تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ولكل وجهة هو موليها}...: لكل أهل ملة قبلة هم مستقبلوها، يريدون بها الله عز وجل.
{فاستبقوا الخيرات}...: سارعوا في الصالحات من الأعمال.
{أين ما تكونوا} من الأرض أنتم وأهل الكتاب.
{يأت بكم الله جميعا}: يوم القيامة.
{إن الله على كل شيء قدير}: من البعث وغيره قدير...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"ولكلّ": ولكل أهل ملة...فلليهود وجهة هو موليها وللنصارى وجهة هو موليها، وهداكم الله عزّ وجل أنتم أيتها الأمة للقبلة التي هي قبلته... عن ابن عباس قوله: "وَلِكُلَ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيها "يعني بذلك أهل الأديان، يقول: لكلّ قبلة يرضونها، ووجهُ الله تبارك وتعالى اسمه حيث توجه المؤمنون، وذلك أن الله تعالى ذكره قال: "فأيْنَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّه إنّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ".
فتأويل أهل هذه المقالة في هذه الآية: ولكل أهل ملة قبلة هو مستقبلها ومولّ وجهه إليها.
وقال آخرون: "وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيها": هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة.
وتأويل قائل هذه المقالة: ولكل ناحية وجَّهَك إليها ربك يا محمد قبلة الله عز وجل موليها عباده. وأما الوجهة فإنها مصدر مثل القِعْدة والمِشْية من التوجه، وتأويلها: متوجّه يتوجه إليها بوجهه في صلاته...
"هُوَ مُوَلّيها": هو مولّ وجهه إليها مستقبلها... ومعنى التولية هَهنا الإقبال، كما يقول القائل لغيره: انصرف إليّ، بمعنى أقبل إليّ والانصراف المستعمل إنما هو الانصراف عن الشيء، ثم يقال: انصرف إلى الشيء بمعنى أقبل إليه منصرفا عن غيره. وكذلك يقال: وليت عنه: إذا أدبرت عنه، ثم يقال: وليت إليه بمعنى أقبلت إليه موليا عن غيره. والفعل، أعني التولية في قوله: هُوَ مُوَلّيها ل«كلّ» و «هو» التي مع «موليها» هو «الكل» وُحّدت للفظ «الكل».
فمعنى الكلام إذا: ولكل أهل ملة وجهة، الكلّ منهم مولّوها وجوههم.
وقد رُوي عن ابن عباس وغيره أنهم قرأوا: «هو مُوَلاّها» بمعنى أنه موّجه نحوها، ويكون الكلام حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة الله موليه إياها، بمعنى موجهه إليها.
والصواب عندنا من القراءة في ذلك: وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيها بمعنى: ولكلّ وجهة وقبلة، ذلك الكلّ مولّ وجهه نحوها، لإجماع الحجة من القراء على قراءة ذلك كذلك وتصويبها إياها، وشذوذ من خالف ذلك إلى غيره. وما جاء به النقل مستفيضا فحجة، وما انفرد به من كان جائزا عليه السهو والخطأ فغير جائز الاعتراض به على الحجة.
"فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ": فَاسْتَبِقُوا فبادروا وسارعوا، من «الاستباق»، وهو المبادرة والإسراع... وإنما يعني بقوله: "فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ": أي قد بينت لكم أيها المؤمنون الحق وهديتكم للقبلة التي ضلت عنها اليهود والنصارى وسائر أهل الملل غيركم، فبادروا بالأعمال الصالحة شكرا لربكم، وتزوّدوا في دنياكم لأخراكم، فإني قد بينت لكم سبيل النجاة فلا عذر لكم في التفريط، وحافظوا على قبلتكم، ولا تضيعوها كما ضيعها الأمم قبلكم فتضلوا كما ضلت...
"فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ": الأعمال الصالحة.
"أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعا إنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ": في أيّ مكان وبقعة تهلكون فيه يأت بكم الله جميعا يوم القيامة، إنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وإنما حضّ الله عزّ وجلّ المؤمنين بهذه الآية على طاعته والتزوّد في الدنيا للآخرة، فقال جل ثناؤه لهم: استبقوا أيها المؤمنون إلى العمل بطاعة ربكم، ولزوم ما هداكم له من قبلة إبراهيم خليله وشرائع دينه، فإن الله تعالى ذكره يأتي بكم وبمن خالف قبلتكم ودينكم وشريعتكم جميعا يوم القيامة من حيث كنتم من بقاع الأرض، حتى يوفى المحسن منكم جزاءه بإحسانه، والمسيء عقابه بإساءته، أو يتفضل فيصفح.
وأما قوله: إنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فإنه تعالى ذكره يعني أن الله تعالى على جمعكم بعد مماتكم من قبوركم من حيث كنتم وعلى غير ذلك مما يشاء قدير، فبادروا خروج أنفسكم بالصالحات من الأعمال قبل مماتكم ليوم بعثكم وحشركم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{فاستبقوا الخيرات} قيل فيه بوجوه:
قيل بادروا الأمم السالفة بالخيرات والطاعات.
وقيل: استبقوا هو اسم الازدحام، يقول: تبادر بعضكم بعضا بالخيرات.
ويحتمل: أي استبقوا في أمر القبلة والتوجه إليها غيركم من الكفرة، والله ورسوله أعلم...
{أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا}؛
قيل: أين ما كنتم يقبض الله أرواحكم من البقاع البعيدة والأمكنة الحصنة،
وقيل: (أين ما تكونوا): في أي حال كنتم: عظاما ناخرة أو بالية او رفاتا يجمعكم الله، ويحيكم، ولا يتعذر عليه ذلك.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
قوله تعالى:"فاستبقوا الخيرات" أي إلى الخيرات، فحذف الحرف، أي بادروا ما أمركم الله عز وجل من استقبال البيت الحرام، وإن كان يتضمن الحث على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم، فالمراد ما ذكر من الاستقبال لسياق الآي. والمعنى المراد المبادرة بالصلاة أول وقتها، والله تعالى أعلم.
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
{فاستبقوا الخيرات}: هذا أمر بالبدار إلى فعل الخير والعمل الصالح. وناسب هذا أن من جعل الله له شريعة، أو قبلة، أو صلاة، فينبغي الاهتمام بالمسارعة إليها.
وكان بعضهم يفسره بمعنى ثالث وهو أن (لكلّ) شخص منّا وجهة من وجوه الخير، والله أقامه فيها، فواحد مجاهد وآخر صائم وآخر عالم وآخر حاج وآخر كثير الصدقة.
وإنما قال: {اسْتَبِقُوا} ولم يقل: اسْبَقُوا، ليتناول السابق والمسبوق فالمسبوق حينئذ يصدق عليه أنه استبق ولكنه لم يسبق، ولو قال: اسبقوا لما تناول إلا السّابق. والخيرات (تعم) الواجبات والمندوبات، وتعم من سبق بخير أو سبق غيره لخير (آخر) وإن لم (يستبقا) لشيء واحد.
محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :
تشير الآية إلى أن الناس على مذاهب عديدة وأديان متنوعة. وأن على العاقل أن يستبق إلى ما كان خيرها وأرقاها. وقد اتفق العقلاء قاطبة والفلاسفة أن دين الإسلام أرقى الأديان كلها لما حَوَى من حاجيات الكمال البشريّ، ووفّى بشؤون الاجتماع، وأسباب العمران وذرائع الرقيّ وطرق السعادتين. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه} وقوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا * ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم * فاستبقوا الخيرات * إلى الله مرجعكم جميعا فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون}...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات، فإن الاستباق إليها، يتضمن فعلها، وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها، ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات، فهو السابق في الآخرة إلى الجنات، فالسابقون أعلى الخلق درجة، والخيرات تشمل جميع الفرائض والنوافل، من صلاة، وصيام، وزكوات وحج، عمرة، وجهاد، ونفع متعد وقاصر.
