سورة الأنعام، وحرم غيرهم من الوثنيين وأهل الكتاب كثيرا من الطيبات والزينة كذلك. فجاء دين الفطرة الجامع بين مصالح البشر في معاشهم ومعادهم، المطهر المربي لأرواحهم وأجسادهم ينكر هذا التحكم والظلم للنفس...
ولقد كانت غريزة حب الزينة وغريزة حب الطيبات من الرزق سببا لتوسع البشر في أعمال الفلاحة والزراعة وما يرقيها من فنون الصناعة وسائر وسائل العمران وإظهار عجائب علم الله وحكمته وقدرته في العالم، ورحمته وإحسانه بالخلق، ولو وقف الإنسان عند حد ما تنبت به الأرض من الغذاء لحفظ حياة أفراده الشخصية وبقاء حياته النوعية كسائر أنواع الحيوان لما وجد شيء من هذه العلوم والفنون والأعمال...
وقد كان تقشف بعض السلف عن قلة، وتقشف بعضهم لأجل القدوة، وإنما الزهد في القلب فلا ينافيه الاعتدال في الزينة وطيبات الأكل والشرب ولا كثرة المال، إذا أنفق في مصالح الأمة وتربية العيال.
{كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون} أي من شأنهم العلم بأمثال هذه الأحكام وحكمها ولو بعد خطابهم بها، وقد سبق مثل هذا التعبير، والمعنى أن هذا التفصيل لحكم الزينة والطيبات الذي ضل فيه أفراد وأمم كثيرة من البشر إفراطا وتفريطا لا يعقله إلا القوم الذين يعلمون سنن الاجتماع وطبائع البشر ومصالحهم وطرق الحضارة الشريفة فيهم، وقد فصلها تعالى لهم بهذه الآيات الموافق هديها لفطرة الله التي فطر الناس عليها على لسان نبيه الأمي الذي لم يكن يعرف شيئا من تاريخ البشر في بداوتهم وحضارتهم وإفراطهم وتفريطهم فيهما قبل أن أنزل الله تعالى عليه كتابه الحكيم تبيانا لكل شيء يحتاجون إليه في سعادتهم فكان هذا التفصيل من الآيات العلمية على نبوته صلى الله عليه وسلم لأنه خلاصة علوم كثيرة فاصلة بين النافع والضار. ما كان لمثله أن يعلمها بذكائه. وإنما هي وحي الله له.
نعم هكذا كان، فلولا القرآن لما خرجت العرب من ظلمات جاهليتها وبداوتها ووثنيتها إلى ذلك النور الذي صلحت به وأصلحت أمما كثيرة بالدين والعلوم والفنون والآداب بما أحيت من علوم الأوائل وفنونها وأصلحت من مفاسدها فصدق عليهم تعريف الدين المشهور بأنه: وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم إلى ما فيه نجاحهم في الحال، وفلاحهم في المآل، أو إلى سعادة الدارين.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
..وهذا التوسيع من اللّه لعباده بالطيبات، جعله لهم ليستعينوا به على عبادته، فلم يبحه إلا لعباده المؤمنين، ولهذا قال: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: لا تبعة عليهم فيها. ومفهوم الآية أن من لم يؤمن باللّه، بل استعان بها على معاصيه، فإنها غير خالصة له ولا مباحة، بل يعاقب عليها وعلى التنعم بها، ويُسأل عن النعيم يوم القيامة...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
استئناف معتَرَض بين الخطابات المحكيّة والموجّهة، وهو موضع إبطال مزاعم أهل الجاهليّة فيما حرّموه من اللّباس والطّعام وهي زيادة تأكيد لإباحة التستر في المساجد، فابتدئ الكلام السابق بأنّ اللباس نعمة من لله. وثني بالأمر بإيجاب التستر عند كل مسجد، وثلث بإنكار أن يوجد تحريم اللباس وافتتاح الجملة ب {قل} دلالة على أنّه كلام مسوق للردّ والإنكار والمحاورة.
