الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ} (79)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ففهمناها سليمان} يعني: القضية ليس يعني به الحكم، ولو كان الحكم لقال ففهمناه، {وكلا} يعني: داود وسليمان {ءاتينا} يعني: أعطينا {حكما وعلما} يعني: الفهم والعلم، فصوب قضاء سليمان، ولم يعنف داود. {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن} يعني: يذكرن الله، عز وجل كلما ذكر داود ربه عز وجل، ذكرت الجبال ربها معه، {و} سخرنا له {الطير وكنا فاعلين} ذلك بداود.

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

سمعت زيد بن أسلم يقول: {وكلا آتينا حكما وعلما} إن الحكمة، العقل،

والذي يقع بقلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا ذا بصر، وتجد آخر ضعيفا في دنياه، عالما في أمر دينه، بصيرا به، يؤتيه الله إياه ويحرم هذا، فهذه الحكمة الفقه في دين الله...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

قوله:"فَفَهّمْناها": ففهّمنا القضية في ذلك "سُلَيْمانَ "دون داود.

"وكُلاّ آتَيْنا حُكْما وَعِلْما "يقول: وكلهم من داود وسليمان والرسل الذين ذكرهم في أوّل هذه السورة آتينا "حكما" وهو النبوة، "وعلما": يعني وعلما بأحكام الله...

"وَسَخّرْنا مَعَ دَاوُدَ الجِبالَ يُسَبّحْنَ والطّيْرَ" يقول تعالى ذكره: وسخرنا مع داود الجبال والطير يسبحن معه إذا سبح...

"وكُنّا فاعِلِينَ": وكنا قد قضينا أنا فاعلو ذلك، ومسخرو الجبال والطير في أمّ الكتاب مع داود عليه الصلاة والسلام.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 78]

قال بعض الناس: دل تخصيص سليمان بالتفهيم على أنه لم يفهم داوود ذلك. ويدل على ذلك وجوه:

أحدها: إشراكه عز وجل إياهما جميعا في الحكم والعلم وغيره حين قال: {إذ يحكمان في الحرث} وقال: {وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 79] ذكر ما كانا مشتركين فيه، وخص سليمان بالتفهيم. فدل التخصيص بالشيء على أحدهما، والإشراك في الآخر على أنه كان مخصوصا به دون الآخر.

والثاني: أن هذه الأنباء إنما ذُكرت لنا لنستفيد بها علما لم يكن. فلو لم يكن سليمان مخصوصا بالفهم دون داود لكان يفيدنا سوى الحكم والعلم، وكنا نعلم أنهما قد أوتيا حكما وعلما، وكانا يحكمان بالعلم. فإذا كان كذلك فدل التخصيص بالتفهيم لأحدهما على أن الآخر لم يكن مُفَهَّمًا ذلك، والله أعلم.

والثالث: فيه دلالة أن المجتهد إذا حكم، وأصاب الحكم، أنه إنما أصاب بتفهيم الله إياه وبتوفيقه حين أخبر أنه قد آتاهما جميعا العلم، ثم خص سليمان بالتفهيم، والتفهيم هو فعل الله حين أضاف ذلك إلى نفسه...

استدلوا بهذه الآية على جواز العمل والقضاء باجتهاد الرأي.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: لم قدمت الجبال على الطير؟ قلت: لأنّ تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدلّ على القدرة وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد والطير حيوان، إلا أنه غير ناطق...

{وَكُنَّا فاعلين} أي قادرين على أن نفعل هذا وإن كان عجباً عندكم وقيل: وكنا نفعل بالأنبياء مثل ذلك.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 78]

فِي هَذِهِ دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِ الْقَاضِي عَمَّا حَكَمَ بِهِ، إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِهِ، وَهَكَذَا فِي رِسَالَةِ عُمَرَ إلَى أَبِي مُوسَى، فَأَمَّا أَنْ يَنْظُرَ قَاضٍ فِيمَا حَكَمَ بِهِ قَاضٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَدَاعَى إلَى مَا لَا آخِرَ لَهُ، وَفِيهِ مَضَرَّةٌ عُظْمَى من جِهَةِ نَقْضِ الْأَحْكَامِ، وَتَبْدِيلِ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ، وَعَدَمِ ضَبْطِ قَوَانِينِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ من الْخُلَفَاءِ إلَى نَقْضِ مَا رَآهُ الْآخَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَحْكُمُ بِمَا يَظْهَرُ إلَيْهِ.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{ففهمناها سليمان} والفاء للتعقيب، فوجب أن يكون ذلك الحكم سابقا على هذا التفهيم، وذلك الحكم السابق إما أن يقال: اتفقا فيه أو اختلفا فيه، فإن اتفقا فيه لم يبق لقوله: {ففهمناها سليمان} فائدة وإن اختلفا فيه فذلك هو المطلوب.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

{وكنا فاعلين} أي فاعلين هذه الأعاجيب من تسخير الجبال وتسبيحهنّ والطير لمن نخصه بكرامتنا.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

والآية تدل على أن الحكم ينقض بالاجتهاد إذا ظهر ما هو أقوى منه...