ولما كان أقوى ما يحث النفوس على المسارعة إلى الخير، وينشطها، ما رتب الله عليها من الثواب قال: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيجمعكم ليوم القيامة بقدرته، فيجازي كل عامل بعمله {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
بعد أن لُقِّن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يجيب به عن قولهم {مَا وَلاَّهُم عن قبلتهم}، وبعد أن بين للمسلمين فضيلة قبلتهم وأنهم على الحق وأَيْأَسَهم من ترقب اعتراف اليهود بصحة استقبال الكعبة، ذيل ذلك بهذا التذييل الجامع لمعان سامية، طَيَّاً لبساط المجادلة مع اليهود في أمر القبلة، كما يقال في المخاطبات « دَعْ هذا» أو « عَدِّ عن هذا»، والمعنى أن لكل فريق اتجاهاً من الفهم والخشية عند طلب الوصول إلى الحق. وهذا الكلام موجه إلى المسلمين أي اتركوا مجادلة أهل الكتاب في أمر القبلة ولا يهمنكم خلافهم فإن خلاف المخالف لا يناكد حق المحق. وفيه صرف للمسلمين بأن يهتموا بالمقاصد ويعتنوا بإصلاح مجتمعهم، وفي معناه قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 177] الآية، ولذلك أعقبه بقوله: {فاستبقوا الخيرات}، فقوله: {أين ما تكونوا} في معنى التعليل للأمر باستباق الخيرات. فهكذا ترتيب الآية على هذا الأسلوب كترتيب الخُطب بذكر مقدِّمة ومقْصَد وبيانٍ لَه وتَعْلِيل وتَذْيِيل...
والوجهة حقيقتها البقعة التي يتوجه إليها فهي وزن فِعلة مؤنث فعل الذي هو بمعنى مفعول مثل ذبح، ولكونها اسم مكان لم تحذف الواو التي هي فاء الكلمة عند اقتران الاسم بهاء التأنيث لأن حذف الواو في مثله إنما يكون في فعلة بمعنى المصدر.
وتستعار الوجهة لما يهتم به المرء من الأمور تشبيهاً بالمكان الموجه إليه تشبيه معقول بمحسوس، ولفظ {وجهة} في الآية صالح للمعنيين الحقيقي والمجازي فالتعبير به كلام موجه وهو من المحاسن، وقريب منه قوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} [المائدة: 48]...
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد من الوجهة القبلة، فاستبقوا أنتم إلى الخير وهو استقبال الكعبة، وقيل المراد لكل أمة قبلة فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة فالزموا قبلتكم التي هي قبلة إبراهيم فإنكم على الخيرات، وقيل المراد هيكل قبلة فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة فالزموا قبلتكم التي هي قبلة إبراهيم، فإنكم على الخيرات، وقيل المراد لكل قوم قبلة فلا يضركم خلافهم واتركوهم واستبقوا إلى الخيرات إلى الكعبة، وقيل المراد لكل طائفة من المسلمين جهة من الكعبة سيستقبلونها. ومعاني القرآن تحمل على أجمع الوجوه وأشملها.
وقوله: {فاستبقوا الخيرات} تفريع للأمر على ما تقدم أي لما تعددت المقاصد. فالمنافسة تكون في مصادفة الحق.
والاستباق افتعال والمراد به السبق وحقه التعدية باللام إلاّ أنه توسع فيه فعدي بنفسه كقوله تعالى: {واستبقا الباب} [يوسف: 25] أو على تضمين استبقوا معنى اغتنموا. فالمراد من الاستباق هنا المعنى المجازي وهو الحرص على مصادفة الخير والإكثار منه والخيرات جمع خير على غير قياس كما قالوا سرادقات وحمامات. والمراد عموم الخيرات كلها فإن المبادرة إلى الخير محمودة ومن ذلك المبادرة بالتوبة خشية هادم اللذات وفجأة الفوات قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} [آل عمران: 133]، {والسابقون السابقون، أولئك المقربون، في جنات النعيم} [الواقعة: 10 12] ومن ذلك فضيلة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار قال تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} [الحديد: 10] وقال موسى: {وعجلت إليك رب لترضى} [طه: 84].
وقوله: {أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً} جملة في معنى العلة للأمر باستباق الخيرات ولذلك فصلت لأن العلة لا تعطف إذ هي بمنزلة المفعول لأجله، والمعنى فاستبقوا إلى الخير لتكونوا مع الذين يأتي بهم الله للرفيق الحسن لأن الله يأتي بالناس جميعاً خيرهم وشرهم و (كان) تامة أي في أي موضع توجدون من مواقع الخير ومواقع السوء.