والاستفهام إنكاري قصد به التّهكّم إذ جعلهم بمنزلة أهل علم يطلب منهم البيان والإفادة نظير قوله: {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} [الأنعام: 148] وقوله {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} [الأنعام: 143] وقرينة التّهكّم: إضافة الزّينة إلى اسم الله، وتعريفها بأنّها أخرجها الله لعباده، ووصفُ الرّزق بالطّيبات، وذلك يقتضي عدم التّحريم، فالاستفهام يؤول أيضاً إلى إنكار تحريمها.
ولوضوح انتفاء تحريمها، وأنّه لا يقوله عاقل، وأنّ السؤال سؤال عالم لا سؤال طالب علم، أُمر السّائل بأن يجيب بنفسه سؤَالَ نفسِه، فعُقب ما هو في صورة السؤال بقوله: {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا} على طريقة قوله: {قل لمن ما في السموات والأرض قل لله} في سورة الأنعام (12)، وقوله {عم يتساءلون عن النبإ العظيم} [النبأ: 1، 2] فآل السؤال وجوابه إلى خبرين.
وضمير: {هي} عائد إلى الزينة والطّيبات بقطع النّظر عن وصْف تحريم من حرّمها، أي: الزّينةُ والطّيبات من حيث هي هي حلال للذين آمنوا فمن حرّمها على أنفسهم فقد حَرَمُوا أنفسهم.
واللاّم في: {للذين آمنوا} لام الاختصاص وهو يدلّ على الإباحة، فالمعنى: ما هي بحرام ولكنّها مباحة للذين آمنوا، وإنّما حَرَم المشركون أنفسهم من أصناف منها في الحياة الدّنيا كلّها مثل البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وما في بطونها، وحَرَم بعض المشركين أنفسهم من أشياء في أوقات من الحياة الدّنيا ممّا حرّموه على أنفسهم من اللّباس في الطّواف وفي منى، ومن أكل اللّحوم والودَك والسّمن واللّبن، فكان الفوز للمؤمنين إذ اتّبعوا أمر الله بتحليل ذلك كلّه في جميع أوقات الحياة الدّنيا.
وقوله: {خالصة يوم القيامة} قرأه نافع، وحده: برفع خالصة على أنّه خبر ثان عن قوله: {هي} أي: هي لهم في الدّنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة، وقرأه باقي العشرة: بالنّصب على الحال من المبتدأ أي هي لهم الآن حال كونها خالصة في الآخرة ومعنى القراءتين واحد، وهو أنّ الزّينة والطّيّبات تكون خالصة للمؤمنين يوم القيامة.
والأظهر أنّ الضّمير المستتر في {خالصة} عائد إلى الزّينة والطّيبات الحاصلة في الحياة الدّنيا بعينها، أي هي خالصة لهم في الآخرة، ولا شكّ أنّ تلك الزّينة والطّيّبات قد انقرضت في الدّنيا، فمعنى خلاصها صفاؤها، وكونه في يوم القيامة: هو أنّ يوم القيامة مظهر صفائِها أي خلوصها من التّبعات المنجرّة منها، وهي تبعات تحريمها، وتبعات تناول بعضها مع الكفر بالمنعِم بها، فالمؤمنون لمّا تناولوها في الدّنيا تناولوها بإذن ربّهم، بخلاف المشركين فإنّهم يسألون عنها فيعاقبون على ما تناولوه منها في الدّنيا، لأنّهم كفروا نعمة المنعِم بها، فأشركوا به غيره كما قال تعالى فيهم: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] وإلى هذا المعنى يشير تفسير سعيد بن جبير، والأمر فيه على قراءة رفع: {خالصة} أنّه إخبار عن هذه الزّينة والطّيبات بأنّها لا تعقب المتمتّعين بها تبعات ولا أضراراً، وعلى قراءة النّصب فهو نصب على الحال المقدرة.
ويحتمل أن يكون الضّمير في {خالصة} عائداً إلى الزّينة والطّيبات، باعتبار أنواعها لا باعتبار أعيانها، فيكون المعنى: ولهم أمثالها يوم القيامة خالصة.
ومعنى الخلاص التّمحض وهو هنا التّمحض عن مشاركة غيرهم من أهل يوم القيامة، والمقصود أنّ المشركين وغيرهم من الكافرين لا زينة لهم ولا طيّبات من الرّزق يوم القيامة، أي أنّها في الدّنيا كانت لهم مع مشاركة المشركين إياهم فيها، وهذا المعنى مروي عن ابن عبّاس وأصحابه.
