الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (85)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني تعالى ذكره بإسماعيل بن إبراهيم صادق الوعد، وبإدريس... وبذي الكفل: رجلاً تكفل من بعض الناس، إما من نبيّ وإما من ملك من صالحي الملوك بعمل من الأعمال، فقام به من بعده، فأثني الله عليه حسن وفائه بما تكفل به وجعله من المعدودين في عباده، مع من حمد صبره على طاعة الله...

ونُصِبَ «إسماعيل» و «إدريس» و «ذا الكفل»، عطفا على «أيوب»، ثم استؤنف بقوله:"كُلّ" فقال: "كُلّ مِنَ الصّابِرِينَ "ومعنى الكلام: كلهم من أهل الصبر فيما نابهم في الله.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين} يشبه أن يكون ذو الكفل اسما من أسمائه، وجائز أنه سمي ذا الكفل لأمر كان منه، ذكر أنه كان رجلا صالحا، فكفل لنبي بأمر قومه، فوفى ما تكفل به، فسمي لذلك ذا الكفل. ثم اختلف فيه. قال بعضهم: هو رجل صالح على ما ذكرنا. وقال بعضهم: كان نبيا. ولسنا نعلم ذلك سوى أنه ذكر أنه {من الصابرين} سماهم صابرين على الإطلاق، وذلك، والله أعلم، لأنهم جمعوا جميع أنواع الصبر وجميع أنواع الصلاح، والله أعلم.

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

{كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ} على أمر الله.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

قوله "واسماعيل وإدريس وذا الكفل "أي اذكر هؤلاء الذين عددتهم لك من الأنبياء، وما أنعمت عليهم من فنون النعمة. ثم أخبر أنهم كانوا كلهم "من الصابرين" يصبرون على بلاء الله، والعمل بطاعته، دون معاصيه.

واختلفوا في ذي الكفل، فقال أبو موسى الأشعري، وقتادة، ومجاهد: كان رجلا صالحا، كفل لنبي بصوم النهار، وقيام الليل، وألا يغضب، ويقضي بالحق، فوفى لله بذلك، فأثنى الله عليه. وقال قوم: كان نبيا، كفل بأمر وفى به. وقال الحسن: هو نبي اسمه ذو الكفل. وقال الجبائي: هو نبي، ومعنى وصفه بالكفل أنه ذو الضِّعف: أي ضعف ثواب غيره ممن في زمانه لشرف عمله.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

[{وذا الكفل}] قيل في ذي الكفل: هو إلياس. وقيل: زكريا. وقيل: يوشع بن نون...كأنه سمي بذلك لأنه ذو الحظ من الله والمجدود على الحقيقة. وقيل: كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه وضعف ثوابهم.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{مِنَ الصَّابِرِينَ} والصبر: هو حبس النفس ومنعها، مما تميل بطبعها إليه، وهذا يشمل أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة، فلا يستحق العبد اسم الصبر التام، حتى يوفي هذه الثلاثة حقها. فهؤلاء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قد وصفهم الله بالصبر، فدل أنهم وفوها حقها، وقاموا بها كما ينبغي.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

بعد ذلك يشير السياق مجرد إشارة إلى إسماعيل وإدريس وذي الكفل:

وإسماعيل وإدريس وذا الكفل. كل من الصابرين. وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين..

فهو عنصر الصبر كذلك يشير إليه في قصص هؤلاء الرسل.

فأما إسماعيل فقد صبر على ابتلاء ربه له بالذبح فاستسلم لله وقال: (يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين).

وأما إدريس فقد سبق إن زمانه مجهول وكذلك مكانه... فلنعلم أنه كان من الصابرين على نحو من أنحاء الصبر الذي يستحق التسجيل في كتاب الله الباقي.