والإتيان بالشيء جلبه وهو مجاز في لازم حقيقته فمن ذلك استعماله في القرب والطاعة.
وفي الحديث: « اللهم اهْدِ دَوْساً وأْت بها» أي اهدها وقربها للإِسلام ويستعمل في القدرة على الشيء وفي العلم به كما في قوله تعالى: {إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله} [لقمان: 16].
وتجيء أقوال في تفسير {أينما تكونوا} على حسب الأقوال في تفسير {ولكلِّ وجهة} بأن يكون المعنى تقبل الله أعمالكم في استباق الخيرات فإنه المهم، لا استقبال الجهات أو المعنى إنكم إنما تستقبلون ما يُذَكِّركم بالله فاسعوا في مرضاته بالخيرات يَعْلم الله ذلك من كل مكان، أو هو ترهيب أي في أيَّة جهة يأتِ الله بكم فيثيت ويعاقِب، أوْ هو تحريض على المبادرة بالعمل الصالح أي فأنتم صائرون إلى الله من كل مكان فبادروا بالطاعة قبل الفوت بالموت، إلى غير ذلك من الوجوه.
وقوله: {إن الله على كل شيء قدير} تذييل يناسب جميع المعاني المذكورة.
الأولى : قوله تعالى : " ولكل وجهة " الوجهة وزنها فعلة من المواجهة . والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد ، والمراد القبلة ، أي إنهم لا يتبعون قبلتك وأنت لا تتبع قبلتهم ، ولكل وجهة إما بحق وإما بهوى .
الثانية : قوله تعالى : " هو موليها " " هو " عائد على لفظ كل لا على معناه ، لأنه لو كان على المعنى لقال : هم مولوها وجوههم ، فالهاء والألف مفعول أول والمفعول الثاني محذوف ، أي هو موليها وجهه ونفسه . والمعنى : ولكل صاحب ملة قبلة ، صاحب القبلة موليها وجهه ، على لفظ كل وهو قول الربيع وعطاء وابن عباس . وقال علي بن سليمان : " موليها " أي متوليها . وقرأ ابن عباس وابن عامر " مولاها " على ما لم يسم فاعله . والضمير على هذه القراءة لواحد ، أي ولكل واحد من الناس قبلة ، الواحد مولاها أي مصروف إليها ، قاله الزجاج . ويحتمل أن يكون على قراءة الجماعة " هو " ضمير اسم الله عز وجل وإن لم يجر له ذكر ، إذ معلوم أن الله عز وجل فاعل ذلك والمعنى : لكل صاحب ملة قبلة الله موليها إياه . وحكى الطبري : أن قوما قرؤوا " ولكل وجهة " بإضافة كل إلى وجهة . قال ابن عطية : وخطأها الطبري ، وهي متجهة ، أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاَّكُمُوهَا ، ولا تعترضوا فيما أمركم بين هذه وهذه ، أي إنما عليكم الطاعة في الجميع . وقدم قول " ولكل وجهة " على الأمر في قوله : " فاستبقوا الخيرات " للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول ، وذكر أبو عمرو الداني هذه القراءة عن ابن عباس رضي الله عنهما . وسلمت الواو في " وجهة " للفرق بين عدة وزنة ، لأن جهة ظرف ، وتلك مصادر . وقال أبو علي : ذهب قوم إلى أنه مصدر شذ عن القياس فسلم . وذهب قوم إلى أنه اسم وليس بمصدر . وقال غير أبي علي : وإذا أردت المصدر قلت جهة ، وقد يقال الجهة في الظرف .
الثالثة : قوله تعالى : " فاستبقوا الخيرات " أي إلى الخيرات ، فحذف الحرف ، أي بادروا ما أمركم الله عز وجل من استقبال البيت الحرام ، وإن كان يتضمن الحث على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم ، فالمراد ما ذكر من الاستقبال لسياق الآي . والمعنى المراد المبادرة بالصلاة أول وقتها ، والله تعالى أعلم .