ومعنى: {كذلك نفصّل الآيات} كهذا التّفصيل المتبَدِئ من قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً} [الأعراف: 26] الآيات أو من قوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} [الأعراف: 3]. وتقدّم نظير هذا التّركيب في سورة الأنعام.
والمراد بالآيات الدّلائل الدّالة على عظيم قدرة الله تعالى، وانفراده بالإلهيّة، والدّالة على صدق رسوله محمّد صلى الله عليه وسلم إذ بيَّن فساد دين أهل الجاهليّة، وعلَّم أهل الإسلام علماً كاملاً لا يختلط معه الصّالح والفاسد من الأعمال، إذ قال: خُذوا زينتكم، وقال: {وكلوا واشربوا} [الأعراف: 31]، ثمّ قال: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف: 31]، وإذ عاقب المشركين على شركهم وعنادهم وتكذيبهم بعقاب في الدّنيا، فخذلهم حتّى وضعوا لأنفسهم شرعاً حَرَمَهم من طيّبات كثيرة وشوّه بهم بين الملإ في الحجّ بالعراء فكانوا مثَل سوءٍ ثمّ عاقبهم على ذلك في الآخرة، وإذ وفق المؤمنين لَمَّا استعدّوا لقبول دعوة رسوله فاتّبعوه، فمتّعهم بجميع الطّيبات في الدّنيا غير محرومين من شيء إلاّ أشياء فيها ضُر عَلِمه الله فحرّمها عليهم، وسلَّمهم من العقاب عليها في الآخرة.
واللاّم في قوله: {لقوم يعلمون} لام العلّة، وهو متعلّق بفعل {نفصل}، أي تفصيل الآيات لا يفهمه إلاّ قوم يعلمون، فإنّ الله لمّا فصّل الآيات يَعلم أنّ تفصيلها لقوم يعلمون، ويجوز أن يكون الجارُّ والمجرور ظرفاً مستقراً في موضع الحال من الآيات، أي حال كونها دلائل لقوم يعلمون، فإنّ غير الذين لا يعلمون لا تكون آيات لهم إذ لا يفقهونها كقوله تعالى: {إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} في سورة الأنعام (99)، أي كذلك التّفصيل الذي فَصلتُه لكم هنا نفصّل الآيات ويتجدّد تفصلينا إياها حرصا على نفع قوم يعلمون.
والمراد ب"قوم يعلمون" الثّناءُ على المسلمين الذين فهموا الآيات وشكروا عليها، والتّعريضُ بجهل وضلال عقول المشركين الذين استمرّوا على عنادهم وضلالهم، رغم ما فصّل لهم من الآيات.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
...ومما يستلفت النظر تعبير الآية الكريمة هنا بكلمة "زينة الله "على حد التعبير الوارد في آية أخرى بكلمة {فطرت الله التي فطر الناس عليها}. ف {فطرت الله} وهي الإسلام تنسجم مع {زينة الله} تمام الانسجام، والتزمت والرهبانية والحرمان إنما هي بدع ابتدعها المنحرفون عن الفطرة السليمة، من أتباع الملل والمذاهب السقيمة. وقوله تعالى هنا: {التي أخرج لعباده} تنبيه إلى أن الحكمة الإلهية فيما خلقه الله من زينة وطيبات إنما هي إكرام الإنسان بسد حاجاته الضرورية، والترفيه عليه بشتى المتع والهبات الكمالية، على حد قوله تعالى في آية أخرى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا}. وقوله تعالى: {والطيبات من الرزق} يقتضي أن الخبائث من الرزق حرام وغير حلال، ومن أجل ذلك وصف الله رسوله في كتابه بقوله: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} ومن الرزق الخبيث ما كان حاصلا عن سرقة أو اختلاس أو غصب أو كسب غير مشروع.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{خَالِصَةً}: قال الراغب في المفردات: الخالص كالصافي، إلا أن الخالص هو ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه، والصافي قد يقال لما لا شوب فيه.