وأما ذو الكفل فهو كذلك مجهول لا نملك تحديد زمانه ولا مكانه. والأرجح أنه من أنبياء بني إسرائيل. وقيل: إنه من صالحيهم، وأنه تكفل لأحد أنبيائهم قبل موت هذا النبي، بأن يخلفه في بني إسرائيل على أن يتكفل بثلاث: أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب في القضاء. فوفى بما تكفل به وسمي ذا الكفل لذاك -ولكن هذه ليست سوى أقوال لا دليل عليها. والنص القرآني يكفي في هذا الموضع لتسجيل صفة الصبر لذي الكفل.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (85)

قوله تعالى : " وإسماعيل وإدريس " وهو أخنوخ وقد تقدم . " وذا الكفل " أي واذكرهم . وخرج الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " وغيره من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كان في بني إسرائيل رجل يقال له : ذو الكفل لا يتورع{[11330]} من ذنب عمله فاتبع امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها ، {[11331]} فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت فقال : ما يبكيك ؟ قالت : من هذا العمل والله ما عملته قط ، قال : أأكرهتك ؟ قالت : لا ولكن حملني عليه الحاجة ، قال : اذهبي فهو لك والله لا أعصى الله بعدها أبدا ثم مات من ليلته فوجدوا مكتوبا على باب داره : إن الله قد غفر لذي الكفل ) وخرجه أبو عيسى الترمذي أيضا ولفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع موات - [ لم أحدث به ]{[11332]} ولكني سمعته أكثر من ذلك ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كان ذو الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا أن يطأها ، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت فقال : ما يبكيك أأكرهتك ؟ قالت : لا ، ولكنه عمل ما عملته قط وما حملني عليه إلا الحاجة ، فقال : تفعلين أنت هذا وما فعلته اذهبي فهي لك ، وقال : والله لا أعصي الله بعدها أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه : إن الله قد غفر لذي الكفل ) قال : حديث حسن . وقيل إن اليسع لما كبر قال : لو استخلفت رجلا على الناس أنظر كيف يعمل . فقال : من يتكفل لي بثلاث : بصيام النهار وقيام الليل وألا يغضب وهو يقضي ؟ فقال رجل من ذرية العيص : أنا ، فرده ثم قال مثلها من الغد ، فقال الرجل : أنا ، فاستخلفه فوفي فأثنى الله عليه فسمي ذا الكفل ؛ لأنه تكفل بأمر ، قاله أبو موسى ومجاهد وقتادة . وقال عمرو بن عبد الرحمن بن الحارث وقال أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن ذا الكفل لم يكن نبيا ، ولكنه كان عبدا صالحا فتكفل بعمل رجل صالح عند موته ، وكان يصلي ، لله كل يوم مائة صلاة فأحسن الله الثناء عليه . قال كعب : كان في بني إسرائيل ملك كافر فمر ببلاده رجل صالح فقال : والله إن خرجت من هذه البلاد حتى أعرض على هذا الملك الإسلام . فعرض عليه فقال : ما جزائي ؟ قال : الجنة - ووصفها له - قال : من يتكفل لي بذلك ؟ قال : أنا ، فأسلم الملك وتخلى عن المملكة وأقبل على طاعة ربه حتى مات ، فدفن فأصبحوا فوجدوا يده خارجة من القبر وفيها رقعة خضراء مكتوب فيها بنور أبيض : إن الله قد غفر لي وأدخلني الجنة ووفى عن كفالة فلان ، فأسرع الناس إلى ذلك الرجل بأن يأخذ عليهم الإيمان ، ويتكفل لهم بما تكفل به للملك ، ففعل ذلك فآمنوا كلهم فسمي ذا الكفل . وقيل : كان رجلا عفيفا يتكفل بشأن كل إنسان وقع في بلاء أو تهمة أو مطالبة فينجيه الله على يديه . وقيل : سمي ذا الكفل لأن الله تعالى تكفل له في سعيه وعمله بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمانه . والجمهور على أنه ليس بنبي . وقال الحسن : هو نبي قبل إلياس . وقيل : هو زكريا بكفالة مريم . " كل من الصابرين " أي على أمر الله والقيام بطاعته واجتناب معاصيه .


[11330]:في جـ و ز وك: ينزع.
[11331]:من ب.
[11332]:الزيادة من صحيح الترمذي.