روى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي البدنة ثم الذي على أثره كالذي يهدي البقرة ثم الذي على أثره كالذي يهدي الكبش ثم الذي على أثره كالذي يهدي الدجاجة ثم الذي على أثره كالذي يهدي البيضة ) . وروى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أحدكم ليصلي الصلاة لوقتها وقد ترك من الوقت الأول ما هو خير له من أهله وماله ) . وأخرجه مالك عن يحيى بن سعيد قوله . وروى الدارقطني أيضا عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خير الأعمال الصلاة في أول وقتها ) . وفي حديث ابن مسعود " أول وقتها " بإسقاط " في " . وروي أيضا عن إبراهيم بن عبدالملك عن أبي محذورة عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أول الوقت رضوان الله ووسط الوقت رحمة الله وآخر الوقت عفو الله ) . زاد ابن العربي : فقال أبو بكر : رضوان الله أحب إلينا من عفوه ، فإن رضوانه عن المحسنين وعفوه عن المقصرين ، وهذا اختيار الشافعي . وقال أبو حنيفة : آخر الوقت أفضل ، لأنه وقت الوجوب . وأما مالك ففصل القول ، فأما الصبح والمغرب فأول الوقت فيهما أفضل ، أما الصبح فلحديث عائشة رضي الله عنها قالت : ( إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس ) - في رواية - ( متلففات ) . وأما المغرب فلحديث سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب ، أخرجهما مسلم . وأما العشاء فتأخيرها أفضل لمن قدر عليه . روى ابن عمر قال : مكثنا [ ذات{[1296]} ] ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة ، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده ، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك ، فقال حين خرج : ( إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة ) . وفي البخاري عن أنس قال : أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى . . . وذكر الحديث . وقال أبو برزة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب تأخيرها . وأما الظهر فإنها تأتي الناس [ على{[1297]} ] غفلة فيستحب تأخيرها قليلا حتى يتأهبوا ويجتمعوا . قال أبو الفرج : قال مالك : أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا للظهر في شدة الحر . وقال ابن أبي أويس : وكان مالك يكره أن يصلي الظهر عند الزوال ولكن بعد ذلك ، ويقول : تلك صلاة الخوارج . وفي صحيح البخاري وصحيح الترمذي عن أبي ذر الغفاري قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أبرد ) ثم أراد أن يؤذن فقال له : ( أبرد ) حتى رأينا فيء التلول ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن شدة الحر من فيح{[1298]} جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة ) . وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس . والذي يجمع ببن الحديثين ما رواه أنس أنه إذا كان الحر أبرد بالصلاة ، وإذا كان البرد عجل . قال أبو عيسى الترمذي : " وقد اختار قوم [ من أهل العلم{[1299]} ] تأخير صلاة الظهر في شدة الحر ، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق . قال الشافعي : إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان [ مسجدا{[1300]} ] ينتاب{[1301]} أهله من البعد ، فأما المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه فالذي أحب له ألا يؤخر الصلاة في شدة الحر . قال أبو عيسى : ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر هو أولى وأشبه بالاتباع ، وأما ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله أن الرخصة لمن ينتاب من البعد وللمشقة على الناس ، فإن في حديث أبي ذر رضي الله عنه ما يدل على خلاف ما قال الشافعي . قال أبو ذر : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأذن بلال بصلاة الظهر{[1302]} ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( [ يا بلال ] أبرد ثم أبرد ) . فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى ، لاجتماعهم في السفر وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد " . وأما العصر فتقديمها أفضل . ولا خلاف في مذهبنا أن تأخير الصلاة رجاء الجماعة أفضل من تقديمها ، فإن فضل الجماعة معلوم ، وفضل أول الوقت مجهول وتحصيل المعلوم أولى . قاله ابن العربي .
الرابعة : قوله تعالى : " أين ما تكونوا " شرط ، وجوابه : " يأت بكم الله جميعا " يعني يوم القيامة . " إن الله على كل شيء قدير " ثم وصف نفسه تعالى بالقدرة على كل شيء لتناسب الصفة مع ما ذكر من الإعادة بعد الموت والبلى .