ولما كان ذلك ربما أوهم شيئاً في أمر داود عليه السلام، نفاه بقوله دالاً على أنهما على الصواب في الاجتهاد وإن كان المصيب في الحكم إنما هو أحدهما {وكلاًّ} أي منهما {ءاتينا} بما لنا من العظمة {حكماً} أي نبوة و عملاً مؤسساً على حكمة العلم، وهذا معنى ما قالوه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن من الشعر حكماً -أي قولاً صادقاً مطابقاً للحق {وعلماً} مؤيداً بصالح العمل.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

والذي عندي أن حكْمَهما عليهما السلام كان بالاجتهاد فإن قولَ سليمان عليه الصلاة والسلام: غيرُ هذا أرفقُ بالفريقين، ثم قولُه: أرى أن تُدفع الخ، صريحٌ في أنه ليس بطريق الوحي، وإلا لبتّ القولَ بذلك، ولما ناشده داودُ عليهما السلام لإظهار ما عنده بل وجب عليه أن يُظهِره بدْأً وحرُم عليه كتمُه، ومن ضرورته أن يكون القضاءُ السابقُ أيضاً كذلك ضرورةَ استحالة نقضِ حكم النصِ بالاجتهاد، بل أقول: والله تعالى أعلم إن رأْيَ سليمان عليه السلام استحسانٌ، كما ينبئ عنه قوله: أرفقُ بالفريقين، ورأيَ داودَ عليه السلام قياسٌ.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :

{وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}... ومما يستفاد من ذلك: دفع ما عسى يوهمه تخصيص سليمان بالتفهيم، من عدم كون حكم داود حكماً شرعياً، أي وكل واحد منهما أعطيناه حكماً وعلماً كثيراً، لا سليمان وحده.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فألهم سليمان حكما أحكم، وفهمه ذلك الوجه وهو أصوب. لقد اتجه داود في حكمه إلى مجرد التعويض لصاحب الحرث. وهذا عدل فحسب. ولكن حكم سليمان تضمن مع العدل البناء والتعمير، وجعل العدل دافعا إلى البناء والتعمير. وهذا هو العدل الحي الإيجابي في صورته البانية الدافعة. وهو فتح من الله وإلهام يهبه من يشاء. ولقد أوتي داود وسليمان كلاهما الحكمة والعلم: (وكلا آتينا حكما وعلما).. وليس في قضاء داود من خطأ، ولكن قضاء سليمان كان أصوب، لأنه من نبع الإلهام.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{ففهمناها سليمان} أنه ألهمهُ وجهاً آخر في القضاء هو أرجح لما تقتضيه صيغة التفهيم من شدة حصول الفعل أكثر من صيغة الإفهام، فدل على أن فهم سليمان في القضية كان أعمق. وذلك أنه أرفقُ بهما، فكانت المسألة مما يتجاذبه دليلان فيصار إلى الترجيح، والمرجحات لا تنحصر، وقد لا تبدو للمجتهد، والله تعالى أراد أن يظهر علم سليمان عند أبيه ليزداد سروره به، وليتعزى على مَن فقده من أبنائه قبل ميلاد سليمان. وحسبك أنّه الموافق لقضاء النبي في قضية الزبير.

وللاجتهادات مجال في تعارض الأدلة. وهذه الآية أصل في اختلاف الاجتهاد، وفي العمل بالراجح، وفي مراتب الترجيح، وفي عذر المجتهد إذا أخطأ الاجتهاد أو لم يهتد إلى المُعارض لقوله تعالى: {وكلاً آتينا حكماً وعلماً} في معرض الثناء عليهما. وفي بقية القصة ما يصلح لأن يكون أصلاً في رجوع الحاكم عن حكمه، كما قال ابن عطية وابن العربي؛ إلا أن ذلك لم تتضمنه الآية ولا جاءت به السنّة الصحيحة، فلا ينبغي أن يكون تأصيلاً وأن ما حَاولاه من ذلك غفلة...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ} (79)

الرابعة-قوله تعالى : " ففهمناها سليمان " أي فهمناه القضية والحكومة ، فكنى عنها إذ سبق ما يدل عليها . وفضل حكم سليمان حكم أبيه في أنه أحرز أن يبقي كل واحد منهما على متاعه ، وتبقى نفسه طيبة بذلك ، وذلك أن داود عليه السلام رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث . وقالت فرقة : بل دفع الغنم إلى صاحب الحرث ، والحرث إلى صاحب الغنم . قال ابن عطية : فيشبه على القول الواحد أنه رأى الغنم تقاوم الغلة التي أفسدت . وعلى القول الثاني رآها تقاوم الحرث والغلة ، فلما خرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم ، وكانوا يدخلون إلى داود من باب أخر فقال : بم قضى بينكما نبي الله داود ؟ فقالا : قضى بالغنم لصاحب الحرث . فقال : لعل الحكم غير هذا انصرفا معي . فأتى أباه فقال : يا نبي الله إنك حكمت بكذا وكذا ، وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع . قال : وما هو ؟ قال : ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها ، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه ، فإذا عاد الزرع إلى حال التي أصابته الغنم في السنة المقبلة ، رد كل واحد منهما ما له إلى صاحبه . فقال داود : وفقت يا بني لا يقطع الله فهمك . وقضى بما قضى به سليمان ، قال معناه ابن مسعود ومجاهد وغيرهما . قال الكلبي : قوم داود الغنم والكرم الذي أفسدته الغنم فكانت القيمتان سواء ، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم . وهكذا قال النحاس ، قال : إنما قضى بالغنم لصاحب الحرث ؛ لأن ثمنها كان قريبا منه . وأما في حكم سليمان فقد قيل : كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم سواء أيضا .