الأولى - قوله تعالى : " قل من حرم زينة الله " بين أنهم حرموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم . والزينة هنا الملبس الحسن ، إذا قدر عليه صاحبه . وقيل : جميع الثياب ، كما روي عن عمر : إذا وسع الله عليكم فأوسعوا . وقد تقدم . وروي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب شيخ مالك رضي الله عنهم أنه كان يلبس كساء خز بخمسين دينارا ، يلبسه في الشتاء ، فإذا كان في الصيف تصدق به ، أو باعه فتصدق بثمنه ، وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع بمصر ممشقين{[7108]} ويقول : " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " .
الثانية - وإذا كان هذا فقد دلت الآية على لباس الرفيع من الثياب ، والتجمل بها في الجمع والأعياد ، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان . قال أبو العالية : كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا . وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه رأى حلة سيراء{[7109]} تباع عند باب المسجد ، فقال : يا رسول الله ، لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة ) . فما أنكر عليه ذكر التجمل ، وإنما أنكر عليه كونها سيراء . وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها . وكان مالك بن دينار يلبس الثياب العدنية الجياد . وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار . أين هذا ممن يرغب عنه ويؤثر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب . ويقول : " ولباس التقوى ذلك خير " [ الأعراف : 26 ] هيهات ! أترى من ذكرنا تركوا لباس التقوى ، لا والله ! بل هم أهل التقوى وأولو المعرفة والنهى ، وغيرهم أهل دعوى ، وقلوبهم خالية من التقوى . قال خالد بن شوذب : شهدت الحسن وأتاه فرقد ، فأخذه الحسن بكسائه فمده إليه وقال : يا فريقد ، يا ابن أم فريقد ، إن البر ليس في هذا الكساء ، إنما البر ما وقر في الصدر وصدقه العمل . ودخل أبو محمد ابن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن بن يسار{[7110]} وعليه جبة صوف ، فقال له أبو الحسن : يا أبا محمد ، صوفت قلبك أو جسمك ؟ صوف قلبك والبس القوهي على القوهي{[7111]} . وقال رجل للشبلي : قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع ، فمضى فرأى عليهم المرقعات والفوط ، فأنشأ يقول :
أما الخيامُ فإنَّهَا كخِيَامِهِم *** وأَرَى نساءَ الحَيِّ غيرَ نِسَائِهِ قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله : وأنا أكره ليس الفوط والمرقعات لأربعة أوجه : أحدها : أنه ليس من لبس السلف ، وإنما كانوا يرقعون ضرورة . والثاني : أنه يتضمن ادعاء الفقر ، وقد أمر الإنسان أن يظهر أثر نعم{[7112]} الله عليه . والثالث : إظهار التزهد ، وقد أمرنا بستره . والرابع : أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة . ومن تشبه بقوم فهو منهم وقال الطبري : ولقد أخطأ من أثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله . ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر . ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض شهوة النساء . وسئل بشر بن الحارث عن لبس الصوف ، فشق عليه وتبينت الكراهة في وجهه ثم قال : لبس الخزز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار . وقال أبو الفرج : وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة ، لا المترفعة ولا الدون ، ويتخيرون أجودها للجمعة والعيد وللقاء الإخوان ، ولم يكن تخير الأجود عندهم قبيحا . وأما اللباس الذي يزري بصاحبه فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر ، وكأنه لسان شكوى من الله تعالى ، ويوجب احتقار اللابس ، وكل ذلك مكروه منهي عنه . فإن قال قائل : تجويد اللباس هوى النفس وقد أمرنا بمجاهدتها ، وتزين للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق . فالجواب ليس كل ما تهواه النفس يذم ، وليس كل ما يتزين به للناس يكره ، وإنما ينهي عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو على وجه الرياء في باب الدين . فإن الإنسان يجب أن يرى جميلا . وذلك حظ للنفس لا يلام فيه . ولهذا يسرح شعره وينظر في المرآة ويسوي عمامته ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج . وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يذم . وقد روى مكحول عن عائشة قالت : كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب ، فخرج يريدهم ، وفي الدار ركوة فيها ماء ، فجعل ينظر في الماء ويسوي لحيته وشعره . فقلت : يا رسول الله ، وأنت تفعل هذا ؟ قال : ( نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال ) . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) . فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة . قال : ( إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ) . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، تدل كلها على النظافة وحسن الهيئة . وقد روى محمد بن سعد أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا مندل عن ثور عن خالد بن معدان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافر بالمشط والمرآة والدهن والسواك والكحل . وعن ابن جريج : مشط عاج يمتشط به . قال ابن سعد : وأخبرنا قبيصة بن عقبة قال حدثنا سفيان عن ربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه ويسرح لحيته بالماء . أخبرنا يزيد بن هارون حدثنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا في كل عين .