الخامسة-قوله تعالى : " وكلا آتينا حكما وعلما " تأول قوم أن داود عليه السلام لم يخطئ في هذه النازلة ، بل فيها أوتي الحكم والعلم . وحملوا قوله : " ففهمناها سليمان " على أنه فضيلة له على داود وفضيلته راجعة إلى داود ، والوالد تسره زيادة ولده عليه . وقالت فرقة : بل لأنه لم يصب العين المطلوبة في هذه النازلة ، وإنما مدحه الله بأن له حكما وعلما يرجع إليه في غير هذه النازلة . وأما في هذه فأصاب سليمان وأخطأ داود عليهما الصلاة والسلام ، ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم ، لكن لا يقرون عليه ، وإن أقر عليه غيرهم . ولما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم : إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها ، فإن كنت مصيبا فقد أخطأ أبوك ، وإن كان أبوك مصيبا فقد أخطأت أنت ، فأجابه الوليد " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نقشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين . ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما " . وقال قوم : كان داود وسليمان - عليهما السلام - نبيين يقضيان بما يوحى إليهما ، فحكم داود بوحي ، وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود ، وعلى هذا " ففهمناها سليمان " أي بطريق الوحي الناسخ لما أوحى إلى داود ، وأمر سليمان أن يبلغ ذلك داود ، ولهذا قال : " وكلا آتينا حكما وعلما " . هذا قول جماعة من العلماء ومنها ابن فورك . وقال الجمهور : إن حكمهما كان باجتهاد وهي :

السادسة : واختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء فمنعه قوم ، وجوزه المحققون ؛ لأنه ليس فيه استحالة عقلية ؛ لأنه دليل شرعي فلا إحالة أن يستدل به الأنبياء ، كما لو قال له الله سبحانه وتعالى : إذا غلب على ظنك كذا فاقطع بأن ما غلب على ظنك هو حكمي فبلغه الأمة ، فهذا غير مستحيل في العقل . فإن قيل : إنما يكون دليلا إذا عدم النص وهم لا يعدمونه . قلنا : إذا لم ينزل الملك فقد عدم النص عندهم ، وصاروا في البحث كغيرهم من المجتهدين عن معاني النصوص التي عندهم . والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن الخطأ ، وعن الغلط ، وعن التقصير في اجتهادهم ، وغيرهم ليس كذلك . كما ذهب الجمهور في أن جميع الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الخطأ والغلط في اجتهادهم . وذهب أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أن نبينا صلى الله عليه وسلم مخصوص منهم في جواز الخطأ عليهم ، وفرق بينه وبين غيره من الأنبياء أنه لم يكن بعده يستدرك غلطه ، ولذلك عصمه الله تعالى منه ، وقد بعث بعد غيره من الأنبياء من يستدرك غلطة . وقد قيل : إنه على العموم في جميع الأنبياء ، وأن نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم في تجويز الخطأ على سواء إلا أنهم لا يقرون على إمضائه ، فلم يعتبر فيه استدراك من بعدهم من الأنبياء . هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سألته امرأة عن العدة فقال لها : ( اعتدي حيث شئت ) ثم قال لها : ( امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ) . وقال له رجل : أرأيت إن قتلت صبرا محتسبا أيحجزني الجنة شيء ؟ فقال : ( لا ) ثم دعاه فقال : ( إلا الدين كذا أخبرني جبريل عليه السلام ) .

السابعة-قال الحسن : لولا هذه الآية لرأيت القضاة هلكوا ، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه ، وعذر داود باجتهاده . وقد اختلف الناس في المجتهدين في الفروع إذ اختلفوا ، فقالت فرقة : الحق في طرف واحد عند الله ، قد نصب على ذلك أدلة ، وحمل المجتهدين على البحث عنها ، والنظر فيها ، فمن صادف العين المطلوبة في المسألة فهو المصيب على الإطلاق ، وله أجران في الاجتهاد وأجر في الإصابة ، ومن لم يصادفها فهو مصيب في اجتهاده مخطئ في أنه لم يصب العين فله أجر وهو غير معذور . هذا سليمان قد صادف العين المطلوبة ، وهي التي فهم . ورأت فرقة أن العالم المخطئ لا إثم في خطئه وإن كان غير معذور . وقالت فرقة : الحق في طرف واحد ولم ينصب الله تعالى عليه دلائل{[11303]} [ بل ]{[11304]} وكل الأمر إلى نظر المجتهدين فمن أصابه أصاب ومن أخطأ فهو معذور مأجور متعبد بإصابته العين بل تعبدنا بالاجتهاد فقط . وقال جمهور أهل السنة وهو المحفوظ عن مالك وأصحابه رضي الله عنهم : إن الحق في مسائل الفروع في الطرفين ، وكل مجتهد مصيب ، والمطلوب إنما هو الأفضل في ظنه ، وكل مجتهد قد أداه نظره إلى الأفضل في ظنه ، والدليل على هذه المقالة أن الصحابة فمن بعدهم قرر بعضهم خلاف بعض ، ولم ير أحد منهم أن يقع الانحمال على قوله دون قول مخالفه . ومنه رد مالك رحمه الله للمنصور أبي جعفر عن حمل الناس " الموطأ " ، فإذا قال عالم في أم حلال فذلك هو الحق فيما يختص بذلك العالم عند الله تعالى وبكل من أخذ بقوله ، وكذا في العكس . قالوا : وإن كان سليمان عليه السلام فهم القضية المثلى والتي أرجح فالأولى ليست بخطأ ، وعلى هذا يحملون قول عليه السلام : ( إذا اجتهد العالم فأخطأ ) أي فأخطأ الأفضل .

الثامنة-روى مسلم وغيره عن عمروه بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) هكذا لفظ الحديث في كتاب مسلم ( إذا حكم فاجتهد ) فبدأ بالحكم قبل الاجتهاد ، والأمر بالعكس ، فإن الاجتهاد مقدم لي الحكم ، فلا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع . وإنما معنى هذا الحديث : إذا أراد أن يحكم ، كما قال : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ " [ النحل : 98 ] فعند ذلك أراد أن يجتهد في النازلة . ويفيد هذا صحة ما قال الأصوليون : إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرا عند وقوع النازلة ، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم لإمكان أن يظهر له ثانيا خلاف ما ظهر له أولا ، اللهم إن يكون ذاكرا لأركان اجتهاده ، مائلا إليه ، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في أمارة أخرى .

التاسعة-إنما يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالما بالاجتهاد والسنن والقياس ، وقضاء من مضي ؛ لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط ، فأما من لم يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف لا يعذر بالخطأ في الحكم ، بل يخاف عليه أعظم الوزر . يدل على ذلك حديثه الآخر ، رواه أبو داود : ( القضاة ثلاثة ) الحديث . قال ابن المنذر : إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب لا على الخطأ ، ومما يؤيد هذا قوله تعالى : " ففهمناها سليمان " الآية . قال الحسن : أثنى على سليمان ولم يذم داود .

العاشرة-ذكر أبو التمام المالكي أن مذهب مالك أن الحق في واحد من أقاويل المجتهدين ، وليس ذلك في أقاويل المختلفين ، وبه قال أكثر الفقهاء . قال : وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكا عن اختلاف الصحابة ، فقال : مخطئ ومصيب ، وليس الحق في جميع أقاويلهم . وهذا القول قيل : هو المشهور عن مالك وإليه ذهب محمد بن الحسين . واحتج من قال هذا بحديث عبد الله بن عمرو ، قالوا : وهو نص على أن في المجتهدين وفي الحاكمين مخطئا ومصيبا ، قالوا : والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدي إلى كون الشيء حلالا حراما ، وواجبا ندبا . واحتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عمر . قال : نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف من الأحزاب ( ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ) فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة ، وقال الآخرون : لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت ، قال : فما عنف واحدا من الفريقين ، قالوا : فلو كان أحد الفريقين مخطئا لعينه النبي صلى الله عليه وسلم . ويمكن أن يقال : لعله إنما سكت عن تعيين المخطئين لأنه غير آثم بل مأجور ، فاستغنى عن تعيينه . والله أعلم . ومسألة الاجتهاد طويلة متشعبة ، وهذه النبذة التي ذكرناها كافية في معنى الآية ، والله الموفق للهداية .

الحادية عشرة-ويتعلق بالآية فصل آخر : وهو رجوع الحاكم بعد قضائه من اجتهاده إلى اجتهاد آخر أرجح من الأول ، فإن داود عليه السلام فعل ذلك . وقد اختلف في ذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى ، فقال عبد الملك ومطرف في " الواضحة " : ذلك له ما دام في ولايته ، فأما إن كانت ولاية أخرى فليس له ذلك ، وهو بمنزلة غيره من القضاة . وهذا هو ظاهر قول مالك رحمة الله في " المدونة " . وقال سحنون في رجوعه من اجتهاد فيه قول إلى غيره مما رآه أصوب ليس له ذلك ، وقاله ابن عبد الحكم . قالا : ويستأنف الحكم بما قوي عنده . قال سحنون : إلا أن يكون نسي الأقوى عنده في ذلك الوقت ، أو وهم فحكم بغيره فله نقضه ، وأما وإن حكم بحكم هو الأقوى عنده في ذلك الوقت ثم قوى عنده غيره بعد ذلك فلا سبيل إلى نقض الأول ، قاله سحنون في كتاب ابنه . وقال أشهب في كتاب ابن المواز : إن كان رجوعه إلى الأصوب في مال فله نقض الأول ، وإن كان في طلاق أو نكاح أو عتق فليس له نقضه .