الثالثة - قوله تعالى : " والطيبات من الرزق " الطيبات اسم عام لما طاب كسبا وطعما . قال ابن عباس وقتادة : يعني بالطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي . وقيل : هي كل مستلذ من الطعام . وقد اختلف في ترك الطيبات والإعراض عن اللذات ؛ فقال قوم : ليس ذلك من القربات ، والفعل والترك يستوي في المباحات . وقال آخرون : ليس قربة في ذاته ، وإنما هو سبيل إلى الزهد في الدنيا ، وقصر الأمل فيها ، وترك التكلف لأجلها ، وذلك مندوب إليه ، والمندوب قربة . وقال آخرون : ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله : لو شئنا لاتخذنا صلاء وصلائق وصنابا ، ولكني سمعت الله تعالى يذم أقواما فقال : " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا{[7113]} " [ الأحقاف : 20 ] . ويروى " صرائق " بالراء ، وهما جميعا الجرادق{[7114]} . والصلائق ( باللام ) : ما يصلق من اللحوم والبقول . والصلاء ( بكسر الصاد والمد ) : الشواء : والصناب : الخردل بالزبيب . وفرق آخرون بين حضور ذلك كله بكلفة وبغير كلفة . قال أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي شيخ أشياخنا : وهو الصحيح إن شاء الله عز وجل ، فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه امتنع من طعام لأجل طيبه قط ، بل كان يأكل الحلوى والعسل والبطيخ والرطب ، وإنما يكره التكلف لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا عن مهمات الآخرة . والله تعالى أعلم .
قلت : وقد كره بعض الصوفية أكل الطيبات ، واحتج بقول عمر رضي الله عنه : إياكم واللحم فإن له ضراوة كضرواة{[7115]} الخمر . والجواب أن هذا من عمر قول خرج على من خشي منه إيثار التنعم في الدنيا ، والمداومة على الشهوات ، وشفاء النفس من اللذات ، ونسيان الآخرة والإقبال على الدنيا ، ولذلك كان يكتب عمر إلى عمال : إياكم والتنعم وزي أهل العجم ، واخشوشنوا . ولم يرد رضي الله عنه تحريم شيء أحله الله ، ولا تحظير ما أباحه الله تبارك اسمه . وقول الله عز وجل أولى ما امتثل واعتمد عليه . قال الله تعالى : " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " . وقال عليه السلام : ( سيد آدام الدنيا والآخرة اللحم ) . وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطبيخ بالرطب ويقول : ( يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا حر هذا ) . والطبيخ لغة في البِطيخ ، وهو من المقلوب . وقد{[7116]} مضى في " المائدة " الرد على من آثر أكل الخشن من الطعام . وهذه الآية ترد عليه وغيرها : والحمد لله .
الرابعة - قوله تعالى : " قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا " يعني بحقها من توحيد الله تعالى والتصديق له ، فإن الله ينعم ويرزق ، فإن وحده المنعم عليه وصدقه فقد قام بحق النعمة ، وإن كفر فقد أمكن الشيطان من نفسه . وفي صحيح الحديث ( لا أحد أصبر على أذى من الله يعافيهم ويرزقهم وهم يدعون له الصاحبة والولد ) . وتم الكلام على " الحياة الدنيا " .