قلت : رجوع القاضي عما حكم القاضي إذا يتبين له أن الحق في غيره ما دام في ولايته أولى . وهكذا في رسالة عمر إلى أبي موسى . الله عنهما ، رواها الدارقطني ، وقد ذكرناها في " الأعراف " ولم يفصل ، وهي الحجة لظاهر قول مالك . ولم يختلف العلماء أن القاضي إذا قضى تجوزا وبخلاف أهل العلم فهو مردود ، إن كان على وجه الاجتهاد ، فأما أن يتعقب قاض حكم قاض آخر فلا يجوز ذلك له لأن فيه مضرة عظمى من جهة نقض الأحكام ، وتبديل الحلال بالحرام ، وعدم ضبط قوانين الإسلام ، ويتعرض أحد من العلماء لنقض ما رواه الآخر ، وإنما كان يحكم بما ظهر له .

الثانية عشرة-قال بعض الناس : إن داود عليه السلام لم يكن أنفذ الحكم وظهر له ما قال غير . وقال آخرون لم يكن حكما وإنما كانت فتيا .

قلت : وهكذا تؤول فيما رواه أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال : بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما ، فقالت هذه لصاحبتها : إنما ذهب بابنك أنت . وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك ، فتحاكمتا إلى داود ، فقضى به للكبرى ، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه ، فقال : ائتوني بالسكين أشقه بينكما ، فقالت الصغرى : لا - يرحمك الله - هو ابنها ، فقضى به للصغرى ، قال أبو هريرة : إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ ، ما كنا نقول إلا المدية ، أخرجه مسلم . فأما القول بأن ذلك من داود فتيا فهو ضعيف ؛ لأنه كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وفتياه حكم . وأما القول الآخر فيبعد ؛ لأنه تعالى قال : " إذ يحكمان في الحرث " فبين أن كل واحد منهما كان قد حكم . وكذا قول في الحديث : فقضى به للكبرى ، يدل على إنفاذ القضاء وإنجازه . ولقد أبعد من قال : إنه كان من شرع داود أن يحكم به للكبرى من حيث هي كبرى ؛ لأن الكبر والصغر طرد محض عند الدعاوى كالطول والقصر والسواد والبياض وذلك لا يوجب ترجيح أحد المتداعيين حتى يحكم له أو عليه لأجل ذلك . وهو مما يقطع به من فهم ما جاءت به الشرائع . والذي ينبغي أن يقال : إن داود عليه السلام إنما قضى به للكبرى لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها . ولم يذكر في الحديث تعيينه إذ لم تدع حاجة إليه ، فيمكن أن الولد كان بيدها ، وعلم عجز الأخرى عن إقامة البينة ، فقضى به لها إبقاء لما كان على ما كان . وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا الحديث . وهو الذي تشهد له قاعدة الدعاوي الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها . لا يقال : فإن كان داود قضى بسبب شرعي فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه ، فالجواب : أن سليمان عليه السلام لم يتعرض لحكم أبيه بالنقض ، وإنما احتال حيلة لطيفة ظهر له بسببها صدق الصغرى ، وهي أنه لما قال : هات السكين أشقه بينكما ، قالت الصغرى : لا ، فظهر له من قرينة الشفقة في الصغرى ، وعدم ذلك في الكبرى ، مع ما عساه انضاف إلى ذلك من القرائن ما حصل له العلم بصدقها فحكم لها . ولعله كان ممن سوغ له أن يحكم بعلمه . وقد ترجم النسائي على هذا الحديث " حكم الحاكم بعلمه " . وترجم له أيضا " السعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله أفعل ليستبين الحق " . وترجم له أيضا " نقض الحاكم لا يحكم به غيره ممن هو مثله أو أجل منه " . ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد للصغرى عندما رأت من سليمان الحزم والجد في ذلك ، فقضى بالولد للصغرى ، ويكون هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين ، فلما مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكر ما أوجب إقراره ، فإنه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين وبعدها ، ولا يكون ذلك من باب نقض الحكم الأول ، لكن من باب تبدل الأحكام بحسب تبدل الأسباب . والله أعلم . وفي هذا الحديث من الفقه أن الأنبياء سوغ لهم الحكم بالاجتهاد ، وقد ذكرناه . وفيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق ، وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة ، وممارسة أحوال الخلق ، وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية ، وتوسمات نورية ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . وفيه الحجة لمن يقول : إن الأم تستلحق ، وليس مشهور مذهب مالك ، وليس هذا موضع ذكره . وعلى الجملة فقضاء سليمان في هذه القصة{[11305]} تضمنها مدحه تعالى له بقوله : " ففهمناها سليمان " .

الثالثة عشرة- قد تقدم القول في الحرث والحكم في هذه الواقعة في شرعنا : أن على أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار ، ثم الضمان في المثل بالمثليات ، وبالقيمة في ذوات القيم . والأصل في هذه المسألة في شرعنا ما حكم به نبينا صلى الله عليه وسلم في ناقة البراء بن عازب . رواه مالك عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة : أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت فيه ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالليل ، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن{[11306]} على أهلها . هكذا رواه جميع الرواة مرسلا . وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب ، إلا ابن عيينة فإنه رواه عن الزهري عن سعيد وحرام بن سعد بن محيصة : أن ناقة ، فذكر مثله بمعناه . ورواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنه بلغه أن ناقة البراء دخلت حائط قوم ، مثل حديث مالك سواء ، إلا أنه لم يذكر حرام بن سعد بن محيصة ولا غيره . قال أبو عمر : لم يصنع ابن أبي ذئب شيئا ، إلا أنه أفسد إسناده . ورواه عبدالرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يتابع{[11307]} عبد الرزاق على ذلك وأنكروا عليه قوله عن أبيه . ورواه ابن جريج عن ابن شهاب قال : حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن ناقة دخلت في حائط قوم فأفسدت ، فجعل الحديث لابن شهاب عن أبي أمامة ، ولم يذكر أن الناقة كانت للبراء . وجائز أن يكون الحديث عن ابن شهاب عن ابن محيصة ، وعن سعيد بن المسيب ، وعن أبي أمامة - والله أعلم - فحدث به عمن شاء منهم على ما حضره وكلهم ثقات . قال أبو عمر : وهذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور أرسله الأئمة ، وحدث به الثقات ، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول ، وجرى في المدينة العمل به ، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث .

الرابعة عشرة-ذهب مالك وجمهور الأئمة إلى القول بحديث البراء ، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعا في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شيء ، وأدخل فسادها في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( جرح العجماء جبار ) فقاس جميع أعمالها على جرحها . ويقال : أنه ما تقدم أبا حنيفة أحد بهذا القول ، ولا حجة له ولا لمن اتبعه في حديث العجماء ، وكونه ناسخا لحديث البراء ومعارضا له ، فإن النسخ شروطه معدومة ، والتعاوض إنما يصح إذا لم يمكن استعماله أحدهما إلا بنفي الآخر ، وحديث ( العجماء جرحها جبار ) عموم متفق عليه ، ثم خص منه الزرع والحوائط بحديث البراء ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو جاء عنه في حديث واحد : العجماء جرحها جبار نهارا لا ليلا وفي الزرع والحوائط والحرث ، لم يكن هذا مستحيلا من القول ، فكيف يجوز أن يقال في هذا متعارض ؟ ! وإنما هذا من باب العموم والخصوص على ما هو مذكور في الأصول .

الخامسة عشرة-إن قيل : ما الحكمة في تفريق الشارع بين الليل والنهار ، وقد قال الليث بن سعد : يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار كل ما أفسدت ، ولا يضمن أكثر من قيمة الماشية ؟ قلنا : الفرق بينهما واضح وذلك أن أهل المواشي لهم ضرورة إلى إرسال مواشيهم ترعى بالنهار ، والأغلب عندهم أن من عنده زرع يتعاهده بالنهار ويحفظه عمن أراده ، فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل الزروع ؛ لأنه وقت التصرف في المعاش ، كما قال الله سبحانه وتعالى : " وجعلنا النهار معاشا " {[11308]} [ النبأ : 11 ] فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شيء إلى موضعه وسكنه ، كما قال الله تعالى : " من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه " {[11309]} [ القصص : 72 ] وقال : " وجعل الليل سكنا " {[11310]} [ الأنعام : 96 ] ويرد أهل المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها ، فإذا فرط صاحب الماشية في ردها إلى منزله ، وفرط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئا فعليه ضمان ذلك ، فجرى الحكم الأوفق الأسمح ، وكان ذلك أرفق بالفريقين ، وأسهل على الطائفتين ، وأحفظ للمالين ، وقد وضح الصبح لذي عينين ، ولكن لسليم الحاستين ، وأما قول الليث : لا يضمن أكثر من قيمة المال فقد قال أبو عمر : لا أعلم من أين قال هذا الليث بن سعد ، إلا أن يجعله قياسا على العبد الجاني لا يفتك بأكثر من قيمته ولا يلزم سيده في جنايته أكثر من قيمته ، وهذا ضعيف الوجه ، كما قال في " التمهيد " وفي " الاستذكار " فخالف الحديث في ( العجماء جرحها جبار ) وخالف ناقة البراء ، وقد تقدمه إلى ذلك طائفة من العلماء منهم عطاء . قال ابن جريج : قلت لعطاء : الحرث تصيبه الماشية ليلا أو نهارا ؟ قال : يضمن صاحبها ويغرم . قلت : كان عليه حظرا أو لم يكن ؟ قال نعم ! يغرم . قلت : ما يغرم ؟ قال : قيمة ما أكل حماره ودابته وماشيته . وقال معمر عن ابن شبرمة : يقوم الزرع على حاله التي أصيب عليها دراهم . وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما : يضمن رب الماشية ليلا أو نهارا ، من طرق لا تصح .