ثم قال " خالصة " بالرفع وهي قراءة ابن عباس ونافع . " خالصة يوم القيامة " أي يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا ، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها . ومجاز الآية : قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا مع غيرهم ، وهي للمؤمنين خالصة يوم القيامة . فخالصة مستأنف على خبر مبتدأ مضمر . وهذا قول ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة والسدي وابن جريج وابن زيد . وقيل : المعنى أن هذه الطيبات الموجودات في الدنيا هي خالصة يوم القيامة ، للمؤمنين في الدنيا ، وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون فقوله : " في الحياة الدنيا " متعلق ب " آمنوا " . وإلى هذا يشير تفسير سعيد بن جبير . وقرأ الباقون بالنصب على الحال والقطع ؛ لأن الكلام قد تم دونه . ولا يجوز الوقف على هذه القراءة على " الدنيا " ؛ لأن ما بعده متعلق بقول " للذين آمنوا " حال منه ، بتقدير قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة ؛ قاله أبو علي . وخبر الابتداء " للذين آمنوا " . والعالم في الحال ما في اللام من معنى الفعل في قوله : " للذين " واختار سيبويه النصب لتقدم الظرف . " كذلك نفصل الآيات " أي كالذي فصلت لكم الحلال والحرام أفصل لكم ما تحتاجون إليه .
قوله : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } الاستفهام للإنكار ؛ إذ ينكر الله تحريم ما أحله لبعاده من الزينة ، وذلك مما يتجمل به من الثياب وغير ذلك من أصناف اللباس { التي أخرج لعباده } أي خلقها الله وسخرها لعباده كيما ينتفعوا بها سواء كان ذلك من النبات أو الحيوان أو المعادن . وكذلك ينكر الله تحريم الطيبات من الرزق ؛ فقد خلق الله لعباده سائر المستلذات مما تستطيبه النفس وتشتهيه . وقيل : المراد بالطيبات كل ما حل من المطعومات والمشروبات . ويستدل من هذه الآية على أن الأصل في الأشياء الإباحة ؛ لأن الاستفهام في الآية لإنكار تحريم الزينة وما خلقه الله لعباده من طيبات الرزق . والرزق كل ما ينتفع به والجمع الأرزاق{[1385]} ، ويستدل منها كذلك على إباحة التجمل بالرفيع من اللباس في الجمع والأعياد وعند لقاء الناس وزيارة الأصدقاء . وقد روي مكحول عن عائشة قالت : كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب فخرج يريدهم ، وفي الدار ركوة فيها ماء ، فجعل ينظر في الماء ويسوي لحيته وشعره . فقلت : يا رسول الله ، وأنت تفعل هذا ؟ قال : ( نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال ) .
واخرج مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة . قال : ( إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمط{[1386]} الناس ) . وجاء في طبقات ابن سعد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسافر بالمشط والمرآة والدهن والسواك والكحل . وغير ذلك من الآثار كثير مما يدل على النظافة والتجمل وحسن الهيئة .
قوله : { قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } أي أخبرهم يا محمد أن المسلمين يشاركون الكافرين في زينة الحياة الدنيا وفي طيباتها ، ثم تكون للمؤمنين يوم القيامة خالصة لهم من دون الكافرين . وقيل . عن زينة الله والطيبات من الرزق إنما خلقت للمؤمنين على طريق الأصالة زيادة في كرامتهم على الله فهم يأخذون بحظهم منها ما استطاعوا في حدود ما أحل الله لهم . أما الكافرون فغنما شاركوا المسلمين في طيبات الدنيا بالتبعية لهم .
قوله : { خالصة يوم القيامة } خالصة ، منصوب على الحال من ضمير { للذين } والتقدير : قل هي استقرت للذين آمنوا في حال خلوصها يوم القيامة . وقرئت خالصة بالرفع على أنها خبر ثان للمبتدأ ( هي ) {[1387]} أي بعد أن كانت الدنيا بزينتها وطيباتها مشتركة بين المؤمنين والكافرين ؛ فغنها تصير يوم القيامة خالصة للمؤمنين دون الكافرين الذين لا يستحقون حينئذ غلا النار وهوان الذل والعار .
قوله : { كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } الكاف في { كذلك } صفة لمصدر محذوف ؛ أي مثل تفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام . والمعنى : كما بين لكم الأحكام في اللباس والزينة والحلال من المطعومات والمشروبات وما حرم منها ، فغنه يبين لكم جميع أدلته وأحكامه في الحلال والحرام . وذلك كله لقوم يفقهون ما يبينه الله لهم .