السادسة عشرة-قال مالك : ويقوم الزرع الذي أفسدت المواشي بالليل على الرجاء والخوف . قال : والحوائط التي تحرس والتي لا تحرس ، والمحظر عليها وغير المحظر سواء ، يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغا ما بلغ ، وإن كان أكثر من قيمتها . قال : وإن انفلتت دابة بالليل فوطئت على رجل نائم لم يغرم صاحبها شيئا ، وإنما هذا في الحائط والزرع والحرث ، ذكره عنه ابن عبد الحكم . وقال ابن القاسم : ما أفسدت الماشية بالليل فهو في مال ربها ، وإن كان أضعاف ثمنها ؛ لأن الجناية من قبله إذ لم يربطها ، وليست الماشية كالعبيد ، حكاه سحنون وأصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم .

السابعة عشرة- ولا يستأنى بالزرع أن ينبت أولا ينبت كما يفعل في سن الصغير . وقال عيسى عن ابن القاسم : قيمته لو حل بيعه . وقال أشهب وابن نافع في المجموعة عنه : وإن لم يبد صلاحه . ابن العربي : والأول أقوى لأنها صفته فتقوم كما يقوم كل متلف على صفته .

الثامنة عشرة- لو لم يقض للمفسد له بشيء حتى نبت وانجبر ، فإن كان فيه قبل ذلك منفعة رعي أو شيء ضمن تلك المنفعة ، وإن لم تكن فيه منفعة فلا ضمان . وقال أصبغ : يضمن ؛ لأن التلف قد تحقق والجبر ليس من جهته فلا يعتد له به .

التاسعة عشرة-وقع في كتاب ابن سحنون أن الحديث إنما جاء في أمثال المدينة التي هي حيطان محدقة ، وأما البلاد التي هي زروع متصلة غير محظرة ، وبساتين كذلك ، فيضمن أرباب النعم ما أفسدت من ليل أو نهار ، كأنه ذهب إلى أن ترك تثقيف الحيوان في مثل هذه البلاد تعد ؛ لأنها ولا بد تفسد . وهذا جنوب إلى قول الليث .

الموفية عشرين-قال أصبغ في المدينة : ليس لأهل المواشي أن يخرجوا مواشيهم إلى قرى الزرع بغير ذواد ، فركب العلماء على هذا أن البقعة لا تخلو أن تكون بقعة زرع ، أو بقعة سرح ، فإن كانت بقعة زرع فلا تدخلها ماشية إلا ماشية تجتاح ، وعلى أربابها حفظها ، وما أفسدت فصاحبها ضامن ليلا أو نهارا ، وإن كانت بقعة سرح فعلى صاحب الذي حرثه فيها حفظه ، ولا شيء على أرباب المواشي .

الحادية والعشرون-المواشي على قسمين : ضواري وحريسة وعليهما قسمها مالك . فالضواري هي المعتادة للزرع{[11311]} والثمار ، فقال مالك : تغرب وتباع في بلد لا زرع فيه ، رواه ابن القاسم في الكتاب وغيره . قال ابن حبيب : وإن كره ذلك ربها ، وكذلك قال مالك في الدابة التي ضريت في إفساد الزرع : تغرب وتباع . وأما ما يستطاع الاحتراس منه فلا يؤمر صاحبه بإخراجه .

الثانية والعشرون-قال أصبغ : النحل والحمام والإوز والدجاج كالماشية ، لا يمنع صاحبها من اتخاذها وإن [ ضريت ]{[11312]} ، وعلى أهل القرية حفظ زروعهم . قال ابن العربي : وهذه رواية ضعيفة لا يلتفت إليها من أراد أن يجد ما ينتفع به مما لا يضر بغيره مكن منه ، وأما انتفاعه بما يتخذه بإضراره بأحد فلا سبيل إليه . قال عليه السلام : ( لا ضرر ولا ضرار ) وهذه الضواري عن ابن القاسم في المدينة لا ضمان على أربابها إلا بعد التقدم . ابن العربي : وأرى الضمان عليهم قبل التقدم إذا كانت ضواري .

الثالثة والعشرون-ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الشعبي أن شاة وقعت في غزل حائك فاختصموا إلى شريح ، فقال الشعبي : انظروه فإنه سيسألهم ليلا وقعت فيه أو نهارا ، ففعل . ثم قال : إن كان بالليل ضمن ، وإن كان بالنهار لم يضمن ، ثم قرأ شريح " إذ نقشت فيه غنم القوم " قال : والنفش بالليل والهمل بالنهار .

قلت : ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم ( العجماء جرحها جبار ) الحديث . وقال ابن شهاب : والجبار الهدر ، والعجماء البهيمة ، قال علماؤنا : ظاهر قوله : ( العجماء جرحها جبار ) أن ما انفردت البهيمة بإتلافه لم يكن فيه شيء ، وهذا مجمع عليه . فلو كان معها قائد أو سائق أو راكب فحملها أحدهم على شيء فأتلفته لزمه حكم المتلف ، فإن كانت جناية مضمونة بالقصاص وكان الحمل عمدا كان فيه القصاص ولا يختلف فيه ؛ لأن الدابة كالآلة . وإن كان عن غير قصد كانت فيه الدية على العاقلة . وفي الأموال الغرامة في مال الجاني . واختلفوا فيمن أصابته برجلها أو ذنبها ، فلم يضمن مالك والليث والأوزاعي صاحبها ، وضمنه الشافعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة . واختلفوا في الضارية فجمهورهم أنها كغيرها ، ومالك وبعض أصحابه يضمنونه .

الخامسة والعشرون- روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الرجل جبار ) قال الدارقطني : لم يروه غير سفيان بن حسين ولم يتابع عليه ، وخالفه الحفاظ عن الزهري منهم مالك وابن عيينة ويونس ومعمر وابن جريج والزبيدي وعقيل وليث بن سعد ، وغيرهم كلهم رووه عن الزهري فقالوا : ( العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار ) ولم يذكروا الرجل وهو الصواب . وكذلك روى أبو صالح السمان ، وعبد الرحمن الأعرج ، ومحمد بن سيرين ، ومحمد بن زياد وغيرهم عن أبي هريرة ، ولم يذكروا فيه ( والرجل جبار ) وهو المحفوظ عن أبي هريرة .

السادسة والعشرون-قوله : ( والبئر جبار ) قد روى موضعه ( والنار ) قال الدارقطني : حدثنا حمزة بن القاسم الهاشمي حدثنا حنبل بن إسحاق قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول في حديث عبد الرزاق : حديث أبي هريرة ( والنار جبار ) ليس بشيء لم يكن في الكتاب باطل ليس هو بصحيح . حدثنا محمد بن مخلد حدثنا إسحاق{[11313]} بن إبراهيم بن هانئ قال سمعت أحمد بن حنبل يقول : أهل اليمن يكتبون النار النير ويكتبون البير ، يعني مثل ذلك . وإنما لقن عبد الرزاق ( النار جبار ) . وقال الرمادي : قال عبد الرزاق قال معمر لا أراه إلا وهما . قال أبو عمر : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( النار جبار ) وقال يحيي بن معين : أصله البئر ولكن معمرا صحفه قال أبو عمر : لم يأت ابن معين على قوله هذا بدليل ، وليس هكذا ترد أحاديث الثقات . ذكر وكيع عن عبد العزيز بن حصين عن يحي بن يحي الغساني قال : أحرق رجل سافي قراح{[11314]} له ، فخرجت شررة من نار حتى أحرقت شيئا لجاره . قال : فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ابن حصين فكتب إلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( العجماء جبار ) وأرى أن النار جبار . وقد روي ( والسائمة جبار ) بدل العجماء فهذا ما ورد في ألفاظ هذا الحديث ولكل معنى لفظ صحيح مذكور في شرح الحديث وكتب الفقه .

قوله تعالى : " وسخرنا مع داود الجبال يسبحن " قال وهب : كان داود يمر بالجبال مسبحا والجبال تجاوبه بالتسبيح ، وكذلك الطير . وقيل كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق ، ولهذا قال : " وسخرنا " أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح . وقيل : إن سيرها معه تسبيحها ، والتسبيح مأخوذ من السباحة ، دليله قوله تعالى : " يا جبال أوبي معه " {[11315]} [ سبأ : 10 ] . وقال قتادة : " يسبحن " يصلين معه إذا صلى ، والتسبيح الصلاة . وكل محتمل . وذلك فعل الله تعالى بها ، ذلك لأن الجبال لا تعقل فتسبيحها دلالة على تنزيه الله تعالى عن صفات العاجزين والمحدثين .


[11303]:في جـ و ز: دليلا بل.
[11304]:راجع جـ 10 ص 174.
[11305]:في ك: القضية.
[11306]:ضامن بمعنى مضمون.
[11307]:في ز: لم ينازع.
[11308]:راجع جـ 19 ص 170.
[11309]:راجع جـ 14 ص 308.
[11310]:راجع جـ 7 ص 44.
[11311]:في ك: للزروع.
[11312]:في أ وب وجـ وحـ و ز و ط و ك: "أضرت" والتصويب من "الموطأ".
[11313]:كذا في ب وجـ و ز وط وك. وكذا في التهذيب.
[11314]:قراح: مزرعة
[11315]:راجع جـ 14 ص 264 فما بعد.